المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الثورة المصرية في تجربة فاروق جويدة الشعرية



هاني إسماعيل
16-04-2011, 01:20 AM
الثورة المصرية في تجربة فاروق جويدة الشعرية

إن كانت الوثائق والسجلات الرسمية تمثل ذاكرة للأحداث التاريخية فإن الشعر العربي يمثل ذاكرة لتاريخ الوجدان العربي، والموقف الشعوري تجاه هذه الأحداث التي تجري، ولا غرو أن الشعر هو ديوان العرب الذي سجل مفاخرها ومآثرها، وأفراحها وأتراحها.
وبالرغم من أن الشعر العربي في الوقت الراهن خبت جذوته إلا أنها لم تنطفئ، وقد لعب الشعر دورا حضاريا بارزا في إذكاء الثورة المصرية والبقاء على جذوتها مشتعلة، من خلال تشكيل الوجدان الجماعي للجماهير الغاضبة، وأمسى هو الدرع الواقي والسلاح الماضي في معركة غير متكافئة، مارس فيها النظام كل الوسائل القمعية المشروعة وغير المشروعة ضد شعب أعزل لم يجد في جعبته سوى السهام الشعرية يقذف بها الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
والشاعر الحقيقي هو الذي يحمل آلام الوطن وآمال الموطنين، ليدفع بالوطن نحو الأمام، يزود عن جنابه وينافح عن عرض، يُمجد من يرتقي بأسبابه، ويُعرض عن سفهائه.
والشاعر فاروق جويدة هو واحد من هؤلاء القلة الذين حملوا أمانة الكلمة وسعوا إلى أدائها في تجربته الشعرية الفريدة، ويُعد صوتا صادقا ينبض بأنين المجمتع، ويتنفس صرخات المقهورين، وآهات المكبوتين، يكتب بمداد صدق على دفاتر الواقع، مواكبا الأحداث، بل مشاركا في صياغتها من خلال تجربة شعرية صادقة قلبا وقالبا، فتناول في شاعرية مبدع، وخيال ملهم أسباب الثورة المصرية التي تمثلت فيما يلي:
الشباب المحبط:
كانت قصائد جويدة من أوائل الوثائق الشعرية التي عبرت عن حالة الاحتقان التي أصابت الشباب، ورسمت صورة نافذة لوجدان هؤلاء الشباب المحبط، الذي سرقت أحلامه واغتصبت آماله من شرذمة من الفاسدين والمفسدين، تحت مظلة حديدية من الظلم والظالمين، ففي قصيدته "هذه بلاد لم تعد كبلادي"(1) يصور مدى الإحباط الذي أصاب الشباب نتيجة الفساد الذي نخر في قاع البلاد وكاد يودي ـ بل أودى ـ بها إلى الهلاك بالرغم من أنها جنة الله في الأرض تفيض بالخير والنعيم.
كم عشتُ أسألُ: أين وجهُ بلادي
أين النخيلُ وأيـن دفءُ الــوادي
لاشيء يبدو في السَّمـَــاءِ أمـامنـا
غيرُ الظـلام ِوصــورةِ الجــلاد
هذا الجلاد الذي حكم البلاد فاستباح حرمتها وسرق فرحتها ونهب حقها، بصحبة زمرة من المنتفعين، الذين أعلوا من قيمة التسلق والمنافع الشخصية بدلا من قيم المصلحة العامة، هذا الجلاد الذي دفع بزبانيته ليعيثوا في الأرض فسادا وخرابا، فحطموا الأحلام وقتلوا الآمال، وسرقوا براءة الطفولة، وقتلوا فتوة الشباب، واغتصبوا حرمة الشيخوخة.
تـَبْدُو أمَامِي صـُورَة ُالجــَــــلادِ
لـَمَحُوهُ مِنْ زَمَن ٍ يضَاجـِــعُ أرْضَهَـــا
حَمَلـَتْ سِفـَاحًا فـَاسْتبَاحَ الـوَادِي
لـَمْ يبْقَ غَيرُ صـُـرَاخ ِ أمـْــس ٍ رَاحـِـل ٍ
وَمَقـَابـِر ٍ سَئِمَتْ مـِــنَ الأجْـــدَادِ
وَعِصَابَةٍ سَرَقـَتْ نـَزيــفَ عُيـُـونِنـَــــا
بـِالقـَهْر ِ والتـَّدْليـِس ِ.. والأحْقـَادِ
هذه الثنائية المتناقضة بين الوطن وآماله وبين الجلاد وظلامه، أصابت الشباب، نبض الوطن ورح المستقبل، بالحيرة بين الوفاء للانتماء وبين غريزة الحياة والبقاء.
وَطـَنٌ بَخِيلٌ بَاعَنــي فـــــي غفلـــــةٍ
حِينَ اشْترتـْهُ عِصَابَة ُالإفـْسَـــادِ
(... ... ... )
كـُلُّ الحِكـَايةِ أنَّهـــَـــا ضَاقـَتْ بـِنـَـــــا
وَاسْتـَسْلـَمَتَ لِلــِّـصِّ والقـَـــوَّادِ!
وهنا كانت الصرخة القاتلة التي انفجرت في ثورة الخامس والعشرين من يناير من قلب مكلوم، وفؤاد مجروح، ونفس ممزقة ومبعثرة بين حب الأوطان، وحب الكرامة والذات.
قـَدْ عِشْتُ أصْــــرُخُ بَينـَكـُمْ وأنـَـــــادي
أبْنِي قـُصُورًا مِنْ تِـلال ِ رَمَـــادِ
أهْفـُـو لأرْض ٍلا تـُسـَـــاومُ فـَرْحَتـِــــي
لا تـَسْتِبيحُ كـَرَامَتِي .. وَعِنَــادِي
الفساد السياسي:
وإن كان الشباب هم وقود الثورة المباركة ومحركها الأساسي فإنهم لم يكونوا هم الشرارة الوحيدة التي أشعلتها، فالفساد السياسي ذلك البنزين الذي سُكب على النيران الخافتة ليلهب لظلاها يسجله الشاعر في دفتر أشعاره الناطقة باسم جموع الشعب.
ففي قصيدته "ارحل"(2) يذكّر شاعرنا بالحزب الحاكم عش الدبابير، ذلك الوطواط الذي امتص دماء المعدومين قبل القادرين ووضع أصابعه في آذنه من صواعق الجياع والمحتاجين.
ارحل بحزب امتطى الشعب العظيم
وعتى وأثرى من دماء الكادحين بناظريك
ارحل وفشلك في يديك
ولا يفوت شاعرنا أن يبوح في تجربته الشعرية بمخاوف الشعب من عملية التوريث والخلافة السياسية لمنصب الرئاسة، واختزال مصر في شخص سعى إلى أن يورثها كما تورث الإماء ففي "الأرض قد عادت لنا"(3) ينادي الشاعر فرعون مصر:
ياسيدي الفرعون قل لي
كيف أدمنت الفساد
وبأي حق
قد ورثت الحكم في هذي البلاد
وبأي دين‏..‏
قد ملكت الأرض فيها‏..‏ والعباد

وفي قصيدته سالفة الذكر "ارحل" يقولها تصريحا لا تلميحا معبرا عن رغبة الجموع الغفيرة من الشعب المقهور، المغصوب الإرادة في رحيل الأب والابن:
ارحل وابنك في يديك
ارحل وابنك في يديك قبل طوفان يطيح
لا تعتقد وطنا تورثه لذاك الابن يقبل أو يبيح
البشر ضاقت من وجودك.. هل لابنك تستريح؟
سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية:
أما تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فكان بمثابة ثالث الأثافي التي أذكت ثورة يناير البيضاء، وجعلت من المصريين يلتفون حولها، ويفتحون صدورهم لرصاصات الغدر في صمود وثبات لا يدعمه إلا الإيمان الراسخ بالمطالب المشروعة، ولا يسنده إلا الإحساس بمرارة الظلم وضيم الظالمين، ونعود إلى قصيدة "الأرض قد عادت لنا" التي يلتقط فيها شاعرنا مشاهد البؤس والتعاسة.
في كل بيت صرخة
وعلي وجوه الراحلين تطل أنات دفينه
والجوع وحش كاسر
كالنار يلتهم الصغار‏..‏ ويستبيح الناس‏..‏
يعصف بالقلوب المستكينه
وقصورك السوداء يسكنها الفساد‏..‏
ويبدو أن فرعون مصر وقارونها أصم لم يسمع هذه الصرخات الملكومة، كما أنه لم يرَ التعاسة الصامتة لذا تساءل شاعرنا:
ياسيدي الفرعون‏..‏
هل شاهدت أشلاء الرعايا
سخط الوجوه‏..‏ تعاسة الأطفال‏..‏
ذل الفقر‏..‏ حزن الأمهات علي الصبايا
وإن فرعون لا يملك إجابة لهذا السؤال، فشاعرنا الذي شاطر الناس أفراحهم وأتراحهم يقدم له الإجابة المضنية:
ياسيدي الفرعون‏..‏
شعبك ضائع في الليل
يخشي أن ينام
في الجوع لا أحد ينام
في الخوف لا أحد ينام
في الحزن لا أحد ينام
من لم يمت في السجن قهرا
مات في صخب الزحام
حتي الصغار تشردوا بين الأزقة‏..‏
يبحثون عن الطعام
من لم يمت بالجوع منهم‏..‏
مات في بؤس الفطام
ثمار الثورة ودماؤها الطاهرة:
وفي "ارحل" يدون لنا القلب النابض للأمة ثمار الثورة المباركة التي أذهلت العالم المترقب، وأرعبت العدو المتربص، وأيقظت الصديق المتأمل.
الآن ترحلُ عن ثرى الوادي
تحمل عارك المسكونَ
بالحزب المزيفِ
حلمَكَ الواهي الهزيلْ..
ارحلْ وعارُكَ في يديكْ
هذي سفينَتك الكئيبةُ
في سوادِ الليل تبحر في الضياع
لا أمانَ.. ولا شراعْ
وإن كانت الثمار الثورية أينعت وقطفت بعدما استوت على الجودي، فإنها لم تكن لتثمر لولا أنها رويت بأرواح طاهرة، ودماء ذكية، ويؤكد لسان الشاعر في "إلى شهداء ثورة 25 يناير"(4) وفاء الشهداء لأمهم/ وطنهم الذي شربوا من نيله وتلفحوا بشمسه.
وحدي أنام علي ترابك
كفني عيني
بضوء من رحيق الفجر
من سعف النخيل
(... ... ...)
فأنا شهيدك رغم أنـي عاشق
ودمي حرام‏..‏ واسألي سجاني
قد جئت يا أمي
لأطلب ثوب عرسي
من يديك بفرحتـي
أعطيتني‏..‏ أكـفـاني
آثر أن يكون عبد الله المقتول لا القاتل {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } [المائدة : 28 ، 29]
لا تسألي القنـاص عن عيني‏..‏
ولا قلـبي‏..‏ ولا الوجه النحيل
ولتنظري في الأفق
إن النهر يبكي
والخيول السمر
عاندها الصهيل
لا تسأليني
عن شباب ضاع منـي
واسألي القنـاص‏..‏
كيف شدوت أغنية الرحيل ؟
إني تعلمت الحنان علي يديك‏..‏
وعشت أحمل وردة بيضاء
كالعمر الجميل