المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : قاعدة الانتقاء "رؤية في أحد جوانب نظرية العامل"



أحمد محمد عبد المنعم عطية
28-04-2011, 02:28 AM
قاعدة الانتقاء
رؤية في أحد جوانب نظرية العامل في النحو العربي

على سبيل التقديم
أهم الأصول الفارقة بين أبرز الاتجاهات اللغوية المعاصرة ، وقد اخترت منها ما يلي :
1- البنيوية .
2- التحويلية التوليدية .
3- علم اللغة الاجتماعي .
4- النحو الوظيفي ( وما تضمنه من أعمدة الدراسة التداولية ) .

أما البنيوية فكانت تبحث عن وصف الظاهرة اللغوية معتمدة في ذلك على الدراسة الآنية للظواهر اللغوية وما يتخلل هذه الظواهر من محوري الاستبدال و التوزيع ، ونظرية الملامح المميزة على المستوى الصرفي أو الصوتي ، وجملة الأمر فقد اهتمت النظرية البنيوية بوصف الظاهرة اللغوية بغض النظر عن حالتها التاريخية أو سياقها الاجتماعي بل وصل الأمر بها في دراسة الظاهرة اللغوية بمعزل تام عن الدلالة.

وأما التحويلية التوليدية فقد خطت خطوة أخرى تتكامل مع الدراسة البنيوية السابقة ؛ إذ انتقلت من التساؤل " ماذا ؟ " إلى التساؤل " كيف ؟ " ؛ إذ ركزت جل اهتمامها على كيفية إنتاج العقل البشري للغة ، مما جعلها تركز على البحث عن صياغة عامة تضمن تفسير الانتاج اللغوي بشكل عام انطلاقا من البنيتين العميقة و السطحية وما يشتملهما من قواعد الانتقاء والاستبدال والتوزيع ، وأصاب هذه النظرية قصور واضح من جانب الدلالة في مراحلها الأولى إلا إنها تلافت ذلك في النظرية الموسعة التي اعتمد " الأثر " فيها على الجانب الدلالي بشكل كبير .

ويلاحظ أن في كلا الاتجاهين إهمال الجانب السياقي في دراسة الظاهرة اللغوية الأمر الذي أدى بدوره لظهور الاتجاهين التاليين .

علم اللغة الاجتماعي اهتم بدراسة اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية فركزت النظر على السياق الاجتماعي للغة وكيفية تطورها ونشأة اللهجات و ...... إلا إنها لم تلق بالا لما عالجته النظريتان السابقتان .

النحو الوظيفي ( وما تضمنه من أعمدة الدراسة التداولية ) وقبل أن أخوض في الحديث عن النحو الوظيفي أود أن أوضح هذه الأعمدة الرئيسة للدراسة التداولية ، و هي : ( الإشاريات الخطابية ، الاستلزام الحواري ، الافتراض السابق ، أفعال الكلام ) وقد رسخت هذه الأعمدة للدور الفعال للسياق في الظاهرة اللغوية ولا سيما في تركيزيها على العلاقة بين المتكلم و المخاطب .
وينطلق النحو الوظيفي من هذه الأعمدة الرئيسة محاولا وصف الظاهرة اللغوية ككل في بنيتها الداخلية و علاقة هذه البنية بالسياق – مع الاحتراز إن كنه البنية الداخلية يختلف تماما عن نظيره في التحويلية التوليدية - ، فاللغة من المنظور الوظيفي تعتمد على ثلاث بنى رئيسة ( بنية حملية ، بنية وظيفية ، بنية مكونية ) و تعتمد هذه البنى على ثلاث قواعد رئيسة على الترتيب ( قاعدة الأساس ، قاعدة الإسناد الوظيفي ، قاعدة التعبير ) ، وتمثل قاعدة الإسناد الوظيفي حجر الزاوبة في هذه النظرية ؛ إذ تتضافر الوظائف الدلالية و التركيبية و التداولية لـ ( الحدود – الموضوعات أو اللواحق – ) أو لـ ( المحمول إذا كان مبتدأ أو ذيلا أو منادى مع الحمل الذي يسند لهم ) مع السياق الرابط بين المخاطب و المخاطب .

و الآن ألقي الضوء على نظرية العامل في النحو العربي من خلال قاعدة الانتقاء التي احتلت مكانة بارزة في الدرس اللغوي المعاصر .
أما عن قاعدة الانتقاء فسأتناولها من خلال نظرة التحويلية التوليدية و النحو الوظيفي لها ، وقد اخترتهما لأنهما قادرتان على تمثيل فكر الدراسة اللغوية بشكل تكاملي .

قاعدة الانتقاء في التحويلية التوليدية :
تتحكم في البنية العميقة قاعدة الشعور السياقي وفيها تتحكم بعض عناصر الجملة في عناصر أخرى تشكل معا مفهوما سياقيا معياريا ؛ فإفراد الاسم يستلزم إفراد صفته ، والإحالة إلى جمع تستلزم استخدام ضمير الجمع ، و طبيعة الفعل تنتقي ماهية الفاعل ......... .

قاعدة الانتقاء في النحو الوظيفي :
ويمكن رؤية قاعدة الانتقاء في هذه النظرية من خلال تحليل المثال التالي ؛
شرب زيد شايا
فـ مضـ تا ( ش . ر . ب ) ( ع 1 س1: زيد - حي- ( س1 ) ) منفـ فا مح - حالة رفع – ( ن 1 س2: شاي – سائل – ( س2 ) ) متقـ مفـ بؤجد - حالة نصب - .
وبالنظر إلى التحليل السابق فـ ( حي و سائل ) حدد انتقائهما طبيعة الفعل ، كما تحكمت الوظائف التداولية بتضافرها مع الوظائف الدلالية و المكونية في ذلك النوع من الانتقاء بشكل عام .

وجملة الأمر ، فقاعدة الانتقاء تتحكم في تلازمية المكونات الجملية كما تتحكم بالتالي في موقعتها داخل الجملة ، ومن ثم في ظهور العلامة الإعرابية في اللغات المعربة مع بقاء الحالة الإعرابية كامنة في اللغات غير المعربة على حد تعبير النحو الوظيفي .

نظرية العامل :
من كتاب الإنصاف المسألة رقم 5 : " ...... أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن المبتدأ لابد له من خبر ، و الخبر لابد له من مبتدأ ، ولاينفك أحدهما عن صاحبه ، ولا يتم الكلام إلا بهما ، ألا ترى أنك إذا قلت " زيد أخوك " لا يكون أحدهما كلاما إلا بانضمام الآخر إليه ؟ فلما كان كل واحد منهما لا ينفك عن الآخر و يقتضي صاحبه اقتضاء واحدا عمل كل واحد منهما في صاحبه مثل ما عمل صاحبه فيه ...... " .
من كتاب الأشباه والنظائر ج1 صفحة 275 : " ...... فإن و أخواتها و حروف الجر إنما عملت في الأسماء لانفرادها بها ، و النواصب والجوازم إنما عملت في الأفعال لانفرادها بها ...... " .
من قواعد التوجيه التركيبية :
1- الخفض من خصائص الأسماء . الإنصاف م 14
2- النداء من خصائص الأسماء . الإنصاف م 14
3- الفعل لابد له من فاعل . الإنصاف م 21
4- عوامل الأفعال لا تعمل في الأسماء و عوامل الأسماء لا تعمل في ال أفعال . الإنصاف م 24
ويمكن قراءة النصوص السابقة في ضوء قواعد الانتقاء التلازمية التي سبق الحديث عنها في ضوء الدرس اللغوي الحديث ، فتتضح العلاقة الانتقائية التلازمية في نظرية العامل بين الميتدأ والخبر في ضوء شروط العدد و الجنس ، كذلك انتقاء الحروف لمعمولاتها حسب الاختصاص ، وكذلك العلاقة الانتقائية التلازمية بين الفعل والفاعل في ضوء شروط العدد والجنس .
وما ذكرته على سبيل المثال لا الحصر ، وهو يوضح عمق الفكر اللغوي العربي القديم ، و أهمية هذه النظرية الكبرى عند النظر لها خارج الإطار المنطقي الكثيف الذي أحاط بها .

المجاز وقاعدة الانتقاء اللغوي :
ولعله من تتمة المقال أن نذكر دور هذه القاعدة في تفسير الكثير من الألوان المجازية ؛ ومرد ذلك إلى الاتفاق المطلق بين المتكلم و المخاطب ( ابني اللغة الواحدة ) في النمط الانتقائي التلازمي داخل البنية العميقة - في الإنتاج لدى المتكلم و الاستقبال لدى المخاطب - إذ يحافظ العدول في نسق الجملة على حد أدنى من الملابسة بين المسند والمسند إليه ؛ فمثلا " أكلت النار البيت " فالفعل يستلزم فاعلا و قد يستلزم مفعولا ، و أكل يستلزم ( حيا ) و بالتالي يستلزم مفعولا من خصائصه مقبوليته أن يكون مأكولا ، ولكن ما حدث هو أن وجد المتكلم حدا أدنى من الملابسة بين الأكل من حيث اشتماليته للمأكول و بين النار ومن حيث اشتماليتها للمحروق ، بجانب الدلالات الكامنة في الفعل أكل والتي تعطي الكثير من الأبعاد كـ ( الطحن و الهضم و العصر و .... ) و هي أبعاد إيحائية يفتقد لها الفعل أحرق ، مع اتفاق هذه الأبعاد لدى المتكلم والمخاطب ، ولكن ما يهمنا هنا هو تلك العملية الارتدادية التي يحلل فيها المخاطب الجملة داخل البنية العميقة معتمدا على ذلك الحد الأدنى للملابسة في ذلك العدول ومن ثم يدرك الأبعاد الإيحائية للعدول فتكون اللذة الفنية ، وجدير بالذكر أن ذلك النوع من العدول و غيره يعتمد في الأصل على قانون ( التواصل ) بين المتكلم و المخاطب .

عبود
15-07-2011, 12:06 PM
موضوع رائع
بارك الله فيك

أحمد محمد عبد المنعم عطية
24-07-2011, 05:03 PM
بوركت أخي الحبيب .