المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : علم القوافي .. بعيون فارسية



سليمان أبو ستة
07-05-2011, 03:52 PM
علم القوافي بعيون فارسية
نظرة في كتاب الوافي في القوافي لابن الفرخان (من علماء القرن السادس الهجري)

هذا كتاب نادر، ووجه الندرة فيه من جهتين، الأولى: ندرة القضايا التي يطرحها في علم القافية، والثانية: عدم الالتفات إلى هذه القضايا من قبل العلماء الذين عاصروا المصنف، وأهمهم الراوندي، أحد شراح حماسة أبي تمام ، الذي أثبت في ديوانه رسائل ابن الفرخان الشعرية له. والراوندي عالم بالعروض والقوافي أيضا وله فيهما كتاب وملاحظات تستحق الذكر. ومن ملاحظاته السديدة في القافية ما ذكره في شرحه للحماسة عن وجوب التزام حالة الحرف الذي يلي الروي من قبله من حيث الحركة والسكون، في حين أن ابن الفرخان لم يشر إلا إلى الحرف المتحرك الذي يليه ما قُيّد من الرويّ.
وهذا الكتاب من تحقيق الدكتور عمر خلوف، وقد نشرته هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث العام الماضي، وهو يتضمن دراسة وافية للمصنف وكتابه، كنت آمل لو نشرها على الشبكة العنكبوتية بدلا من الفقرات القليلة المقتطعة منها والمستخدمة في التعريف بالكتاب .
لقد تناول ابن الفرخان في كتابه هذا كثيرا من القضايا الخاصة بأحرف القافية وأشكالها العديدة ، غير أني سأتناول هنا جزئية بسيطة منها وهي مبحثه المثير للجدال في الروي، قال المصنف:
والروي في المطلق له حالتان:
- إحداهما الحركة، وتسمى المجرى، كالحركة في دال (اليدِ) من قوله:
لخولة أطلال ببرقة ثهمدِ ** تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
- والأخرى السكون، كالسكون في الأولى من ألفي (تراها) في قوله:
وأعجبني ملامح منك فيها ** فقلت أخا العُرَيب أما تراها
ثم خرج من ذلك بقاعدة تقول أن (ليس كل مطلق من الشعر متحرك الروي).
والحالة الأولى التي ذكرها، معروفة ومقبولة بل وبديهية عند علماء القافية جميعهم، وأما الحالة الثانية فتحتاج إلى مزيد من التوضيح الذي سنحاول تتبعه في ما تبقى من فصول الكتاب، حيث سنلاحظ أن ليس كل سكون في المطلق من القوافي يعده ابن الفرخان رويا. قال في الفصل الثاني من كتابه وهو، (في بيان ما يجيء من الحروف المتحركة أو الساكنة بعد حرف الروي تبعا له): "فإذا كان ذلك المطلقُ ساكنَ الرويّ، ووجد بعد الروي منه حرف، فهذا الروي لا يكون إلا الألف، أو الياء: مدية وغير مدية، لما ستعرفه بعد إن شاء الله تعالى، وذلك الحرف لا يكون إلا الهاء، ويكون صلة:
- إما ساكنة ينختم بها البيت، كما في قولي:
قلبي أصاب اليوم فيما رآهْ ** جرد عزما لعظيم نواهْ
وقولي:
وقد أنهض في المجدِ ** إلى الخطب فأكفيهْ
وقولي:
فلا لبي إن يدع إلى الهجرِ ** وإن يُدعَ إلى الوصل فلبّيهْ
وإما متحركة، فتخرج:
- إما إلى الألف، كما في قولي:
أحسّت نبأة من مستجيرٍ ** تصدّى، وهي تحسبه طَلاها
وإما إلى الواو، كما قلت:
صبٌ يعاوده في القلب ذكراهُ ** لاقى المعرّس من سلمى فحيّاهُ
وإما إلى الياء كما قلت:
كلما قلت سوف يَبْري فؤادي ** أخذته السهام من مقلتيهِ
والأول من النحوَيْن، وهو الذي تكون فيه الهاء صلة غير خارجة، والروي قبلها ساكن، قليل في الاستعمال.
والثاني منهما، وهو الذي تكون فيه الهاء صلة خارجة، كثير في الاستعمال."
إذن، فشرط كون الألف والياء رويا هنا أن يكون الحرف الذي يلي أيا منهما الهاء ، ولو كان حرفا غير الهاء فلا شك أنه سيكون هو الروي عنده كما هو عند غيره. ولكن المحيّر قوله إن الروي لا يكون إلا الألف أو الياء، مديّة وغير مديّة. فماذا إذن عن الواو في مثل (أدعوها) ؟
لا نجد لذلك حتى الأن ذكرا ، وها نحن قد أكملنا الفصل الثاني من الكتاب وعرفنا الروي وما قبل الروي. صحيح أن المصنف وعدنا ببيان سبب ما قرره حول الألف والياء رويّين وامتناع الواو عن ذلك بقوله: "لما ستعرفه بعد إن شاء الله"، ولكنه لم يف بوعده إلا في الفصل الرابع الذي جعل عنوانه ( في القول على القافية وأحكامها ولواحقها) إذ قال في صفحة 87 : "ويقوم في الواو خاصة سبب آخر، يمنع من جعلها رويا في هذا الموضع، وهو أن الواو التي قبلها ضمة تُستثقَل في الطرف غاية الاستثقال، ولهذا إذا اتفق وقوعها في آخر الاسم بهذه الصورة في نحو: (أدلو) يستبدل بها. فلأن السبب المانع في الواو أوكد، امتنع أن تكون، وهي ذائبة، رويا في المقيد على حال، ولا في نحو (يحذوها) في الموصول."
ثم بين سبب قبول الياء رويا بقوله: "ولأن السبب المانع في الياء أضعف، جاز أن تجعل رويا، عند اتصال الهاء بها في نحو: (خوافيه) و(أزجريه).
وهو يقرر ثانية في صفحة 121 أنهم لم يستعملوا نحو (حيّوها) و(حيّوهُ) ولا نحو (راعوهْ) بالتقاء الساكنين".
ومع ذلك جاء بأبيات من نظمه رويها (عنده) هو هذه الواو (الشاذة)، ومنها قوله:
هذي المنازل قد أقوت فحيوها ** ولاطفوها بتسليم وراعوها
كم قد عهدت بها من كان تألفه ** نفسي وقد كان بالهجران يجفوها
إلا أنه يبرر ذلك بأن نظم هذه القصيدة قد تم في زمن الصبا إذ كان بالشعر مغرما، وبالافتنان في طرقه والاستكثار من أساليبه معجبا، كما صرح بالقول.
والآن، لنعد إلى إرهاصات هذا القول (المستدرك) من ابن الفرخان على الخليل، لنجدها قد بدأت في نحو منتصف القرن الرابع الهجري وكان يقصد بها التندر أولا على غفلات العلماء، كما نجد عند أبي الحسن العروضي، ثم تحولت بعد ذلك إلى ظاهرة عند المعري وتلميذه أبي يعلي التنوخي وغيرهما، وفيما يلي تفصيل ذلك:
قال أبو يعلى التنوخي في كتاب القوافي: "وتكون هذه الهاء رويا إذا سكن ما قبلها في مثل قوله:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ** ودورنا لخراب الدهر نبنيها
وقد أجمع على أن الواو يجوز أن تعاقب الياء هاهنا، فلو كانت الياء رويا لما جاز تغييرها، وقد ذهب إلى أنها الروي بعض أهل العلم، والأصح ما ذكرت لك".
أما المعري فقد كان عاب على هؤلاء المؤلفين مخالفتهم للخليل في ذلك، إذ قال في مقدمة ديوانه لزوم ما لا يلزم:
"وقد وجدت الذين ألفوا دواوين المحدثين على حروف المعجم، خالفوا فيما وضعوه مذهب الخليل وأصحابه، وما أحمل ذلك منهم إلا على قلة حفل بتلك الأشياء، فمن ذلك أنهم يجعلون ما قافيته هدية وبلية في باب الهاء وهذا وهم لأن أولى الحروف بأن تنسب إليه القصيدة هو الروي وهو في هذا النحو الياء، وكذلك يجعلون ما قافيته ثناياها وعطاياها في جملة الألف وإنما ينبغي أن تكون في باب الهاء لأنها الروي. ويجعلون ما قافيته مثل يديه وعليه في باب الياء، وكذلك ما يبنى على محييها وفيها، وإنما ينبغي أن يكون النسب في هذا كله إلى الهاء.
ودل كلام أبي بكر بن السراج في الأصول على أن الروي الياء في قول الشاعر:
لها أشارير من لحم، تتمره ** من الثعالي، وذخر من أرانيها
وهذا يشبه مذاهب المؤلفين ويجوز أن يكون مذهبا لابن السراج أو وهما منه لقلة عنايته بهذا النوع".
وبعد أن سفه قول ابن السراج انتقل إلى أستاذه الزجاج، فروى عن بعض تلاميذه وهو أبو الحسن العروضي أن
"أبا إسحاق الزجاج سئل عن الروي في قول الشاعر:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها
فزعم أنه الياء، فروجع في ذلك فلم ينتقل عنه، وإنما ذكر أبو الحسن ذلك يعيبه عليه لأن مذهب الخليل والطبقة الذين بعده أن الروي الهاء".
ولقد نقل ابن القطاع هذه الرواية على ما يبدو عن اللزوميات من غير أن يشير إلى كاتبها ، ولكن دل عليه قوله عقبها: "وما أحسب هذا منه إلا وهما"، وهو كلام المعري في مقدمته للزوميات. وكذلك نقل نشوان الحميري هذا القول عن المعري من غير أن يشير إليه أيضا ، وجميع هؤلاء لم يتثبتوا من هذه الرواية وألصقوها، تبعا لقول المعري، بالزجاج .
وقد عرف للزجاج كتاب القوافي، كما جاء في وفيات الأعيان، وورد ذكره في فهرسة ابن خير باسم الكافي في أسماء القوافي، فلعلهما كتابان. ولم نجد أحدا نقل عن الزجاج مثل هذا القول.
ولقد قرأت بعد ذلك كتاب العروض لأبي الحسن العروضي ووجدته يذكر تلك الرواية التي أخبرنا بها المعري. وفي البداية، أكبرت فيه احترامه لأستاذه الذي لم يذكره بالاسم وإنما أشار إليه بأنه من "جلة أهل العلم" ، ثم وبعد أن تأملت فيها قليلا، وحققت فيها بعض التحقيق، تبين لي وهم المعري في نسبة هذا الرأي للزجاج. ولإثبات ذلك سنقارن روايته بما جاء في كتاب الجامع في العروض والقوافي لأبي الحسن العروضي، الذي قال:
"سئل رجل من جلة أهل العلم بحضرتي عن الروي في قول الشاعر: "تدعوني وأدعوها"، فقال: الواو. قلت: أظنه الهاء. فقال: لا، الهاء وصل. قلت: فقوله "ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها" أول هذه القصيدة، أين حرف الروي؟ قال: الياء. قلت: حرف الروي يجوز أن يتغيّر؟؟ قال: نعم. فاعتقد المحال لقوله ما في نفسه أن الهاء وصل، ولو أنعم النظر بان له الخبر، وليس مثله من ذهب عليه مثل هذا، ولم يرض الذي سأله حتى أخذ خطه بيده بما قال، لأنه أصاب الفرصة فيه فاستغفله. ولو جاز أن يتغير حرف الروي كما ذكر لجاز في قصيدة واحدة (مقامها) مع (سواها)، وجاز (جوابه) مع (سلامه)، ولا يقول هذا أحد، وأشعار المتقدمين والمتأخرين تشهد بما أقول ".
وأول ما تأملت فيه من هذه الرواية هو مشهد الحوار، وهو كما تصورته مجلس ضم جماعة من العلماء في (حضرة) أبي الحسن الذي كان يتابع الحوار بين أحد الحضور ورجل من (جلة أهل العلم) لم يرد أن يسميه (لئلا يفضحه). وطبيعي أن لا يكون هذا المشهد في مجلس للزجاج أستاذ أبي الحسن وشيخ المدرسة البصرية الذي انتهت إليه رئاستها بعد المبرد. ولذلك فإن الأوجب أن يقول إنه (في حضرته هو). ثم إني وجدت أبا الحسن يشيد بقول للزجاج في موضع آخر من مبحث الإيطاء أشار فيه إلى رآي له مستحسن، ثم قال: "والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق".
إذن، فهذا المشهد ربما كان لجماعة تصدرهم أبو الحسن ، ولم أر للزجاج مكانا فيه، لأن مثله حتى ولو كان أخطأ، لا يستحق التجهيل من تلميذ له. ثم إن في الحكاية التي رواها أبو الحسن شيئا مريبا هنا، وهو ذكره للكلمتين اللتين ينتهي بهما أحد أبيات قصيدة البحتري، وقد عدت إليها في ديوانه، فلم أجده . ثم رجعت إلى شرح المعري للديوان الذي أسماه "عبث الوليد" ، فلم أجد للقصيدة ذكرا فيه، ورأيت المعري يعيب على صانع الديوان إثباته لقطعتين من الأبيات في حرف الياء بدلا من الهاء الذي هو الروي.
إن انتقاد المعري لمؤلفي الدواوين، وقبلهما ابن السراج وشيخه الزجاج، قد امتد ليشمل بعض المتحققين بالأدب، ولم يسمه، قال المعري: " وقد شاهدت بعض المتحققين بالأدب ببغداد يجعل الروي الياء في قول الشاعر:
يا أيها الراكبان السائران معا ** قولا لسنبس فلتقطف قوافيها
وما أحسب هذا ممن قاله إلا وهما، لأن الروي الساكن لا يكون بعده وصل وإنما يقع الإشكال في الهاء والواو والياء والألف".
وأخيرا، فهل جاء ابن الفرخان بجديد في هذا القول الذي يستدرك فيه على الخليل؟ لا شك عندي في أن هذا الجديد، هو في كل الأحوال، لا يعدو أن يكون محاولة تفسيره لوقوع هذا الروي الساكن في الشعر، وهي محاولة جديرة بالتأمل...