المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الحاتمي والوحدة العضوية للقصيدة العربية في القرن 4



فريد البيدق
07-05-2011, 10:57 PM
كثر الحديث عن الوحدة العضوية للقصيدة العربية في العصر الحديث تأثرا بالغرب وعيبا على وحدة البيت في القصيدة العربية- بكيفية توحي أن هذا الأمر لم يخطر للقدماء نقادا وشعراء، لكن الدكتور زكي مبارك في كتابه المتميز "النثر الفني في القرن الرابع" قد نقل في الجزء الثاني ص136 ما نقله أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني في كتابه "زهر الآداب وثمر الألباب" عن الحاتمي أحد نقاد القرن الرابع الهجري تحت عنوان "القصيدة والإنسان" ما يؤكد معرفة النقاد قديما هذه الفكرة.

والآن مع ما نقله الدكتور زكي عن الحصري:
قال الحاتمي: مثلُ القصيدةِ مثلُ الإنسان في اتِّصَالِ بعضِ أعضائه ببعض؛ فمتى انفصلَ واحدٌ عن الآخر وبَايَنَهُ في صحَّة التركيب، غادر الجسمَ ذا عاهَةٍ تتخوَّنُ محاسنَه، وتُعَفي معالِمَه؟ وقد وجدت حُذَّاقَ المتقدّمين وأربابَ الصناعةِ من المحدَثين يحترسون في مثل هذا الحال احتراساً يجنّبهم شوائبَ النقصان، ويقفُ بهم على محَجَّةِ الإحسان حتى يقعَ الاتّصَالُ، ويُؤْمَن الانفصال، وتأْتِي القصيدةُ في تَنَاسُب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة، والخُطْبَة الموجَزَة، لا ينفصلُ جزءٌ منها عن جزء، وهذا مذهبٌ اختصَّ به المحدَثون؛ لتوقّدِ خواطرهم، ولُطْفِ أفكارِهم، واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم، وكأنه مذهبٌ سهّلَوا حَزْنَهُ، ونهجوا رَسْمَهُ؛ فأمَّا الفحول الأوائل ومَنْ تَلاَهُمْ منَ المخضرمين والإسلاميين فمذهبُهم التَعالم عن كذا إلى كذا وقُصَارَى كلِّ واحدٍ منهم وَصْفُ ناقتِه بالعِتق والنَّجَابة والنجاء، وأنه امتَطاها فادّرع عليها جِلْبَابَ اللّيل، وربما اتَّفق لأحدِهم معنى لطيف يتخلّص به إلى غرضٍ لم يتعمّده إلا أن طبعه السليم، وصِراطه في الشعر المستقيم، نصبا مَنَارَه وأوقدا باليفاع نارَه؛ فمن أحسن تخلّص شاعر إلى معتمده قولُ النابغة الذبياني: الطويل:
فكَفْكَفْتُ منّي عَبرَةً فَرَدَدْتُها ** على النَّحْرِ، منها مستهلّ ودامعُ
على حينَ عاتبْتُ المشيبَ على الصِّبَا ** وقلتُ : أَلمَّا أَصْحُ والشيبُ وَازعُ
وقد حالَ هَم، دونَ ذلِكَ، شاغِلٌ . . . مكان الشِّغافِ، تَبْتَغِيه الأَصابعُ
وعيدُ أبي قابوسَ في غير كُنْهِه . . . أتاني ودوني راكِسٌ فالضَّواجعُ
وهذا كلام متناسب تقتضي أوائلُه أَواخره، ولا يتميّز منه شيء عن شيء: الطويل:
أتاني، أبيتَ اللعن، أنك لُمْتَني . . . وتِلك التي تَسْتَكُّ منها المسامِع
مقالة أن قد قلتَ سوف أناله . . . وذلك من تِلْقَاءِ مثلك رائعُ
ولو توصَل إلى ذلك بعضُ الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعاني، وفتحوا أبواب البديع، واجتنوْا ثمرَ الآداب، وفتَحُوا زَهْرَ الكلام لكان معجزاً عجباً، فكيف بجاهلٍ بَدَوِي إنما يغترفُ من قليب قَلْبِه، ويستمدُّ عفوَ هاجسه.