المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : السوبر افتراضية : صراع النصوص الأدبية



حسن عجمي
02-07-2011, 07:02 PM
قاسم حداد : " الغزالة يوم الأحد "
السوبر افتراضية : صراع النصوص الأدبية

حسن عجمي

تتصارع النصوص الأدبية وينتصر النص الأقوى فيبقى . ويعتمد كل نص على فلسفة معينة على ضوئها يولد و ينمو. نشهد في هذه المقالة نشوء السوبر افتراضية كفلسفة أدبية تنافس كلاً من الواقعية والافتراضية المجردة, و نستعين بكتاب " الغزالة يوم الأحد " للشاعر قاسم حداد كنموذج على الطرح السوبر افتراضي في الأدب المعاصر.

جدل الممكن و الواقع

ثمة فرق حقيقي بين الافتراضية والسوبر افتراضية. النص الافتراضي هو النص الذي يصف هذه الأكوان الممكنة أو تلك بدلاً من أن يصف عالمنا الواقعي. من هنا , النص الافتراضي يعتمد كلياً على الخيال وبذلك لا يهدف إلى وصف وتفسير عالمنا الواقعي الذي نحيا فيه. لكن النص السوبر افتراضي يصف الأكوان الممكنة من أجل أن يصف ويفسّر عالمنا الواقعي بالذات. هكذا تختلف السوبر افتراضية عن الافتراضية. فبينما النصوص الافتراضية تقدّم معارف عن الأكوان الممكنة العديدة والمختلفة , تعبّر النصوص السوبر افتراضية عن واقعنا من خلال وصفها للأكوان الممكنة و بذلك تقدّم النصوص السوبر افتراضية معارف حقيقية عن عالمنا الواقعي. فوظيفة الخطاب السوبر افتراضي كامنة في التعبير عن حقائق عالمنا من خلال التعبير عن حقائق العوالم الممكنة التي تبدو مختلفة عن عالمنا. بالنسبة إلى الخطاب السوبر افتراضي , عالمنا الواقعي ليس سوى مجموع الأكوان الممكنة كافة , ولذا وصف الأكوان الممكنة لا يغدو سوى وصف لعالمنا نفسه. وتختار السوبر افتراضية الحديث عن الأكوان الممكنة كمنهج في اكتشاف عالمنا الواقعي بدلاً من أن تصف الواقع بشكل مباشر لأن رحلتها إلى الأكوان الممكنة تضمن لها حرية أكبر في التعبير لكونها في هذه الرحلة تصف أكواناً مختلفة بدلاً من أن تبقى سجينة رؤيتنا المحدَّدة للواقع.
كما أن اعتماد السوبر افتراضية على منهج وصف الأكوان الممكنة يؤدي بها إلى اكتشاف حقائق جديدة في عالمنا الواقعي بالذات , و بذلك سفر النص السوبر افتراضي إلى عوالم الممكنات يضمن اكتشاف حقائق عالمنا الواقعي التي لم نكتشفها بعد. هذا لأن الكشف عن الحقائق الممكنة القائمة في الأكوان الممكنة يدلنا على ما قد يكون عليه عالمنا الواقعي وعلى ما قد يحتوي من ظواهر وحقائق , وبذلك نضمن إمكانية إكتشاف حقائق جديدة عن واقعنا المجهول.

الافتراضية تهرب من الواقع إلى الممكنات المتحققة في الأكوان الممكنة , بينما السوبر افتراضية تحتضن الواقع من خلال احتضان الممكنات وأكوانها الممكنة. على هذا الأساس , تسجننا الافتراضية في سجون اللاواقع , لكن السوبر افتراضية تحررنا من اللاواقعية بفضل إعادة اكتشافها للواقع من خلال اللاواقع. هكذا تزاوج السوبر افتراضية بين الواقع واللاواقع أي بين عالمنا الواقعي والأكوان الممكنة بينما تكتفي الافتراضية بالأكوان الممكنة فتخسر عالمنا الواقعي من جراء ذلك. على ضوء هذه الاعتبارات, تتضح أفضلية السوبر افتراضية وانتصارها و تقهقر الافتراضية وانعزالها. فالسوبر افتراضية تعبير عن أن عالمنا الواقعي ليس سوى مجموع كل الأكوان الممكنة فتحافظ بذلك على الواقعية ولا تقصي الواقع بينما الافتراضية قاتلة الواقع. السوبر افتراضية تصف الواقع والأكوان الممكنة في آن و بذلك تضاعف معارفنا من خلال التوحيد بين الواقعية التي تعبّر عن عالمنا الواقعي و اللاواقعية التي تعبّر عن الممكنات فقط . وهنا يكمن سر تفوقها ؛ فهي لا تعادي أحداً فتضمن الانتصار دوماً. أما الواقعية فتتحزب للواقع فتعادي الافتراضية ووصفها للممكنات اللاواقعية , بينما الافتراضية تتحزب للممكنات اللا واقعية فتعادي الواقع. لكن السوبر افتراضية تصادق الممكنات اللاواقعية والحقائق الواقعية في آن لأنها تستخدم الأكوان الممكنة كأدوات لوصف وفهم وتفسير عالمنا الواقعي. هكذا تضمن السوبر افتراضية نجاحها الدائم ؛ فلا يوجد من يقاتلها. كما أن للسوبر افتراضية أساساً علمياً صلباً. فبالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم العلمية , الجسيم يعبر كل الممرات الممكنة في الوقت نفسه , والألكترون الذي يسبح حول نواة الذرة يوجد في كل الأمكنة الممكنة حول نواة ذرته. هكذا عالمنا الواقعي هو مجموع الأكوان الممكنة. من هنا , تصدق السوبر افتراضية في وصف عالمنا الواقعي من خلال وصف الأكوان الممكنة.

تتنافس النصوص وتتصارع تماماً كما تفعل الكائنات الحية ؛ فالنص حي في كاتبه و متلقيه. وفقط النصوص الأفضل والأنجح في التكيف مع محيطها المتغير تبقى وتستمر في الحياة. و بما أن المحيط الاجتماعي والثقافي متغير بشكل دائم بحيث يصعب التنبؤ بكيفية تغيراته , إذن النص الذي سوف ينتصر ويبقى هو النص اللامحدَّد في صفاته. فبفضل لا محددية صفاته لا يُسجَن في صفات محدَّدة وبذلك يتمكن من التكيف مع المتغيرات كافة ما يضمن له النجاح والاستمرار. على هذا الأساس , تكفل السوبر افتراضية نجاحها واستمرارها لأنها تصوغ نصوصاً غير محدَّدة. فبما أن النص السوبر افتراضي يعبّر عن الأكوان الممكنة وعن عالمنا الواقعي في آن , إذن من غير المحدَّد ما إذا كان النص السوبر افتراضي يعبّر عن الواقع فقط أم يعبّر عن الممكنات فقط , و بذلك يملك النص السوبر افتراضي صفة اللامحددية ما يضمن تكيفه مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية فنجاحه المستمر. فمثلاً , إذا كانت جودة النص كامنة في اكتشاف الواقع ووصفه , فهذا لا يضر النصوص السوبر افتراضية بل يزيد من جودتها لأنها تصف الواقع و تعيد إكتشافه من خلال وصفها للأكوان الممكنة. أما إذا كانت جودة النص كامنة في اكتشاف الممكنات ووصف أكوانها الممكنة , فهذا أيضاً لا يضر النصوص السوبر افتراضية بل يزيدها قوة لأنها نصوص تصف وتكتشف الأكوان الممكنة لكي تُعيد صياغة الواقع و فهمه بطُرُق جديدة. هكذا يتمكن الخطاب السوبر افتراضي من تحقيق نجاحاته المستقبلية. أما الخطاب الواقعي و الافتراضي فكل منهما يعاني من محدديته ما يجعل معظم نصوص الواقعية والافتراضية عرضة للفشل والاندثار. فالخطاب الواقعي يسجن نفسه في صفة محدَّدة ألا وهي صفة وصف الواقع كما نختبره , بينما الخطاب الافتراضي يسجن نفسه في صفة محدَّدة أخرى ألا وهي صفة وصف الممكن اللاواقعي فقط . من هنا , السوبر افتراضية تنتصر على الافتراضية والواقعية بفضل وصفها لعالمنا الواقعي و للأكوان الممكنة معاً.

يعتمد الشاعر قاسم حداد في كتابه " الغزالة يوم الأحد " على السوبر افتراضية في بناء شذراته الأدبية. فمثلاً , يقول : " هل تسأل عن الباب ؟! ليس ثمة باب , لا تدخل , لا تخرج. هذه حياتك " ( قاسم حداد : الغزالة يوم الأحد. 2010. دار الغاوون ). هنا يصوّر الشاعر عالماً ممكناً حيث لا توجد أبواب. الباب رمز يدل على صناعة الحضارة الإنسانية كما نعرفها. لكن من الممكن تصوّر الإنسان من دون إنتاجه الحضاري أو التاريخي. حينها : هل تنقص إنسانية الإنسان أم تزيد؟ من دون وجود الباب يزول معنى الدخول و الخروج لأن الدخول دخول من باب و الخروج خروج من باب أيضاً. و بذلك في عالم ممكن خالٍ من أبواب لا أحد يدخل و لا أحد يخرج ما يتضمن غياب الفاصل بين الأنا المختبئة خلف الباب و الآخر المُنتظِر خارجه. من هنا , يزول الفصل , المتمثل في إنجازات الحضارة الإنسانية , بين الأنا و الآخر و بذلك تزداد إنسانية الإنسان التي لا تميّز بين فرد و آخر. فالتمييز بين البشر سببه المنجزات الحضارية كالأبواب التي تعزل الناس عن بعضهم البعض فتُنقِص إنسانيتهم. لكن من جهة أخرى , حياة من دون أبواب حياة من دون خروج و دخول و بذلك تخسر حياة كل فرد أهدافها الخاصة التي تميّزها عن حياة الآخرين. على هذا الأساس , يقع الإنسان في معضلة يستحيل حلها ألا و هي : كيف يكون الفرد متحداً مع الآخر في إنسانية واحدة لا تتجزأ و يبقى محافظاً على تفرده و تميزه عن الآخرين في الوقت نفسه؟ هذه هي المعضلة الجوهرية التي يواجهها الإنسان في عالمنا الواقعي. هكذا يصف حداد عالمنا الواقعي من خلال وصف العوالم الممكنة فيغدو نصه نصاً سوبر افتراضياً. يُكمِل الشاعر قاسم حداد رصده لتلك الأكوان الممكنة الخالية من الأبواب الواقعية و الافتراضية قائلاً : " ليست هذه غرفتك , / افتح الباب و اخرج/ إنها في الخارج" ( المرجع السابق ). بما أن هذه الأكوان الممكنة التي يصفها الشاعر تغيب عنها الأبواب , إذن من المتوقع أن تكون خالية أيضاً من الغُرَف. لذا لا نملك غرفاً في تلك الأكوان ما يضمن تحررنا منها و من أبوابها التي تفصلنا عن العالم و عن الآخرين. هكذا العوالم الممكنة المفتقرة إلى منجزات الإنسان كالغُرَف و الأبواب تحررنا من سجون ما ننتج من صناعات حضارية كاذبة. لكن إذا لم تكن هذه هي غرفنا أو تلك, إذن لا مفر من الخروج من غُرَفنا المخادعة أي ذواتنا الكاذبة و اللجوء إلى ما يكمن من غُرَف خارجها. و بذلك تصبح غرفنا الحقيقية أي ذواتنا الحقيقية قائمة في الخارج ما يدل بدوره على أننا لا نتمكن من التخلص من غرفنا- ذواتنا ما يجعلنا نقع في مشكلة أخرى يستحيل حلها أيضاً ألا و هي التحرر من عالمنا ؛ فعالمنا يتشكّل من الداخل و الخارج و بذلك يستحيل التحرر منه. لكن هذه المشكلة مشكلة عالمنا الواقعي بالذات حيث يستحيل علينا الخلاص من سجون غرفنا و ذواتنا و هوياتنا و امتلاك الحرية المطلقة في صياغة أنفسنا و عالمنا. من هنا , يصف حداد عالمنا الواقعي نفسه من خلال وصفه لتلك الأكوان الممكنة التي تعدنا بالحرية و لا تقدّمها لنا.

من المنطلق ذاته , يعرض لنا قاسم حداد عوالم ممكنة حيث الخطأ أصدق من الصواب. يقول : " ... الخطأ أجمل من الصواب / و أكثر غموضاً / و غنى , / و طريقك الملكية نحو الكشف " ( المرجع السابق ). يعلّمنا العقل المتجذر في منطق الواقع أن الصواب دائماً أصوب و أفضل و أجمل من الخطأ و أن الصواب هو سفينة نجاتنا بينما الخطأ هو خالق فشلنا و زوالنا. كما يملي علينا عالمنا الواقعي بأن الصواب طريقنا نحو كشف الحقائق و تحقيق المعرفة. لكن الأكوان الممكنة التي يكشف عنها الشاعر حداد تقلب معادلة الصواب و الخطأ. ففي تلك الأكوان الخطأ أصوب و أفضل و أجمل من الصواب و أغنى منه و هو المنهج المُوصِل إلى الحقائق و المعرفة. هذه أكوان مختلفة تماماً عن عالمنا الواقعي , لكن رغم ذلك توضح عالمنا الواقعي و تعيد صياغته. هذا لأن الخطأ و الصواب نسبيان ؛ فما كانت تعتبره البشرية على أنه خطأ أمسى فيما بعد هو الصواب. و لذا يكتسب الخطأ مصداقية أكثر و غنى أكبر من الصواب ؛ فهو الذي ينمو ليغدو صواباً و ليشكّل العالم الذي رفضه مُسبَقاً. أما الصواب فبمجرد أن نعتبره صواباً يمسي يقيناً لدينا لا يتغير و لا يُستبدل و بذلك يسجننا الصواب في صوابيته. و بكونه صواباً يدعونا إلى الاكتفاء به و عدم البحث عن أية حقائق و معارف جديدة. هكذا الصواب فقير بينما الخطأ غني. فأخطاؤنا تدفعنا إلى مزيد من البحث عن الحقائق و المعرفة و تدلنا عليها ؛ فالمعرفة كامنة في نهاية طريق الأخطاء. كل هذا يصدق في عالمنا ؛ فمن خلال إنتاج أكبر عدد من الأخطاء و من ثم إقصائها نتوصل إلى الصواب. هكذا العوالم الممكنة التي يكشف عنها نص حداد كالعوالم الممكنة حيث الخطأ أجمل من الصواب هي وسائل شعرية- معرفية لإعادة إكتشاف الواقع الذي نحياه.

من منظور هذا النموذج الفكري- الشعري يضيف حداد : " ثلاثة أرباع الحقيقة / كذب تحرسه السلطات الثلاث . / يلزمك سلطة رابعة , حرة / لفضحه .. بالربع الصادق " ( المرجع السابق). بما أن الخطأ أجمل و أغنى من الصواب و هو الطريق إلى الكشف , إذن من الطبيعي أن تكون ثلاثة أرباع الحقيقة كذباً و ربعها فقط صادق. ففي العوالم الممكنة حيث الخطأ هو القيمة الأعلى من المتوقع أن تكون حقائق تلك العوالم متكوِّنة في الأساس من أكاذيب لا يفضحها سوى ربعها الصادق. هنا يصف الشاعر أكواناً ممكنة مختلفة عن عالمنا الواقعي ؛ ففي عالمنا الواقعي من المستحيل أن تتكوّن الحقيقة من أكاذيب و ربعها فقط صادق لأنه إذا كانت الحقيقة مجموعة أكاذيب فحينها الحقيقة متناقضة بكونها حقيقة فصواب و بكونها أكاذيب فخطأ في آن, و هذا مستحيل بالنسبة إلى عالمنا. لكن الشاعر يصف عالمنا أيضاً من خلال صورته الشعرية- الفكرية السابقة لأن صورته هذه تشير إلى السلطات الثلاث التشريعية و التنفيذية و القضائية التي تحرس كذب الحقيقة و السلطة الصحافية التي ينبغي لها أن تكون حرة لفضح أكاذيب الحقيقة من خلال صدقها. هكذا يفكك قاسم حداد الأنظمة السياسية والاجتماعية السائدة في عالمنا وينتقدها من خلال صورة شعرية - فكرية تصف أكواناً ممكنة حيث الحقائق أكاذيب. على هذا الأساس , يستعين نص حداد بالعوالم الممكنة من أجل فهم عالمنا الواقعي بالذات ما يضمن لنصه صفة السوبر افتراضية. فنصوصه لا ترتحل إلى الأكوان الممكنة فقط لوصفها , بل تقوم بتلك الرحلة من أجل إيضاح واقعنا و جدليته. بالإضافة إلى ذلك , يحلّل حداد حقائق عالمنا الواقعي حين يشرح حقائق تلك العوالم الممكنة. فبما أنه من الممكن أن توجد أكوان ممكنة حيث ثلاثة أرباع الحقيقة هي أكاذيب و ربعها فحسب صادق, إذن من الممكن أن تكون الحقيقة مجرد عملية جدلية تتقلب بين الكذب و الصدق بدلاً من أن تكون كينونة ثابتة لا يصيبها التقلب الجدلي بين الخطأ و الصواب. لكن عالمنا الواقعي نفسه هو عالم ممكن و إلا لم يوجد أصلاً. من هنا , من الممكن أن تكون حقائق عالمنا الواقعي مجرد عمليات جدلية تقلب الكذب صدقاً و الصدق كذباً. هكذا رحلة الشاعر إلى عوالمه الممكنة ليست سوى عودته إلى جوهر حقائق العالم الواقعي الذي نحيا فيه , و بذلك تكون فائدة الرحلة الشعرية هذه مضاعفة ؛ فهي رحلة كشف عن أكوان ممكنة مختلفة عن عالمنا كما أنها سفر مبتكر و عودة سالمة إلى الواقع و حقائقه الجدلية.

جدل الشِعر و النثر

الأدب الواقعي يعبّر عن الواقع و ينقسم إلى شعر و نثر. أما الأدب الافتراضي فيعبّر عن الأكوان الممكنة بدلاً من التعبير عن الواقع و ينقسم أيضاً إلى شعر و نثر. لكن الأدب السوبر افتراضي لا يميّز بين الواقع و الأكوان الممكنة و بذلك من الطبيعي أن يزاوج بين الشعر و النثر في النص نفسه. قد يتخذ النثر وصف الواقع منهجاً له بسبب اعتماد معظم النثر على السرد المنطقي أو الموضوعي أو العلمي , بينما الشعر قد يتخذ الأكوان الممكنة مواضيع له بسبب أن معظم الشعر يعتمد على الخيال. الآن , بما أن السوبر افتراضية تجمع بين وصف الواقع و وصف الأكوان الممكنة , و بما أن النثر يُعنى بشكل عام بوصف الواقع بينما الشعر يُعنى بشكل عام بوصف الأكوان الممكنة , إذن من المتوقع أن تجمع السوبر افتراضية بين النثر و الشعر في النص ذاته. بكلامٍ آخر , لا ينقسم النص السوبر افتراضي إلى نص شعري و نص نثري , بل من غير المحدَّد ما إذا كان النص السوبر افتراضي نصاً شعرياً أم نصاً نثرياً. لا محدديته هذه تمكنا من قراءته على أنه شعر و على أنه نثر في آن ؛ فالنص السوبر افتراضي يملك صفات الشعر و صفات النثر في الوقت عينه. و بذلك لا تسجننا النصوص السوبر افتراضية في نوع معين من الأدب بل تحررنا من التقسيم الأدبي الزائف بفضل لامحددية نصها. و بما أن النص السوبر افتراضي يمتلك صفات الشعر و النثر معاً , إذن يمتلك أيضاً كلاً من جمالية الشعر و جمالية النثر و غموض الشعر و وضوح النثر و مقاصد الشعر و مقاصد النثر , و بذلك يتفوق على الشعر الصرف و على النثر الصرف. من هنا , السوبر افتراضية عملية توحيد بين النثر و الشعر تماماً كما أنها عملية توحيد بين الواقعية و اللاواقعية. و بذلك تكتسب فضائل الأنواع الأدبية المتنافسة و فضائل المذاهب الفكرية المتصارعة. و السوبر افتراضية تعوّض عن نقاط ضعف هذا النوع الأدبي أو ذاك من خلال اكتسابها لنقاط قوة النوع الأدبي الآخر الكامن في نصوصها السوبر افتراضية. فمثلاً , يعاني النثر من ميله إلى تحديد مقاصده الثقافية و الاجتماعية , بينما يعاني الشعر من ميله إلى عدم إيضاح و تحديد مقاصده. لكن السوبر افتراضية تحل هاتين المشكلتين من خلال الجمع بين النثر و الشعر ما يتضمن جمعها للميلين السابقين فتميل النصوص السوبر افتراضية إلى الإيضاح و تحديد ما تقصد و تميل أيضاً إلى عدم تحديد مقاصدها بدقة فتتحرر من قتل نصوصها. هكذا تتفوق السوبر افتراضية أيضاً و تدعونا إلى قبولها. فهي لا تحدِّد مُسبَقاً ما هي ماهيتها أكانت ماهية شعرية أم ماهية نثرية , و بذلك تجعلنا أحراراً في تحديد ما هي. النص السوبر افتراضي يفترض أنه شعر فيبني نصاً شعرياً. و النص السوبر افتراضي يفترض أيضاً أنه نثر فيصوغ نصاً نثرياً. من هنا, يتقلب النص السوبر افتراضي بين شعر و نثر فينتج الشعر و النثر في آن.

على هذا الأساس , ليس من المستغرب أن تكون نصوص قاسم حداد في كتاب " الغزالة يوم الأحد " عبارة عن شذرات. فمن خلال الشذرة يتمكن من صهر الشعر و النثر معاً في حقل دلالي واحد. تنجح شذراته في التقلب بين الشعرية و النثرية من دون أن تفقد جمالية الشعر و النثر. و تتمكن نصوص حداد من الجمع بين الشعر و النثر أي تنجح في أن تكون نصوصاً سوبر افتراضية لأنها غير محدَّدة ما إذا كانت شعراً أم نثراً بفضل اعتمادها على الشذرات. الآن, بما أن نصوصه غير محددة ما إذا كانت شعراً أم نثراً , إذن من المتوقع أن تتقلب بنجاح بين أن تكون شعراً و أن تكون نثراً. و أفضل طريقة ليكون النص غير محدَّد في ماهيته هي في اعتماد الشذرة لأن الشذرة غير محدَّدة في قالب أو صياغة مُسبَقة ؛ فالشذرة قد تطول أو تقصر و قد تعتمد الإيضاح و الشرح كالنثر أو قد لا تفعل ذلك فتبقى شبيهة بالشعر إلى حد التطابق التام مع الشعر. يشير قاسم حداد إلى ضرورة أن يكون العمل الفني غير محدَّد في ماهيته و صفاته ليكون إبداعاً حقيقياً حين يقول : " واصل في شرح عملك الفني , / فلن يفسد إبداعك شخص مثلما تفعل ". من هنا , بالنسبة إلى حداد , الشرح قاتل الإبداع و الفن و النص. لكن شرح الفن أو النص يحدِّده. بذلك لامحددية الفن أو النص ضمانة أن يكون الفن أو النص إبداعاً. لذا نصوص حداد غير محدَّدة ما إذا كانت شعراً أم نثراً لكي تضمن بذلك صفة الإبداع الحقيقي. يؤكد حداد على هذا الاتجاه قائلاً: " لا أحد يدرك كنه السؤال / سوى موغل في الغياب/.. لا أحد , / لا أنتَ في عتمة النص / و لا فهرس في كتاب..". هكذا يحيا النص في عتمته أي في لامحدديته لأن لامحدديته تدفعنا دوماً إلى أن نسأل عما هو و بذلك يضمن النص بقاءه حياً. سوبر افتراضية النصوص تحرر النصوص من سجون قوالب شكلية و فكرية مُسبَقة لأن السوبر افتراضية لا تفصل بين الأنواع الأدبية و الإبداعية فلا تسجن نفسها في نوع أو أسلوب دون آخر. الإبداع نفسه عملية تحرر و انعتاق من قيود الحقائق و الأوهام. من هنا , السوبر افتراضية تضمن صياغة الإبداع الحقيقي من خلال تحريرنا من المدارس الأدبية و الإبداعية التقليدية.

لا تسعى نصوص حداد إلى التحرر من التقاليد الأدبية فقط بل تهدف أيضاً إلى التحرر من اللغة ذاتها. يقول : " هل أنتَ حر بما فيه الكفاية لتقول لمن تحب : أحبك , من غير أن تقول له: أنا أحبك ...". هكذا توقعنا اللغة في مصيدتها فلا تحدِّد عالمنا المحيط بنا فقط بل تحدِّد أيضاً أفكارنا ومشاعرنا , وبذلك الحرية الحقيقية قائمة في التحرر من لغتنا أولاً. اللغة لا تمكننا من التحرر من صياغة " أنا أحبك " بحيث الأنا لها السيطرة الكبرى على عملية حب الآخر رغم أن اللغة غير محدَّدة ما هي فلا يوجد أحد في عتمة النص. من هنا , لا تحرر اللغة سوى ذاتها بينما نحن لسنا سوى محاولات أن نكون لغة. نحن الماء و النهر كما أوحى الشاعر قاسم حداد : " الماء ليس مهندساً لكي يبتكر النهر و يشقه , / إنه مجرد راكب يصعد الحافلة / ذاهباً إلى البحر ". نحن البحر و الموجة أيضاً : " بحرٌ يدرّب الموجة على النجاة / لكنها تغرق/ دائماً تغرق ". هكذا حريتنا كامنة في انصهار عالمنا في كل الأكوان الممكنة تماماً كما تنصهر الموجة في البحر و تشكّله. من لا يغرق لا ينجو.

زهرة متفائلة
21-09-2012, 01:29 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

تعقيب !

* جزيتم الجنة ، موضوع مبارك ، كتب الله لكم الأجر به / اللهم آمين

والله الموفق