المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : إهداء إلى المتشبثين بسواري السفن الغارقة مع التحية



عزام محمد ذيب الشريدة
22-07-2011, 07:50 PM
إهداء
إلى المتشبثين بسواري السفن الغارقة ،الذين يصيحون بنا صباح مساء وليل نهار
أنْ
"ليس بالإمكان أفضل مما كان"
و
"من قلّد عالما لقي الله سالما"
مع التحية والتقدير
=============================================
قال تعالى" وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين"(الحجر20)

ما إعراب"مَن" في تركيب "ومن لستم له برازقين" ؟ هل جعل المعايش لهم مع من ليسوا له برازقين ، وبهذا تكون" من "مفعولا معه للمصاحب "كم" في قوله "لكم" ، أم جعل المعايش لهم ولمن ليسوا لهم برازقين ،بعطف "من"على الضمير في "لكم"، أم جعل المعايش فيها لهم وجعل فيها لهم من ليسوا له برازقين ،وبهذا تكون "من" معطوفة على "معايش" ؟
الذي يبدو لي هو أن أصل الترتيب لهذه الآية هو: وجعلنا معايش فيها لكم ومن لستم برازقين له "، والمعاني مترتبة بحسب الأهمية المعنوية كذلك ، ومعنى الأصل غير معنى العدول عن الأصل ،و"مَن" هنا معطوفة على الضمير "كم" من قوله "لكم" أو مفعولا معه،إلا أن هذا المعنى ليس مقصودا في الآية الكريمة ، ولوكان مقصودا لجاءت الآية على الأصل ، بل المقصود هو معنى العدول عن الأصل ، وذلك كما يلي :
أولا :قوله تعالى"وجعلنا لكم فيها معايش" يترتب من العام إلى الخاص بحسب الأهمية المعنوية ، عدولا عن الأصل حيث تقدم العام "لكم" وهو بمعنى المفعول لأجله ، على الخاص "معايش" من أجل اتصاله بالفعل "جعلنا" بحسب قوة العلاقة المعنوية لإفادة معنى التخصيص ،لأن المتقدم في الموقع متقدم في المنزلة والمكانة ،بفعل علاقة الاحتياج ، والمتأخر في الموقع متأخر في المنزلة والمكانة ، وبهذا يكون الفعل لهم خاصة ، دون غيرهم ، وبهذا ينتفي عطف "من " على الضمير"كم" في "لكم" لأنه من غير المعقول أن يخصص الفعل بهم ثم يشرك معهم غيرهم .
ثانيا: كان في العدول اتصال لكلمة"معايش" مع ما عُطف عليها ،وهو "من لستم له برازقين" فقوله تعالى"و من لستم له برازقين" معطوف على معايش ، والمعنى جعلنا لكم فيها معايش ومن لا ترزقونه من النساء والأطفال والدواب ، ومما يقوي هذا المعنى أن سياق الآيات في تعداد نعم الله على الإنسان ، وقد ورد هذا التركيب كثيرا في القرآن الكريم ،قال تعالى" لكم فيها دفء ومنافع" وقال تعالى"ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون" وقال تعالى"لكم منه شراب ومنه شجر" فقد جمع بين الدفء والمنافع ،وجمع بين الجمال ووقت الراحة ،وجمع بين الشراب والشجر ، بقوة العلاقة المعنوية ،والربط بين المعاني المنسجمة من عادة القرآن الكريم .
ثالثا : يرى بعض النحاة أن قوله تعالى "ومن لستم له برازقين " يحتمل أن يكون مفعولا معه للمصاحب " كم" من قوله "لكم" ، والمعنى : جعلت معايش فيها لكم مع من لستم له برازقين ، والذي يبدو لي أن هذا الاحتمال ضعيف ،للأسباب التالية:
1- القرآن الكريم كتاب سماوي واضح المعاني ،لا لبس فيه ، وهو كتاب أحكام وهداية ، ويرفض اللبس والاحتمال ، وينبغي تضييق الاحتمالات فيه إلى أبعد الحدود أو نفيها كليا، من أجل الفهم واستنباط الأحكام ،والقرآن الكريم يبني جمله على أساس الاحتياج والأهمية المعنوية ، وإن بنى القرآن جملة قد يتسلل اللبس والاحتمال إليها سارع إلى نفيه وتبديده من أجل توضيح المعنى المقصود ، وأمن اللبس ، قال تعالى "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين " فقد جاء قوله " وما يضل به إلا الفاسقين" لتوضيح المقصود بكلمة كثيرا ،أي: يضل به كثيرا من الناس ،ولولا هذا التوضيح لاحتملت "كثيرا" أن تكون مفعولا به أي: يضل به كثيرا من الناس ،أو نائبا عن المفعول المطلق ، أي: يضل به إضلالا كثيرا .
2- القرآن الكريم يربط مع القريب ، وهذا هو الأصل، قال تعالى" يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ، فقد عطف "من" على لفظ الجلالة ،ولم يعطف على الضمير في حسبك ، بدليل قوله "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين"
3-لأن القرآن الكريم يربط مع القريب ولا يربط مع البعيد إلا عند اللبس مع القريب، قال تعالى "فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن " فلم يعطف "من" على لفظ الجلالة ،لأن ذلك يؤدي إلى معنى خاطيء ، بل عطفها على التاء أو جعلها مفعولا معه ،وقال تعالى" ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" فعلق الظرف "يوم القيامة "بالفعل " يأت" البعيد ،ولم يعلق بالفعل القريب"غل" لأن المعنى لا يسمح بوجود علاقة معنوية بينهما .
4- لأن الربط مع البعيد عند أمن اللبس مع القريب يؤدي إلى نتائج عكسية ،قال تعالى"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " فقوله" والذين من قبلكم " معطوف على القريب ،وهوالضمير في قوله"خلقكم" ،وعطفه على البعيد "ربكم" يؤدي إلى معنى خاطيء .
5- لأن اختلاف الترتيب يؤدي إلى اختلاف الإعراب والمعنى ،فإذا قلنا: جعلنا معايش فيها لكم ومن لستم له برازقين، صارت" من" معطوفة على الضمير "كم" في قوله "لكم" أو مفعولا معه .
6- لأن التخصيص يتنافى مع المعية ، كما أنه ملبس ، فنحن لا نقول:تركت لك في المدرسة كتابا ومحمدا ،بل نقول :تركت كتابا في المدرسة لك ومحمدا .
7- لأن القرآن الكريم لا يفصل من غير هدف بين المعاني المنسجمة ، ويشبه هذا التركيب قولنا : تركت لك في المدرسة كتابا ومحمدا ، وهو تركيب غريب عن القرآن الكريم ،وملبس .
8- كما أن القرآن الكريم يفر من اللبس بالعدول عن الأصل ، ولا يعدل عن الأصل للوقوع في اللبس.

ومن هنا فالكلام يترتب بحسب الأهمية المعنوية في الأصل وفي العدول عن الأصل ، واللغة مضبوطة بالاحتياج والأهمية المعنوية ، وهي الحَكَم ، لنكون بعيدين عن اللبس والتناقض .

والله تعالى أعلم