المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : النقل بالهمزة بين القياس والسماع



د. خالد الشبل
27-10-2002, 04:33 PM
اختلف النحويون في التعدية بالهمزة والتضعيف بين القياس والسماع في الفعل اللازم والمتعدي . فقال بعضهم : إنها سماع في اللازم والمتعدي . وقال آخرون : إنها قياس فيهما . وفرّق بعضهم بين الهمزة والتضعيف ، فقال : إن التعدية بالهمزة قياس في اللازم ، سماع في المعتدي ، والتعدية بالتضعيف سماع في اللازم والمتعدي .
ما سبق كان تقدمة لمبحث التعدية ، هل هي سماع أم قياس؟ وإليك بسط القول في هذا :

نُسب إلى المبرد القول بأن النقل بالهمز سماع في الفعل اللازم والمتعدي (1 ) ، فلا يقال منه إلا ما قالته العرب . والحجة في ذلك أن النقل بالهمز لم يكثر عنده كثرة توجب القياس .
وقيل : إن النقل بالهمز قياس في اللازم والمتعدي (2) . قال أبو حيان :
" وهو مذهب أبي الحسن ، وظاهرُ مذهب أبي علي " (3 ) .
وقيل : إنه ظاهر قول ابن مالك ، إلا فيما أغنى عنه التضعيف (4) ، لأنه قال في التسهيل : " تدخل في هذا الباب - يريد باب ( علم ) - على الثلاثي غير المتعدي إلى اثنين همزةُ النقل، فيزاد مفعولاً ، إن كان متعدياً ، ويصير متعدياً إن كان لازماً ، ويعاقب الهمزة، كثيراً ، ويغني عنها قليلاً ، تضعيفُ العين ما لم تكن همزة " (5) .
وذكر ابن أبي الربيع أن أبا علي الفارسي يذهب إلى أن النقل بالهمزة سماع في المتعدي، وقياس في اللازم ، وقال : إنه ظاهر قوله (6) .
والظاهر أن ما ذكره أبو حيان هو الصحيح ، وهو أن قياسية النقل بالهمزة في المتعدي واللازم هو ظاهر قول أبي علي (7) . وهذا ما فهمه ابن الطراوة في ( الإفصاح ) حيث قال: " أجاز في هذا الباب : أَضْرَبْتُ زيداً عمراً ، ويُقاس عليه : أَقْبَلْتُ خالداً بكراً ، وأَنْصَحْتُ سلمى جملى ، ونحوه مما لم يرد به نظم ولا نثر ، ولا التبس به فِكْرٌ ، إلا حَمْلاً على ما ليس من باب " (8) .
وذهب أبو عمرو وجماعة إلى أن النقل بالهمزة قياس في كل فعل إلا باب (علم)(9) ، أي في اللازم والمتعدي إلى واحد ، لأن همزة النقل في باب ( علم ) أَوْصلتْ ( علم ورأى ) إلى مفعول ثالث (10) ، وقيل : إنما قيّد المتعدي بكونه إلى واحد ليخرج باب ( ظننت ) فإن التعدي فيه بالهمزة موقوف على السماع ، ومنهم من قاس ( ظننت ) على ( علمت ) ، فعدّاها بالهمزة إلى ثلاثة .
وظاهر مذهب سيبويه أن النقل بالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي . هذا ما نص عليه ابن أبي الربيع (11) ، وغيره (12) .
وقد استنتج ابن أبي الربيع أن هذا هو ظاهر مذهب سيبويه من موضعين في كتابه . قال سيبويه : " لأنه ليس كل فعل يجيء بمنزلة ( أَوْلِنِي ) قد تعدى إلى مفعولين ، فإنما (عَلَيَّ) بمنزلة ( أولني ) ، و ( دُوْنَك ) بمنزلة ( خذ ) ، لا تقول : آخذني درهمأً ، ولا : خذني درهماً " (13) .
والموضع الثاني هو فيما لا يتعدى ، وذكر فيه أن النقل بالهمزة فيه كثير (14) .
وأما النقل بالتضعيف ففيه مذهبان . الأول : أنه سماع في اللازم والمتعدي (15) . وذكر ابن أبي الربيع أنه الظاهر من مذهب سيبويه ، وصححه (16) ، واختاره السيوطي (17) . والثاني : أنه قياس فيهما (18) .
فتحصل أن ابن أبي الربيع يختار سماعية النقل بالتضعيف في الفعل المتعدي واللازم . وكذلك النقل بالهمزة في المتعدي . ويختار قياسية النقل بالهمزة في اللازم .
وحجة ابن أبي الربيع أن النقل بالهمز في اللازم : " كَثُرَ وفَشا ، وليس كذلك النقل بالتضعيف ، وما كثر وفشا ينبغي أن يُدّعى أنه قياس ، فيقال منه ما قالته العرب ، وما لم تَقُلْه ، قياساً على ما قالته " (19) .
وأما النقل بالهمز في المتعدي ، وبالتضعيف في المتعدي وغيره فقليل ، لا يبلغ مبلغاً يجعله مقيساً عليه (20) .
ويظهر - والله أعلم - أن الأرجح من المذاهب هو ما ذهب إليه سيبويه ، ووافقه ابن أبي الربيع من أن النقل بالهمز سماع في المتعدي ، وقياس في اللازم ، وأن النقل بالتضعيف سماع فيهما .
وإنما رجحت مذهب سيبويه لما علل به ابن أبي الربيع من أن النقل بالهمز في الفعل اللازم كثُر كثرةً توجب القياس عليه ، ولأن أمر النقل دائر بين السماع والقياس ، وسيبويه - رحمه الله - يحكي السماع ، لأنه شافه العرب (21) ، وخالط الفصحاء . والله أعلم .

خالد
_______________________________

(1) ينظر : الارتشاف 3/54 ، والمساعد 1/446 ، وتعليق الفرائد 5/42 ، والهمع 5/4 ، ولم أقف على قولٍ للمبرد في كتبه التي رأيت .
(2) قيّده ابن عقيل بأنه متعدٍ لواحد . ينظر : المساعد 1/446 ، وتعليق الفرائد 5/42 .
(3) ينظر : الارتشاف 3/54 ، والهمع 5/14 .
(4) ينظر : المساعد 1/446 ، وتعليق الفرائد 5/42 ، وشفاء العليل 1/443 .
(5) شرح التسهيل 2/163 ، ومثَّل - رحمه الله - للتضعيف المغني عن الهمزة بـ : قرّبتُ الشيء ، وهيّأته ، وحكّمت فلاناً ، وطهّرت الشيء ... الخ .
(6) البسيط 1/422 .
(7) ينظر : الارتشاف 3/54 ، والإيضاح 105 .
(8) الإفصاح ببعض ما جاء من الخطأ في الإيضاح 39 .
(9) ينظر : الارتشاف 3/54 ، والمساعد 1/446 ، وتعليق الفرائد 5/42 ، والهمع 5/14 .
(10) ينظر : شرح التسهيل 2/163 .
(11) ينظر : البسيط 1/416 ، 422 ، والمساعد 1/446 ، وتعليق الفرائد 5/42 .
(12) ينظر : الارتشاف 3/54 ، وشفاء العليل 1/443 ، وهمع الهوامع 5/14 .
(13) الكتاب 1/252 .
(14) ينظر : الحاشية (3) من البسيط 1/422 فقد نقل المحقق عن ابن أبي الربيع كلاماً له في الكافي في شرح الإيضاح ، عن هذا ، ولعله يقصد باب افتراق فعلت وأفعلت في الفعل والمعنى من كتاب سيبويه 4/55 فما بعدها . وينظر : شرح السيرافي 5/87ب فما بعدها .
(15) ينظر : الارتشاف 3/54 .
(16) ينظر : البسيط 1/422 .
(17) ينظر : الهمع 5/14 .
(18) ينظر : الارتشاف 3/54 ، والمساعد 1/446 ، والهمع 5/15 .
(19) ينظر : البسيط 1/416 .
(20) ينظر : الملخلص 359 .
(21) ينظر : شرح ابن عقيل .

الأحمر
27-10-2002, 05:10 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي ( خالد الشبل ) جزيت خيراً وزوجت بكراً وخدمك المال والبنون والزوج الحنون على هذه المعلومات القيمة المفيدة