المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : تأملات في إعراب آية الوضوء



أبو رويم
05-08-2011, 03:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات في إعراب آية الوضوء
تقدمة
قال عز من قائل حكيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]
قوله تعالى: {وَأَرْجُلِكُمْ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف وأنس وعكرمة ويحيى بن وثاب والشعبي والباقر وقتادة وعلقمة والضحاك والأعمش بالخفض.
وقرأ نافع والكسائي وابن عامر وحفص عن عاصم وابن مسعود ويعقوب والأعشى وأبو بكر وابن عباس والشافعي وعلي والمفضل بالنصب.
«معجم القراءات» للدكتور عبد اللطيف الخطيب (2/232) دار سعد الدين.
الدخول في التأملات:
(قراءة الجر): أما قراءة الجر، فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرءوس.
(الجر على الجوار): فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن هذا كسر على الجوار، كما في قولهم: «هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ». قلنا: هذا باطل من وجوه:
الوجه الأول: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله منزه عنه، وأما قوله: «إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ»، فليس من الجوار في شيء كما زعم بعضهم، وإنما هو وصف لـ«يومٍ»؛ واليومُ الأليم هو يوم القيامة، أو يوم الطوفان، ووصفه بالأليم من باب الإسناد المجازي مبالغة.
الوجه الثاني: أن الكسر على الجوار إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، كما في «هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ»؛ فإن المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتًا للضب، بل للجحر، وفي الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.
الوجه الثالث: أن الكسر على الجوار إنما يكون من دون حرف العطف؛ وأما مع حرف العطف، فلم تتكلم به العرب؛ لأن العاطف يمنع المجاورة، وإنما تكلمت به العرب على قلَّةٍ في «النَّعْت»، كقولهم: «هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ»، وفي «التوكيد»، كقول الشاعر:

يا صاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلِّهِمُ * أَنْ لَيْسَ وَصْلٌ إِذا انحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ
بجر «كُلِّهِمُ» على ما حكاه الفراء أمير المؤمنين في النحو وتلميذ الإمام الكسائي رضي الله عنهما! وكان القياس النصب: «كُلَّهُمُ».
وفي البحر (3/437): «والظاهر من هذه القراءة اندراج الأرجل في المسح مع الرأس، وروي وجوب مسح الرجلين عن ابن عباس وأنس وعكرمة والشعبي وأبي جعفر الباقر، وهو مذهب الإمامية من الشيعة. ومن أوجب الغسل تأوَّل أن الجر هو خفض على الجوار، (وهو تأويل ضعيف جدًّا)، ولم يرد إلا في النعت حيث لا يلبس على خلاف فيه قد تقرر في علم العربية».
نخرج من عبارة صاحب البحر بما يلي:
1- ظاهر قراءة الجر اندراج الأرجل في المسح مع الرأس.
2- القائل بالغسل متأوِّل لقراءة الجر على الجوار، وألجأه إلى التأول مخالفة الظاهر.
3- تأويل الآية بالخفض على الجوار ضعيف جدًّا؛ حيث لم يرد إلا في النعت شريطة عدم اللبس.
4- الجوار الذي خرَّجوا عليه الآية مختلفٌ فيه، فليس هو محل اتفاق بينهم، كما تقرر في علم العربية.
وأضف إليه ما سبق في الجوار مما لم يذكره صاحب البحر لتنكشف لك حقيقة الأمر.
وفي الخزانة (2/325): «وأما جر الجوار في العطف، فقد قال أبو حيان في تذكرته: لم يأت في كلامهم؛ ولذلك ضَعَّفَ جدًّا قولَ مَنْ حمل (على الجوار) قولَهُ تعالى: {وامسحوا بوجوهكم وأرجلكم} في قراءة من خفض، والفرق بينه وبين النعت كون الاسم في باب النعت تابعًا لما قبله من غير وساطة وشيء، فهو أشد له مجاورة بخلاف العطف؛ إذ قد فصل بين الاسمين حرف العطف، وجاز إظهار العامل في بعض المواضع؛ فبعدت المجاورة. وذهب بعض المتفقهة من أصحابنا الشافعية إلى أن الإعراب على المجاورة لغة ظاهرة، وحمل على ذلك في العطف الآية الكريمة». اهـ بتصرف بسيط يقتضيه السياق؛ إذ كانت عبارته: «في قراءة من خفض على الجوار»، وفيه ما يوهم أن القراءة مبنية على الجوار، مع أن (على الجوار) متعلق بـ(حمل)؛ فجعلناه بعده ليستقيم وجه الكلام.
وقوله نقلًا عن بعض الشافعية: «إن الإعراب على المجاورة لغة ظاهرة» قولٌ عجيب بعد ما سقناه من الكلام على الجر على الجوار، فراجعه غير مأمور؛ وذلك لأهميته.
ثم قال مُعَقِّبًا على مَن قال بالجوار في هذه الآية وغيرها: «وما ذهب إليه يمكن تأويله على وجه أحسن؛ فلا حُجَّةَ فيه». وكفى بهذا ردًّا!!
(قراءة النصب): قوله: «برءوسكم» في محل النصب بـ«امسحوا»؛ لأنه المفعول به، ولكنها مجرورة لفظًا بالباء؛ فإذا عطفت الأرجل على الرءوس، جاز في الأرجل وجهان:
الوجه الأول: النصب عطفًا على محل الرءوس.
الوجه الثاني: الجر عطفًا على لفظ الرءوس.
(حمل إحدى القراءتين على الأخرى): إذا ساغ لنا حملُ إحدى القراءتين على الأخرى من حيث الصناعة النحوية فحسب، فلا مناصَ من أن نحمل قراءةَ النصب على قراءة الجر بجعل العطف على المحل؛ لأنه أقرب من حمل قراءةِ الجر على قراءة النصب؛ لشذوذ الجوار وإن حكم بجوازه جماعة من أئمة الإعراب كسيبويه والأخفش، واطِّرادِ العطف على المحل، وأيضًا في العطف على المحل خلوص عن الفصل بالأجنبي بين العاطف والمعطوف عليه.
(عامل النصب في الأرجل): في الآية عاملان هما: «فاغسلوا»، و«امسحوا»؛ أما «فاغسلوا»، فلا يجوز أن يكون عاملَ النصب في الأرجل؛ لأنه لم يسمع في الفصيح: «ضربتُ زيدًا ومررتُ ببكرٍ وعَمرًا»، بعطف «عَمرًا» على «زيدًا»؛ وذلك للفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية؛ هي «وامسحوا برءوسكم»، والأصل أن لا يُفْصَلَ بينهما بمفردٍ فضلًا عن الجملة؛ فلا يبقى إلا أن يكون عامل النصب هو «وامسحوا».
(تقديم المعطوف): وأما قول الشاعر:

ألا يا نخلةً من ذات عِرْقِ * عليكِ ورحمةُ اللهِ السَّلامُ
ففيه تقديم المعطوف، وهو جائز بشرط الضرورة، وعدم التقديم على العامل، وكون العاطف أحد أحرف خمسة: «الواو»، و«الفاء»، و«ثم»، و«أو»، و«لا»، صرَّح به المحققون. وانظر خزانة الأدب (1/383).
وليس هذا مما نحن فيه، وإنما ذكرته حتى لا يتوهَّمَ متوهِّمٌ أن الآية من هذا الضَّرْبِ، كما أن القرآن لا يُحمل على الضرورة .
قوله تعالى: {إنما أنت منذر وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}:
في {ولكل قوم هاد} ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه جملة مستأنفة؛ أي: لكل قوم نبيٌّ هادٍ.
والثاني: أن المبتدأ محذوف، تقديره: وهو لكلّ قوم هادٍ.
والثالث: تقديره: إنما أنت منذرٌ وهادٍ لكلِّ قومٍ، وفي هذا فصل بين حرف العطف والمعطوف، وقد ذكروا منه قدرًا صالحًا. قال العكبري.
جوازُ الْفَصْلِ بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفِ:
وما ذكره العكبري في الوجه الثالث فيه دليلٌ على جواز الفصل بين حرف العطف والمعطوف لا المعطوف عليه عند العكبري، لورود قَدْرٍ صالح منه في كلامهم، ولا ضرر عنده من الفصل؛ لأنه من جملة الكلام المعطوف، وإن كان غيره لا يُجيزُه كالكسائي والفراء وأبي علي الفارسي، فلنا مثلًا أن نقول على ما رآه العكبري: جاء خالد وإلى الحديقة زيدٌ، على أن يكون (زيدٌ) معطوفًا على (خالد)، وتقديره: جاء خالد وزيد إلى الحديقة. والعطف هنا بالواو، فهل تختص الواو عنده بهذا الحكم دون غيرها من حروف العطف؟
والجواب: لا، بل ينسحب هذا الحكم على غيرها من حروف العطف، فيجوز الفصل بين أيّ حرف من حروف العطف، وبين المعطوف، وقد صرّح بهذا الصّبان، ولم يذكر خلافًا، وإن كان هناك فريقٌ يمنع الفصلَ مطلقًا في غير الضرورة الشعرية، بين المعطوف وحرف العطف «الواو» أو «الفاء»، وأجمعوا على جوازه في غير هذين الحرفين.
ومهما يكن من شيء، فالفصل عند مَنْ يُجيزه لا يكون إلاّ بالظرف أو الجار مع مجروره شريطةَ أن يكون من جملة الكلام المعطوف، مع وجوبِ أن نضع في الاعتبار أن هذا من مواضع الخلاف، فما بالك بالفصل بغير الظرف مفردًا، ثم ما بالك بالفصل بالجملة الأجنبية كما في آية الوضوء محل البحث؟!
ومثال الفصل بالظرف: رأيت عُصفورَيْنِ: عُصفورًا فوقَ الشجرة وتحتَها عُصفورًا.
تنبيه: جواز العطف هنا خلافه في قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين}؛ إذ الفاصل هنا ظرف، وواقعٌ بعد العاطف لا قبله، وليس بأجنبي، والفاصل في آية الوضوء جملةٌ، وواقعٌ قبل العاطف لا بعده، وهي أجنبية؛ ولذا فالأرجل عندنا عطفٌ على محلِّ «الرءوس» لا على «الوجوه»، وهذا ما تقتضيه صناعة الإعراب المأخوذة من استقراء كلام العرب.
ومنه قوله: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوبَ}
على قول من قال: إن فتحة «يعقوب» للجر، فإنه غير مصروف.
والمعنى: فبشرناها بإسحاق ولدًا لها، ومن وراء إسحاق يعقوب من ابنها إسحاق.
وفيه بشارة بأنها تعيش إلى أن ترى ولدَ ولدِها. وخصت بالبشارة؛ لأن النساء أعظمُ سُرورًا بالولد من الرجال؛ ولأنه لم يكن لها ولدٌ، وكان لإبراهيم ولدٌ؛ وهو إسماعيل. وأسند البشارة إلى ضمير الله تعالى؛ لأنها كانت بأمره.
وقد رُدَّ للفصل بينه وبين ما عطف عليه بالظرف، وإن كان من الملاحظ أن الفصل هنا أيضًا بين العاطف والمعطوف، لا بين العاطف والمعطوف عليه، فتنبَّه.
وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون «يعقوب» في موضع جر.
وقال الفراء: «لا يجوز الجر إلا بإعادة حرفه».
وذلك لأن «بَشَّرَ» لا تسقط باؤه من المبشر به في الفصيح.
قال سيبويه: «ولو قلت: «مررت بزيد أول من أمس وأمس عُمَرَ» كان قبيحًا خبيثًا؛ لأنك فرَّقت بين المجرور وما يشركه كما يفرق بين الجار والمجرور.
فهذا النقل يمنع الفصل أيضًا مع ورود قَدْرٍ صالحٍ منه كما قال العكبري، فسيبويه لا يُجيز التفريق بين حرف العطف والمعطوف بالمجرور إلا على إعادة حرف الجر، وهو كما تقول: «مررتُ بزيدٍ اليومَ وأمسِ عمرٍو»، فالوجه عنده: «وأمسِ بعمرٍو»؛ وإذا لم يُعَدْ، ففيه كبير قُبح.
والوجه في نصبه أن ينتصب بفعل مضمر تدل عليه البشارة، وتقديره: ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب.
ولاحظ أن الفاصل هنا بعد العاطف أيضًا لا قبله، فتنبّه.
وزعم بعضهم أن العطف على «بإسحاق» على توهم نصبه؛ لأنه في معنى «وهبنا لها إسحاق».
ويقال لمثل هذا: «عطف التوهم»، ولا يخفى ما في هذه التسمية هنا من البشاعة، على أن هذا شاذٌّ لا ينبغي التخريج عليه مع وجود غيره.
وجعله بعضهم مفعولًا به لفعل محذوف، والتقدير عندهم: فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق (وهبنا لها) يعقوبَ.
واعترضه بعضهم بأنه حينئذٍ لا يكون ما ذكر داخلًا تحت البشارة.
ودُفع بأن ذكر هذه الهبة قبل وجود الموهوب بشارةٌ معنًى.
وإنما ألجأ مَن قدَّر إلى هذا التقدير أنهم لا يُجيزون الفصلَ مطلقًا حتى ولو كان بعد العاطف لا قبله.
(منشأ الخلاف في توجيه الآية): معلومٌ أن حرف العطف منها الذي هو «الواو» قد ناب عن الجارِّ الذي هو «الباء» في قوله: «بإسحاق»، وأقوى أحوال حرف العطف أن يكون في قوَّة العاملِ قبلَهُ، وأن يليَ مِنَ العملِ ما كان الأوَّل يليه، والجارُّ لا يجوز فصلُهُ من مجروره، وهو في الآية قد فصل بين «الواو» الجارَّةِ بالنيابة، و«يعقوب» وهو مجرورها، بقوله: «من وراء إسحاق».
وفي التسهيل(178): «وقد يفصل بين العاطف والمعطوف، إن يكن فعلًا بظرف أو جار ومجرور، ولا يخص بالشعر خلافًا لأبي علي، وإن كان مجرورًا أعيد الجار، أو نصب بفعل مضمر».
وفي شرح الكافية (1/299- 300):
1- «الفصل بالظرف أو غيره بين العاطف والمعطوف المرفوع أو المنصوب إذا لم يكن الفاصل معطوفًا، بل كان معمولًا من غير عطف منعه الكسائي والفراء وأبو علي في السعة، نحو: ضَرَبَ زَيْدٌ وَ(عَمْرًا) بَكْرٌ، وجاءني زَيْدٌ و(اليومَ) عَمْرٌو».
قلت: فالفاصل هنا معمول من غير عطف، ومنعه الكسائي والفراء وأبو علي في السعة، وأصل التركيب: ضَرَبَ زَيْدٌ وَبَكْرٌ (عَمْرًا)، وجاءَني زَيْدٌ وَعَمْرٌو (الْيَوْمَ). ثم قال:
2- «إن كان الفاصل معطوفًا على مثله، لم يختلف في جوازه في المرفوع والمنصوب، وعدم جوازه [في المجرور]، نحو: جاءني أمسِ عمرٌو و(اليومَ) زَيْدٌ، وضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا و(بكرًا) خالدٌ».
قلت: فالفاصل هنا معطوف على مثله في المرفوع والمنصوب، وهذا لم يختلف في جوازه، وأصل التركيب: جاءني أمسِ عمرٌو وزيدٌ (اليومَ)، وضرب زيدٌ عمرًا وخالدٌ (بكرًا). ثم قال:
3- «ولا يجوز: مررتُ اليومَ بزيدٍ و(أمسِ) عمرٍو، كما لا يجوز: مررتُ بزيدٍ و(أمسِ) خالدٍ».
قلت: فالفاصل هنا في المثال الأول معطوف على مثله في المجرور، وهذا لا خلاف في عدم جوازه، كما لا خلاف في عدم جواز: مررتُ بزيدٍ و(أمسِ) خالدٍ.
وجملة القول أنه:
1- إن كان المعطوف مرفوعًا أو منصوبًا، ففي جواز الفصل خلاف.
2- إن عطفتِ الواوُ شيئين فأكثر على شيئين فأكثر، كأن تقول: أعلمت زيدًا أخاه مُنطلقًا، وعَمْرًا أباه مقيمًا؛ فليس هذا من الفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف.
3- لا يجوز الفصل بالظرف أو المجرور بين العاطف ومعطوفه المجرور؛ فإن جاء ففي شعر.
وبناءً على الفقرة الثالثة فالأحسنُ في الآية أن يكون «يعقوب» مفعولًا به لفعل محذوف، وبهذا تخرج الآية عن أن تكون دليلًا على جواز الفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف.
(الفصل بين العاطف والمعطوف بالحال):
أبو علي يمنع الفصل بينهما بالظرف فضلًا عن الحال التي هي شبيهة بالمفعول به، ومع هذا فقد خرَّجوا قوله جل شأنه: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذكرًا} على جواز الفصل بين العاطف والمعطوف بالحال وقد كان وصف نكرة فقدم عليها، وعللوا الجواز بقولهم: لأن الحال شبية بالظرف!!
وأصل التركيب: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو ذكرًا (أشدَّ) من ذكركم آباءكم.
وجديرٌ بالذكر أن خلاف أبي علي إنما هو في مثل قولك: ضربتُ زيدًا وفي الدار عمرًا، وأصل التركيب: ضربتُ زيدًا وعمرًا في الدار، وهو عندهم محجوجٌ في عدم جواز ذلك بقوله جل شأنه: {الله الذي خلق سبعَ سماوات ومن الأرض مثلَهُنَّ}، فـ«مثلهن» عطفٌ على «سبعَ سماوات»، مع وجود الفاصل بين العاطف والمعطوف، وهو «من الأرض»، وبقوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}فـ«أن تحكموا بالعدل» عطفٌ على «أن تؤدوا الأمانات»، مع وجود الفاصل بين العاطف والمعطوف أيضًا، وهو «إذا حكمتم بين الناس».
وإن كان هذا أيضًا مما يجوز التقدير فيه، فنقول مثلًا: إن التقدير: «وخلق من الأرض مثلَهُنَّ»، و«وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس»، فـ«إذا» معمولة لـ«أن تحكموا» المقدر، والمذكور يُفسِّرُهُ؛ إذ لا يجوز أن تكون معمولة لـ«أن تحكموا» المذكور؛ لأن الفعل في صلة «أن»، ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيكون الكلام بلا فاصل؛ أي: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس»، وقس على ذلك، وقد قال بعضهم به؛ فيستقيم لأبي عليٍّ مذهبُهُ من اختصاص ذلك بالضرورة، فتنبه!!
ثم لاحظ معي أيضًا أنهم يُخرِّجون الفصل بغير الظرف على أنه شبيهٌ بالظرف، ومفهوم هذا أنهم لا يُجيزون الفصل إلا بالظرف أو بما هو شبيهٌ به، ومفهوم هذا أيضًا أنهم لا يُجيزون قطعًا الفصلَ بالجملة الأجنبية بين العاطف والمعطوف عليه في آية الوضوء محل البحث، مع وجوب أن تكون على ذُكرٍ دائمًا بأن الفصل قد يكون بين العاطف وبين المعطوف، كما قد يكون بين العاطف وبين المعطوف عليه؛ أي إن الفاصل قد يكون بعد العاطف، كما قد يكون قبله، والظاهر من كلامهم أنهم لا يُفرِّقون بين الحالتين، بدليل اعتدادهم بالفصل سواء أكان قبل العاطف أو بعده.
(الفصل بين العاطف والمعطوف غيرِ المجرور بالقسم): اشترط بعض النحاة لصحة هذا الفصل أن لا يكون المعطوف جملة لئلا تكون هي جواب القسم، فليزمها حرف الجواب؛ فلا يكون ما بعد القسم عطفًا على ما قبله، بل تكون الجملة القسمية عطفًا على ما قبلها.
مثال الجائز: قام زيدٌ ثُمَّ (واللهِ) عَمْرٌو. فـ«عمرٌو» عطف على «زيد».
ومثال غير الجائز: قام زيدٌ ثُمَّ (واللهِ) قَعَدَ عَمْرٌو. فـ«قعد عمرٌو» جملة، وهي جواب القسم، وجملة القسم «واللهِ، قعد عمرٌو» عطفٌ على جملة «قام زيد»، فهو من عطف الجمل.
(الفصل بين العاطف والمعطوف غيرِ المجرور بالشرط):
ومثَّلُوا له بقولهم: أكْرِمْ زَيْدًا ثُمَّ (إن أكرمتَني) عَمْرًا.
(الفصل بين العاطف المعطوف غيرِ المجرور بالظن):
ومثلوا له بقولهم: خرج زيدٌ أو (أظنُّ) عمرٌو.
وواضحٌ من التمثيل أنه غير جائز مع «الواو» ولا «الفاء»؛ لكونهما على حرف واحد؛ فلا ينفصلان عن معطوفهما. ولا «أم» العاطفة؛ إذ يليها مثلُ ما يلي همزة الاستفهام التي قبلها في الأغلب، كقولك: أماشيًا جئتَ أم راكبًا؟
(الفصل بين العاطف والمعطوف عليه بالجملة):
قوله: {وبرًّا بوالدتي} قال الحوفي وأبو البقاء: «معطوف على «مباركًا» ».
مع وجود الفاصل بجملة «وأوصاني» ومتعلقها.
قال صاحب البحر (6/188): «وفيه بعد؛ للعطف بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي «أوصاني» ومتعلقها».
فيكون في الكلام تقدير فعل؛ أي: «وجعلني بارًّا بوالدتي». وكذا قدَّر في «تفسير الجلالين».
وأصل المسألة أن عناصر هذه الآية الكريمة جاءت على غير أصلها؛ إذا الأصل قبل وقوع الفصل: قال: إني عبد الله، آتاني الكتابَ، وجعلني نبيًّا، وجعلني مباركًا أين ما كنتُ، وبرًّا بوالدتي، ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا، (وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دُمتُ حيًّا).
فبالنظر إلى هذا الأصل قال مَن قال بأن «برًّا» عطفٌ على «مباركًا»، ولوجود الفصل بعد تغيُّرِ هذا الأصل قدَّر من قدَّر عاملًا محذوفًا. فحُجَّة المقدِّرين عاملًا محذوفًا هي الفصل، وحُجَّة العاطفين هي استحضارُ الأصل، والاعتمادُ على القرائن السياقية كإتيانه بقوله: «ولم يجعلني جبارًا شقيًّا» بعد قوله: «وبرًّا بوالدتي» مباشرة؛ لما فيه من التضاد بين «البر»، و«الجبار الشقي»؛ ولما فيه أيضًا من التضاد بين «وجعلني» الثاني، وبين «ولم يجعلني».
وجديرٌ بالذكر أنه لا يجوز عطف «برًّا» على «حيًّا» ليصير المعنى: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت برًّا بوالدتي؛ وذلك لفساد المعنى؛ إذ إن أداء الصلاة لا يتوقف على أن يكون المرء برًّا بوالدته؛ بحيث إذا توقَّف عن البر، توقَّف عن أداء الصلاة.
(من أقبح التراكيب):
قال الزمخشري (3/312) في قوله جل شأنه: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون}: «معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهما المسافة؛ أمر رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث، ثم ساق كلامًا موصولًا بعضه ببعض، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى».
وتعقبه صاحب البحر(7/376) بقوله: «ويبعد ما قاله من العطف، وإذا (كانوا) قد عدوا الفصل بجملة، مثل قولك: «كل لحمًا (واضرب زيدًا) وخبزًا» من أقبح التراكيب، فكيف بجُمَلٍ كثيرة،وقصصٍ مُتباينة؛ فالقولُ بالعطف لا يجوز».
قلت: قوله: «وإذا كانوا»؛ أي: النحاة، ويلاحظ أنه لم يقل: «وإذا كان بعضهم»، وإنما عمَّم؛ إذ لو كان في المسألة خلافٌ لذكره على عادته في ذلك.
ويفهم من ذلك أن النحاة عدوا الفصل بجملة واحدة بين العاطف والمعطوف عليه من أقبح التراكيب، وكان الأصل في التركيب الذي مثَّل به صاحب البحر: كُلْ لحمًا وخُبزًا (واضْرِب زَيْدًا)، فجملة «واضرب زيدًا» أجنبية، وقد فصل بها بين العاطف والمعطوف عليه كما ترى، وهذا الفصل من أقبح التراكيب عند النحاة كما صرَّح به صاحب البحر، فكيف نُخرِّج عليه قوله: {وأرجلكم} في آية الوضوء محل البحث؟!
ولكن مع ذلك فقد ورد في الجمل (3/549) تعقيب على صاحب البحر يقول:
«ما ذكره النحاة في عطف المفردات، وأما الجمل فلاستقلالها يغتفر فيها ذلك، وهنا الكلام لما تعانقت معانيه، وارتبطت مبانيه، حتى كأنه جملة واحدة، لم يُعَدَّ بُعدها بُعدًا».
قلت: وهذا تعقيب ربما يبدو وجيهًا بخصوص هذه الآية، ولكنه لا يتوجه بخصوص آية الوضوء محل البحث، لقراءة الجر، فهي ضميمة تُعَيِّنُ المراد في حالة النصب، وأنه عطف على محل الرءوس، ولا يقال: إنه كسر على الجوار؛ لما ذكرناه في ذلك من وجوه إبطاله، فراجعه لأهميته.
ثم يقال: إنه إن أمكن أن تكون «الأرجل» في حالة النصب عطفًا على محل الرءوس في آية الوضوء محل البحث، وقد جاءت القراءة الأخرى بذلك، فَلِمَ نلجأ إلى ما هو بعيدٌ أو قبيحٌ عند النحاة؟!
(مسألة): قوله تعالى: {وحور عين} في قراءة الجر على معنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بحورٍ عينٍ، ولكن يكون ذلك في القصور، لا بين بعضهم بعضًا، بل في الخيام كما في تفسير ابن كثير ، وحمل الآية على هذا أوجه من حملها على الجوار، وهو الاحتمال الثاني في الآية؛ وذلك لما أوردناه في شأن الجوار، فراجعه غير مأمور.
وتُعِقِّبَ هذا الوجه بأن الطواف بهن لا يناسب حالهن، وأُجيب كما في تفسير روح المعاني بأنه لا يبعد أن يكون من الحور ما ليس بمقصورات في الخيام، ولا مُخَدَّرات، بل هن كالخدم لا يُبالى بطوافهن، ولا يُنكر ذلك عليهن، وأن الطواف في الخيام أنفسها، وهو لا ينافي كونَهُنَّ مقصوراتٍ فيها.
هذا، ويجوز أن تكون عطفًا على الفاكهة إتباعًا لآخر الكلام أوله كما في تفسير الطبري، وهذا أيضًا وجهٌ حسن، وليس فيه ما في الجوار، وعليه فلا حُجَّة لمن استدلَّ بهذه الآية على وجود الجوار في القرآن الحكيم؛ فتنبَّهْ.
قال الزجاج كما في «زاد المسير»: «والذين رفعوا كرهوا الخفض؛ لأنه معطوف على قوله: {يطوف عليهم}، قالوا: والحور ليس مما يطاف به. ولكنه مخفوض على غير ما ذهب إليه هؤلاء؛ لأن المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير، فكذلك ينعمون بحور عين».
وهذا أيضًا وجهٌ حسن، وفيه ردٌّ لتخريج الآية الكريمة على الجوار، بدليل قوله: «ولكنه مخفوضٌ على غيرِ ما ذهب إليه هؤلاء». يعني: الخفض على الجوار؛ إذا الزجاج لا يستحسنه، ولا يقبل تخريج الآية عليه، كما هو مفهوم عبارته السابقة التي نقلها عنه صاحب زاد المسير.
أما قول الزجاج: «والذين رفعوا كرهوا الخفض»، فهذا قولٌ لا يصح من عالم مثل الزجاج، ولا يليق به أن يقول بمثله؛ إذ القراءة سُنَّةٌ مُتَّبَعة، وليست هروبًا مما يكره!!
ولكن مع ما في العبارة من تجاوزٍ ربما يكون سبق قلم، خَرَجنا بأن الجوار مما يكره أن تخرج عليه القراءة.
وفي «أحكام القرآن» (3/350) للجصاص تخليطٌ عجيبٌ غريبٌ في توجيه آية الوضوء محل البحث، نذكره ملخصًا محافظين كل المحافظة على أن لا نُسقط شيئًا من أصوله، تاركين الحشو والشواهد والفروع التي بُنيت على هذه الأصول، مُعَوِّلين على ما تقتضيه الصناعة الإعرابية دون الدخول في القرائن الأخرى؛ لأن هدف هذا البحث معرفةُ ما تقتضيه صناعة النحو في هذه الآية، وهل ظاهرها المسح أو الغسل.
الفقرة الأولى: «المحفوظ عن الحسن البصري استيعابُ الرِّجل كلها بالمسح، ولست أحفظ عن غيره ممن أجاز المسح مِن السلف هو على الاستيعاب أو على بعضها، وقال قوم: يجوز مسح بعضها».
مما يفهم من العبارة: بعض السلف أجاز المسح على الرِّجلين أخذًا بظاهر القراءة، لا بالخفض على المجاورة، لكنه هو لم يحفظ عن غير الحسن منهم إن كان المسح على استيعاب الرِّجل كلها، أو على بعضها، والمحفوظ عن الحسن هو استيعاب الرِّجل كلها بالمسح.
ثم قال قومٌ: «يجوز مسح بعضها». ويبدو أن القوم هنا ليسوا من السلف، وإلا كان نقضًا لما بدأ به من أنه لم يحفظ عن غير الحسن منهم . . . إلخ العبارة.
الفقرة الثانية: «لا يختلف أهل اللغة أن كلَّ واحدة من القراءتين محتملةٌ للمسح بعطفها على الرأس، ومحتملة للغسل بعطفها على الوجوه».
مفهوم هذه الفقرة: قراءة النصب تحتمل المسح والغسل معًا، كما تحتملهما قراءةُ الخفض، ولا خلاف بين أهل اللغة في ذلك؛ أي: في احتمال كُلٍّ من القراءتين للمسح والغسل معًا.
والسؤال: هل تحتمل قراءة الخفض أن تكون الأرجل مغسولة؟ والجواب في:
الفقرة الثالثة: «عطفه على الغسل، ويكون مخفوضًا بالمجاورة، كقوله تعالى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون}، ثم قال: {وحور عين}، فخفضهن بالمجاورة، وهن معطوفاتٌ في المعنى على الولدان؛ لأنهن يَطُفْنَ، ولا يُطاف بهن».
ومضى اختلافهم على الجوار، كما مضى بنا توجيه قراءة الجر في {وحور عين} على أنها بغير المجاورة، ولك أن تعجب بعد ذلك من قوله: «لا يختلف أهل اللغة . . . إلخ».
فمعلومٌ أن الرافض لتخريج الآية على المجاورة سالكًا في تخريجها غيرَ هذا السبيل مختلفٌ مع القابل لتخريجها على المجاورة؛ فكيف يُدَّعى عدمُ اختلافِهم؟!
ألا ترى أنني حين أقول: «خفض الأرجل عطفٌ على الرأس لا عطفٌ على المجاورة» ، أكون رافضًا تمامًا لاحتمالية المجاورة مع وجود العاطف، بل للمجاورة بغير العاطف أيضًا لشذوذها؛ فلا أرى أن تُخرَّج الآيةُ عليها؟ فكيف أكون غيرَ مختلفٍ مع من يقول باحتمالية الآية للمجاورة؟!
إذن فأهل اللغة مختلفون في أن تكون قراءة الخفض محتملةً للمسح والغسل؛ إذ هي عندهم لا تحتمل إلا المسح؛ لشذوذ الخفض عندهم على المجاورة، ولكلِّ ما قلناه فيه من قبل، فراجعه غير مأمور!!
نترك الآن احتمالية قراءة الخفض للمسح والغسل وما رددنا به عليه؛ لنذهب إلى:
الفقرة الخامسة: « {وأرجلكم} بالنصب يجوز أن يكون مراده فاغسلوا أرجلكم، ويحتمل أن يكون معطوفًا على الرأس فيراد بها المسح وإن كانت منصوبة، فيكون معطوفًا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح به مفعول به».
قوله: «يجوز أن يكون مراده فاغسلوا أرجلكم» غير صحيح؛ للفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، وهم يمنعون الفصل بينهما بالمفرد فضلًا عن الجملة، وسبق تفصيل القول في هذه المسألة، فراجعه غير مأمور.
الفقرة الرابعة: «فثبت بما وصفنا احتمالُ كُلِّ واحدةٍ من القراءتين للمسح والغسل».
قلت: لم يثبت هذا مطلقًا؛ لأن للمانع أن يقول بعدم احتمالية الآية للغسل مع قراءة الخفض ؛ لأنه مُخرَّج على المجاورة، وفي المجاورة ما فيها مما ذكرناه. وبعدم احتمالية الآية للغسل مع قراءة النصب أيضًا؛ للفصل بين العاطف والمعطوف عليه، فلا يبقى إلا أن تكون الآية محتملة للمسح نصبًا وخفضًا، وهذا ما تقتضيه الصناعة النحوية.
هذه أصوله التي بنى عليها ما في الفقرات التي ضربنا عنها صفحًا؛ إذ ما بُني على مُقَدِّمات غيرِ صحيحةٍ فهو غيرُ صحيحُ أيضًا؛ فلا بُدَّ أن تَصِحَّ المقدماتُ أولًا حتى يَصِحَّ ما بُني عليها كما هو معلومٌ لكل ذي نَظَر!!
ورد في العُكْبَري (1/117): «وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته (1)، فقد جاء في القرآن والشعر؛ فمن القرآن قوله تعالى: {وحور عين} على قراءة مَن جرَّ، وهو معطوف على قوله: {بأكواب وأباريق} والمعنى مختلف».
تأمل هذا التركيب: «وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار»!! فهي عبارة الآخذ للشيء على مضض. ثم نراه يقول بعد ذلك: «وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته»!!
ثم استدل لوروده في القرآن بآية {وحور عين}!!
ثم اعجب من قوله: «وهو معطوف على بأباريق والمعنى مختلف»!!
قوله: «والمعنى مختلف» فيه نظر؛ إذ لِمَ لا يكون المعنى مُتفقًا على ما قاله الألوسي وابن كثير وغيرهما من أنه لا يبعد أن يكون من الحور ما ليس بمقصوراتٍ في الخيام، ولا مُخَدَّراتٍ، بل هُنَّ كالخدم لا يُبالى بطوافهنَّ، ولا يُنكر ذلك عليهنَّ، وأن الطواف في الخيام أنفسِها، وهو لا ينافي كونَهُنَّ مقصوراتٍ فيها؟!
وإن كان ابنُ كثيرٍ نفسُه يرى جواز ذلك في الحور المقصورات في الخيام والمخدَّرات، ولا ضيرَ عنده في ذلك ما دام الطوافُ بهن في القصور والخيام، لا بين بعضهم بعضًا، فبهذا القيد عند ابن كثير لا ينافي الطوافُ بهنَّ كونَهُنَّ مقصوراتٍ في الخيام!!
راجع ما نقلناه في توجيه هذه الآية آنفًا، ثم ما قلناه في الجوار أوَّلَ البحث، ثم عُدْ فتأمَّل عبارتَهُ السابقة والتعقيبَ عليها، وانظر ماذا ترى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوجه الثالث في الجر على الجوار أوَّلَ البحث، فمنه: «وإنما تكلمت به العرب على قلَّةٍ في «النَّعْت»!!

حسان11
05-08-2011, 01:22 PM
بحث رائع
جزيت خيرا

عين الضاد
05-08-2011, 02:12 PM
أخي الكريم نوقش مثل هذا في هذا الرابط

http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=48254&

وهذا الرابط
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=6306

ففيهما تعقيب على ماذكرت بارك الله فيك .

أبو رويم
06-08-2011, 02:43 PM
أختي الفاضلة عين الضاد، اطلعت على ما في الرابطين، ولكن أغلب المناقشات هناك مرتكزة فيما رأيت على الحكم الفقهي، وهذه مسألة لم ترد لي على خاطر، وإنما أردت أن أناقش الآية من حيث الصناعة النحوية البحتة، وما عرف فيها من قواعد، دونما نظر إلى ما قاله الفقهاء أو الجمهور في دلالات الآية على قضية الوضوء في الشريعة، فهذه نقرة، وهذه نقرة، في هذه التأملات أريد الوصول إلى ما يترجح في الصناعة النحوية فحسب، وبعد استتباب هذا الأمر إن استتب يكون النظر فيما تدل عليه فقهيًّا، فهذا ما رميت إليه، ولذا فالرابط لا يخلو من فائدة، وإن لم يكن على وفاق مع قضيتي هنا، وشكرًا لمرورك الطيب!!