المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أين الأدباء والنقاد اليوم من اللغة والنحو والصرف ؟



د.سليمان خاطر
27-07-2012, 05:40 PM
يغلب على النقاد أنهم أهل معانٍ، والسواد الأعظم من أحكامهم يختص بها ويدور في فلكها، ولكنك واجدٌ لهم عناية بالألفاظ كبيرةً، فهم لا ينفكون في أوائل دروسهم يؤكدون اشتراط العلم بالنحو والإعراب للناقد والأديب، ويشددون النكير على من يتكلم في المعاني أو ينشئ الأدب أو يخوض في النقد وهو لا يتقن علم النحو، مع أن بعضهم - وهم قلة - قد يستخفون بالنحو والإعراب والصرف في مقابلة الذوق،وجمهور الحذاق منهم قديما وحديثا لا يكادون يختلفون في ضرورة العلم الكافي باللغة والنحو والصرف لكل أديب وناقد.
وليس مرادهم مجرد معلومات مشوشة في النحو والصرف واللغة بل إتقان الحد الأدنى الكافي المناسب من تلك العلوم الشريفة ليمكن لهم أداء مهمتهم الكبيرة.
بلغ أهمية العلم باللغة والنحو والإعراب عند جمهرتهم أن جعل ابن الأثير في المثل السائر( 1/58) العلم بالنحو في علم البيان بمنزلة (أبجد) في تعليم الخط، حيث قال عن علم النحو والإعراب:"... وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي؛ ليأمن معرة اللحن...".
وانتبه - رعاك الله - إلى نصه على الإتقان،وأنه لكل أحد ينطق بالعربية، وأن الغاية هي أمن معرة اللحن، وهذا أوان كان اللحن معرة يُحرَص على الأمن منها، ويبدو أن اللحن لم يعد كذلك اليوم !
وطالما أوصى النقادُ الكاتبَ والأديبَ بمعرفة اللغة وإتقان النحو والصرف، وألزموه إدمان الإعراب ليلا ونهارا؛ حتى يصير ذا ملكة جيدة، كما في نصرة الثائر، لصلاح الدين الصفدي(ص 63)
قال ابن طباطبا في عيار الشعر، (ص6):" ... وللشعر أدوات يجب إعدادها قبل مرامه وتكلف نظمه، فمن نقصتْ عليه أداة من أدواته لم يَكمُل له ما تكلفه منه، وبان الخلل فيما ينظمه، ولحقته العيوب من كل جهة، فمنها - وهو أولها - التوسع في علم اللغة والبراعة في فهم الإعراب...".
وهذا الذي جعله أولا لم يعد اليوم أولا ولا آخرا، بل لم يعد له وجود عند أكثر من يمارس الأدب إنتاجا ونقدا وتدريسا في جميع المراحل،فإذا كتب عشرة أسطر وجدت له أخطاء كثيرة ظاهرة في مبادئ علوم العربية التي تدرس في المراحل الدنيا من التعليم العام ! فإذا نبهت أحدهم في لطف إلى خطأ فاحش في كلامه أو كتابته أو قراءته صاح فيك صارخا: ما لي للنحو والصرف واللغة ؟! إنما تخصصي الأدب والنقد أوالبلاغة ! غافلا عن حقيقة أن مثل هذا الادعاء لا وجود له في شيء من علوم الدنيا على الإطلاق، فالطبيب مثلا لا يكون طبيبا متخصصا في فرع من فروع الطب حتى يمر أولا بمرحلة الطبيب العمومي الملم بجميع فروع الطب إلماما عاما.
وعد قدامة بن جعفر- وهو من هو في النقد - من عيوب اللفظ أن يكون ملحونا وجاريا على غير سبيل الإعراب واللغة، وقال في نقد الشعر،(ص197) معترفا بالفضل لأهله وواضعا الحق في نصابه:"...وقد تقدم من استقصى هذا الفن،وهم واضعو صناعة النحو...". فرواد النحو وقدماء النحاة هم واضعو قواعد تذوق الأدب وأصول نقده حسب هذا النص الصريح من شيخ النقاد ورائدهم قدامة.
واشتراط صحة الكلام في النحو، واستقامة اللفظ في الصرف،وسلامة القول في اللغة مما هو فاشٍ عند قدامى النقاد ولا يخلو منه كتاب نقد قديم،فهو أمر متفق عليه بينهم بلا أدنى خلاف في العمل والتطبيق،واستخاف قلة منهم به تظاهر نظري كاذب.
من الطريف أنك واجد النقاد القدماء أكثر تشددا من النحاة في إلزام الشاعر والناقد والأديب عموما بسلامة اللغة والنحو والصرف، فأكثر مآخذهم من هذه الناحية مما يشفع له عند النحاة سماع نادر أو قياس بعيد أو تأويل متكلف. وهذه من أهم النتائج التي خلص إليها أخونا الدكتور/سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الخنين في كتابه الماتع(النقد النحوي والصرفي عند قدامى النحاة).وكان نظري المكرر في هذا السفر المفيد مما دفعني إلى ترقيم هذه الكلمات، سائلا الله لي وله ولكم التوفيق لما يحب ويرضى؛إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ولا تعجلنَّ عليّ بالسؤال :وأين اللغويون والنحاة اليوم من الأدب قراءة وحفظا وتذوقا ونقدا ؟ فإني كاتب عن ذلك قريبا في منتدى النحو، إن شاء الله.

أديب طيئ
27-07-2012, 09:39 PM
صدقتَ يا شيخنا, فالنحو هو الأصل الذي يبني عليه الأديبُ أدبَه, ومَنْ لم يكن له أصلٌ فحقيق أن يكون بناؤه على شفا جرف هارٍ فينهار به في ظلمات اللحن, ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها, فيبقى في الظلمات حتى يُقيمَ لسانَه وبنانَه بتَعَلُّمِ النحوِ وممارستِه فإنْ فعل ذلك خرجَ إلى نورِ الفصاحة والبيان.
رُوي عن الأصمعي أنه قال: (( إنَّ أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله صلى الله عليه وسلم: [ مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار] لأنه لم يكن يلحن, فمهما رويتَ عنه ولحنتَ فيه كذبتَ عليه)).
وحدَّث الرياشي قال: مرَّ الأصمعي برجل يدعو ويقول في دعائه: يا ذو الجلال والإكرام, فقال الأصمعي: يا هذا ما اسمك؟ فقال: ليث, فقال الأصمعي:
يُنَاجِي رَبَّهُ باللَّحْنِ لَيْثٌ******لِذَاكَ إذَا دَعَاهُ لا يُجِيبُ *

شكرًا لك يا شيخنا على هذا المقال الماتع النافع.



* الخبران عن الأصمعي في (المنتقى من أخبار الأصمعي) لضياء الدين المقدسي ص4, انتقاه المقدسي من كتاب أخبار الأصمعي للإمام الربعي.

فتون
28-07-2012, 07:23 AM
أين الأدباء والنقاد اليوم من اللغة والنحو والصرف؟
موجودون وما غفلوا عنه :)2
بل هو أساس من أساسيات العمل النقدي في النقد العربي القديم أو النقد البلاغي
ولايكاد يغفله النقد الحديث لكن بدرجة أقل.
إن النقد يا أستاذنا إن اعتمد على قواعد النحو والصرف لم يعد نقدا
ولسمي كل نحوي ناقدا، وماكان الأدب عامة والشعر خاصة ليكتب من أجل سلامة نحوه
ولا كان هذا مرماه يوما، ولإن كان لأخرجه النقاد من باب الأدب ولتجردت لغته من الأدبية.

إن اللغة الأدبية -وأنت بها أعلم- عميقة جدا تقوم على كل علوم اللغة. ولأن العملية النقدية
تقوم على هذا العمل الأدبي المعقد (دراسة وتحليلا) فهي أكثر تعقيدا.

نعم، قد يتخلل عملا إبداعيا مميزا هنة نحوية فادحة، لكنها لا تلغي تميزه.
ومن نظرة الناقد فالنحو -وإن كان أساسا في ممارسة العربية- مستوى من مستويات دراسة النص لايغفله ولايعطيه أكثر من حقه،
وهذه المستويات متساوية في بعض مناهج النقد ومتباينة في مناهج أخرى. وذلك بحسب فلسفة ذلك المنهج في النقد الحديث.

تتعدد هذه المستويات وتكثر وتقل "تبعا لمناهج النقد الحديث" وتتأثر معها أهمية المستوى النحوي حتى تكاد تنحصر إلى مستوى سطحي في نظر الناقد لايلقي لها مزيد عمل ويكتفي بعبارة (يوجد أخطاء نحوية، راجع أهل النحو ...) دونما تحليل ولا تفصيل.
وفي هذه الحالة لايعد العمل الإبداعي ناجحا ومكتمل البدر أبدا -ولإن شارف عليه في بعض الأعمال - لأنه قد أخل بأساس العمل وهو لغته،
ولكنه ليس من صميم عمل الناقد.

الموضوع واسع جدا، ومتشعب بتشعب فروع النقد ومذاهبه
وخلاصته:
- يفترض أن يكون العمل الأدبي سليم اللغة.
- ينظر الناقد في العمل الأدبي من مستويات متعددة تتضمن مستوى اللغة عامة ولا تغفله وتهدف إلى الدراسة العميقة للنص.
- اللحن في العمل الأدبي يمثل سقوط عمود واحد من أعمدته الكثيرة؛ وعلى هذا يبقى قائما بحسب بقاء بقية الأعمدة وصلابتها.
- خلل النحو عند الناقد يمثل سقوط عمود واحد كما في العمل الأدبي وفي بعض مناهج النقد لايسقط إلا قشة واحدة فقط.

هذا، وأعتذر عن تشعب حديثي وفوضاه؛
فقد كان مرتجلا.
ولربما كانت لي عـودة موثقة، مفصلة، موضحة


تحيتي

هدى عبد العزيز
05-08-2012, 05:02 PM
إتقان الحد الأدنى الكافي المناسب من تلك العلوم الشريفة ليمكن لهم أداء مهمتهم الكبيرة.


الأصل أن نتدارس تلك العلوم ونفقه أسسها قبل الخوض في النقد لجلالةِ قدره .
كان علماء المسلمين أجمع لا يُقبِلُ أحدهم على تدارس علم من العلوم إلا بعد إتقان علوم العربية وحفظ القرآن الكريم ليستقيم اللسان .
نسأل الله أن نكونَ خير خلفٍ لخير سلف .

كم فرحتُ بمقالِكَ أستاذنا لأنكَ وضعت رأس القلم على موضع الألم الذي نشكوه .
تقديري .