المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : قراءات نقدية لنصوص إبداعية من بيت الفصيح .



هدى عبد العزيز
13-08-2012, 01:16 PM
السلام عليكم

سأحاول في هذه النافذة الوقوف على إبداعات آل الفصيح وقوفا نقديا . وعلى الرغم من أنني من النوع الذي لا يستطيع أن يقف على أي قصيدة إلا بعد شعور عميق بها . إلا أنني آمل أن أكون مجتهدة وموفقة بإذن الله وعلى قدر المستطاع في قراءة أكبر قدر ممكن من نصوص آل الفصيح الكرام ......
ومَن رأى في نفسه القدرة على التذوق الأدبي والنقد الدقيق فليبادر بمد يد العون .. فالنافذة تسطر للجميع بيراعة الجميع ..


تحيتي

هدى عبد العزيز
13-08-2012, 01:20 PM
سأسرق بعض الصفحات الفارغة لعلي ألقي الضوءَ على جديد يُذكر ويكفيني شرف المحاولة , فقد قمتُ بتحليل لقصيدة أخي ساري عاشق الشعر , وهو من الشعراء المميزين في فصيحنا .
أما القصيدة فإني آمل أن يعود سالما صاحبها ويدونها لنا من جديد ....
.................................................

1ـ رماديَّ الثياب سلبتَ عقلي *** فقلْ لي كيف عن وجعي التسلّي
2ـ و كيفَ الشمس تشرق في وجوه ؟ *** كعبد بات ليلته يصلّي
3ـ أيا حاديْ الظعينة هل ثوانٍ *** تدانيني و يأنس فيك ظلّي
4ـ لتبلغَ من توارى عن عيوني *** بأيِّ الشوق يبغي فيه قتلي ؟
5ـ جفاني القلب إذ طاوعت فكري *** و كم يعصي الفؤاد كبير عقل
6ـ فتوباً يا فؤادُ فقد تناءت ***رماداً تاه في دنياه مثلي
18/1/2012م .
.................................................. .................................................. ...............
1ـرماديَّ الثياب سلبتَ عقلي *** فقلْ لي كيف عن وجعي التسلّي
تبدو لي عبارة ( رمادي الثياب ) رمزًا للمرأة المتلفعة التي يلفها الغموض في توجهاتها أو في تكتمها على أسرارها بشكل كبير , أو أنها إنسان ـ بالنسبة لكَ ـ لم تكتمل صورته بعد في ذهنك, إنها لوحة سريالية جميلة يكتنفها الرمز والإبهام , غير واضحة المعالم أو الرؤى وكأني بك تتمنى وضوحها أمامك , أو تأمل ظهورها الكامل في حياتك ! لا في جانب واحد فقط ! إنك تطمح بأن تكون في متناولك القريب !
لكن بعض الأماني مستحيلة ! أليس كذلكَ .!
قسوة الحياة ومفارقتها الغريبة سطعت في مطلعك المصرع , لقد سلبتك لبك ومع ذلك ما مِن حيلة إليها !! فيزيد الوجع ! إن فن المفارقة فن لا يُستطيعه إلا من خبرَ هذه الحياة وعاش فيها بحنكة وببعد نظر .... وهنا تبرز شاعرية الشاعر .
من هذه القسوة التي تحسها زفرتَ باللام المشبعة , هذه القافية المطلقة التي تشكلت هما ووجعا فحرف اللام حرف صعب المخرج, لا نلفظه بسهولة يحتاج إلى جهد كما هو حبك الصعب !!
إنها قدرك لكنها ليست لك , بعيدة عنك .... ويستمر الحب المعذب ! فتخرج الآهات المعذبة من أفواهنا الناطقة بلامك المُرهِقة لألسنتنا .... والتي تمتد وتمتد إلى نهاية قصيدتك الرائعة
إنه ألم يستمر ُ ........
ومما زاد من جمال المطلع هذا الأسلوب الإنشائي عبر الاستفهام الذي يُقرُ بحقيقة الحب التائه عنك . إنك تبحث عن وسيلة للتسلي , وتبوح به للصديق , وربما للنفس التي شكلتَ منها ذاتا أخرى تناجيها , تشتكي إليها من قهر الحلم البعيد !
أسلوبك يذكرنا بالأسلوب القديم في مطالع القصائد الأصيلة حيثُ الوقوف على الأطلال , فيستوقف الشاعرُ العاشق الصديقَ ويبوح إليه وربما يسأله التسلي أو وسيلة للتخفيف عنه من همومه الراقدة في روحه والتي لا تستكين !!
يقول الشاعر مزاحم بن الحارث العقيلي :
يا للرجال لهم بات يسلبني ... لبي ويحلب عيني درة هملا
وهذا يُدلل على القراءة الجيدة للشعر القديم الأصيل وتأثرك بهِ , ولا يُلغي شخصيتك الأدبية المستقلة في تشكيل صورة البيت الخاصة التي تحمل أسلوبكَ .
2ـ و كيفَ الشمس تشرق في وجوه ؟ *** كعبد بات ليلته يصلّي
أمّا البيت الثاني فهو على جماله وقوة معناه فإني لا أرتضيه في سياق القصيدة ( فقط ) , إن محبوبتك امرأةٌ ساطعة النفع على الجميع إما بعلمها أو بكرمها أو بإنسانيتها وأخلاقها وربما حوتْ الجمال والبهاء أيضًا , فهي عظيمة النفع كالشمس عظيمة الخير على الجميع بدون استثناء ! وهي في ذلك البهاء والجمال كعبدٍ أمضى ليله في قنوت وعبادة وتهجد حتى وصل إلى النقاء والبهاء .. ولا شك أن هذه الصورة تدل على عمق وتأصل الثقافة الدينية في نفسك . فإن الصلاة تفضي إلى نور في الوجه وسكينة في الطبع , فسمات المؤمنين تبدو على وجوههم النيّرة المضيئة بنور الإيمان وقبسه المضيء .
ولكن هذا النفع العظيم من وجهة نظري لا يتناسب مع الإنسان الغامض الذي يلفه اللون الرمادي ( في البيت الأول) فلا هو بالأسود الحالك الظلمة , ولا بالأبيض الناصع الوضوح .
بين صورة اللون الرمادي والشمس ما بينهما من تناقض ! أليس كذلك ..
إلا إذا وجدتُ لكَ مخرجًا في أنك تعني باللون الرمادي ثيابها التي تلفها حقيقة , وأن ( رمادي الثياب ) ليست رمزا .
على الرغم من أنني أميل إلى صورة الغموض ورمز التلفع في شخصها , ومما يدلل على رأيي هو الخاتمة في قولك : فتوباً يا فؤادُ فقد تناءت ***رماداً تاه في دنياه مثلي
إنها رمادٌ تناءى , لم تستطع فهمها , لم تتمكن من الاقتراب إليها . وربما هي لم تسمح لكَ بذلك , فزاد الغموض الرمادي بينكما , وأصبحت الهُوة عميقة ! ولذا تطلب من فؤادك التوقف عن حبها !!! لأنكَ لم تتبين خطواتك إليها !!! لم تصل لها, وربما لن تستطيع ذلك !
لكنك لا تتخلى عن حبك لها .!!

وعقلك يأبى ذلك , ويحاول صدك عنها , يصفعك , بيد أن الفشل يغدو قرينك أمام عاطفتك القوية بها وإيمانك فيها . إنه صراع بين القلب والعقل .
لا أعرف لماذا أجدُ هذا الصراع في الحب عند غالبية شعراء العصر الحديث !! إنه معنى يسطع في شعركم كثيرا ,!!
إحساس بالضياع والتيه والشرود . حب ناقص بعيد المنال يعتوره الصراع !
هل هو إحساسنا بالحياة ... هل هو إحساسنا العام بالضياع ,, وبُعد تحقيق أهدافنا ..!!!
لا نستطيع أن نقطف الثمر ولا أن نصبو إلى نيل المرام !
هل هي أحلامنا المستحيلة !! إنه واقعنا الذي لا نستطيع تشكيل ملامحه !
إن صورة الغزل الحديث صورة تنم في حقيقتها عن ضياعنا الذي نهرب منه فما نلبث أن نقع فيه !
أين السبيل !
3ـ أيا حاديْ الظعينة هل ثوانٍ *** تدانيني و يأنس فيك ظلّي
هذا البيت من أجمل أبياتك ـ من وجهة نظري ـ إنه يشي بمكان محبوبك , إنك ترى فيها صورة عبق الماضي , إنها روح التراث الجميل , إنها من مكان بعيد عنك , إن رمز ( حادي الظعينة) يشي ربما أنها من أرض البادية أو من مكان بعيد قاصٍ عنك, لا يُرجى معرفة أخبارها إلا من خلال أخبار المسافرين ... إن استحضار هذه الصورة التاريخية القديمة لتدل على تأصل التراث في روحك وقدرتك على تطويعها لتحمل دلالات حديثة .... إن رمز الظعائن يشي بالسفر البعيد ,, يرمز ـ ربما ـ على بداوتها أو عروبتها الأصيلة .... أما المعنى الواضح في الصورة فهو حبك الشديد لها ولكل ما يقربك إليها أو من سماع أخبارها التي نأت عنك بسبب البعد المكاني بينكما .
كم يحمل البيت دلالات ثرة .
4ـ لتبلغَ من توارى عن عيوني *** بأيِّ الشوق يبغي فيه قتلي ؟
إن هذا البيت يؤكد ما ذهبتُ إليه بأن البعد المكاني في الحقيقة كائن بينكما , ما من طريق إليها !
لذا كانت النتيجة الطبيعية هي الشوق لها الذي يكاد يقتلك .
إنك تأمل أن يعرف المحبوب بحبك العظيم الذي تكنه له في قلبك والذي يكاد يقتلك .
ولذا أنت من الصنف الخجول في الحب , فكانت الأمنية تتحدث عنك أنت تتمنى أن تعرف ما تكنه لها من حب عظيم وشوق كبير لأنك وقفتَ خجولا أمام البوح !
أرأيت الآهات في البيت ( وا ـ را ـ يو ـ ني ـ غي ـ في ـ لي ) إنها صرخات تود أن تصل إلى مسمع المحبوب ... نطقتْ هي بدلا منكَ ! في مقاطع صوتية طويلة .
5ـ جفاني القلب إذ طاوعت فكري *** و كم يعصي الفؤاد كبير عقل
هذا البيت يكتنز ألحانا من الموسيقى الداخلية تطربنا , فهناك :
1ـ الطباق بين ( جفاني , طاوعت ) وهناك الطباق بين ( القلب ’ الفكر ) وهناك ( الفؤاد , العقل).وهناك ( طاوعت , يعصي (.
2ـ استعمال حرفا الياء والكاف اللذان يدلان على معان ثرّة, فقد شكل منهما الشاعر لحنين يتناغمان في البيت بتبادل جميل , وهذا الأمر من شأنه أن يُشعرَنا بحجم المعاناة التي وصلتَ لها . فقد تكرر حرف الكاف ثلاث مرات في بيت واحد ! بينما تردد صوت الياء المشبع أربع مرات ومرة أخرى لم يكن فيها مشبعا ! وكأنك كنت بين علو يأخذك إلى حجم أكبر منك في الكاف , ثم يهوي بك إلى واقع مؤلم في حب جارف تنساب معه عبر الياء لم تكتمل صورته الجميلة !!!
إنها لغة الأصوات ..... كم يشدني هذا البيت ...
ومن جماله لغة الحكمة في المثل الذي صببته فيه .. ( وكم يعصي الفؤاد كبير عقل ) إنها والله الحقيقة التي نفر منها دائما تمثلتها يا ساري في شطر بيت يسري على الألسن .
إن الحكمة هي الفن الذي يدل على طول خبرة بالحياة , وقدرة على الوصول إلى ذلك البيت الذي يمثل خلاصة تجارب جمة مجردا من خصوصية الزمان والمكان فتتناقله الشفاه في كل زمان ومكان !
كم أنت رائع ساري ..
أما البيت السادس فقد عرضتُ له في ثنايا وقوفي على البيت الثاني .
ممّا لفت انتباهي هو كثافة الجمل الطلبية في نصك القصير بأنواعه خاصةُ الاستفهام , النداء,وهذا الأمر من شأنه أن يكفل للقارئ حضور الذهن والتجرد للقراءة الواعية الفاعلة .
آمل أن أكون وُفِقت في رصد معاني النص أو الوصول إلى بعضها .

بوركت ساري عاشق الشعر
تحيتي

هدى عبد العزيز
13-08-2012, 02:06 PM
.......................................


(((( إن الوقوف على المعاني النحوية وفاعليتها في القصيدة محاولة لطرق أهم أبوابها للولوج في عالمها ))

من هنا نلحظ أن الشاعر ساري في قصيدته يستعمل الفعل المضارع ( تشرق , تُدانيني , يأنس , يصلي , لتبلغ , يبغي , يعصي )
مما يدل على قوة الحب وأصالته واستمرار العاطفة وملازمتها له ...

تحيتي

هدى عبد العزيز
13-08-2012, 09:28 PM
السلام عليكم
سننتقل إلى نص جميل وفريد لأحد أعمدة الفصيح الأستاذ محمد الجهالين والنص بعنوان أمير القصيد ....
................................................

يا أميرَ القصيدِ نـَوْمـي نزورُ
والقصيـــدُ الأميرُ ليــس يَزورُ
.
نجمة ُ الشعـــر ِ لم تـُطِعْنـي بحورًا
وعصاني إلهامُهــا المَسجــــورُ
.
يا أميرَ القصيـــدِ بـِعني قصيــدًا
لتنـادينـــي حُـلوة ٌ يا أميــرُ
.
وارتجلْ عني بيـــتَ شِعْر ٍ لعلي
متنبـــي هـــذا الزمــــان ِ أصيرُ
.
ما لنا مربـــدٌ إذا غبــــــتَ عنا
وعكاظ ٌ لـــولا حضـــرتَ تبـورُ
.
للصراصيـرِ شدوُها فلمــــــاذا
تنعَقُ الطيرُ إنْ شـدا الصرصورُ
2011/09/27, 09:02 pm
.................................................................................................... .............
تميزت قصيدتك (بالمونولج الداخلي) الحوار الذاتي , لقد فصلتَ من نفسك ذاتا أخرى تخاطبها , وهذا أسلوب نفسي عزيز يدل على تكتم شديد , فأنت تميل للرمز .
ومع ذلك فقصيدتك صادقة اللهجة , موجزة , تنادي التأمل في ألبابنا, وفيها تكتم على ألم بكوامنك . تعجزُ عن البوح بهِ .
وقد عرفتُ ذلك من أسماء المكان في نصك ( مربد , عكاظ ) فأين المربد في عصرنا !! وقد تاهت عراقنا .
وأين عكاظ وقد كان رمزا لشاعرية شعرائنا !
وأين تنافس الشعراء في المربد وقصص النقائض !
بل أين جرير والفرزدق والأخطل , فبعد هجائهم لبعضهم بعضا , رثى جريرٌ الفرزدقَ.
إنها روحهم النقية ! . قد كان الشعر أسلوبَ حياة.
كلماتك فيها مبادئ تتوجسُ من فقدانِها للأبد . وأنت تتمناها .
..........................

تتميز قصيدتك بلهجة ساخرة تنبع من واقع نفتقده , فهل للطير نعيق وهو الذي لهُ الشدو الجميل , وهل يصْدُرُ من الصرصور شدوٌ وهو الذي يُصدِرُ أزيزا نصِمُ مسامعنا عنه . قد شبته بالنعيق لأنك تراهم ( سخريةً ) غربان الشِعر , الغريبة , السوداء. وفي صورة الغراب ما فيها من قبح .

..................................................................
يا أميرَ القصيدِ نومي نزورُ
والقصيدُ الأميرُ ليس يزورُ

بدأت بالمطلع المصرع ( نزور ’ يزور), وجعلتَ قافيتك حرف الراء , وللراء موسيقية مميزة, بما يتميز بهِ هذا الحرف من صفات اجتمعتْ لهُ لم تجتمع لغيره كما حكت لنا كتب اللغة بلا خِلاف .
متأثر جدا شاعرنا بالقصيدة التقليدية , فالمطلع مُصرع , وليلك الساكن تائه , مساؤك ساهر بلا نوم , فقد بات نومك ( نزور ) بمعنى قليل, وهذا شأن كبار الشعراء الذين صاحبوا الليل في مطالعهم .
ثم أبت روحك الشاعرية المتميزة إلا أن تظهر في الشطر الثاني فقد جعلتَ من القصيد ما هو أمير وما هو عبد ذليل ! وهذا معنى بديع لم يسبقك إليه أحد ـ فيما أعلم ـ ولذا أرى أنك لجأت إلى الحوار الداخلي مع ذاتك السامية , فروحك السامية تأبى إلا الشعر( الأمير النبيل)
ومما زاد من الموسيقى في المطلع الجناس الناقص فالأجراس الصوتية بين ( نزور , تزور ) فالحروف متشابهة تكاد تبلغ حد التماثل. بل جعلتَ الجملة الأولى مُثبتة ( نومي نزور ) والثانية منفية ( ليست تزور ) فكانت كل منهما مقابلة للأخرى, وتلاعبتَ كذلك في مواقع الكلم , فجعلت الأمير في الشطر الأول مكان القصيد في الشطر الثاني, وجعلت القصيد في الشطر الأول مكان الأمير في الشطر الثاني .
أمتأثر أنت بأبي تمام ؟ ( ابتسامة ) وكل تلك الأمور جعلت الموسيقى عالية في المطلع وهذا من شأنه أن يخطف أسماعنا لشدوك . فضلا عن أنك جعلت هذا البيت مدخلا للسخرية والذي كان الغرض الحقيقي من قصيدتك . لأنكَ جعلتَ من مسابقة أمير الشعراء مصدر إلهامك وهذا هراء ! كأنك تنتظره لتنظم أشعارك . تسهر ليلك لعله يزور إلهامك فيزورك الشعر. وهذا مالم يحدث أبدًا إلا على سبيل السخرية .
...................................................................................................
نجمة الشعرِ لم تطِعْني بحورًا
وعصاني إلهامُها المسجورُ
لم تعد شاعريتك متأججة , وعصاك إلهام الشعر الملتهب ! أكان المعنى هنا مقصودا أم على سبيل السخرية , إنَّ الشعر القيم لم يُحفل به .
.................................................................................................... ........................
يا أميرَ القصيدِ بعني قصيدًا
لتناديني حُلوةٌ يا أميرُ
إنَّ بيع الشعر أزمة من أزمات الشعر الحديث التي شُهرت في المجتمع , حقيقة مرة ولكنها واقع . أصبح الشعر يُباع ويُشرى ! وقفتَ على هذه الحقيقة . وبات الغرض من الشعر دغدغة مشاعر بعضهم , فضلا عن الهوى الزائف الذي أججه البرنامج فأضحى فتنة . قد وقفتَ على أهم النتائج السلبية للبرنامج , هذا ما أثاره برنامج أمير الشعراء الصيحات الإعلامية, والتهافت عليه من الشباب اليافع خاصة الذي لم يعِ حقيقة البرنامج. والتعلق بصورة الشاعر في البرنامج, من جماليات الموسيقى ( رد الصدر على العجز ( يا أمير , يا أمير )
......................................................................................
وارتجلْ عني بيتَ شعرٍ لعلي
متنبي هذا الزمانِ أصيرُ

في هذا البيت سخرية شديدة , هل الفائز سيكون متنبي هذا العصر !.
هل شراء قصيدة ستجعله أميرا للشعر فعلا , بلغتْ هنا السخرية شأوا عظيما فإنَّ المتنبي أمير الشعر العربي بلا منازع بقيمته وتاريخه وديوانه وتراث النقد العظيم الذي قام على شعره . هل كل ذلك سيكون لشاعر من مخلفات البرنامج؟
أما كلمة ارتجل فهي الأسلوب الذي تنظم به شعرك, أنت من النوع الذي يتأثر بموقف فتكون مشاعرك في أوجها ثم ينتثر شعرك على لسانك . ولذا قلتُ ـ سابقا ـ أنك تتحدث مع نفسك بشكل آخر , تتحدث مع شاعريتك في هذه القصيدة , لم تفصل شاعريتك عن الموضوع , وربما كونك شاعرا متميزا ( كما أعرف عنك ) جعلك تصب جام غضبك على تلك الموهبة التي تجلها. ورأيت الآخرين يعبثون بها .
.................................................................................................... ................
ما لنا مربدٌ إذا غبتَ عنا
وعكاظ لولا حضرتَ تبورُ
إذا كان التاريخ يشهد بفضل سوق عكاظ في الطائف وفضل سوق المربد في البصرة في سطوع الشاعرية . فإنه لا فضل لسوق أمير الشعراء في أبو ظبي على الشعر الأصيل , إن هذه القيمة خلُصنا إليها بفضل اللهجة الساخرة في هذا البيت .
فأنت تخاطبه وتستجديه بأن يبقى ويبقى وكأنه إذا فني لن يبقى شعر حر أصيل . بل إن عكاظ على تاريخه العريق وما ضم بين دفتيه من شعراء جمّة يتوارى خلف شمس أمير الشعراء وهذا على سبيل السخرية .
.............................................................................................
للصراصيرِ شدوُها فلماذا
تنعَقُ الطيرُ إن شدا الصرصورُ
الصراصير هنا الشعراء الذين لا يعرفون قيمة الشعر الحقيقية وأصوله الفنية ولغته القوية ومذاهبه , وهم الذين يتسابقون في المسابقة بلا وازع قوي غير الصيت والشهرة وإثارة الفتن.
والطير هنا هو الشاعر الأصيل الحر الذي لم يستعبده المال ولم تخنقه الشهرة ولم يُثره الهوى للجري خلف البرنامج أو قبوله . وأرى أن كلمة طير أتت ملائمة جدا, ففيها معاني الحرية والإباء والانطلاق وهي صفات الشاعر الحر . والبيت يشي بخفوت الشعر الأصيل بسبب العزوف عنه ( لماذا تنعق الطير ؟ ) فقد أضحى صوت الشاعر الحر نعيقا كأنه قبيح فلا يقبل أحدٌ عليه .
أنت هنا وقفت على أزمة الذوق عند الجمهور العربي الذي أصبح يعزف عن الشعر الأصيل, ويجري خلف أمير الشعراء بنماذج شعرائه الذين لا يحمل شعرهم قيما صادقة وغالبا يكون دافع القصيدة هو البرنامج والشهرة .
من جماليات موسيقية البيت رد الصدر على العجز ( الصراصير , الصرصور )
أراك متأثرًا بالموسيقى التقليدية وصنوفها .
ما أجمل المعاني الرمزية التي ضمنتها قصيدتك.
الشاعر الحقيقي هو الذي يقودنا لفهم معاني أبياته المغلفة بالرمز دون أن يُصرح . كأسلوب الإنشاء على سبيل المثال والذي كان هنا كثيفا خاصة النداء والاستفهام والأمر.

2011/09/29, 08:05 am
............................................................

تحية خاصة لشاعرنا ...

أنوار
14-08-2012, 08:33 AM
موفقة هدى للخير دومًا ..

وقراءة واعية رائعة .. ومجهود يوجب علينا الشكر ..

لعلي أعود للحوار وبعثرة الأفكار على الطرف الآخر ..

يسَّر الله لكِ الخير ووفقكِ له ..

هدى عبد العزيز
14-08-2012, 09:50 AM
موفقة هدى للخير دومًا ..

وقراءة واعية رائعة .. ومجهود يوجب علينا الشكر ..

لعلي أعود للحوار وبعثرة الأفكار على الطرف الآخر ..

يسَّر الله لكِ الخير ووفقكِ له ..

شكرًا لكِ أختي أنوار .
والشكر موصول لشعراء الفصيح المميزين . بعض النصوص تدفع القلم لنثر مداده .
بوركتِ

السامري
14-08-2012, 10:04 AM
قراءة واعية لا تقف على المعاني بل تتوغل فيها لتكتشف أسوارها وأغوارها ،حقيقة.. لقد أحببت نقدكِ الجميل،فذُهلت ولم أستطعْ أن أقول إلا:...ياللروعة..؟!
شكرا أستاذتنا الفاضلة هدى عبد العزيز على هذا المجهود النقدي الرائع ونرجو منك المواصلة على هذا المنوال الفذ...

رامي تكريتي
14-08-2012, 04:05 PM
نافذة ممُيَّزة تُشكرينَ عليها
لا فُضَّ فوكِ

سليم العراقي
14-08-2012, 04:21 PM
سيري موفقة -بارك الله فيك -
من أشد المعجبين والمتابعين

هدى عبد العزيز
16-08-2012, 08:49 PM
قراءة واعية لا تقف على المعاني بل تتوغل فيها لتكتشف أسوارها وأغوارها ،حقيقة.. لقد أحببت نقدكِ الجميل،فذُهلت ولم أستطعْ أن أقول إلا:...ياللروعة..؟!
شكرا أستاذتنا الفاضلة هدى عبد العزيز على هذا المجهود النقدي الرائع ونرجو منك المواصلة على هذا المنوال الفذ...
شكرًا لكَ أخي الكريم : السامري .
شرفتُ بمتابعتك .


نافذة ممُيَّزة تُشكرينَ عليها
لا فُضَّ فوكِ

شكرا لك أخي الكريم / رامي تكريتي .
ولا فض فوك .


سيري موفقة -بارك الله فيك -
من أشد المعجبين والمتابعين

شكرا لك أخي وزميلي في الإشراف سليم العراقي
من دواعي سروري متابعتك لنافذتي .

محمد الجهالين
23-08-2012, 08:58 PM
كنتُ قد شاركت معلقا على نقد الأستاذة هدى في وقت نشر هذه المادة قبل عام ، ولعلها تحتفظ بمشاركات هذه المادة كما احتفظت بها بعد أن لم نتمكن من استرجاع ما ضاع.

أذكر من ذلك التعليق أنني لم أحظ بمثل هذا النقد مذ شاركت في الفصيح ، وأذكر أنني منذ ذلك التعليق سميتها ناقدة الفصيح.

شكرا أيتها الناقدة على القراءة الرائدة

هدى عبد العزيز
25-08-2012, 02:52 AM
كنتُ قد شاركت معلقا على نقد الأستاذة هدى في وقت نشر هذه المادة قبل عام ، ولعلها تحتفظ بمشاركات هذه المادة كما احتفظت بها بعد أن لم نتمكن من استرجاع ما ضاع.

أذكر من ذلك التعليق أنني لم أحظ بمثل هذا النقد مذ شاركت في الفصيح ، وأذكر أنني منذ ذلك التعليق سميتها ناقدة الفصيح.

شكرا أيتها الناقدة على القراءة الرائدة

بارك الله فيك أستاذ محمد الجهالين على هذا المرور العبق والتكريم .
أسأل الله أن أكونَ جديرة بهِ
تقديري

هدى عبد العزيز
21-09-2012, 06:40 PM
السلام عليكم
عدنا من جديد لهذه الزاوية التي آثرت فيها جمع ما نثره قلمي من تأمل نقدي لبعض النصوص الفريدة التي وقفتُ عليها ..
..........................................
قراءة نقدية لقصيدة لا تعلني الحرب للشاعر أشرف حشيس
بحر البسيط

1ـ لا تُعْلِنِي الْحَرْبَ .. مَاْ جَرّبْتِ أَسْلِحَتِي...... وَلَيْسَ رِمْشُكِ فتّاكاً كَقَافيتي

2ـ أغلالُ حَرْفِي إذا الْتفَّتْ عَلَىْ عُنُقٍ..........فَلا يُفكِّرُ ظَبْيٌ في مُقاومَتي

3ـ على وِسادةِ كفّي يَنْحَني رَغِبَا ..... جِيْدٌ تَلمَّسَ دِفْئا في مُلامَسَتِي

4ـ وواصَلَ الليلُ تهديدي بِغَفْوَتِنا........وَطَرْفُ عَيْنِكِ يَخْشَى من مفارقتي

5ـ بَدَتْ لِيَ العينُ مِثْلَ البَدْرِ ناعِسَةً ....كأنَّ جِفْنَكِ غَيْمٌ سَدَّ نافِذَتِي

6ـ غَرَقْتِ فِي النَّوْمِ لَكِنَّ الْهَوَىْ يَقِظٌ......يَهْوَى التَّأمُّلَ في عَيْنَيْكِ فاتنتي

7ـ أمّا الأناملُ يا عمري فَمَا فَتِئَتْ....... تجرّ رأسيَ.. واشْتَدْتْ بِناصِيَتِي

8ـ وَكُنْتُ أَسْكَرُ في عَيْنَيْكِ يَاْ نَظَرْي.....فِيْ كَأْسِ لَحْظِكِ من أَعْنَابِ دالِيَتِي

9ـ مَاْ زَالَ لَيْلِيْ غنيّا بالهوى ثَمِلا .......فلا تَضجّي بعيدا عن مُسامرتي

10ـ ألْقَتْ عُطُورِي عَلَيْكِ القَبْضَ مُذْ عَلِمَتْ.... بَأَنَّ قَلْبَكِ لا يَهْوَى مُغازلتي

11ـ فَهل تَرَيْنَ مِنَ العُشَّاقِ مِنْ بَطَلٍ......... في حُبّ أنثى ...يُباري في منافستي

12ـ إنْ قلتِ : عنترة العبْسِيُّ هامَ بها ..........في ساحةِ الحربِ . هذا ما بذاكرتي

13ـ لكنّ عبلةَ ما اغتالت مُتيّمَها.........كما فَعلتِ بطرف العينِ . قاتلتي

14ـ أخافُ ناري ـ من الأشواق ـ إنْ ظفرتْ........ألا تعودي . حذارِ النارَ حارقتي1

1ـ نظم هذه القصيدة الشاعر الفلسطيني أشرف محمد حشيش ( مشرف في شبكة رواء الأدب لعلوم اللغة العربية ) .
....................................................................................................
العنوان :
يعنون الشاعر لقصيدته بـقوله ( لا تعلني الحرب ), والعنوان هو المفتاح الذي نستطيع من خِلاله الولوج إلى عالم القصيدة , واختار الشاعر لعنوانه جملة فعلية تبدأ بلا الناهية في حين جعل الفعل في الزمن المضارع ثم جعل الفاعل ضميرا بارزا في الفعل , لم يرغب بالتصريح باسمها أو النداء لها , وبعد ذلك استخدم كلمة حرب بدلالتها التي تشي بالشجاعة. إنَّ الصياغة النحوية للعنوان تعني محاولة تحجيم قدرات الطرف الآخر , وإثبات القوة والتفوق للشاعر , وتحذير المخاطب من خطر التنافس معه. قد سطعت عاطفة التحدي في هذا البيت. لذا نقرر أن ( أنا الشاعر ) قد ظهرتْ بقوة في العنوانِ وفي أبياتِ القصيدة كما سنرى لاحقا.
لا بد من تعانق النحو مع النص الأدبي , والانطلاق من النحو في تفسير النص الشعري , إذ أن النص لا يُمكن أن ( يتنصص ) إلا بفتل جديلة من البنية النحوية والمفردات , وهذه الجديلة هي التي تخلق سياقا لغويا خاصا بالنص نفسه . 1
1ـ لا تُعْلِنِي الْحَرْبَ,مَاْ جَرّبْتِ أَسْلِحَتِي...... وَلَيْسَ رِمْشُكِ فتّاكاً كَقَافيتي
1ـ يقول شاعرنا في المطلع (لا تعلني الحرب) ثم يعقب بقوله ( ما جربتِ أسلحتي) ثم يتابع قائلا ( وليس رمشكِ فتاكًا كقافيتي).
ممّا لا شك فيه أنَّ هذه الجمل المتتالية في بيت واحد قد جاءت بصيغة الرفض والشجب إنْ جاز لنا التعبير , فهو ينهاها ويُحذرها عن إعلان الحرب ( لا تعلني الحرب ) وهذا يشي بقوة أسلحته وضعف أسلحتها. وهذا الأسلوب يُثبت قدراته ويحجم من أمرها في آن واحد. ثم يتابع الرفض في قولِهِ ( ما جربتِ أسلحتي ) هنا إيحاء بجدة العلاقة بينهما , وبقلة خبرتها بشاعريته وأساليبه القوية , ثم يتابع أسلوب النفي والرفض فيقول ( إن رمشك ليس فتاكًا ) , فقافيته أقدر من جمالها في الإثارة !
إنَّ الأدوات ( لا , ما , ليس ) التي بدأ بها جمله الفعلية تدل على رفضه المواجهة بينهما لفارق القدرات. واستعماله للزمن المضارع يشي بالحالة القائمة بينهما في قوله ( تعلني ), أما استعماله للفعل الماضي المنفي في قولهِ ( جَربتِ ) فتؤكد جِدة حالتها مع الشاعر واستمرارها !, وحداثة علاقتهما مع جهلها بأسلحته.
هل الشاعر يتلاعب بالحقيقة محاولا أن يكون الأقوى والأشد تأثيرا في موقف اللقاء !
أظن ذلك . فالشاعر في الحقيقة يُحاول أن يتحرر من سلطة جمالها الذي جعله يُفتتن بها , ومما يُدلل على ذلك أنه قال ( ليس فتاكا كقافيتي ), فهو جميل وعذب ولكنه لا يصل إلى مرحلة الفتك به لكنه قد يصل لمرحلة الفتنة, كما أن وقوفه على موطن الجمال وهو الرمش يُدلل على معرفته بجمالها وسحرها وأن هذا الجمال هو المنوط بالحديث هنا.
إن الرجل بطبيعته يُحب أن يكون الأقوى حتى في مواقف الضعف! , فيحاول أن يُخفى الحقيقة , أن يبدو الجانب الأفضل . فضلا عن وجود غرور الفنان الذي يأبى إلا الظهور في ثنايا الكلام . وهيهات له إخفاء الحب في لحظة اللقاء والشوق أمامَ مُحبٍ قد شُغِفَ بهِ !
.......................
2ـ أغلالُ حَرْفِي إذا الْتفَّتْ عَلَىْ عُنُقٍ..........فَلا يُفكِّرُ ظَبْيٌ في مُقاومَتي
2ـ يفخر الشاعر في البيت الثاني بشاعريته أمام المحبوبة , قائلا بأن موهبته تضج بالشاعرية والتميز, ولذا لن تستطيع هي مقاومتها . واستعمل الشاعر كلمة ( عنق ) للتعبير عن قدرته على الإحكام عليها , فالعنق لفظ ورد في القرآن في مواضع السيطرة على الآخر من قبل القوي سبحانه . فهو القوي القاهر لها وهو بشاعريته قادر على إحكام سيطرته عليها والفوز بها ! فالمفردة تدل على وجود تناص (Intertextuality ) غير مباشر وضمني .
ونلمح في البيت الثاني كشفا لسر المرأة فهي محبوبته وذلك عبر كلمة ( ظبي ) فالظبي هو الغزال جميل العينين رشيق الحركة. وتشبيه المحبوبة بالغزال صورة شعرية ( poetic image) مطروقة في الشعر القديم وتراثنا الأدبي مما يُدلل على أصالة الشاعر واحترامه للتراث الأدبي وتأثره بهِ .يقول البحتري:
ما لِذا الظبْي لا يُنالُ اقتِنَاصُهْ , وهْوَ بالقُربِ بيّن إفّرَاصُهْ 3
ما زال شاعرنا يستعمل الأساليب القوية . ففي البيت الثاني استعمل أسلوب الشرط بقوله ( إذا التفت أغلال حرفي على عنقٍ ) وأتى الجواب صريحا مباشرا قويا حينما قال: ( لا يفكر ظبي في مقاومتي ) فأسلوب النفي هنا يوثق قدراته ويبرز شخصيته ويعلن هزيمتها أمامه .. وكلمة أغلال تدل على قوة السلاح فحرفه فتاك قوي جميل بارز البهاء ..وجعل الكلمة جمعا لإبراز تلك المزايا التي ترفل بها شاعريته ...وتكثيف صورتها في ذهن الطرف الآخر المعني بالأمر .
قام الشاعر بتوظيف حرف فاء التشهير الذي يبث معه هواء قويا أثناء خروجه من الثنايا , فقد كرره خمس مرات في هذا البيت , إنه يسلط الضوءَ على ذاتِه أكثر عبرَ حرف الإفصاح والتشهير .
نلحظ أن الشاعرَ اختار لقافيته قافية التاء المنتهية بياء المتكلم .. والتاء حرف لثوي يرتقي معه اللسان إلى الأعلى ليلامس اللثة .. وكذا شاعرنا الذي يرتقي بموهبته أمام محبوبته ويعتز في شموخ ظاهر بشاعريته , ويزيد أمر الاعتزاز والفخر بالذات بإضافته ياء المتكلم إلى القافية . وهي النغمة الأخيرة التي نقف عليها في كل بيت , والقافية مطلقة وليست مقيدة تُظهِرُ امتداد وسعة مواهبه وحضور شاعريته وتجدد مزاياه .
...........................................
3ـ على وِسادةِ كفّي يَنْحَني رَغِبَا ..... جِيْدٌ تَلمَّسَ دِفْئا في مُلامَسَتِي
3ـ يفخر الشاعر في البيت الثالث برجولته بعد أن افتخر ـ سابقا ـ بشاعريته , فهو الرجل الذي تتمناه النساء لقدرته على الاحتواء والمنح العاطفي , إنه ما زال ينبض بالمشاعر ويملك القدرة على العطاء. ويثبت هنا الشاعر توهج شبابه وألق رجولته وفورة ذكورته , وكان اختيار الشاعر لمفردات البيت موفقا جدا , فقد حشد كلمات تدل على الحسية التي تلائم فيض الذكورة وعطاء الرجولة ( كفي , جِيد , تلمس , ملامستي ) ولم تكن تلك المفردات خالية من تعزيز وهج العاطفة ( رغبا . دفئا ) وهو ما نناله من الحب بعد الوصل . وكانت كلمة وسادة تعبيرًا عن الوصل والرغبة في اللقاء, ومن جماليات البيت ذلك التسلسل المنطقي الذي سار بنا رويدا رويدا حتى وصلنا إلى نهاية البيت فبعد اللقاء ( الوسادة ) يحدث الوصل ( ينحني رغبا جيدٌ ) فنُحس ( الدفء ) والأمان والاستقرار العاطفي . إنه بيت يحكي ليلة المحبين في إيجاز بديع.
وتبدو كلمة ملامستي شديدة الحسية تدلل على الرغبة الدفينة في داخل الشاعر للمحبوبة ( وإذا لامستم النساء )*فهي كلمة مرتبطة بالعلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة.
ظهرتِ الموسيقى الداخلية في الجناس الاشتقاقي بين ( تلمس , ملامستي ) وللجناس أثره الموسيقى والمعنوي في توثيق المعنى في النفوس.
...........................................................................
4ـ وواصَلَ الليلُ تهديدي بِغَفْوَتِنا........وَطَرْفُ عَيْنِكِ يَخْشَى من مفارقتي
4ـ يأتي البيت الرابع دعامة قوية للبيت الثالث , فشاعرنا ما زال ينتشي لذة الوصل , ولم تفارق مخيلته صورة محبوبته التي يأمل منها كل لقاء غامر بالحب . ويجعل الليل وهو سكن المحبين ثالثهما في اللذة . فهو يطلب منهما اللقاء وتجدد عهد الوصال . تبقى الطبيعة عنصرا هاما في شعر الرومانسيين الذين يعشقون الفطرة ويتنسمون جمال الحياة ويجدون في مظاهر الطبيعة شريكا لمشاعرهم . فمحبوبته ظبي جميل , والليل شهيد على الوصل وعذوبة اللقاء حتى بات يطلبه منهما !
إن الرومانسية تعطي للمبدع أهمية تفوق أهمية الواقع ذاته , فالعمل الإبداعي تعبير عن العالم الداخلي للفنان , وفهمنا للنص الأدبي يعتمد قبل كل شيء على فهم المبدع أولا . 4
وشاعرنا يُمجد الأخلاق العربية الأصيلة فمحبوبته سيدة حرة تتصف بالحياء . إنها تلمح للرغبة في الآخر ولا تطلبها , وذلك في قوله ( وطرف عينك يخشى مفارقتي ) فقد جعل عينهَا اللسانَ المعبر عن الحب , ولم يجعلها تصرح بالحب , لكنه قال بأنها تخشى مفارقته تلميحا إلى وجود الحب. ونرى أن الشاعر استعمل المجاز المرسل ( طرف عينها ) ليعبر بالجزء عن الكل, وهذا بدوره يُعزز في نفوسنا حياءَ المحبوبة فهي ترمقه بطرف العين على خجل .
وهذا المعنى النبيل تكرر في شعرنا التقليدي , وفيه نظرة احترام واعتزاز للمرأة والمحبوبة الحرة التي لا تتفوه بالرغبة ولكنها تلمح لها ويمنعها الحياء والعزة والشرف , يقول مزاحم بن الحارث العقيلي :
يُطالعنني في كل خل خصاصة , وكفة ديباج بستر مُهول
طلاع المها الرملي ريع وقوفه , أراك ٌ وأرطىً من قساء وحومل 5
ما أرى شاعرنا إلا قارئا أصيلا للشعر النبيل والغزل العفيف ...
.................................................................................................... ............

5ـ بَدَتْ لِيَ العينُ مِثْلَ البَدْرِ ناعِسَةً ....كأنَّ جِفْنَكِ غَيْمٌ سَدَّ نافِذَتِي

يواصل شاعرُنا الحديث عن عين المحبوبة قائلا بأنها كالبدر في بهائها واستدارتها ( سعة العين ) وبريقها , وهذا وصف جميل جدا لأن البدر ذو جمال وبهاء وسطوع كبير, بيد أن كلمة ناعسة لا تتناسب هنا ومقام البدر, فقد جعل طرفها ناعسا ليدلل على حيائها وخفرها وتميز نظرتها , بعد أن وصف سعة عينيها .
أما الجفن فهو كالغيم الأبيض في نقائه وجمال لونه , ومن جمال هذا الجفن أن شاعرنا لم يعد يرى شيئا آخر في الوجود , وأتى تعبيره ( غيم سد نافذتي ) تعبيرا جديدا لم يسبق لي قراءته ـ فيما أعلم ـ فشاعرنا مجددٌ في صورِه الشعرية وأخيلتِه .
إنَّ البيتَ غزلٌ حسيٌ رقيق يدلل على هيام الشاعر بجمال محبوبته .
.............................................................................................

6ـ غَرَقْتِ فِي النَّوْمِ لَكِنَّ الْهَوَىْ يَقِظٌ........يَهْوَى التَّأمُّلَ في عَيْنَيْكِ فاتنتي
من مظاهر جمال هذا البيت الطباق بين غرقتُ في النوم ويقظ , مما جعلنا نشعر بشتات الشاعر وأرقه وحالته التي وصل لها بسبب تعلقه بجمال محبوبته فهو يُحاول النوم عبثا , فيبقى الهوي يقظا في القلب لأنه يحب تأمل عيني المحبوبة وفاتنة قلبه , فهو ينام على صورتها ويصحو على مشهد عينيها , ومن الجمال الأسلوبي في البيت تعبيره عن حالة النوم بالزمن الماضي ( غرقت ) فقد ذهب وولى , في حين عبر عن حالة الأرق بالاسم ( يقظ ) فهو لم يزل يحيا الأرق لأن الحب حاضر في قلبه , مشتعلة أواره . وعزز لنا الفعل المضارع هذه الحالة ( يهوى ) , وجعل ختام البيت ( الفتنة ) وهي لسان حاله .
إن اختيارَ الكلماتِ في القصيدة لا يكون عشوائيًا , وكذلك اختيار الوظائف النحوية لها لا يكون عبثًا. 6
.................................................................................................
7ـ أمّا الأناملُ يا عمري فَمَا فَتِئَتْ.......... تجرّ رأسيَ.. واشْتَدْتْ بِناصِيَتِي
7ـ ينتقل الشاعر لموطن آخر من مواطن جمال المحبوبة وهي الأنامل التي تشي برقة ونعومة المحبوبة , فيعبر لنا عن جمالها , ويذكر أن جمال الأنامل سببٌ في جذبه لها , وقد وصلنا إلى هذا المعنى عبر ألفاظ الشاعر ( الناصية وهي مقدمة الرأس ) وكلمة الرأس أيضًا . مما يدل على هيمنتها وسيطرتها عليه, من جمال البيت التقسيم الجميل بين الجمل الثلاث ( الأنامل يا عمري , تجر رأسي , واشتدت بناصيتي ).
وقد تنافس الشعراء في وصف الأنامل والوقوف على نعومتها وجمالها , يقول مزاحم بن الحارث العقيلي :
مدت بنانا للصفاح كأنَّه , بنات النقا مالت بهنَّ الأحاقف
به نضح حِنّاء جديدٌ كأنّه , لِما استشربتْ منه الأنامل راعف 7

.................................................................................................... .................................................
8ـ وَكُنْتُ أَسْكَرُ في عَيْنَيْكِ يَاْ نَظَرْي.....فِيْ كَأْسِ لَحْظِكِ من أَعْنَابِ دالِيَتِي
يواصل الشاعر مسيرة الغزل في محبوبته موضحًا مزاياها وواقفا على مواطن جمالها . فيعود للحديث عن عينيها وأنه متيم بهما , ثمل بجمالهما , فأصبح ينظر من خلالهما إلى العالم ( يا نظري ) وأصبح لحظها كأسًا ينهل منه ويُحس الحب. ومن جمال البيت هو الصورة الجزئية فقد جعل مصدر جمال عينيها ورقة نظراتهما إليه هو أعنابه المتدلية عليها , فهي تنجذب إليه , تتعلق به فتطيل النظر إليه, فيبرز جمال عينيها أكثر وسحرهما وألقهما وبريقهما .
إنَّ البيت كله تعبيرٌ عن هذه الصورة, فقد أتتْ حالة السكر التي تظهر على الشاعر بسبب جمال عينيها وفتنة نظراتها من أعناب داليته المتدلية على المحبوبة بما وُهب من عناصر جذب وفتنة أيضا للنساء . فكلاهما شريك في الحب وباذل له . ومنحتنا حروف الجر في البيت نغمات متتابعة, حيثُ أتتْ في مواطن مُتعاقبة لتعززَ شعورَ العطاء منهما . إنها موسيقية داخلية عالية الأصداء ننصت لها بإعجاب .

9ـ مَاْ زَالَ لَيْلِيْ غنيّا بالهوى ثَمِلا .......فلا تَضجّي بعيدا عن مُسامرتي
يؤكد شاعرنا في هذا البيت لمحبوبته قدرته على الحب, والبذل في المشاعر, فليله غني معطاء وافر الكرم منغمس في الهوى. فينهاها عن البعد والفراق كأنه يخشى ذلك من شدة ولعه بها, وأتتْ أجراس كلمة ( تضُجي ) مثيرة لأسماعنا ومنبهة لها ملائمة للعاطفة القوية في البيت. فهو يخشى البعد ويتألم له , يحن للوصل والمسامرة في ليل العاشقين. وأتت كلمات ( غنيا , ثملا , بعيدا ) بمواقع متتابعة جميلة أضفت نغمة رائعة للبيت بقوة صوت التنوين فيها الذي يزيد من الدفق العاطفي حيثُ الخوف الداخلي الذي يحسه الشاعر.
إن الإيقاع الداخلي ينساب في اللفظة والتركيب فيعطي إشراقة ووقدة تومئ إلى المشاعر فتجليها وتُحسن التعبير عن أدق الخلجات وأخفاها . 8
10ـ ألْقَتْ عُطُورِي عَلَيْكِ القَبْضَ مُذْ عَلِمَتْ.... بَأَنَّ قَلْبَكِ لا يَهْوَى مُغازلتي
يعود الشاعر في هذا البيت إلى أسلوب التحدي وإظهار السلطة على محبوبته فهو ( يلقي القبض عليها ) وكأنه صياد ماهر قادر على إحكام قبضته على فريسته وطريدته ! , لكنه جعل سلاح القبض عليها عطوره العبقة ذات الأريج الكبير حيثُ تنسمت محبوبته ذلك الشذى وذابت في حبه بعد أن كانت لا تبادله الهوى . ومن جِمال الصورة الحسية أنها شمية , فالعطور هي وسيلة القبض والجذب . يُحب الرجل أن يظفر بقلب المرأة التي يحبها مهما كانت الصعوبات فيجد لذة النصر بعد الكفاح .
من جمال البيت تلك الثنائية التي أبرزها لنا الشاعر بأسلوب المفارقة فعطوره ألقت القبض ( صيغة مثبتة ) بعد أن علم أنها لا تهوى مغازلته ( صيغة منفية ) . فالشاعر يجد اللذة في الفوز بقلب من تعزف عنه لأنه يشعر بشجاعته وقدراته .
وُجِدَ فن المفارقة الشعري ( Irony ) عند كثير من شعراء العربية المميزين كالمتنبي ومزاحم بن الحارث العقيلي وأحمد شوقي. وهو يحتاج إلى عمق في الرؤية وبصيرة في الحياة .
11ـ فَهل تَرَيْنَ مِنَ العُشَّاقِ مِنْ بَطَلٍ......... في حُبّ أنثى ...يُباري في منافستي
يلجأ الشاعر في هذا البيت إلى أسلوب إنشائي بعد سلسلة من الأبيات الخبرية .والغرض من الاستفهام هنا هو تقرير وتأكيد بطولته في عشقه لها وقدر محبته لها . فهو يرى أن لا منافس له في حبه لها , ولا يوجد عاشق أو بطل غيره يتجاوزه في الحب والهيام عامةً . وهذا من قبيل المبالغة المستحبة لاستمالة قلب الحبيبة . وكذلك يدل على روح الأنا العالية كما أشرنا في بدايات تحليل النص فهو البطل الذي لا يُنافس ولا يُبارى ولا يسبقه آخر وأتت كلمة ( الأنثى ) لتعزز رجولته التي يراها , وتشي برغبته في الحب الحسي . وأتت مفردات ( بطل , يبارى , منافستي ) تعزز صورة بطولته أمامها .
12ـ إنْ قلتِ : عنترة العبْسِيُّ هامَ بها ..........في ساحةِ الحربِ . هذا ما بذاكرتي
يضع الشاعر الاحتمالات التي تجيب عن تساؤلاته أمامها . فإن قالت : إن بطل العشاق وفارس الحب هو عنترة العبسي كان أكثر هياما منه في الحب وهو في حالة حرب شديدة ... وهذا تلميح إلى قول عنترة :
فودِدتُ تقبيل السيوف لأنها , لمعت كبارق ثغركِ المتبسمِ9
قد يبدو البيت للوهلة الأولى تقليلا من شأن شاعرية وبطولة شاعرنا في الحب , لكنه في الحقيقة استحضار لشخصية شجاعة وشاعرية تأججت مواهبها ونثرت على الأسماع أغانيها , وكونه يستحضر تلك الشخصية فهو دليل على شاعريته وتأجج مواهبه فهو عنترة عصره وشاعر زمانه وعاشق للمحبوبة لا يبارى .
إنَّ استحضار هذا الأنموذج التاريخي يمنح البيت دلالات ثرة ورؤى عميقة وروحا ملتهبة . فهو الشاعر الشجاع الفارس المحب العاشق وعنترة محب يعي حدود حبه جيدًا , لم يأخذه الحب إلى العزوف عن فروسيته ومهاراته وحبه لقبيلته بعيدا , فهو المحب الكريم في حبه لكنه العاقل الذي لا يأخذه الهوى إلى الخذلان والضياع ...
............................................
13ـ لكنّ عبلةَ ما اغتالت مُتيّمَها.........كما فَعلتِ بطرف العينِ . قاتلتي
يستدرك الشاعر على محبوبته جوابها قائلا إن طرفها قد اغتاله بينما لم تفعل عبلة ذلك بقلب عنترة !
قد جعل محبوبته أكثر بهاء وجمالا من عبلة , وهذا هو الحب الحقيقي .. فالمحب يرى محبوبه نموذجا لجميع المزايا من شدة الوله والحب . فالعاطفة هنا صادقة مُتأججة تثيرُ انتباهنا وتجبرنا على الوقوفِ أمامَها احتراما . قد قتلته على سبيل المجاز أي أنها جعلته أسيرا لها لا ينظر لغيرها . ينزف بالحب.
ومن الجمال الموسيقي للبيت حذف حرف النداء من كلمة ( قاتلتي ) مما يدلل على قربها لروحه . فجعل ختام البيت القرب الشديد بعد التعبير عن الوله الشديد . إنه يأمل قربها يطلبها لنفسه .

14ـ أخافُ ناري ـ من الأشواق ـ إنْ ظفرتْ........ألا تعودي . حذارِ النارَ حارقتي
يحترم الشاعر رقة محبوبته في هذا البيت بأسلوب غير مباشر , فهو يخشى عليها من أشواقه الملتهبة وحبه القوي أن يخدش رقتها ويجرح نعومتها .
أصبح الشاعر محبا مشفقا بعد أن كان محبا متحديا . وهذه هي حقيقة القصيدة أن الشاعر يحترق حبا لمحبوبته وينزف الأشواق ويكابد العشق إلى درجة أنه يراعي مشاعر محبوبته ويحترم رقتها .
شبه الشاعر أشواقه الحرّى بالنار الملتهبة على سبيل المجاز للتعبير عن مدى قوتها وتأججها . وشبه المحبوبة بالإنسان الذي يُشعل الجذوة ويتركها لتلتهب ..
...............................................................
نلحظ في القصيدة :
1ـ قصر أبياتها فهي قصيدة قصيرة . وليس هذا الأمر مما يُعاب عليه الشاعر . فالعلاقة ـ كما ذكرنا ـ كانت علاقة عابرة قوية وعرفنا ذلك من الوقوف على بعض المفردات ولكنها حملت عاطفة صادقة متأججة . ومن هنا جاءت القصيدة نفثة انفعالية موجزة لتتناسب مع دفق العاطفة القوي لامرأة لم يُحقق أمنية الوصل بها .
2ـ كانت العاطفة صادقة قوية متأججة ,بثتها مفردات الشاعر المنتقاة بعناية تُدلل على رغبة قوية بالمحبوبة وتثبت قوة حبه لها .
3ـ كان غزل الشاعر يشي بالحسية حينا , ويشي في أحيان أخرى بوصف الشعور والحنين الموجود في قلبه .
4ـ يظهر على الشاعر الإلمام بالتراث العربي والشعر التقليدي واحترامه لهما في أوزانه ( بحر البسيط ) فالقصيدة عمودية والقوافي متشابهة . والصور مأخوذة من تراثنا القديم . وهذا لا ينفي عن شاعرنا التجديد والابتكار في ألوان الموسيقى الداخلية وبعض الصور الفريدة كما وقفنا عليها في حينها .
5ـ أتى توظيف التراث خادمًا لمعاني القصيدة , دافعًا مسارها إلى الأمام .
6ـ القصيدة تتميز بالدفق العاطفي وكثرة ألوان الموسيقى الداخلية والإيجاز الشديد .
7ـ كانت العواطف تتراوح بين التحدي ليظفر بها , والحب القوي الظاهر والرجاء بأن لا تتخلى عنه . وتمني وصلها والخشية على رقتها .
8ـ ظهرت شخصية الشاعر في القصيدة . فهي شخصية قوية واضحة جريئة مغامرة , لا تقبل الهزيمة . تملك روح التحدي وتتفهم الآخر . وشاعرنا بعد ذلك رقيق الشعور صادق العاطفة .
9ـ أتت جمل القصيدة خبرية في مجملها , تدل على ثقة الشاعر بشعوره ومعرفته بمزايا محبوبته التي ترفل بها ويريد بثها على مسامعنا افتخارا, وإخبارنا بحكايته القصيرة معها . وأتت الجمل الإنشائية لماما تمنحنا مشاعر فياضة متدفقة ومعانيَ وافرة.
10 ـ كان التقديم والتأخير ظاهرا في البيت السابع والثاني عشر فقد قدم ( الأنامل , وعنترة العبسي ) لأهميتهما وقدرهما .
11ـ جاءت الأفعال بصيغة المضارع أربعة عشر فِعلا ( تُعلني , يُفكر , ينحني , يخشى , يهوى , تجر , أسكر , تضجي , يهوى , ترين , يُبارى , أخاف , تعودي ) تُثبت الحالة القائمة بين الشاعر ومحبوبته.
في حين أتتِ الأفعال في الزمن الماضي أربعة عشر فعلا تحاول أن ترسمَ بعدا عميقا للعلاقة, ( جربتِ , واصَل, بدتِ , سدّ , غرِقت , اشتدت , كنتُ , ألقت , علِمت , هام , اغتالت , فعلت , ظفرت , تلمّس ) .حيث وصل الشاعر بعضها بالشرط ( إذا ) ليوضح تاريخ صفاته العميق , أو سبقت أفعاله الماضية ( ما زال ) لتفيد الاستمرار . ولذا انزاح معنى الماضي فيها إلى الاستمرار والمضارعة .
12 ـ استعمل الشاعر فن التشبيه لتقريب المعنى وإبرازه بصورٍ خيالية , مما يدلل على احترامه لصورة القصيدة العربية التقليدية حيث اعتنى الشاعر القديم بفن التشبيه . ومع ذلك فإننا نجد شيوع التشخيص ( الاستعارة المكنية ) حيثُ جعل الشاعر كل ما حوله ينطق أو يتحرك أو ينتشي في صور بديعة تدغدغ المشاعر وتُشعرنا برغبة الشاعر بأن يعلن حبه للجميع مخاطبا في الجمادات أرواحها !
فالليل يواصل الإلحاح عليهما باستمرار العلاقة ( وواصل الليل ) , وطرف عين المحبوبة يخشى مفارقته ( وطرف عينك يخشى مفارقتي ) والهوى يقظ لا ينام في قلبه فلا يقدر على السبات لأن روحه لم ترتو من المحبوبة ( الهوى يقظ ) , ولهوى الشاعر عقل يتأمل جمال المحبوب ( يهوى التأمل ) , والأنامل الناعمة الرقيقة تجر رأس الشاعر وتجذبه نحوها جبرا من شدة سحرها ورقتها ( الأنامل تجر رأسي , واشتدت بناصيتي ) , ولعطور الشاعر حبال تلقي بها على المحبوبة لتكون أسيرة لها ( ألقت عطوري )
إن كل ما في الشاعر يصرخ بحبه , وكل ما حوله ينادي المحبوبة ويهتف لها.
إن أنسنة الأجزاء والطبيعة والأشياء يوحي بفيض العاطفة وسعة الخيال والصدق في الموقف .
13ـ وُجِد الالتفات البلاغي في قول الشاعر :
بَدَتْ لِيَ العينُ مِثْلَ البَدْرِ ناعِسَةً ....كأنَّ جِفْنَكِ غَيْمٌ سَدَّ نافِذَتِي
فمن ضمير الغيبة إلى ضمير المخاطب في سياق واحد ( بدت لي العين , جفنك ) , مع أن المَعني بهما واحدٌ ! ولهذا دلالة فهي البعيدة عن الوصل والقريبة إلى قلب الشاعر في آن واحد , فلم ينعم بحبها على الرغم من حبه الشديد لها . إنه العذاب حين ينطق به النحو العربي دون أن ينتبه الشاعر لهذا . فالمشاعر هنا هي المنوطة بالحديث ...
والالتفات يُحقق فائدتين : إحداهما عامة ـ في كل صورة ـ وهي إمتاع المتلقي وجذب انتباهه بتلك النتوءات أو التحويلات التي لا يتوقعها في نسق التعبير والأخرى خاصة تتمثل فيما تُشِعه كل صورة من تلك الصور في موقعها من السياق الذي ترد فيه ـ من إيحاءات ـ ودلالات خاصة 10.
14ـ وفي نهاية القصيدة جعل الموسيقى الداخلية تناديها النداء الأخير لعله يظفر بها عبر المقاطع الصوتية الطويلة ( خا . نا , ري , وا , لا , تعو , دي , ذا , نا , حا , تي ) وذلك في قوله :
14ـ أخافُ ناري ـ من الأشواق ـ إنْ ظفرتْ........ألا تعودي . حذارِ النارَ حارقتي
إنه أحد عشر مقطعا صوتيا يُناديها , فهل من سبيل أخير إليها !
أ ـ هدى عبد العزيز
المصادر والمراجع :
1ـ نظم هذه القصيدة الشاعر الفلسطيني أشرف محمد حشيش ( مشرف في شبكة رواء الأدب لعلوم اللغة العربية ) .
2. (اللغة وبناء الشعر , الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف , مكتبة الزهراء , القاهرة , ط1 , 1992م . ص7)
3ـ ( ديوان البحتري , ج2, ط1, 1991م, ص67)
4ـ (البلاغة والأسلوبية , د: محمد عبد المطلب , مكتبة لبنان , ناشرون , الشركة المصرية العالمية للنشر ـ لونجمان , ط1 , 1994م , ص225)
5ـ ( ديوان مزاحم بن الحارث العقيلي , ص117)
6ـ ( اللغة وبناء الشعر , الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف , مكتبة الزهراء , ط1, 1992م , ص124)
7ـ ( ديوان مزاحم بن الحارث العقيلي , ص109)
8ـ (الإيقاع في الشعر العربي , عبد الرحمن الوجي , دار الحصاد , دمشق , ط1 , 1989م, ص79)
9ـ ( ديوان عنترة العبسي , 1893م , ص84)
10 ـ ( أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية , حسن طبل , القاهرة , دار الفكر العربي , 1998م ) ص26
*سورة النساء آية 43.


والقصيدة نشرت في الفصيح هنا (http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=72544&p=559272)

أشرف حشيش
25-09-2012, 07:37 PM
الأستاذة الكريمة هدى لا يسعني إلا أن أشكرك على فضاء المعرفة التي يتحرك فيها خيالك

فلقد تناولتي نصي العاجز الذي لم يرق لمستوى ذائقة قلمك الراقي

بالنقد والتحليل فأغنيت وأثريت

بارك الله فيك ..ونفع بك

هدى عبد العزيز
26-09-2012, 11:34 AM
وعليكَ السلام
أهلا شاعرنا أشرف حشيش , لم يكن لي فضاء في نقدي هنا إلا رحاب قصيدتك الفسيح ... فحلقت في أطيافها الجميلة .
بارك الله لك في يراعتك .

رموش الغسق
26-09-2012, 03:58 PM
تتجلى المعرفة والدرجة العلمية في كتاباتك وردودك أستاذة هدي فهي مبنية على أسس مدروسة وتحليل عقلاني يتحلى بروح الأديب المتئدب .......
ولدي إستفسار بسيط حول فهمي لأحد أبيات قصيدة الأستاذ أشرف حشيش حيث تناولتْ مُناقشتك مفهوما بعيدا تماما عما وصلني من قراءتي الأولى للقصيدة , حيث قال الشاعر :
( أمّا الأناملُ يا عمري فَمَا فَتِئَتْ.......... تجرّ رأسيَ.. واشْتَدْتْ بِناصِيَتِي ) فقد ظننت الشاعر يصف حاله و ما وصل إليه من شوق للمحبوبة مع شعور العجز وانعدام الحيلة في نوال الوصل مما جعله يتيه في أفكاره وفي مرحلة من غياب الذهن يسرح شاعرنا شاردا بآماله فتشتغل أنامله برأسه و كأنها تبحث عن الحل وتجره من حبل أفكاره جرا ,
وتصوير الشاعر لحاله هنا هي صورة يعرفها البعض في حالة لا إرادية تنتابهم عند التفكير العميق حيث يقومون بشد شعر مقدمة الرأس بقوة وبحركات متتالية . و لا أعلم إن كان فهمي القاصر قد جانب الصواب أرجو الإيضاح و شكرا.

هدى عبد العزيز
26-09-2012, 04:27 PM
أهلا بالمبدعة رموش الغسق:
أشكر لك أدب الحوار وروح الاستقلال ..

ولا أعلم إن كان فهمي القاصر قد جانب الصواب أرجو الإيضاح و شكرا.
أبدًا لم يُجانب الصواب , بل صافحه .
وماذا في ذلك ؟
ألسنا نقول في النقد أن النصَ الجيد هو النصُ المفتوح الذي يقبل قراءات متعددة تساعد النقاد على البذل له والتحليق في أطيافه ; ولا نقف عند عتبة ظاهر المفردات بل نتوغل في دلالتها ; فالشاعر الموهوب المبدع هو الذي يستحث الآخرين على التنوع في القراءات ; مما يدل على ثراء خياله وإيجاز لغته وبلاغة صوره ; فيجعلنا نقف متأملين وكل منا ينضح بفكره من خبرته ومستوى فقهه للنص ورحابة علمه .
من وجهة نظري أن الشاعر الذي يطلق يراعته في لحظة إبداعه ; لا يريد فكرة محددة بقدر ما يُريد التعبير عن مشاعر شتى تختلج في روحه , وأفكار شتى تصطلي في عقله ; لأن المبدع عبارة عن طاقة شعورية عظيمة وفورة خيال واسعة .
فلماذا نحدها بقلم نقدي واحد .
كلا
أجمل بها من قراءة ....
فائق تقديري

رموش الغسق
26-09-2012, 05:57 PM
أشكرك على سعة صدرك وجميل ردك ,,, هكذا يكون العمالقة دائما .
واعذريني على كثرة أخطائي الإملائية فأنا أشكو من عجلة في طبعي أحاول أن أتخلص منها إلا أن الطبع أغلب (ops

هدى عبد العزيز
26-09-2012, 06:40 PM
أشكرك على سعة صدرك وجميل ردك ,,, هكذا يكون العمالقة دائما .
واعذريني على كثرة أخطائي الإملائية فأنا أشكو من عجلة في طبعي أحاول أن أتخلص منها إلا أن الطبع أغلب (ops

أشكرك أختي كريمة الروح
هي هِنات قد يقع فيها الجميع بسبب العجلة أو السهو الطباعي ...
وإلى الأمام ...

همبريالي
27-09-2012, 11:09 AM
بورك في يراعك
ولعلي أعود لأكتب شيئا عن ما قيل


نافذة ولا أروع.

هدى عبد العزيز
27-09-2012, 02:28 PM
بورك في يراعك
ولعلي أعود لأكتب شيئا عن ما قيل


نافذة ولا أروع.

أشكرك أستاذ همبريالي
أنتظر عودتك
تقديري

أشرف حشيش
28-09-2012, 08:55 PM
لله در النقاد ما أروع نقاشهم يقلبون ببصيرة نافذة صفحات مطوية

ويغوصون عميقا ليعودوا بالمعنى ..فيظهر بدراساتهم نافذا مضيئا

أمام هذا النقاش الغني بالإحاطة والشمول عليّ أن ألتزم الصمت

فالصمت في محراب النقد تفرضه حالة الدهشة من جمال من تخطون وبنقدكم نتعلم

الرماحي
05-11-2012, 12:12 AM
جهد مشكور أستاذتنا هدى عبد العزيز ..

وهذا تدريب عملي لنا لدراسة النصوص والغوص في أعماقها وسبر أغوارها .. ومحاولة نقدها ..


وهذا يشجعنا على إجادة النظم .

شكراً بارك الله فيك ..

هدى عبد العزيز
08-11-2012, 01:38 PM
لله در النقاد ما أروع نقاشهم يقلبون ببصيرة نافذة صفحات مطوية

ويغوصون عميقا ليعودوا بالمعنى ..فيظهر بدراساتهم نافذا مضيئا

أمام هذا النقاش الغني بالإحاطة والشمول عليّ أن ألتزم الصمت

فالصمت في محراب النقد تفرضه حالة الدهشة من جمال من تخطون وبنقدكم نتعلم

أهلا شاعرنا أشرف حشيش
لا تلزم الصمت في مجلس النقد .. فأجمل ما في النقد هو تعدد وجوهه وغنى أقلامه وتفاعل أصحابه للوصول إلى لب العمل .


جهد مشكور أستاذتنا هدى عبد العزيز ..

وهذا تدريب عملي لنا لدراسة النصوص والغوص في أعماقها وسبر أغوارها .. ومحاولة نقدها ..


وهذا يشجعنا على إجادة النظم .

شكراً بارك الله فيك ..

الأستاذ هو علم وفن النقد .. ونحنُ هنا جميعًا تلاميذه ; نتعلم منه الجديد ..
أشكرك على مرورك مشرفنا الرماحي

هدى عبد العزيز
11-11-2012, 01:28 AM
السلام عليكم

كنتُ قد وعدتُ الشاعر الجميل الرماحي أن أنقدَ له قصيدة ( ماذا أبقتِ الأيام )
وها أنا أنقدها وآمل أن تحوز على إعجابكم ومرحبا بملحوظاتكم الكريمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ماذا أبقت الأيام ..
1ـ يا شام ماذا أبقت الأيام ** أتُرى تعـيد جمـالك الأعــــوام
يُنادي الشاعِرُ بلدَ المسلمين الذي يعيش الألمَ والشتات والحروب;متسائلا : ماذا أبقتِ الأيامُ ; والغرضُ من السؤالِ التحسرُ ; فشاعرنا لا يرى ألمًا إلا وقد تذوقته شامنا ,وهو تعبير موجز جدًا يفتح أفق فِكر المتلقي لتَصورِ حال الشام العزيزة ; فيكون القارئُ مُتذوقًا وَجزءًا أصيلا من العمل الأدبي فيَرِدَ إلى ذهنِهِ جميع أشكال الأسى والشتات والفرقة والحروب وما تخلفه من ضحايا ودماء ومجازر على الأطفال والشيوخ والنساء. ....
وَهذهِ الجملة الإنشائية تثيرُ في الذهنِ كمًا منِ الشجن المُنبعثِ من إحساسِ الشاعرِ العميق ببلدٍ مجاورٍ يُحبه.
من جمال المطلع المُصرع أنَّ الشاعرَ استعمل كلمة الأيام بما تحتويه هذهِ الكلمة من تاريخ عميق للألم ; فالعربُ استعملوا هذه الكلمة للدلالة على الحرب ; قالوا (يوم ذي قار) وغيرها من الوقائع . فماذا أبقتْ تلك الحروب والويلات على شامنا الحبيبة ...
هل هي جاهلية جديدة نحياها ؟ ; ربما لم يقصد الشاعر هَذهِ الدلالة قصدًا لكن أفق تلقي القارئ للنص لا حدود له ; فتثيرُ مفردات الشاعر في نفسه تاريخها.
ومن هنا نجد من حق متلقي القصيدة أن يتجاوزَ بها الحادثة الفردية أو القصة الشعرية إلى عوالم رمزية كبرى تتخذ من التعبيرات في القصيدة معادلاتٍ لها وهنا فقط يختلف الاجتهاد باختلاف الثقافة وتنوع التجارب. 1
تبقى الحسرة تلف شاعرنا فيُكمِل البوحَ في شطر البيت الثاني مُتسائلا بأسىً : ( أترى تعيد جمالك الأعوام ).... أيحلم شاعرنا حلمًا جميلا ليواسيَ نفسه بأمل قد يكون قريبًا ; فيحاول تهوين الأمر قبل أن تقضيَ عليهِ صخرةَ الواقع القاسي ...
نلحظُ وقوفَ الشاعرِ على جمال الشام قائلا ( جمالك ) ودون شك أن ما يُميز الشام هو جمالها الباهر فقد كانتْ المصطاف العربي الأول آمنة مطمئنة; ترفلُ في ثوبِ النعيم والبهاء والخضرة ووفرة المياه. تُهدي أطيبَ ما فيها للجميع ...
من جماليات المطلع أيضًا أن الشاعرَ لم يكتفِ بالتصريع بين شطريه ( الأيام ـ الأعوام ) بل جعلهما من وزن صرفي واحد ( أفعال ) وهو وزن من أوزان جموع القلة ولم يكن يلزمه ذلك ; لكن هذه الألحان جعلتْ أصداءَ الموسيقى الداخلية عاليةً ;وهذهِ المزية تأسرُ لبَّ القارئ وتشد انتباهَه ,
إنَّ دورَ الشاعرِ في خلقِ هذا الإيقاع الداخلي هو دور الصانع الحاذق والجوهري الخبير بمادة صياغته , العالِم بالأسس البنائية في التركيب الشعري الخلاق , فهو باعث سر النغم ينبش غوره ويصل أعماقه ويستكنه دُرره بما أوتي من مقدرة على الغوص واستنباط أسرار النغم في الكلم 2
إن الجمل الإنشائية المتتابعة في بيت المطلع :
1ـ النداء ( يا شام ) وفي مضمونها جملة أخرى إنشائية هي :
2ـ الاستفهام ( ماذا أبقت الأيام ).
3ـ الاستفهام ( أترى تعيد جمالك ).
قد أدتْ دورًا هامًا في إثارة ذهن المتلقي ليصغيَ إلى هموم الشاعر وهو ينفثها من قلبٍ صادقٍ يحملُ همَّ الأمةِ . فخرجتْ من غرض الاستفهام إلى أغراض أخرى كما ذكرتُ.
( تُنشِط الأساليب الإنشائية مراحل النص إذا داخلته وتعرب أكثر من غيرها من الأساليب عن حاجة الباث إلى مساهمة المُتقبّل الذي يتحول فيها من متقبل مجرد إلى طرف مشارك ) 3
إنه مطلع بديع يعكس تساؤلاتنا ونبقى نردد :
يا ترى هل تعيد جمالك الأعوام ؟

2ـ يا سائلين عن الشآم وحالها ** قطبا رحى ما بينهن تسام
وما زال الشاعر ينادي بقوله : يا سائلين ; إنه يُشرِكُ الآخرين همَّه .
أهي صرخات تدوي مسامعنا فتثير شجوننا معه ; فالشام رمز من رموز الإسلام والتاريخ المشرف لنا جميعا وقطعة من جسد الأمة يذوي أمام نواظرنا ونحن لا نملكُ شيئا .
قد أضحت كقطبي الرحى ( آلة لطحن الحبوب عبارة عن حجرين منحوتين فوق بعضهما بعضا ) إنها صورة مشتقة من التراث الذي عاشه الشاعر ;وهنا تبرزُ أصالةَ الشاعر فهو لا يتكلفُ صورَهُ . بل يرسمُها من التراث الذي يحبه; ومن البيئة التي ينتمي إليها ;وهي صورة حركية تلاؤم حركة الهجوم الذي يشنه العدو على شامنا . فيها معاني القسوة والطحن والضجيج وكل ذلك صور ألم شامنا .
أرى أن الشاعر تجاوز اللغة في قوله ( تُسام ) لأن سياق الجملة ( قطبا رحى ما بينهن تُسام ) يقتضي قولنا الذي بينهن يُسام خسفًا وليس تُسام. ولعل مرد أمر عدم التجانس في تركيب الجملة بين السياق المذكر والفعل المؤنث نرجعه للشتات الذي يشعر به الشاعر نحو وضع الشام مجهول النهاية فتتسع الهوة دون أن نعرفَ هوية النهاية !
وأنا هنا لا أحاول أن أجد مخرجا لما تعثر فيه الشاعر بقدر ما أحاول أن أكون متسامحة في تعليل ذلك الخروج ; فللشاعر لغة خاصة به قد يتخللها انتهاكات لظروف كثيرة ....
لو عاودنا قراءة البيتين معًا نجد أن الشاعرَ يُكرر كلمة الشام , وحسبنا أن نعرفَ أن من أبرز وظائف التكرار اللغوي ولا سيّما تكرار العلم ـ بيان الأهمية وتوكيد المعنى وتقوية الإحساس به . 4
3ـ ويردد الباكون رجع بكائها ** جـفّــت مآقــيها ومــرّغ هـــام
يتحدث الشاعر في هذا البيت عن الباكين على شامنا حزنا على حالها التي وصلتْ إليه ; يرددون صدى بكاء الشام إنها الحالة التي يرقبونها بألم , ثم جفت المآقي ; أي أن شامنا بكت حتى وصلت لمرحلة الجفاف دلالة على طول مشهد الحزن الذي لم ينتهِ ألمَه ...
ما أرى تعبير شاعرنا هنا إلا رائعا ودقيقا ومؤلما ;
وهذه الرؤوس العالية أصبحتْ في الحضيض , موطنها التراب بعد السمو والعزة .. وأي ألم تنتهي عنده الدموع أشد من ذلك ; فتتبلد الحواس جميعها . والطباق المعنوي الجميل بين الشطرين في قول الشاعر ( يردد الباكون رجع بكائها ) وقوله ( جفت مآقيها ) يُبرز وجها من وجوه مفارقات الحياة ففي الوقت الذي يعلو فيه بكاؤنا نصمت ذهولا بعدها !
غير أن الشاعر لم يجعل نسقَ السياق واحدا في الزمن , فنلحظ في الشطر الأول أتى الفعل في الزمن المضارع ( يردد ) في حين جعل الشاعرُ الفعلَ بعدها ( جفت ) في الزمن الماضي !
وممّا لا شك فيهِ أنَّ التلاؤمَ في السياقِ أولى ; ولكن الشعر لغة الإيجاز, والشاعرُ يُريد أن يختزلَ معان شتى في صعيد بيت واحد , ولذا أرى أن مغزى الشاعر في هذا التحول الأسلوبي هو رسم صورة الألم المتجددة والمستمرة في قلوبنا ( يردد الباكون ) في حين أن تاريخ ألم الشام كان قديما إلى أن وصل ومنذ زمن إلى مرحلة الجفاف ( جفت ) ونحنُ لا زلنا نواصل البكاء !
وليس ذلكَ تخريجا بقدر ما هو قراءة للمشاعر التي تزدحم في نفس الفنان المرهفة ولا يجد لها مخرجا إلا في لغته الخاصة التي يصبها في فنه المختلف ...
علينا أن نهتم بمثل هذه الانتهاكات التي تتمثل في ألوان من الأداء وتوفرت فيها نية جمالية من حيث تأكيدها للمعنى أو توضيحه أو إبهامه وتفسيره . 5
إن الصورة الجزئية ( رجع بكائها ) هي استعارة مكنية وتشخيص للشام في صورة امرأة حزينة باكية تعزز حالة حزنها المستمر . إنَّ الصورَ الجزئية في البيت صورٌ صاخبة الأصداء تصرخ في أعماقنا .
4ـ وذوو الرئاسة يا لجرم صنيعهم ** قد أسلموها للخطوب وناموا
يوضح الشاعر في البيت الثالث السبب الذي يراه وراء مأساة الشام وهو تخلي أصحاب الزمام عن مسئوليتهم المباشرة في حفظ كيانها وأهلها وتاريخها والدفاع عنها...إنها الجريمة النكراء التي لا يقبلها شاعرنا ويرفضها علنا أمامنا..
وفي الشطر الثاني يُعظم من صورة تخليهم عنها ; فهو يراهم لم يكتفوا بالتخلي عن واجبهم نحوها بل يرى الشاعر أنهم قدموها وجبة رخيصة للتناحر والأعداء فينكأ جراحنا أكثر...فلم يحفظوا حقها ثم قدموها للأوجاع ولسان حالهم النوم وهي تعني هنا الغفلة ; وفي الكلمة من الهوان الشيء الكثير..
نلحظ هنا قوة معنى الشطر الأول ويقابله ضعف صورة القوم في الشطر الثاني ممّا يُتيح لنا الإحساس القوي بين قوة مركزهم ووضاعة موقفهم .. إنها صورة تبعث على الحسرة ...ونحن نقول عنها ( صورة ) لأن كلمة أسلموها تدل على أنها أصبحت مخذولة فمن معاني أسلم الخذلان والاستسلام والذل والخضوع .......
إنها صورة نفسية توقظ الشعور .
جعل الشاعر الفعلين في زمن الماضي حيثُ قال : أسلموها وناموا , إنه تاريخ الضعف القديم في الأمة ...
ومن جمال البيت أنه جعل كلمة ( وناموا ) في نهاية البيت وهي النهاية التي انتهى إليها الرؤساء ولم يُفق منها أحد إلى الآن ; على الرغم من الزمن القديم للغفلة والذي عبّر عنه الشاعر بزمن الفعل الماضي ...
كما أن المقاطع الموسيقية الطويلة في البيت كثيرة ٌ( ذوو , رئا , يا . لاج , صني , مو , ها , خطو , نا , موا )
لذا أرى أن هذا البيت المتدفق في الصوائت الطويلة هو أكثر ما يؤلم الشاعر .
5ـ والأمة الجوفاء بان خــواؤها ** وتزعـمـت أجـنادها أقــزام
خرج شاعرنا من القضية الصغيرة إلى القضية الأعظم وهذا شأن الشعراء المتميزين الذين يخرجون من الموقف الأول إلى الألم الأكبر , فهم ينظرون إلى الشعر أنه وسيلة من وسائل التعبير في الحقيقة. وهنا تتدفق المعاني بشكل تدريجي إلى الذهن وتتحقق الوحدة العضوية .
لقد أصبحت الأمة جميعها جوفاء بعد استسلامها أمام حال الشام.. ممّا يدل على أن الألم الحقيقي يكمن في ضعف حال الأمة وتدهور حالها إلى الأسوأ .. وللأسف أن زعامة هذهِ الأمة يمتلكها جند صغار . وهم صغار ليسوا في سنهم بل في مقامِهم وقدراتِهم وشخصياتِهم ...
ترك الشاعر صورة البيت مفتوحة ولم يستمر في استنزافها .. وهذا هو الشعر .. فالبيت يفتح أفق التلقي للقارئ. وكل منا يتخيل أثر هذا الضعف على الأمة وعلى الشعوب وعلى ثقافتنا ومصائرنا وما نتج عنه من انقسامات وويلات .....إننا نقف متأملين أمام هذا البيت الموجز الذي يستثير فكرنا في حالنا الذي وصلنا إليه ....
فكيف إذا عرفنا أن كلمة الأقزام التي ختم بها الشاعر بيته تحمل صورة الرجل الدميم واللئيم والشحيح وليس فقط صغير الجثة أو المقام كما يخبرنا القاموس ....أماتت الرجولة في معاقلها !
إن الكلمات تقول دائما أكثر من شيء واحد في وقت واحد 6

6ـ ليت الحرائر أن تقود جحافلاً ** شحّ الكرام وجندل الضرغام
يتمنى الشاعر على سبيل السخرية قيادة النساء لأمر الدولة , فهو لا يرى الرجال الذين تهتز لهم الدول هيبة وبطولة .. وأصبح لسان حالهم ( شح الكرام وجندل الضرغام )... ومن جودة البيت أن الشاعر جمع العيوب التي تقدح في الرجولة في بيت واحد فأوجزَ الحكاية وهي :
1ـ القيادة ( الحرائر تقود ) وتتضمن القيادة صفات الحكمة والدهاء السياسي والتخطيط وغيره من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في القائد.
2ـ الكرم ( وشح الكرام )
3ـ الشجاعة ( جندل الضرغام ) .والضرغام اسم من أسماء الأسد.
السخرية فن ينبع من مفارقات الحياة حين نرى نتائج الأفعال على غير هوى بداياتها , ولا يستطيعه إلا الشاعر الموهوب القادر على تطويع اللغة لهذا الأسلوب . 7

7ـ أتدنس الأرض الطهور وجيشنا ** ضاقت به الفلوات والآكام
استفهام انكاري ذو ضجيج في النفوس الطاهرة .. لقد دُنستِ الأرضُ بدماء المظلومين وهم يبحثون عن الحياة الكريمة بينما الجيوش المسلمة والعربية المتراصة في مراكزها لا فائدة تُرجى منها ولا أمل منهم يُنتظر !! أخذوا مكانًا من صحرائِنا العربية الشاسعة.
من جماليات البيت كلمة ( وجيشنا ) فالشاعر يُحس الانتماء للوطن الواحد ; ويرنو لحلم الكيان المتكامل; بل هو يُجدد الولاء بهذا الضمير( نا ) .
إنها اللغة التلقائية التي فاضتْ عن شعور صادق لبلد من بلاد الأمة , فالشعر فن لُغوي قبل كل شيء 8
نلحظ أن الشاعرَ استعمل كلمة فلوات وآكام وهما صيغتا جمع ليهولَ من عدد الجيوش التي ملأتِ المكان والبلاد, فتشتعل الغيرة أكثر في النفوس وتأكل الحسرة من المتلقين كل شعور على التخاذل الكبير الذي يراه على الرغم من تلك الأعداد الضخمة ويزيد الأسى في النفوس ونبكي البوار التي لم تنجب صنديدا من بينهم ! ...
8ـ أتذل أمـتنا وبين ظهـورنا ** نور العــقـيـدة ديننا الإســـلام
يزيد الشاعر من تساؤلاته التي تدل على ذهوله من موقف العرب والمسلمين أمام جزء من جسدهم يراه يتضعضع ويسقط رويدا رويدا أمام ناظريه ولا يملكُ له إلا صدقَ الشعور والشعر ...
في هذا البيت يهزُ الشاعر عاطفتنا الإسلامية هزًا عبر كلماته المباشرة في البيت الواحد ( أمتنا ; العقيدة ; ديننا ; الإسلام )
أ فيكون بعدها المصير الذلة ؟
كيف تكون الذلة هي لسان حالنا وديننا الإسلام رمز العزة والكرامة والقوة والحرية ! أهو الطباق المعنوي الذكي أم هي المفارقة حين تلمس روح الشاعر الحساسة فيحولها فنًّا.....
9ـ ماذا يفيد تسخّط من عصرنا ** ما لم يفارق غمده الصمصام
وتبقى تتجدد تساؤلات الشاعر الحائرة التي تقف أمام الحدث مشدوهة لا تملك إلا الاستمرار في الألم مادامت الحال لم تتغير إلى الأفضل.
أتتِ القفلة في بيت ينفض الغبار عن فتيل الحماسة ليُجددَ قبسه إلى الجهاد الذي فيه عزتنا وطريق أمجادنا . ويجعل ختامَ الألمِ أملا لنصر جديد إذا ما تكاتفنا للجهاد عبر القرينة ( غمده ـ الصمصام )
جعل الشاعر السيفَ روحًا تفارقُ جسدَها كي تتحررَ إلى العلا والكرامة.
إنها صورة جزئية حركية ( استعارة مكنية ) يتحرك معها كيان الشاعر المحب للجهاد ويحرك معه حماسنا للسيف !
نلحظ أن الشاعر استعمل كلمة تُفارق وهي من الفراق .. حيثُ لا عودة .. إنه يريد الجهاد بقوة وبعزيمة لا تردد فيها .
أجمل بها من صياغة لا ينظمها إلا شاعر متمكن من أدواته وصادق في لهجته وقوي في تعابيره وذكي في انتقاء مفرداته .
لن يفيدنا الهتافات والاستنكارات والأصوات العالية ما لم تقترن بجهاد قوي ينتفض على الظلم ويرفع المهونة ويُجدد الكرامة وحرية الرأي .
من علامات جودة القصيدة حسن المطلع في دلالته على ما بعده , وحسن المقطع في أنه غير متعلق بغيره . 9
...........................................................................
ملحوظات :
1ـ كان الشاعر في قصيدته مُعاصرًا متفاعلًا مع قضايا بلده الإسلامي .وهذا ما يُطلب من الشاعر أن يكون جزءًا فاعلا في المجتمع بموهبته التي وهبها الله له فمن شكر تلك النعمة أن يُسخرَها في الخير معبرا عن حال أمته , داعيا إلى الخير .
2ـ جاءت ألفاظ الشاعر مصورةً عواطفه المتدفقه النبيلة المحبة لوطنه بمعناه الواسع , وجاء منها مشتقًا من القرآن الكريم ( تسام ) قال الله تعالى ( يسومهم سوء العذاب ) الأعراف آية رقم 167.
3ـ جاءت معاني الشاعر مستقاة من الفكر الإسلامي الصافي كدعوته إلى عقيدة الجهاد ضمنيا عبر صوره وأخيلته , فلم تكن تلك المعاني مباشرة بل وصلتنا بأسلوب شاعري جميل.
4ـ من أجمل مزايا القصيدة هي خلوها من المباشرة التي نجدها في الشعر الإسلامي , بل تلقفنا تلك المعاني الإسلامية عبر التراكيب غير المباشرة ( الإنشائية ) وعبر الأخيلة ( الصور الجزئية المتلونة بالصوت والحركة ) .
5ـ يُجيد الشاعر اختيار مفرداته التي تحمل معان كثيفة تمنحنا رؤىً جميلة نطلق فكرنا معها .
6ـ تتضح شخصيةُ الشاعر في قصيدته , فهو إنسانٌ محبٌ لوطنه , مخلصٌ في شعورِهِ , صادقُ في انتمائه . جريءٌ في عرض فِكره ورأيه .
7ـ ارتضى الشاعر لقصيدته بحر الكامل بموسيقاه المميزه . وأصاب بعض الأشطر زحاف القبض والخزل.
أمّا القافية فهي الميم المضمومة وهي قافية مطلقة , تلاؤم صرخات الشاعر التي كنا ننصت لها ولم تُستطع الصمت .

المراجع
1ـ اللغة وبناء الشعر , د: محمد حماسة عبد اللطيف . مكتبة الزهراء , ط1 , 1992م . ص 127 .
2ـ الإيقاع في الشعر العربي , عبد الرحمن الوجي , دار الحصاد , ط1, 1989م , دمشق ص 80 بتصرف .
3ـ ( خصائص الأسلوب في الشوقيات ) محمد الهادي الطرابلسي ,منشورات الجامعة التونسية , المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية 1981م , ص 350 .
4ـ المرأة في الشعر الأموي , فاطمة ياجور , منشورات اتحاد الكتاب العربي , 1999م , ص15 .
5ـ البلاغة والأسلوبية , د: محمد عبد المطلب , مكتبة لبنان ناشرون , الشركة المصرية العالمية للنشر ـ لونجمان , ط1, 1994م ص 209 بتصرف.
6ـ النقد العربي ـ د: مصطفى ناصف , صدرت من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ 1978م ص76 بتصرف .
7ـ السخرية في أدب المازني , د: حامد عبده الهوال , الهيئة المصرية العامة للكتاب , 1982م , ص25 بتصرف .
8ـ اللغة وبناء الشعر , د: حماسة عبد اللطيف , مكتبة الزهراء , القاهرة , ط1 , 1992م , ص7 .
9ـ العمدة في صناعة الشعر ونقده , الجزء الأول , ابن رشيق القيرواني , مطبعة السعادة , مصر , ط1 , 1225 هـ /1907 م , ص 158. بتصرف.

همبريالي
11-11-2012, 11:10 PM
قراءة رائعة
ليست غريبة على ناقدة مثلك
أشكرك جزيل الشكر

الرماحي
13-11-2012, 02:32 AM
لقد شرف النص بهذه القراءة الجميلة منك أستاذتنا ..

ومما عظّمه في عيني .. إضاءاتك على جوانب هذه المقطوعة المختزلة ..

شكراً من أعماق القلب على هذا الجهد الكبير ..

وأتمنى من الأساتذه أن يمروا هنا ويعطوا آراءهم ..


دمت موفقة مسددة .. هدى عبد العزيز

هدى عبد العزيز
13-11-2012, 07:05 PM
قراءة رائعة
ليست غريبة على ناقدة مثلك
أشكرك جزيل الشكر

الرائع يا همبريالي روحك المتجددة
لكني أترقب تعليقاتك النقدية المميزة على قصيدة شاعرنا المشرف الرماحي ..


لقد شرف النص بهذه القراءة الجميلة منك أستاذتنا ..

ومما عظّمه في عيني .. إضاءاتك على جوانب هذه المقطوعة المختزلة ..

شكراً من أعماق القلب على هذا الجهد الكبير ..

وأتمنى من الأساتذه أن يمروا هنا ويعطوا آراءهم ..


دمت موفقة مسددة .. هدى عبد العزيز

أهلا بك شاعرنا الرماحي
لولا إبداعك لما نثر قلمي هنا شيئا ..
قصيدتك صادقة ; وكم يشدني الصدق إليه !

تقديري

سليم العراقي
13-11-2012, 10:02 PM
لله درّك أستاذة هدى , كنت أتمنى أن أبقى على مقاعد الاحتياط متابعا وقارئا معجبا بهذا الإبداع الذي يشتم عبق حروفه مسيرة أيام ...
-صدقا- أستاذة حروفك ناضجة وأسلوبك رصين مدعم بكل ما ينقض ناقدا لك , بيد أني لي ملاحظة وحيدة ..

وأنا أقرأ نقدك المتكمن الأمكن أحسست أن نقدك أستاذة هو قصيدة مدحية موجهة لأحد أمراء مملكة ما , بعبارة أوضح : أكثر نقدك هو شرح للأبيات وتوضيح لها لا يخلوان من تبرير للقصيدة يسبق من سيحاول نقد الأبيات بالأدلة المدججة بأسلوبك القوي المدافع عن الأبيات ...
*هل هذه من صفات الناقد ؟!
ما أعلمه علما يسيرا عن صفات الناقد أن ينقد الكلام حال كونه مخرجا للجيد من الرديء أو الرديء من الجيد , لكني لم أجد لهذا المعنى في نقدك أستاذة للقصيدة أعلاه , ويكأنها نظمت في عصر الاستشهاد والفصاحة والبلاغة ثم إننا لا ندري !!
فما قولك ؟
كل الاحترام والتقدير أستاذتنا الناقدة هدى ...

هدى عبد العزيز
13-11-2012, 11:28 PM
لله درّك أستاذة هدى , كنت أتمنى أن أبقى على مقاعد الاحتياط متابعا وقارئا معجبا بهذا الإبداع الذي يشتم عبق حروفه مسيرة أيام ...
-صدقا- أستاذة حروفك ناضجة وأسلوبك رصين مدعم بكل ما ينقض ناقدا لك ,
أشكرك , بارك الله فيكَ

بيد أني لي ملاحظة وحيدة ..
مرحبًا بها .

وأنا أقرأ نقدك المتكمن الأمكن أحسست أن نقدك أستاذة هو قصيدة مدحية موجهة لأحد أمراء مملكة ما , بعبارة أوضح : أكثر نقدك هو شرح للأبيات وتوضيح لها لا يخلوان من تبرير للقصيدة يسبق من سيحاول نقد الأبيات بالأدلة المدججة بأسلوبك القوي المدافع عن الأبيات ...
لم يكن تبريرا بل تسامحا
*هل هذه من صفات الناقد ؟!
يستطيع الناقد أن يرسل للشاعر نقده السلبي بأكثر من أسلوب بيد أني أحب الرقي في كل شيء ! ولم أتجاهل الخطأ الذي وقع فيه الشاعر بل لونته بأسلوبي الخاص , ولكل ناقد أسلوبه الخاص في إيصال الرسالة ! ولعل الرسالة وصلت لصاحبها ..
ما أعلمه علما يسيرا عن صفات الناقد أن ينقد الكلام حال كونه مخرجا للجيد من الرديء أو الرديء من الجيد , لكني لم أجد لهذا المعنى في نقدك أستاذة للقصيدة أعلاه , ويكأنها نظمت في عصر الاستشهاد والفصاحة والبلاغة ثم إننا لا ندري !!
فما قولك ؟
كل الاحترام والتقدير أستاذتنا الناقدة هدى ...


لا قول لي إلا أن تقف بنفسك على أخطاء الشاعر والساحة للجميع ...
أما أنا فقد قلتُ كلمتي بعد دراسة وتوثيق أستاذ سليم العراقي ....
في لغة الشعر للشاعر أن يتجاوز النحو في بعض المسائل للضرورة الشعرية ( الوزن ) فكيف لا أتسامح معه فيما هو أقل من ذلك وهو صادق اللهجة محب للوطن الذي يلم شتاتنا ؟

أمّا الفصاحة فلا عصر لها عندي .

مع احترامي لوجهة نظرك

أديب طيئ
14-11-2012, 12:09 AM
1ـ يا شام ماذا أبقت الأيام ** أتُرى تعـيد جمـالك الأعــــوام


2ـ يا سائلين عن الشآم وحالها ** قطبا رحى ما بينهن تسام


افتتاح القصيدة بالنداء يدل على أمر جلل يريد الشاعر أن يفتتح به قصيدته, ولا شك أن النداء بالياء هو للبعيد على الأصل فهذا يوحي ببعد أبناء الإسلام عن الشام وما يحدث فيها من قتل وتعذيب, وتلك المدود الكثير في البيت الأول: (يــا), (شــام), (مــاذا), (الأيــام), (تُعيـــــدُ) (جمــالك), (الأيــــام) تُشعرنا بأن الشاعر يعيش حالة حزن وألم, فهو ببعثه هذه المدود كأنه يتأوه ويُرسل زفراته عبرها, وهذا الإيقاع له أثر كبير في جمال النص ومناسبة الغرض.

بعد النداء يسأل شاعرنا عن الأيام ماذا أبقت لهذا الشام الجريح؟!! ثم يتساءل في نفس البيت عن جمال الشام هل ستُعيده الأعوام؟ وتعبيره بالأعوام في هذا المكان كان رائعًا ففي الشطر الأول قال: ماذا أبقت الأيام, فجعل الأيام طويلة تقارب في طولها الأعوام, ثم في الشطر الثاني قال: أترى تعيد جمالك الأعوام؟ فكأن لفظ الأعوام جاء مرادفًا للفظ الأيام فهو وإياه بمنزلة واحدة في ذاك المكان البائس.

وبعد سؤاليْه في البيت الأول ينتظر الجواب ولا جواب فيجيب نفسه قائلاً: (
يا سائلين عن الشآم وحالها ** قطبا رحى ما بينهن تسام)
فكأنه يُجيب عن سؤال سأله شخص ما, فهو هاهنا يُجسد شخصيتين تتحاوران, وهذا كثير في الشعر كقول أبي فراس:

أَرَاكَ عَصِيَّ الدَّمْعِ شِيمَتُكَ الصَّبْرُ****أمَا لِلهَوَى نَهْيٌ عَلَيْكَ وَلا أَمْرُ
بَلَى أنَا مُشْتَاقٌ وعِنْدِي لَوْعَةٌ****لَكِنَّ مِثْلِي لا يُذَاعُ لَهُ سِرُّ

القصيدة رائعة ولولا الشغول والإرهاق وضيق الوقت لأكملت ما بدأتُ به, والأستاذة هدى قد أتت على كل قول ونقد للقصيدة فشكرًا لها.

وشكرًا لشاعرنا الرائع الرماحي ونأمل منه أن يتحفنا بأحسن من هذه.

ما كتبتُه عن البيتين هو قراءةُ مبتدىءٍ في الشعر فلعل الله أن يفقهنا في لُغتنا التي هي تراثنا الخالد.

سليم العراقي
14-11-2012, 12:30 AM
6ـ ليت الحرائر أن تقود جحافلاً ** شحّ الكرام وجندل الضرغام
.

بارك الله فيك أستاذة هدى وفي شاعرنا الرماحي ..

البيت ما زال في نفسي شيء منه وفيه ...
ثم كلمة الضرغام : ما حركة إعرابها ؟

الرماحي
14-11-2012, 01:23 AM
بوركتم جميعاً ..

لا أجد من ألفاظ الشكر ما أزجيه لكم .. أيها الأساتذة الكرام ..


عليكم بالأبيات فاجلدوها .. وافعلوا بها كما يفعل السفّود بالصوف .

عصام محمود
14-11-2012, 07:43 PM
ليس بعد قول الزميلة هدى قول
ونقدها يؤكد أن النقد ليس أقل إبداعا من الشعر لها خالص الشكر على جهدها العظيم في إضاءة هذا النص المتميز

الرماحي
16-11-2012, 09:45 PM
ليس بعد قول الزميلة هدى قول
ونقدها يؤكد أن النقد ليس أقل إبداعا من الشعر لها خالص الشكر على جهدها العظيم في إضاءة هذا النص المتميز

نعم .. بارك الله فيك ..
كم من نص لم يلتفت إليه .. وبعد نقده تجلى حسنه ..

شرف لي أن مررت بنصي المتواضع .. والذي أضاءته أستاذتنا .. هدى عبد العزيز .. أجزل الله أجرها

فشكراً لمرورك وتعليقك أستاذنا الكبير عصام محمود

عطوان عويضة
24-11-2012, 11:02 PM
2ـ يا سائلين عن الشآم وحالها ** قطبا رحى ما بينهن تسام

أرى أن الشاعر تجاوز اللغة في قوله ( تُسام ) لأن سياق الجملة ( قطبا رحى ما بينهن تُسام ) يقتضي قولنا الذي بينهن يُسام خسفًا وليس تُسام. ولعل مرد أمر عدم التجانس في تركيب الجملة بين السياق المذكر والفعل المؤنث نرجعه للشتات الذي يشعر به الشاعر نحو وضع الشام مجهول النهاية فتتسع الهوة دون أن نعرفَ هوية النهاية !
وأنا هنا لا أحاول أن أجد مخرجا لما تعثر فيه الشاعر بقدر ما أحاول أن أكون متسامحة في تعليل ذلك الخروج ; فللشاعر لغة خاصة به قد يتخللها انتهاكات لظروف كثيرة .....
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا أرى ما تراه أختنا الكريمة الأستاذة هدى من تجاوز أو تعثر في تأنيث الفعل تسام، ولكن لعلها فهمت أن (ما) اسم موصول وفاعل ( تسام) ضمير العائد على الموصول، كأنه قال (قطبا رحى الذي بينهما يسام).
وما أفهمه أن (ما) زائدة، والشطر الثاني جواب لسؤال مفهوم من الشطر الأول، فكأن سائلا سأله: كيف الشآم وحالها، فأجابه: حالها كقطبي رحى وهي تسام العذاب بينهما، ففاعل تسام ضمير مستتر يعود على مؤنث مجازي هو الشآم، لذا وجب تأنيث تسام.

إلا أني آخذ على الشاعر - في هذا الشطر- استعماله لألفاظ غيردقيقة الدلالة على مدلولاتها؛ فتعبيره بقطبي الرحى تعبير غير دقيق، لأن الرحى لها قطب واحد لا قطبان، هو المحور الذي تدور حوله الرحى. ولو قال (طَبَقا رحى) أو (شقَّا رحى) لكان أدل على المعنى المراد.
والضمير في قوله (ما بينهن) لا يتطابق ظاهريا مع عائده الذي هو القطبان أو الطبقان، ولكن قد يتساهل في مثل هذا بأن المراد أجزاء الرحى الثلاثة: الطبقان والقطب.
والله أعلم.

الرماحي
25-11-2012, 07:05 AM
كنت أزعم أن هذا الشطر هو أدق وصف لحالها ..

واستعملت القطب بدلاً عن الطبْق لأنه الشائع عندنا .

شكراً لتلطفك بالمرور أستاذي الكريم أبو عبد القيوم

أحمد الأبهر
30-11-2012, 03:04 AM
جهدٌ لايفيه الشكر أستاذتنا هُدى عبدالعزيز

بارك اللهُ فيكِ وزادكِ علماً وأدبا

وبالفعل يكادُ يكون النقدُ لا أقولُ فنّاً وحده
بل فنوناً في فنّ

الرماحي
23-01-2013, 01:25 AM
1ـ يا شام ماذا أبقت الأيام ** أتُرى تعـيد جمـالك الأعــــوام


2ـ يا سائلين عن الشآم وحالها ** قطبا رحى ما بينهن تسام


افتتاح القصيدة بالنداء يدل على أمر جلل يريد الشاعر أن يفتتح به قصيدته, ولا شك أن النداء بالياء هو للبعيد على الأصل فهذا يوحي ببعد أبناء الإسلام عن الشام وما يحدث فيها من قتل وتعذيب, وتلك المدود الكثير في البيت الأول: (يــا), (شــام), (مــاذا), (الأيــام), (تُعيـــــدُ) (جمــالك), (الأيــــام) تُشعرنا بأن الشاعر يعيش حالة حزن وألم, فهو ببعثه هذه المدود كأنه يتأوه ويُرسل زفراته عبرها, وهذا الإيقاع له أثر كبير في جمال النص ومناسبة الغرض.

بعد النداء يسأل شاعرنا عن الأيام ماذا أبقت لهذا الشام الجريح؟!! ثم يتساءل في نفس البيت عن جمال الشام هل ستُعيده الأعوام؟ وتعبيره بالأعوام في هذا المكان كان رائعًا ففي الشطر الأول قال: ماذا أبقت الأيام, فجعل الأيام طويلة تقارب في طولها الأعوام, ثم في الشطر الثاني قال: أترى تعيد جمالك الأعوام؟ فكأن لفظ الأعوام جاء مرادفًا للفظ الأيام فهو وإياه بمنزلة واحدة في ذاك المكان البائس.

وبعد سؤاليْه في البيت الأول ينتظر الجواب ولا جواب فيجيب نفسه قائلاً: (
يا سائلين عن الشآم وحالها ** قطبا رحى ما بينهن تسام)
فكأنه يُجيب عن سؤال سأله شخص ما, فهو هاهنا يُجسد شخصيتين تتحاوران, وهذا كثير في الشعر كقول أبي فراس:

أَرَاكَ عَصِيَّ الدَّمْعِ شِيمَتُكَ الصَّبْرُ****أمَا لِلهَوَى نَهْيٌ عَلَيْكَ وَلا أَمْرُ
بَلَى أنَا مُشْتَاقٌ وعِنْدِي لَوْعَةٌ****لَكِنَّ مِثْلِي لا يُذَاعُ لَهُ سِرُّ

القصيدة رائعة ولولا الشغول والإرهاق وضيق الوقت لأكملت ما بدأتُ به, والأستاذة هدى قد أتت على كل قول ونقد للقصيدة فشكرًا لها.

وشكرًا لشاعرنا الرائع الرماحي ونأمل منه أن يتحفنا بأحسن من هذه.

ما كتبتُه عن البيتين هو قراءةُ مبتدىءٍ في الشعر فلعل الله أن يفقهنا في لُغتنا التي هي تراثنا الخالد.

لن يفوتني شكرك أيها المفضال .. وإن تأخرت كثيراً

بارك الله في قلمك وفكرك أديب ديارنا

::سلسبيل::
23-02-2013, 02:16 AM
موضوع ماتع بحق ،،، بورك فيك أختي الكريمة ،،

هواجس العمر
25-04-2013, 09:09 PM
السلام عليكم
الأستاذة هدى مرحباً بك وجزاك الله خير الجزاء - أنا عضو جديد ولدي بعض المحاولات والنصوص .
أريد أن تعطيني رأيك بها بوركتِ .

نـورة
26-04-2013, 09:33 AM
السلام عليكم الأستاذة هدى مرحباً بك وجزاك الله خير الجزاء - أنا عضو جديد ولدي بعض المحاولات والنصوص
أريد أن تعطيني رأيك بها بوركتِ ؟؟
أهلا وسهلا بك
بإمكانك وضع نصوصك في منتدى الإبداع اضغط هنا (http://www.alfaseeh.com/vb/forumdisplay.php?f=27)

حياك الله

الرماحي
15-04-2014, 10:41 AM
هل من باعث لهذه النافذة ..

فقد استفدت منها كثيراً ..

بارك الله أيامك يا بنت عبد العزيز

عبق الياسمين
28-02-2015, 10:19 PM
لله درّك أيتها الناقدة المُبدعة..
عسى أن تعودي يوما ..أختي "هدى"
لكِ منّا عظيم التقدير . جزاك الله كلّ خير

نضال تركي العامري
22-03-2015, 12:05 AM
أنا عضو جديد تعرفت على منتداكم بالصدفة, وأنا أبحث عما يثري أدبي في محرك البحث, والحق أنه منتدى لا يليق بالشعراء والأدباء إلا أن يمروا عليه ويتعلموا منه.
بورك القائمون عليه والقائمون فيه, ولي سؤال صغير لو تكرمتم بالإجابة عليه:
هل يجوز أن أضع قصائدي للنقد في منتداكم, وإن أمكن ذلك هل يحق لي الدفاع عنها والنقاش حولها بنفس طيبةٍ لا تحمل ولا تثقل, وثقوا أن شعري يستحق النظر فيه, فأنا أميل إلى النقد بالفطرة وأتذوقه في شعر غيري وأبحث عما يقيل شعري, ولا زلت أتعلم.

عبق الياسمين
23-03-2015, 02:19 AM
أنا عضو جديد تعرفت على منتداكم بالصدفة, وأنا أبحث عما يثري أدبي في محرك البحث, والحق أنه منتدى لا يليق بالشعراء والأدباء إلا أن يمروا عليه ويتعلموا منه.
بورك القائمون عليه والقائمون فيه, ولي سؤال صغير لو تكرمتم بالإجابة عليه:
هل يجوز أن أضع قصائدي للنقد في منتداكم, وإن أمكن ذلك هل يحق لي الدفاع عنها والنقاش حولها بنفس طيبةٍ لا تحمل ولا تثقل, وثقوا أن شعري يستحق النظر فيه, فأنا أميل إلى النقد بالفطرة وأتذوقه في شعر غيري وأبحث عما يقيل شعري, ولا زلت أتعلم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا .. نحن الضيوف وأنت رب المنزل
حللت أهلا ،ووطئت سهلا أخي الكريم .

أدعوك لزيارة منتدى الإبداع (http://www.alfaseeh.com/vb/forumdisplay.php?f=27).. هناك يجتمع أهل الشعر والنقد.
نرجو لك طيب المقام بيننا في هذا الصّرح الشامخ بأهله (الفصيح)
فمرحبا بك..

هدى عبد العزيز
04-10-2015, 10:25 PM
هل من باعث لهذه النافذة ..

فقد استفدت منها كثيراً ..

بارك الله أيامك يابنت عبد العزيز

جزاك الله خيرا


لله درّك أيتها الناقدة المُبدعة..
عسى أن تعودي يوما ..أختي "هدى"
لكِ منّا عظيم التقدير . جزاك الله كلّ خير

جزاك الله خيرا


تحيتي