المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : حول الفهم المعاصر لتعاور حروف الجر



السلمي الجزائري
03-09-2012, 08:55 PM
السلام عليكم
أرى أن الخلل الذي دخل على بعض المتصدين للتكلم عن النحو هو عدم فهمهم لحقيقة القياس في مسألة تعاور حروف الجر ، إذ يرون قول الكوفيين بالتناوب معناه جواز التناوب مطلقا دون تقيد بسماع ، وهذا خطأ مرده أن القياس عندهم هو مجيء المهمل قياسا على المستعمل

من يفيدنا بنقول وتوضيحات أكثر؟

زهرة متفائلة
04-09-2012, 12:19 AM
السلام عليكم
أرى أن الخلل الذي دخل على بعض المتصدين للتكلم عن النحو هو عدم فهمهم لحقيقة القياس في مسألة تعاور حروف الجر ، إذ يرون قول الكوفيين بالتناوب معناه جواز التناوب مطلقا دون تقيد بسماع ، وهذا خطأ مرده أن القياس عندهم هو مجيء المهمل قياسا على المستعمل

من يفيدنا بنقول وتوضيحات أكثر؟

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

الأستاذ الفاضل : السملي الجزائري

جزيتم الجنة ، موضوع طيب ، وطرح مبارك ، أسأل الله أن ينفع به .

كنتُ قد قرأتُ تعليقا طيبا بشأن هذه المسألة وهي قضية تناوب حروف الجر للأستاذ الفاضل : أبي مالك العوضي مع حذف أجزاء يسيرة منه لأنه كان إجابة لسؤال مختلف ولكنه يصب في نفس المسألة / ولقد فضلتُ وضعه أولا لأنه موجزا وينم عن دراية ـ ما شاء الله تبارك الله ـ

وهو قوله :

ما ينسب إلى الكوفيين من قولهم بتناوب حروف الجر، فمقصودهم من ذلك أن هذا قد يحصل أحيانا بالسماع عن العرب، وليس مقصودهم أن ذلك مقيس لكل أحد ينيب أي حرف شاء عن أي حرف شاء، فهذا لا يقوله أحد منهم، ولا يقع في عقل عاقل أن يقوله أحد منهم أصلا، وقد أكثروا من التصنيف في الأخطاء اللغوية وأكثرها مبني على وضع حرف مكان حرف.
وأما البصريون فقد نسبوا لهم القول بالتضمين، وبنوا عليه جواز استعمال حرف جر مكان آخر إذا كان الفعل مضمنا معنى آخر، فالمقصود من كلام البصريين أننا إذا سمعنا في كلام العرب تعدية غير معروفة للحروف، فإننا نحملها على معنى بلاغي من تضمين فعل لفعل، بدلا من أن نقول بجواز التعدية بالحرفين، وبدلا من أن نرد السماع الصحيح، فالبصريون أرادوا أن يطردوا كلامهم في جريان الأبواب على سنن واحد، فأصلوا الأصول بناءً على المسموع الكثير في كلام العرب، وردوا القليل إلى هذا الكثير، إما بنوع من التأويل كالتضمين وغيره من التخريجات النحوية، وإما بالرد ودعوى الشذوذ.
والمعاصرون أخطئوا في فهم منحى كل من المدرستين الكوفية والبصرية، وبنوا على هذا الفهم بناء ضخما من جواز تناوب حروف الجر مطلقا بلا قيد ولا شرط، ولا شك أن هذا هدم للغة العرب ! ( من هنا (http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=20656))

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا مقتطف يسير من رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى حول نفس المسألة وبشواهد أخرى وبشيء من التوسع :

يقول صاعد البغدادي([1] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn1)) في تعليقه على قول الأعشى([2] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn2)):ربي كريم لا يُكَدِّرُ نِعْمَةً وإذا تُنُوشِد في المهارق أنشدا« أراد ( بالمهارق) فأقام (في ) مقامَ ( الباء ), أي إذا سئلَ بكتب الأنبياء أعطى ».
هذه مسألة اختلف فيها النُّحاة, وهي تناوب حروف الجر فيما بينها, ومجيء بعضها بمعنى الآخر, وهم في هذا الاختلاف على ثلاثة مذاهب :

المذهب الأول :

يجيز دخول حروف الجر بعضها مكان بعض:

وهو مذهب الكوفيين([3] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn3)), وقال به كثيرٌ من البصريين, ومن القائلين به : يونس بن حبيب([4] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn4)), والفرّاء([5] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn5)), والأخفش([6] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn6)) , وابن قتيبة([7] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn7)), الذي عقد لها بابًا بعنـوان: ( باب دخـول بعض الصفـات على بعض ), والمبـرِّد([8] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn8)), والزّجّـاج([9] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn9)),والرُّمَّاني([10] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn10)), والهروي([11] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn11)), الذي عقد بابًا مثل ابن قتيبة في ذلك بعنوان :( باب دخول حروف الخفض بعضها مكان بعض), وابن مالك ([12] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn12)) والمالقي([13] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn13)) والمرادي([14] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn14)) وابن هشام([15] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn15)) وغيرهم, وهذا المذهب هو ما اختاره صاعد البغدادي في هذه المسألة .ومن شواهدهم قوله تعالى([16] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn16)):( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) . أي على جذوع النخل , وقد دخلت (في) هنا مكان (على) .وقوله تعالى([17] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn17)): ) مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ( . أي مع الله, وقد دَخَلَتْ (إِلى) مَكَانَ (مع) .ومنه قول زيد الخير([18] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn18)):وَيَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوعِ مِنَّا فَوَارِسٌ بَصِيْرُون في طَعْنِ الأَبَاهِرِ والكُلَى أي بصيرون بطعن الكلى .ومنه قول الأعشى الذي أورده صاعد([19] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn19)):رَبِّي كَرِيمٌ لا يُكَدِّرُ نِعْمَةً وَإِذَا تُنُوشِدَ في المهَارِقِ أَنْشَدَا أي ( بالمهارق ), كما قال صاعد..والشَّواهد في ذلك كثيرة ..

المذهب الثَّاني :

يمنع دخول حروف الجر بعضهامكان بعض:

وهو رأي المحققين من نحاة البصرة([20] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn20)), وهو ظاهر كلام سيبويه([21] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn21)), ومن نحاة هذا المذهبالصيمري([22] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn22)), والزَّمخشري([23] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn23)), وابن يعيش([24] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn24)), وابن عصفور([25] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn25)), وهو من أشد المنافحين عنهذا المذهب .فهؤلاء يرون أنَّ الحرف لايخرج عن معناه الحقيقي, وما ورد مما ظاهره خلاف ذلك فإن لهم فيه أربعة تخريجات([26] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn26)) :الأول : أن يؤول المعنى تأويلاً يقبله اللفظ :ففي قوله تعالى([27] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn27)) ) وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ .يقول ابن عصفور ([28] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn28)):«لا حجّة لهم في ذلك؛ لأنَّ الجذوع قد صارت لهم بمعنى المكان؛ لاستقرارهم فيها».الثاني: أن يكون على إضمار محذوف :ففي قول بعض النُّحاة أنَّ (على ) قد تكون بمعنى ( الباء ) كما في قول العرب ( اركب على اسم الله ) أي : (باسم الله ) .يقول ابن عصفور([29] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn29)) :«لا حجّة لهم في ذلك؛ لأنّ(على) يُحْتَمَلُ أنْ تكون متعلقة بمحذوف, ويكون المجرور في موضع الحال, كأنّه قال: اركبْ متَّكِلاً على اسم الله».الثالث : أن يُضَمّن الفِعْلُ مَعْنَى فِعْلٍ يَتَعَدّى بذلك الحرف :ففي قوله تعالى([30] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn30)): ) فَظَلَمُوا بِهَا (ضُمِّن الفعل : ( ظلموا ) معنى (كفروا) فلذلك عدِّي بالباء ([31] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn31)). وفي قوله تعالى أيضًا ([32] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn32)): ) وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ( ضُمِّن الفعل ( يُرد ) معنى ( يلتبس ) ([33] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn33)) .الرّابع: أنّ يخرّج الحرف الذي جاء على معنى حرف آخرعلى الشُّذوذ([34] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn34)).وهذا الأخير يمكن أَنْ يُقالبه في جميع الأمثلة السَّابقة, فيحكمون عليها بالشذوذ, دون الحاجة إلى التأويل أوالتقدير أو التضمين, وقد يلجأ إليه بعض المنكرين, فيما لو عدم أوجه التخريج السّابقة .

المذهب الثّالث :

يوفق بين المذهبين :

فهو يجيز دخول حروف الجربعضها مكان بعض, إذا احتمل المعنى ذلك, وإن لم يحتمل المعنى فلا . ومن نحاة هذا المذهب ابن السّرّاج, فهو يقول عن تعاقب حروف الجر ([35] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn35)):« واعلم أنَّ العرب تتسع فيها, فتقيم بعضها مقام بعض, إذا تقاربت المعاني, فمن ذلك الباء, تقول : فلانٌ بمكة, وفي مكة, وإنَّما جازا معًا لأنَّك إذا قلتَ : فلانٌ بموضع كذا وكذا , فقدخبَّرت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع, وإذا قلتَ : في موضع كذا , فقد خبَّرتَ بـ«في» عن احتوائه إيَّاه, وإحاطته به » .ثمّ يبيّن الضَّابط في ذلك,وهو تقارب معنى الحرفين, حيث يقول ([36] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn36)):« فإذا تقارب الحرفان, فإن هذا التقارب يصلح لمعاقبة, وإذا تباين معناهما, لم يجز؛ ألا ترى أنَّ رجلاً لو قال: مررتُ في زيد, أو كتبتُ إلى القلم, لم يكن يلتبس به, فهذا حقيقة تعاقب حروف الخفض, فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز».كذلك ابن جنِّي حيث يقول في تعليقه على دخول حروف الجر بعضها على بعض([37] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn37)):« ولسنا ندفع أنْ يكون ذلك كما قالوا؛ لكنَّا نقول: إنَّه يكون بمعناه في موضع دون موضع, على حسب الأحوال الدالة عليه, والمسوغة له, فأمَّا في كل موضع, وعلى كل حال فلا » .وهذا الرأي التوفيقي هو الذي أميل إليه في المسألة, لأنّ القول بالجواز المطلق ربّما أحدث اللبس, واللغة قائمة على الإبانة والإيضاح .يقو ابن جنِّي ([38] (http://www.uqu.edu.sa/control/add_menu/ar/60676#_ftn38)):« ألا ترى أنَّك إنْ أخذت بظاهر هذا القول غفلاً هكذا, لا مقيدًا, لزمك عليه أنْ تقول: (سرتُ إلى زيدٍ) وأنت تريد معه؛ وأن تقول: (زيد في الفرس), وأنت تريد عليه... ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش» .كمّا أنّ القول بالمنع المطلق يؤدي إلى التكلُّف في تخريج كثير من الشواهد, إمّا بالتأويل, أو القول بالتضمين,أو إضمار محذوف, أو الحكم بالشذوذ الذي لا مبرر له .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الرسالة وهوامشها من هنا (http://uqu.edu.sa/page/ar/60687)

والله أعلم بالصواب

زهرة متفائلة
04-09-2012, 12:44 AM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

هذه مناقشة أخرى حول القضية :

وهي مقالة للدكتور : حسن منديل العكيلي كلية بغداد تحدّث فيها عن :

* ظاهرتي تناوب حروف الجر والتضمين !
* ونسب الخلاف الى البصريين والكوفيين فيهما على الرغم من أنهما ظاهرة واحدة لكنهم اختلفوا في تفسيرها بين التناوب والتضمين.

فقال :

كلا الظاهرتين باب واسع في العربية تشمل ظواهر لغوية عديدة وتدلان على نظام العربية القائم على الترابط والمشابهة وتعلق الكلم بعضه برقاب بعض ويفسّر كثيراً من ظواهر العدول والأساليب ، وبعضه خفي يشترط أعمال الفكر والتأمل يحوي أسرارا بيانية ومعاني ثانية دقيقة. وقد اختلف تفسيرهما بين البلاغيين والنحاة.

لذلك قالوا عن تناوب حروف الجر بعضها عن بعض "يُمسك النحاة منه بطرف ، وأهل البيان بطرف ، لأنه باب يسلط فيه النظر على المبنى والمعنى وللعلماء فيه مذاهب شتّى وتأويلات مختلفة"([1]).

ويرى النحاة أن لكل حرف معنى أصلياً كالباء للإلصاق وعلى للاستعلاء و (من) للابتداء ، و(إلى) للانتهاء و (عن) للمجاوزة والكاف للتشبيه.
وهي معانٍ لا تفارقها وقد تصحبها معانٍ آخر أو تنوب عنها وتؤول اليها عن المعاني الأصلية([2]) وتقع موقعها كالباء تقع موقع (في) كقوله تعالى:

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) (آل عمران:123) .

وموقع (عن) كقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) (الفرقان:59) ، أو (على) أو (من) أو (الى) وهكذا([3]) كما في قوله تعالى: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) ( (طـه:71) ، يرى الكوفيون أنها بمعنى على وفيه خلاف([4]).

و (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) (المعارج:1) ، قالوا الباء بمعنى عن وفيه خلافات في التفسير والتأويل وتوجيه الإعراب وأراء مضطربة في كون هذه المعاني أصلية وفرعية أو الأصل والعدول عنه وتناوب معاني الحروف بعضها عن بعض وأكثرها تأويلات وخلافات في التفسير والتقدير.

وباب النيابة النحوية واسع كما مرّ بنا في منهج النحاة وتقديراتهم أما تناوب حروف الجر بعضها عن بعض فنتناوله في ضوء النظام الاسلوبي البياني أو الدلالي أو العدول الذي يدل على معنى دقيق ثاني ، والفارق كبير بين تناول النحاة المعياري المنطقي للتناوب وبين التناول البلاغي الاسلوبي الذي يرى أن حرف الجر لا معنى له أصلا بذاته إنما يتحدد من السياق الذي يرد فيه.

أما التضمين وهو "إشراب لفظ معنى لفظ آخر"([5]) ، فالعرب "من شأنهم أنهم يضمنون الفعل معنى فعل آخر فيجرونه مجراه ويستعملونه استعماله مع إرادة معنى التضمين"([6]) وعرّفه الدكتور محمد حسن عواد بأنه توسّع "في استعمال لفظ توسعاً يجعله مؤدياً معنى لفظ آخر مناسب له فيعطي الأول حكم الثاني في التعدي واللزوم"([7]).

وله صلة بتعدي الفعل ولزومه والحقيقة والمجاز ، وتأويل الشواهد بحسب قواعد التعدي واللزوم نحو قولهم في قوله تعالى: ) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ( (الصافات:8) ، قالوا عداه بـ (إلى) لتضمن (يسّمعون) معنى الإصغاء([8]). وفي قوله تعالى: ) ) سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ( (المعارج:1) أي دعا بعذاب([9]).

وذكر الزركشي تحته أوضاعاً مختلفة متوسعاً فيه كوضع النداء موضع التعجب أو تضمين معناه. وجمع القلة موضع الكثرة ، والتذكير موضع التأنيث ووضع الفعل الماضي موضع الفعل المستقبل وعكسه وظواهر أخرى بيانية وبديعية وصوتيه وغيرها([10]).

وذكر السيوطي له أقساماً كتضمين الفعل الاسم والاسم الحرف وغير ذلك وفسّر في ضوئه ظواهر نحوية نحو بناء (أمس) على الكسر لتضمنه معنى لام التعريف([11]).

وهي مسألة خلافية :

إذ نسب الى البصريين وتبعهم كثير من المعاصرين القول بالتضمين، خلافاً للكوفيين الذين يرون تعدد معاني الحروف لذا اقروا بالتناوب بينها ، ومنع ذلك البصريون ذلك ان للحرف معنى واحداً ومذهبهم "إبقاء الحرف على موضعه الأول أما بتأويل أو تضمين يقبله اللفظ ، أو تضمين الفعل معنى فعل آخر يتعدى بذلك الحرف ، وما لا يمكن فيه ذلك فهو من وضع أحد الحرفين موضع الآخر على سبيل الشذوذ. فكلاهما حمل على المعنى ، لأن التجوز في الفعل أسهل لديهم منه في الحرف([12]).

فالبصريون لا يجيزون وقوع بعض حروف الجر موقع بعضها الآخر ، والكوفيون يجيزون ذلك تأدية حقيقة لا مجازية. وهذا من باب –لديهم- الاشتراك اللفظي وقد أيدهم الاستاذ عباس حسن لبعده عن الالتجاء الى التأويل والمجاز ونحوهما([13]). وأكثر المعاصرين وافقوا البصريين لعدم استكمال أدلة التناوب "انما هي مسألة معجمية تندرج في بحث دلالات الألفاظ على وجه مباين للوجه أو الوجوه التي رسمها السلف" ونسبوا البحث عن دلالات معاني الحروف لعمل اللغوي وهو قول غير دقيق([14]).

وعلى هذا فالموضوعان ظاهرة أسلوبية واحدة إلا أنهم اختلفوا في تفسيرها وتوجيهها وفي اصطلاحها. وعلى الرغم من ذلك فان كتب النحو والبلاغة أقرّت بهما وعقدت لهما بابين مختلفين.

وليس الأمر مجرد مشابهة كما في منهج النحاة وفهم بعض المعاصرين لها فقد قام الدكتور محمد حسن عواد بتجربة فوضع حرفاً مكان آخر فتوصل الى كسر ذلك وإن سلم فباختلاف المعنى: قال:

"إن الحرف لا يقع موقع غيره من الحروف إلا إذا أردنا معنى ذلك الحرف الأخير ، و إلا صار الأمر ضرباً من العجمة وعدم البيان وفوضى التعبير([15]). وهذه التجربة تجري على التضمين أيضاً إذ يتناوب فعلان المواقع أو يشربان بعضهما معنى الآخر ، ناهيك عن أن البلاغيين أجازوا ذلك من باب استعارة حرف معنى حرف آخر([16]).

فالمسألة بيانية فنية إبداعية خاصة بالنص والسياق ، لها صلة بالمعنى والمقام أو الحال وليست شكلية لذلك قالوا إن السياق يحدد معنى اللفظ ، ذلك أنه يحمل إلى معانٍ عديدة بسبب نظام العربية ومرونته.

قال ابن جني في "باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض": "هذا باب يتلقاه الناس مغسولاً ساذجاً من الصنعة وما أبعد الصواب عنه وأوقفه دونه"([17])، أي أنه باب عارٍ من الدقة لتفاهته يستحق الغسل ، ذلك أنهم يقولون إن (إلى) تكون بمعنى (مع) و (في) بمعنى (على) ويحتجون بقوله تعالى: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ( (الصف: 14) و ) فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ( (طـه: الآية71) قال ابن جني: "ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا لكنا نقول أنه يكون بمعناه في موضع دون موضع ، على حسب الأحوال الداعية إليه والمسوغة له" وقال "واعلم إن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر وكان أحدهما يتعدى بحرف ، والآخر بآخر فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذاناً بأن هذا النحل في معنى ذلك (الفعل).. كقوله تعالى: ) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)(البقرة: 187) ، والأصل رفث بها أو منها لأن الرفث بمعنى الإفضاء الذي يتعدى بإلى..."([18]).

ويرى د. محمد حسن عواد "إن مسألة التضمين لا أساس لها ، لأنه لا دليل عليها ، ولا حجة لأصحابها ، واحسب إن ما اندرج تحتها من شواهد يؤول إلى جهة من جهتين: أما أن تكون هذه الشواهد مقحمة في باب التضمين إقحاماً ، وأما أن تندرج تحت مبحث دلالات الألفاظ..."([19])

وتناول شواهدها ثم خلص إلى أن النيابة ترجع الى التركيب لا الحروف ، والتضمين يرجع الى مبحث دلالات الألفاظ ، سببه قولهم بالأصالة والفرعية للألفاظ وهذا يشترط معرفة الأقدم في نشأة الألفاظ([20])، وردّ الشواهد معتمداً على التأويل كالقدامى ، كما في قوله تعالى: ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً((الانسان:6) ، و ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( (المطففين:28) ، قال: وهم إنما عمدوا الى هذا فراراً من وقوع الباء موقع (من). وأن (شرب الماء) معناه: (جرع الماء. وأن شرب من الأضداد ، فإذا كان بمعنى جرع فهو متعدٍ وإذا كان بمعنى (روي) فهو لازم.([21]).

فهو يرد قولهم بالتضمين وبالتناوب كلاهما ، لأنهم يقولون بالأصالة والفرعية وأصل الفعل اللزوم ، والتعدي فرع عليه ، وأصل التعدي بحرف وهذا ما يعبرون عنه بالحمل على النقيض وعلى النظير([22]).

فهو يرى شواهدهم من الترادف والاشتراك اللفظي ، وردّ القول بالتضمين لأننا لا نعرف الأقدم والأصل في الألفاظ ودعا الى وضع معجم تاريخي بحسب أزمنة الألفاظ وعلاقة ذلك بالمجاز أو وروده في عصر الاحتجاج ، وحمل على النحاة ومنهجهم المنطقي في ذلك([23]).

كزعمهم في قوله تعالى: ) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) (النمل:72) ، إن ردفاً متعد في الأصل ولكنه تضمن معنى اللزوم ، ويجوز أراد ردفكم فزاد اللام ويجوز أن ردفاً مما يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر أو يكون قرب لكم ، وقال الفراء: دنا لكم([24]).

وعدّ الدكتور ابراهيم السامرائي التضمين من نتائج تأثر النحو بالمنطق السلبي إذ أظهر قواعد وأحكاماً لم تكن وليدة الاستقراء ، لذلك صادفوا ما يخالفها فلجأوا إلى التأويل والتقدير([25]). قال في قوله تعالى: ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ( (الانسان:6) ، "المعنى يشرب منها ، لا عبرة لما قيل بـ (التضمين) أي: إن الباء تضمنت معنى (من) وذلك لأن كلام الله جرى على لغة العرب ، والعرب قد تصرّفت بلغتها تصرفاً واسعاً. ولله حكمة بالغة في وضع كلامه على هيئة لم يدركها البشر"([26]).

والحق إن نظام العربية يفسر لنا هذه الظاهرة تفسيراً واضحاً من غير افتراضات وتمحل وتأويل ، كما مرّ بنا ، فالتضمين اتساع في المعنى ، وهو أسلوب مرتبط بالذوق يلجأ إليه لغرض بلاغي مع تحقق المناسبة بين الفعلين ووجود قرينة يؤمن عليها اللبس كما ذهب مجمع اللغة المصري ([27]) ، فقد اختلف النحاة في الباء في (يشرب بها) بين الاصالة والزيادة. أما الأصالة فعلى خلافٍ أيضاً ، إما على معنى الإلصاق أو تضمين معنى (يروي بها وينقع ويلتذ) أو بمعنى (من)، أو متعلقة ومجرورها بحال تقديره: يشرب ممزوجة بها ، وأما أن الضمير للكأس والمعنى: يشربون بتلك الكأس وغير ذلك من الخلافات والآراء الكثيرة([28]).

وقد أثبت (تعالى) الياء بعد إجماله ما أعدّه للكافرين من سلاسل وأغلال وسعير. وفي ذلك ملمح أسلوبي يمكن استنباط دلالة ثانية دقيقة (متحركة) بحسب أذواق المفسرين والبلاغيين من خلال العدول عن أقيسة النحاة في مجيء الباء.

النبأ المعلوماتية (http://www.annabaa.org/nbanews/2009/03/226.htm)


ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وستجدون في هوامشه الكتب التي اعتمد عليها ويمكن الرجوع إليها كمراجع كذلك حول الموضوع .
* والله أعلم بالصواب ولعلكم كذلك تنتظرون أهل العلم من أهل الفصيح ورأيهم الشخصي كذلك .

والله الموفق

السلمي الجزائري
05-09-2012, 05:56 PM
أحسن الله إليكم وجزاكم خيرا