المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ~تلخيصات تفسير جزء عم~



أم خليل
16-10-2012, 10:57 PM
http://photos.azyya.com/store/up2/081209111958kY1A.gif (http://fashion.azyya.com/)






~ تلخيصات تفسير جزء عم ~

2203

هذه باقة عطرة من التلخيصات
الخاصة بدروس تفسير جزء عم

لفضيلة الشيخ د./محمد الخضيري-حفظه الله و بارك في علمه-
و التي تبث عبر الأكاديمية الإسلامية المفتوحة

من إعداد أختكم

أرجو الله أن ينفعكم بها و أن تجلي لكم معاني كلام ربنا..

أم خليل
16-10-2012, 11:07 PM
الدرس (1)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..


- نُبذة عن جزء عم:
*جزء عم هو الجزء الأخير من هذا المصحف العظيم، وفيه أكثر سور القرآن.
* وجزء عم يتضمن قسمين من أقسام الْمُفَصَّل.
* المفصل في القرآن الكريم هو الجزء الأخير من كتاب الله -عز وجل-
* أقسام القرآن أربعة: السَّبع الطِّوال، ثم المئين، ثم المثاني، ثم المفصل.
*والمفصل يبدأ -على الصحيح - من سورة ق، وينتهي بسورة الناس.
*وسُمي مفصلًا؛ لأنَّ فواصله كثيرة، أو لكثرة الفصل بين سوره بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).
* المفصل ثلاثة أقسام:
1- طوال المفصل :وتبدأ من سورة ق إلى نهاية سورة المرسلات.
2- أوساط المفصل: وتبدأ من سورة عم إلى نهاية سورة الليل.
3-قصار المفصل: وتبدأ من سورة الضحى إلى آخر القرآن.
- ما الفائدة من العلم بهذا المفصل، ومن العلم بطِواله وأوساطه وقصاره؟
لهذا فوائد؛ أهمهما:ماذا يقرأ الإنسان في صلاته؟
ففي صلاة المغرب يُستحب له أن تكون قراءته من قِصار المفصل,وأما في الظهر والعصر والعشاء، فيُستحب له أن يقرأ من أوساط المفصل، وفي صلاة الفجر يُستحب للإنسان أن يقرأ من طوال المفصل.
*وهذا المفصل غالبه مكي.
- والمكي من كتاب الله -عز وجل- يتميز بأنه يركز على الجانب العقدي، فهو يبني العقيدة في نفس الإنسان.
-وبناء العقيدة في نفس الإنسان أمر ضروري، بحيث لا يمكن أن يعمل الإنسان في الحياة إلا عن عقيدة ، ولذلك جاء القرآن المكي يؤسس لهذه العقيدة في النفوس لتكون التصورات صحيحة، ثم ينطلق الإنسان في العمل.
-فمثلًا لو أن الإنسان اعتقد أن هذه الحياة هي نهاية الكون ,ستكون تصرفات إنسان يُريد أن يَعبَّ من الشهوات، وأن يأخذ بكل ما يُمليه عليه هواه، دونٍ نظر إلى شيء آخر، لأنه يرى أن هذه الحياة هي نهاية اللذة، ونهاية الشهوة، وآخر ما في هذا الوجود بالنسبة للإنسان.
-أما إذا اعتقد الإنسان أن هذه الحياة مرحلة ابتلاء واختبار، وأنه مأمورٌ فيها بأن يكون عبدًا لله، وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى أبدية سرمدية، فيها جزاء وفيها نشور، وأنك ستُحاسب على كل شيء تعمله، وتُجازَى على كل شيء تفعله، فهنا تختلف تصرفات الإنسان اختلافًا جذريًّا، بناء على هذه العقيدة.
-هذه المسائل أو القضايا الثلاثة: الإيمان بالله وتوحيده، و الإيمان بالرسول وبالرسالة التي جاء بها وهي القرآن، و قضية اليوم الآخر، هي غالب ما في هذا الجزء العظيم من أجزاء القرآن العظيم.
- تعريف المكي و المدني:
المكي هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة.
وعليه: لو نزلت آية في مكة بعد الهجرة فهي مدنية، وهكذا لو نزلت آية قبل الهجرة في غير مكة، كالطائف أو غيرها، فتسمى عند العلماء مكية.
إذن: هذا حد زمني لمصطلح مكاني.
-مميزات المكي:
*المكي بجملته يهتم بالاعتقاد وتأسيسه
* يتميز أيضًا بقوة أسلوبه، وخطابه الواضح والصريح، وحواره للكفار والمشركين في عقائدهم، وما يتبنَّونه من أطروحاتٍ وعقائدَ فاسدةٍ، يناقشها نقاشًا قويًّا وصريحًا ومباشرًا.
- هناك قضية تُسمى "موضوعات السورة"، أو ما يُسمى "بمقدمات أو علوم السورة":هذه العلوم التي يعرفها الإنسان قبل أن يدخل إلى السورة.
* منها مثلًا: فضل السورة- نُزول السورة: نزلت في مكة أو في المدينة- مقصود السورة، ويُسمى عمود السورة أو محور السورة - أسباب نزول السورة، إذا كان لها سبب نزول- مناسبة السورة لما قبلها- مناسبة أول السورة لآخرها، ومناسبة مقاطع السورة لبعضها.. وهكذا.

[سورة عم/النبأ ]

-سورة عم سورة مكية تهتم باليوم الآخر.
- موضوعاتها :هذه السورة اهتمت اهتمامًا واضحًا باليوم الآخر.
- هذه موضوعات سورة النبأ:
*الأول: التساؤل عن النبأ العظيم﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿1﴾.....ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿5﴾﴾.
* الثاني: دلائل قدرة الله، لماذا؟ لأن الكفار لما أنكروا النبأ العظيم وهو يوم القيامة، أو القرآن الذي جاء بخبر يوم القيامة كان من مقتضى الحديث أن يُتحدث عن قدرة الله -عز وجل-، وأن الله قادرٌ على كل شيء.
فجاء قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿6﴾...وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ .
* الثالث : مشاهد الآخرة وماذا يحدث فيه من الأهوال ، قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا...وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ .
* الرابع: جزاء الكافرين بهذا القرآن، الكافرين بهذا اليوم العظيم، الكافرين بهذه الرسالة التي جاء بها رسول الله -صلوات ربي وسلامه عليه-, وهو قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿21﴾...فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾
* المقطع الأخير : وهو جزاء المؤمنين المتقين، الذين يخافون عذاب الله -عز وجل-.
-فأصبحت مقاطع السورة بناء على هذا التفصيل خمسة مقاطع، هذه مقاطع تقريبية وليست تفصيلية دقيقة، ولكن تُعطينا تصورًا عامًّا عن هذه السورة الكريمة.

- آيات هذه السورة :

*يقول الله -عز وجل-: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون، إنهم يتساءلون عن شيء ينكرونه، ويُكذبون به، قال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، يتساءلون عن هذا النبأ الذي جئتَ به -يا محمد- ، والنبأ يقال للخبر المهم، ولذلك عندنا يقال نشرة الأنباء، أو وكالة الأنباء، يعني الأخبار المهمة التي تَشْرئِبُّ النفوس لسماعها.
ثم وصفه بقوله: ﴿الْعَظِيمِ﴾ واختلف المفسرون ما هو النبأ العظيم؟ هل هو القرآن أو يوم القيامة؟
*فمن العلماء من قال ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: هو القرآن، واستدلوا على ذلك بقول الله -عز وجل- في سورة ص: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴿67﴾أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: 67، 68]قالوا: ما دام الله وصف القرآن بأنه نبأ عظيم، إذن فالمراد بالنبأ العظيم هو القرآن.
*والقول الثاني: أن النبأ العظيم هو يوم القيامة، لماذا ؟ قالوا: لأن الحديث كله في السورة -كما شاهدنا- عن يوم القيامة، ولا شك أنَّ دليل السياق من الأدلة القوية التي نَستند إليها في ترجيح قول على قول.
-يبقى أنْ نخبركم بأنه لا مانعَ أن يكون النبأ العظيم هما جميعًا فنقول: النبأ العظيم هو القرآن الذي جاء بيومِ القيامة؛ لأنَّ من أعظم أخبار القرآن التي أنكرها المشركون، هو خبر يوم القيامة.
*﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ اختلفوا فيه، فمنهم من يظنه ظنًّا، ومنهم من يُكذب به، ومنهم من يُؤمن به.
* قال: ﴿كَلَّا﴾ "كلا" عندنا كلمة تأتي بمعنيين في القرآن:
= الأول: بمعنى الردع والزجر: لا صحةَ لما تقولون، ليس الأمر كما تقولون.
=و الثاني: كلا بمعنى حقًّا ,كما في قول الله -عز وجل-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿1﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿2﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿3﴾الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿4﴾عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿5﴾كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: 1- 6]، "كلا" هنا، حقًّا إن الإنسان ليطغى.
- كيف أفرق بين "كلا" بمعنى حقًا، و"كلا" بمعنى الردع والزجر؟
"كلا" للردع والزجر، وإن كانت لا تتضمن شيئًا من ذلك، فـ"كلا" تكون بمعنى "حقًّا"، ولذلك هنا ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾؛ إذن: هذا شيء يُنكر، كلا؛ ليس الأمر كما تقولون، ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أن هذا حق، وأنه كائن بإذن الله -عز وجل-.
*﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تأكيد لهذا الذي ذُكر في الآية الأولى، من باب التشديدِ عليهم، كيف تختلفون في أمر واضح الدلالة؟ لا يمكن أن يكون نهاية مصيرِنا أن نموت، ثم نصبح رميمًا، ثم ينتهي أمرنا تمامًا، وفينا الظالم والمظلوم، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصادق والكاذب، ثم تستوي النهاية، هذا لا يمكن، فلا بد أن يلقى هؤلاء جزاءهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
*قال الله -عز وجل-: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ هذه دلائلُ قدرة الله التي تدلُّ على أن الأمر الذي اختلفتم فيه وكذبتم به، ليس كما ذكرتم، بل هو أمر ميسور، وسهل على الله -عز وجل-، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، فأنتم إذا كنت تؤمنون بأن الذي بدأ خلقكم هو الله؛ إذن: ما الغريب أن يُعيد ربكم -سبحانه وتعالى- خلْقَكم مرةً أخرى؟! بل قال الله لهم: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: 57]، فلماذا تكذبون بهذا؟! .
*﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾، "ألم" هذا استفهام للتقرير: أي قد جعلنا الأرض مهادًا، أو للتعجيب: يعني ألا يتعجب منكم، فقد جعل الله -عز وجل- الأرض مهادًا.
-﴿ مِهَادًا﴾، أي ممهدة للسُّكنى عليها والعيش فوقها والسير على ظهرها.
*﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ هذه الجبال العظيمة التي نراها في طول الأرض وعرضها، جعلها الله أوتادًا.
والوتد :هو الطُّـنُب الذي تُثبت به الخيمة، يُضرب في الأرض، ثم يجر الحبل ويعلق بهذا الوتد فيثبت الخيمة.
*نفهم من هذا أنَّ الجبال مثل هذه الأوتاد، فهي تثبت الأرض، ولولا هذه الجبال؛ لما ثَبتت هذه الأرض ولصارت مضطربةً لا يستطيع أحد أن يسكن عليها، ولا نستطيع أن نسير فوق ظهرها، ولا نستطيع أن نبني عليها بناءً أو نقرَّ فوقها.
-وهذا التعبير مُعلِمٌ بشيء لم يكتشفه العالم من قبل، إنما عرفوه بعد أن جاءت الحفريات الجديدةُ، والعلم الجديد الذي استطاع أن يصلَ وأن يَسبُر أغوارَ الأرض، فوجدوا أنَّ كل جبلٍ في عُمقه في الأرض مثل ما فوق الأرض، يعني ثلثا الجبل في أسفل الأرض، والثلث الآخر هو البادي.
-وهذا يدلنا على أن هذا القرآن قد نزل من عند الله، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
-قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ خلقناكم أنتم أيها الناس على صفة الزوجية وهي أن تكونوا من ذكر وأنثى، فتتناسلوا ويبقى النوع البشري إلى أن يأذن الله -عز وجل- بالزوال.
-فخلقَنا الله على صفة الزوجية؛ ليأنس بعضنا ببعض، ويجعل بيننا مودة ورحمة، ونتعاون، وليظهر بذلك تفرُّده -سبحانه وتعالى- بأنه هو الواحد المستغنِي عن كلِّ شيء، وكل شيء لا يَستغني عن وجود نظير له، ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49].
-فكل المخلوقاتِ تتكونُ من نوعين، حتى الكهرباء سالب وموجب، الماء تجد أن قطرة الماء تتكون من عنصرين، الهواء يتكون من عنصرين، وكل شيء في هذا الكون تجدُ أنه لا بدَّ أن يكون فيه عنصران حتى يحيى ويكون.
إلا الله -سبحانه وتعالى- فهو الواحد الأحد، الغني الصمد، الذي ليس بحاجة إلى أحد، وكل أحد بحاجته -سبحانه وتعالى-.
* ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ بعد أن ذكر الزوجية، ذكر نعمة النوم، وهذه النعمة من الله -سبحانه وتعالى-، وهي نعمة تكمل الإنسان وهي دليل على نقص الإنسان، لأنه يحتاج إلى الراحة، أما الله وحده فليس بحاجة إلى هذا لأنَّه -سبحانه وتعالى- لا يمسه نصب ولا يمسه لغوب -جل جلاله وعظمت قدرته-.
- ﴿ سُبَاتًا﴾ "سباتا" بمعنى راحة، جعلْنا نومكم قاطعًا لأعمالكم فترتاحون به، ومنه سُمي يوم السبت؛ لأن اليهود كانوا يَرتاحون فيه من العمل، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ أي قاطعًا لأعمالِكم وأشغالكم فترتاح أبدانكم.
*قال الله -عز وجل-: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، هذا الليل يغشاكم فكأنكم تلبسونه.
ولذلك إذا نزل الليل أو حل الليل اكتفينا بستره عن ستر الثياب،ولذلك قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ يَستركم بظلامِه.
*﴿وَجَعَلْنَا النهَارَ مَعَاشًا﴾ جعلنا الناس محلًّا لمعاشِكم، فأنتم تَطلبون الرزق وتضربون في الأرض وتبحثون عن المعاش في وقت النهار.
-ولذلك يقول العلماء: هذه سُنة الله ينبغي أن تُراعى، وهو أن يكون النهار للعمل، والليل للراحة والسكن، متى خالفنا هذه السُّنة، سيصيبنا من البلاء ويحصل فينا من الأدواء والضرر بِحَسَبِ مخالفتنا لهذه السُّنة.
-وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن أولئك الذين لا ينامون في الليل، وينامون في النهار، يصبح عندهم شيء من الأزمات بسببِ أنهم خالفوا هذه السنة التي خلق الله عليها الخليقة.
-قال الله -عز وجل-: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ انتقل من العالم الأرضي السُّفليِّ إلى العالم العلويِّ، انتقال من الأدنى إلى الأعلى، قال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ لم يذكر لنا ما هي السبع، لأنها معلومة ومعروفة في فطرة كل واحد منا، فالسبع الشداد هي: السموات السبع.
* ﴿شِدَادًا﴾ يعني أنها شديدة ومتماسكة، ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: 3]؛ أي من شقوق، وذكر الله -عز وجل- في سورة الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]؛ أي بقوة، فالسماء محكمة عظيمة الإحكام وهي قبة واسعة، قد رفعها الله -عز وجل- من غير عمد، وهكذا نراها نحن من غير عمدٍ.
* ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ هذه أيضًا لم يذكر الله -عز وجل- أيضًا للعلم به، فالسراج هو الشمس.
- قال "سراجًا"؛ لأن السراج يجتمع فيه شيئان، الأول: الإضاءة، والثاني: الحرارة، وهكذا الشمس، ولذلك وصف القمر في القرآن بأنه نور، ووصفت الشمس بأنها سراج، لكي تتضمن الإضاءة أو الإنارة والحرارة، أما القمر فجُعل نورًا لأنه يقبس نوره من الشمس، وهو يعكس ضوء الشمس.
- ﴿وَهَّاجًا﴾ أي متوهجًا ومتوقدًا، وهكذا نرى الشمسَ، بحيثُ إنَّ الإنسانَ لا يَستطيع أن يركزَ فيها النظرَ أو يصمد لها خصوصًا في وقت الحرِّ، أو إذا قربت من رؤوس الناس.
* ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾المعصرات هي السحاب,والقول الثاني: المعصرات هي الرياح، لكن القول الأول هو الصحيح، لماذا؟إبقاءً للجملة على تركيبها، لأننا إذا قلنا: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾؛ أي من السحاب ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾؛ كان الكلام مستقيمًا، أما إذا قلنا: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾؛ أي من الرياح؛ أي أنزلنا بالرياح ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ غيرنا "من" إلى "الباء"؛ إذن: المعصرات هي السحب، يُقال للمرأة التي قد دنا حيضها ولم تحِضْ: مُعصر .
- ﴿ مَاءً ثَجَّاجًا﴾؛ أي ماءً كثيرًا سيالًا منصبًّا.
* ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾؛ أي بهذا الماء ﴿حَبًّا وَنبَاتًا﴾ يُخرج الله النبات.
-أما الْحَبُّ :فهي الحبوب التي يَقتات الناس ويتاجرون بها، مثل الأَرُزِّ والشعير والذرة والدُخن والفول والحمص، والعدس وغيرها من أنواع الحبوب والبقول التي يَقتات الناس بها.
-وأما النبات :فهو ما سوى الحبوب؛ من الأشجار التي فيها الفواكه، ومن الأشجار التي فيها الخضروات، ومن أيضًا النباتات الأخرى والبقوليات التي يأكلها الناس ويأْتَدِمُون بها، فالله -عز وجل- يخرج لنا بالماء هذا وهذا.
-قدَّمَ الْحَبَّ لشدةِ الحاجةِ إليه؛ لأن الناس قد يَستغنون عن الخضروات، و عن الفواكه، لكن لا يستغنون عن الحبوب، فقدمها الله -عز وجل- ليبين عظيم مِنته علينا بهذه الحبوب والأقوات.
* ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قال "جنات" ولم يقل "جناتا" لأن جنات: جمع مؤنث سالم، وجمع المؤنث السالم يُنصب وعلامة نصبه الكسرة، فتقول: جاء المسلماتُ ورأيت المسلماتِ، فجنات معطوفة على منصوب، فهي منصوبة مثله، لكنها منصوبة وعلامة نصبها الكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾؛ أي حدائق مُلتفَّة، هذه الحدائق من خَلَقَها؟ من كونها؟ من أنبتها؟ من أخرجها من داخل الأرض وباطنها؟ من الذي أنتجها من تلك الحبوب أو البذور الصغيرة، وجعلها أشجارًا عظيمةً وجعل فيها هذه الفواكه النضرة وهذه الألوان الجميلة؟ الله وحدَه.
الله الذي خلق هذا كله، هل يُمكن أن يُوصف بأنه عاجزٌ عن إعادتكم بعد موتكم؟ وبأنه لا يَقدر على أن يُحييَ الناس بعد أن يموتوا، أين عقولكم يا أهل مكة؟ أين عقولكم يا مشركي العرب؟
*: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ بعد أن ذكر هذه الدلائل العظيمة الدالة على قدرته، وعظمته، ونعمته على عباده، والقاطعة والمانعة للتكذيب بيوم القيامة , بدأ في المقصود وهو الحديث عن يوم القيامة، وعن إنكار ذلك اليوم وما سيحدث فيه من الأهوال.
-لماذا لما بدأ بيوم الفصل قال: ﴿إِنَّ﴾، ولم يقل: ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ لماذا جاء بـ ﴿إِنَّ﴾؟
هنا لَمَّا كان الحديثُ مع من ينكرون البعثَ؛ قال الله -عز وجل- "إن" لتأكيد وقوع هذا اليوم ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾.
-يوم الفصل:هو يوم القيامة.
- لماذا سُمِّيَ يوم القيامة بيوم الفصل؟لأن فيه يُفصل بين الحقِّ والباطلِ,وبين المؤمن والكافر، وبين الظالم والمظلوم، وبين الصادق والكاذب ، يُفصل فيه بين الخلق، فسُمي يوم الفصل لذلك.
*﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾؛أي موقتًا مُحددًا لا يتقدمُ ولا يتأخرُ عن ميعادِه الذي قد قدَّرَه الله -عز وجل-، ولا يَعلمه أحدٌ إلا هو، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، فهذا علم قدِ اختصَّ الله -سبحانه وتعالى- به فلم يطلع عليه نبي مرسلًا، ولا ملكًا مقربًا.
* ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾؛ أي في ذلك اليوم ينفخ في الصُّورِ، من الذي ينفخ في الصور؟ ملك اسمه إسرافيل.
- لماذا لم يقلْ: يومَ يَنفخُ إسرافيلُ في الصور فتأتون أفواجًا؟ لماذا آثر صيغة المبني لغير المعلوم؟ لم يذكر لنا من هو النافخ، لأجل أن يركز على الحدث الذي يُراد إثباته، بغضِّ النظر عن المحدِث أو النافخ وهو إسرافيل.
- سأعطيكم مثالًا: لو أن إنسانًا جاء وسرق شيئًا، وتريد أن تخبر الناس من أجل أن يستيقظوا لهذه السرقة، فأنت لست بحاجة لأن تقول: سرق إنسان طويل -أو قصير أو عريض- المالَ من البيت، الناس يقولون: أَعِدْ لو سمحتَ إنسان طويل ولا أيش، عريض ولا... فينشغلون بماذا؟ بالمحدِث عن الحدث، لا.. أنت الآن تريد أن تنبههم على شيء محدد، وتلفت انتباههم إلى أمر معين، فتقول: سُرِقَ المال، الناس مباشرة يفزعون في إنقاذ المال من السرقة.
-﴿فِي الصُّورِ﴾ الصور هو قَرْن عظيم جدًّا خَلَقَه الله -عز وجل- لينفخ فيه إسرافيل، فإسرافيل ينفخ فيه نفختين، النفخة الأولى نفخة للصعقِ، يموت من على وجهِ الأرض، والنفخة الثانية للبعثِ، كل من مات بالنفخة الأولى أو قبلها يحيى بالنفخة الثانية.
-فهما نفختان ينفخ فيهما إسرافيل عليه الصلاة والسلام، وإسرافيل الآن مستعد للنفخ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كيف أنعم؟»؛ يعني كيف أتنعمُ وأتلذذُ «وصاحب القرن قد التقم القرنَ ينتظرُ أن يُؤمر بالنفخِ، فينفخ»، أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-.
-فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَتحيَّنُ الساعة، ويتوقع قيامها في وقته -عليه الصلاة والسلام-، فحريٌّ بنا نحن أن نستعدَّ، وعلى كلٍّ إن لم نُدرك تلك النفخة، فسنُدرك ما قبْلَها وهو الموت الذي هو قيامةُ كلِّ واحد منا.
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ هل هذه النفخة هي النفخة الثانية لقوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾.

-﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾؛ يعني إذا نفخ جئتم أفواجًا إلى أرض المحشر والمنشر.
* ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾؛ أي صارت أبوابًا يخرجُ منها أهلُ السماء.
- هناك قراءة ﴿وَفُتِّحَت﴾؛ لكثرةِ الأبوابِ فيها، التي يَنزلُ منها أهل السماءِ، وأهل السماء ليسوا قليلين، كثر.
-كان الصحابة يمشون مرةً مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسمعوا أطيطًا، والأطيطُ :هو صوتُ الشيءِ الذي أثقل بالحملِ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَطَّتِ السماءُ، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع شبر إلا وملك قائمٌ، أو ساجد يُصلِّي لله -عز وجل-»، أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-.
* ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾؛ أي في ذلك اليوم، تسير الجبال، كيف تسير الجبال؟ هذا بأمر الله، هذه الجبال الراسية الضخمة الهائلة العظيمة، تدك وتصبح كثيبا مهيلًا، ثم تكون كالعهن المنفوش، ثم تسير ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88]، ثم تصبح بعد ذلك ﴿قَاعًا صَفْصَفًا ﴿106﴾لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ولَا أَمْتًا﴾ [طه: 106، 107].
-فهنا ذكر مرحلة من مراحل تحول الجبال في يوم القيامة، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾... انتهت مشاهد يوم القيامة التي تدل على هول ذلك اليوم، وعلى التغير العظيم الذي سيحدث في ذلك اليوم.
*قال الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ أي هذا هو جزاء الكافرين، وبدأت بقوله: ﴿إِنَّ﴾ للتأكيد، ولم التأكيد؟ لأن الذين يخاطبون في هذه السورة هم من المنكرين، والمنكر يحتاج إلى مؤكدات، بخلاف خالي الذهن الذي لا يحتاج لهذه المؤكدات.
-﴿إِنَّ جَهَنَّمَ ﴾ جنهم اسم للنار، التي أعدها الله -عز وجل- للكفار، ﴿كَانَتْ مِرْصَادًا﴾؛ أي راصدة ترصدهم، فهي ترقبهم وتبحث عنهم، كلما مرَّ واحد منهم أو من أهلها عبر الصراط الذي يضعه الله -عز وجل- أخذته النار، فيها كلاليب مثل شوك السعدان، تخدش هؤلاء وتتلقفهم.
-وسُميت مرصادًا؛ لأنها ترصد الناس في طريق عبورهم على ظهرها، وهذا يدل على شيء معروفٍ سيكون يوم القيامة وهو ما يُسمى بالصراط، الذي يعبرُ عليه الخلق، وهو أدقُّ من الشعر وأحدُّ من السيف، يَمشي عليه الناس جميعًا، فمنهم من يمشي كالبرقِ ومنهم كالريح، ومنهم كأجاودِ الخيلِ، ومنهم من يهرول، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم من يُكَرْدَسُ في جهنم فتخطفه بكلاليبها وتضعه في قعرها، نسأل الله العافية والسلامة.
*لمن هذا المرصاد؟ قال الله -عز وجل-: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ والطاغي هو الذي تجاوز الحد في المعصية، ﴿ مَآبًا﴾ أي مقرًّا وموئلًا.
*﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾؛ أي ماكثين فيها دهورا طويلة، قد اختلف السلف في الحقب، ما هو؟ كم مدته؟ منهم من قال ثلاث مئة سنة، ومنهم من قال الحقب الواحد، المهم أقوال كثيرة مفادها: أنهم سيلبثون فيها مدة طويلة لا انتهاء لها.
-فإما أن تكون لا انتهاءَ لها، ويُراد بذلك مُددٌ غيرُ منتهيةٍ، فتكون مساوية لقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 57]، وإما أن يراد بها أنها لمن طغوا وإن كانوا من غيرِ الشركِ، أو لمن كانوا من أهل التوحيد، وهذا قال به بعض العلماء.
-والظاهر والله أعلم أن هذه الآيات سِيقت في حق الكفار؛ بدليل أنه قال في آخر الآيات قال: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾، طيب، ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾؛ أي: دهورًا طويلة ... مساوية لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾,ثم بعد ذلك قال: يتغير العذاب، ولكن الظاهر هو ما ذكرناها والله أعلم.
*﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ ما هو البرد؟ اختلف العلماء فيه على قولين: منهم من قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾؛ أي نومًا، ومنهم من قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ أي هواءً باردًا يبرد أجسادهم.
- قاعدة في التفسير مهمة جدًّا وهي: أنه عندما يحصل عندنا خلاف في الآية، فإننا نفسر الآية بالمشهور الظاهر المعروف المتبادِر للأذهان من كلام العرب، وندع القليل والنادر والمنكر والشاذ والمهجور، ولو كان صحيحًا ندعه، لو كان ثابتًا بأنَّ العرب يقولون هذا لهذا، لكنه قليل في كلامهم، فإننا لا نُفسره به، وإنما نأخذ بالظاهر المشهور المتبادر للأذهان من كلام العرب.
-قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾؛ أي هواءً يبردُ حرَّ جهنم. ﴿ولَا شَرَابًا﴾؛ أي ماءً يُبرد حرَّ أجوافهم، فهم لا يذوقون البرد الخارجي والبرد الداخلي، نسأل الله السلامة.
* ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ العلماء يقولون الواو تدل على على الاختلاف والمغايرة، وإلا كيف يَعطف شيئًا على نفْسِه.
-إذن: الحميم مختلف عن الغساق؛ فالحميم هو الماء الحار الذي قد بلغ الغاية في حرِّه، والغساق هو الشراب البارد الذي هو من صديد الكفار وعرقهم وما ينتج منهم من جراء عذابهم، فهو جامع بين النتن وبين البرودة الشديدة، فهم لا يستسيغونه.
* ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ أي موافق لأعمالهم.
*﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ أي يكذبون بيوم القيامة,هذا هو سبب العذاب، والقرآن من عادته أنه إذا ذكر العذاب يبين السبب، وإذا ذكر النعيم يبين ما هو السبب؛ حتى نقتدي ونعمل، ونتقي أسباب العذاب.
*﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾؛ أي كذبوا بهذه الآيات التي نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تكذيبًا من غير حجة ولا بينة.
*﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ قد أحصينا أعمالهم إحصاء دقيقًا، والإحصاء هو العد الدقيق، لم يفتنا من أعمالهم شيء، كما قال الله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿7﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7، 8].
* ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾؛ أي ذوقوا هذا العذاب، فلن تجدوا بعده إلا عذابًا أزيد منه.
-قال بعض العلماء هذه الآية أشد شيء في القرآن.
لماذا؟ لأن العادة أن من يسجن أو يعذب يبدأ بالعذاب, ثم يخف عنه العذاب شيئًا فشيئًا فشيئًا حتى يُفرج عنه، أما في نار جهنم فإنه في كل يوم يُعطى لونا أزيد من اللون الذي قبله,نسأل الله العفو والسلامة.
* ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ بعد أن ذكر عذاب هؤلاء، انتقل إلى نعيم المتقين، بعد أن ذكر الترهيب انتقل إلى الترغيب، من أجل أن النفوس إذا خافت عرفت ... في هذا المنجى والمكان الذي تُحبه النفوس وتحب أن تفوز به.
-ولاحظ أنه علق هذا على وصف، قال: ﴿للمتقين﴾، فإذا كان الإنسان مُتقيًا؛ حصل هذا المكان.
-﴿مَفَازًا﴾ إما أن تكون مكان فوز، أو فوزًا، والظاهر هو الأول، يعني إن للمتقين مكانًا يفوزون به، أو إن للمتقين فوزًا، قولان لأهل العلم، أظهره هو الأول؛ لأنه ذَكَرَ بعده ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿32﴾
* وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. الكواعب: جمع كاعب، وهي الفتاة الشابة التي تَكَعَّبَ ثديها، يعني لا زال ثديها في بداية نُشوئه، وهذا أطيب ما يكون في الفتاة.
-﴿أَتْرَابًا﴾؛ أي في سنٍّ واحدة.
* ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ الكأس يطلق عند العرب على الخمر، و﴿دِهَاقًا﴾ يعني ممتلئة، وقد وصفها بعض العلماء: قال ممتلئة ومتتابعة وصافية.
*﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾؛ أي في الجنة، التي فيها الحدائق والأعناب ﴿لَغْوًا﴾ أي كلامًا فارغًا، ﴿ولا كذابًا﴾.
*﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾؛ أي كافيًا.
*﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾؛ أي لا يتحدث أحد في ذلك اليوم إلا أن يأذن له الله -سبحانه وتعالى- من هول الموقف.
*﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ اُختلف في الروح على أقوال، أرجحها على أنه جبريل، لأنه ورد في القرآن في مواطن تسمية جبريل بالروح، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193].
*﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾؛ أي قال: كلامًا حقًّا وأعظمه وأجله: لا إله إلا الله.
*﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الثابت الذي لا شكَّ فيه، ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ من شاء اتخذ طريقًا موصلا إلى الله بالعمل الصالح.
*قال الله -عز وجل- في ختام هذه السورة: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ أي حذرناكم عذابًا قد أزف، فكل ما هو آت فهو قريب.
*﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ينظر إلى عمله الذي قدمه لتلك الدار فإن كان محسنا فرح بإحسانه، وإن كان مسيئا استاء لما عمل، أو ما قدم من سوء.
*﴿وَيقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ يعني لم أخلق أصلًا، أو ليتني بعد إذ حوسبت أكون ترابًا، كما يرى من البهائم عندما يقتص الله لبعضها من بعض، ثم يقول لها كوني ترابًا، فتكون ترابًا، فيتمنى الكافر أن يكون مثلها.

سليم العراقي
16-10-2012, 11:29 PM
بارك الله فيكم يا أم خليل , من المتابعين بإذنه ربنا ...
جعل الله ما تقومون به في صحائف أعمالكم ..

أم خليل
16-10-2012, 11:30 PM
الدرس (2)




[سورة النازعات]




-سورة النازعات هي السورة الثانية من جزء عم.
- وهي بيِّنة بأنها مكية من خلال موضوعاتها وآياتها.
- موضوعها: الحديث عن القيامة.
-آياتها قصيرة وقوية، وذات دلالات واضحة، ومناقشات بيِّنة لهؤلاء الذين كذبوا بالدار الآخرة، وكذبوا بالبعث والجزاء والنشور.


 
-يقول الله -عز وجل- ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴿1﴾وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴿2﴾وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴿3﴾فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴿4﴾فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، هذه خمسة أشياء أقسم الله -عز وجل- بها في مقدمة هذه السورة.

*فما النازعات؟النازعات وقد عُطف عليها الناشطات، والسابحات، والسابقات، والمدبرات, اختلف فيها. لماذا اختُلِف فيها؟
-من أسباب وقوع الخلاف بين المفسرين أن يكون الشيءُ صفةً لموصوفٍ، وهذا الموصوفُ لم يُذكر، فعندما تُذكر الصفةُ يُمكن أن تُركَّبَ على هذا وعلى هذا وعلى هذا، فكل واحد من السلفِ يَجتهد في أن يُبيِّن ما هو هذا الشيء الموصوف,لكنْ لا شكَّ أن أحدَ هذه الأقوالِ قد يكون أليقَ بالسياقِ، أو أولى بالآية من بقية الأقوال.

-فمثلًا قول الله -عز وجل-: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: 26]، ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، هل المقصود بها الكلماتُ الخبيثات للخبيثين أو المقصود بها النساء الخبيثات للرجال الخبيثين؟ أقوالٌ لأهل العلم.
-فقوله: ﴿النَّازِعَاتِ﴾ لم يقل لنا: "والملائكة النازعات غرقًا"، لو قال هذا؛ ما اختلف المفسرون في هذه الآية، لكن لما قال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، هذا الوصفُ يَصلح أن يكونَ للملائكة، ويصلح أن يكونَ لغيرها.
-وقد ذكر بعض السَّلف أن النازعات هي النجومُ، وبعضهم قال: النازعاتُ هو الموت.
-وذُكرت أقوالٌ أخرى، لكن أكثر المفسرين على أنَّ النازعات هي الملائكة تنزع أرواح الكفار نزعًا شديدًا .
-قال: ﴿غَرْقًا﴾، فهي تنزعها نزعًا شديدًا مثلما يجذب الرامي الوتر، أو الحبل المعلق بالقوس حتى يُلقي السهم أو يرمي بالسهم، فكذلك تُؤخذ أرواح الكفار، فهي تُؤخذ أخذًا شديدًا .
*لما ذَكَر هذا ذَكَر في المقابل أرواح المؤمنين،قال ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾، يعني هذه الملائكة تأخذ أرواح المؤمنين أخذًا سهلًا رفيقًا كالأنشوطة، أو كالشعرة عندما تخرجها من العجينة، تَسُلُّها سلًّا رفيقًا، لا تسمع لها صوتًا ولا تأخذ حتى أثرًا من العجين.

* ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، هذا أيضًا صفة لموصوف لا ندري ما هو، لكن الظاهر أنه موافق لما قبله، وهي الملائكة تسبح في هذا الكون لتنفذ أوامر الله -سبحانه وتعالى-.
* ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾، أيضًا هذا وصف للملائكة في أنها سابقة، تسبق إلى أي شيء؟
إما أن نقول: تسبق بأمر الله ولتنفيذ أوامره وطاعته -سبحانه وتعالى: ﴿لَّايَعْصُونَ اللَّهَ مَاأَمَرَهُمْ وَيفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].وإما أنها تسبقُ الشياطين إلى تلقِّي الوحي قبل أن يَسترِقَّها هؤلاء السمع.
ولكنَّ الأَوَّلَ أَوْلَى -والعلم عند الله-.
- مما حَمَلَنَا على ترجيحِ أن هذه الأوصاف كلها للملائكة قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾؛ لأن السلف اختلفوا في النازعات والناشطات والسابحات والسابقات، أما المدبرات فلم يختلفوا فيها، فنحن نحتج بإجماعهم على تفسير المدبرات بأنها معطوفة على ما قبلها.
-إذن: فالنازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي الملائكة -والله أعلم- وهذا عليه جمهور المفسرين.

-أين جواب القسم؟ جواب القسم في القرآن وفي كلام العرب:
= إما أن يكون مَذكورًا مُصرحًا به.مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴿1﴾وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَاالْبَلَدِ﴿2﴾وَ وَالِدٍ وَ مَا وَلَدَ﴾ [البلد 1-3]، ﴿لَقَدْخَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، هذا جواب القسم.

= وإما أن يكون محذوفًا مُقدَّرًا.
إذا لم يُصرَّح به، فلشدةِ العلم به، فلشدةِ العلم به لا يُصرح به، أو لكونِ النفسِ تسبحُ في هَيبةِ ذلك القسمِ، فهي تترقبُ ما الذي يُريد الله -سبحانه وتعالى- أن يُقسمَ عليه، فتصبح هناك هيبة، فكونه لا يذكر أولى من كونه يُذكر.

=مثل أنْ أقولَ لك: "لو أنك ذهبت معنا إلى الروضة الغنَّاء بالأمس!" ثم سكتُّ،و لم آتِ بجوابٍ، يعني "لَسَعدت، لشقيت" ما ندري، لكن لا شك أن الكلام يدل على أنك ستلقى شيئًا عجيبًا بهيجًا مهولًا، غايةً في النفاسة والجمال والروح والراحة. فهذا من أساليب القرآن.

=مثلًا في قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال ُأَوْ قُطِّعَتْ بِهِالْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: 31]، ولم يأتِ بجواب، يعني لو أن قرآنًا حصلت به هذه الأشياء لحصل بهذا القرآن العظيم.
-إذن: هنا حُذف القسم. ما جوابه؟ ننظر إلى السورة إنها تتكلم عن الجزاء والبعث والنشور.
-إذن: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴿1﴾وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴿2﴾وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴿3﴾فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴿4﴾فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، لتُبْعَثُـنَّ ولَتُجَازُنَّ بأعمالكم.

*﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ الراجفة هي يوم القيامة، وهي الدلالة على النفخةِ الأولى التي إذا نَفخ فيها إسرافيلُ -كما بيَّنا في الدرس الماضي- لارتجفت الأرض، فمات الخلق.
* ﴿تتبعها الرادفة﴾، سُميت "رادفة"؛ لأنها تأتي رَديفةً للراجفةِ، وهي تابعة لها، وكم بينهما؟ ورد في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: «بينهما أربعون»، قيل: يومًا؟ قال: أبيت. قيل: شهرًا؟ قال: أبيت. قيل: عامًا؟ قال: أبيت، يعني أني أقف عند الذي سمعت، قال: «مابين النفختين أربعون»، فأنا سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أربعون"، فلا أزيد على هذه الكلمة لا يومًا ولا شهرًا ولا عامًا.
*﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾الواجفة: مأخوذة من الوجيف وهو شدة الاضطراب، أي خائفة ومترقبة، وأصابها من الذهول والرعب الشيء العظيم.
لماذا وصف القلوب بذلك؟ لأن الوجيف يكون أولًا في القلب، ثم يظهر أثره على سائر البدن، يعني هل البدن يمكن يرتعد من الخوف والقلب لم يحصل به خوف؟ لا يمكن ذلك.
*﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾، نسب الأبصار إلى القلوب؛ لأن الأبصار متعلقةٌ بها، فما يكون في القلب يظهر على البصر، ولذلك يُقال: "الإنسان عينه فَرَارُه"، يعني عينه تفرُّ عما في نفسه، فتُبدي له ما إذا كان الذي أمامها صديقًا أو عدوًّا، مواليًا أو معاديًا.
والنفْسُ تعرفُ من عينيْ محدثها *** إن كان من حِزبها أو من أَعَادِيها
* ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾؛ أي ذليلة منكسرة. لماذا ذليلة؟ لأنها تعلم أن المصيرَ شديد، وأنها لم تستعدَّ لهذا اليوم، بل قد كَذَّبت به وقد جاءها البرهانُ والحجة، لكنها كذبت من غير حجة ولا برهان.
* ﴿يَقُولُونَ﴾ هذا استئناف يُبين اللهُ فيه ماذا كانوا يقولون في الدنيا، هذا هو الذي جَعَلَهم يخافونَ في الدارِ الآخرةِ، وَجَعَلَهم يَرهبون اللقاءَ ذلك اليوم؛ لأنهم كانوا في الدنيا يَقولون: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، يعني أإنا لراجعون إلى الحياة بعد أن متنا.
أو أإنا مردودون في النار -كما يقول بعض المفسرين- والقول الأول أولى، يعني هل يمكن ويعقل أن نرجع أحياءً بعد أن مُتنا وأصبحنا عظامًا نخِرة.
* ﴿أَئِذَا كُنَّاعِظَامًا نَخِرَةً﴾، سنُرد في الحافرة، سنعود مرة أخرى إلى حياتِنا التي كُنا عليها؟! سنكون أحياءًا بعد الموت؟ هذا شيء عجيب! هذا شيء نُنكره، شيء نكذب به، لا يمكن أن نصدقه، هذا شيء لا نعقله.
*﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾، يعني إن رددنا في ذلك اليوم، فتلك الرجعة رجعة خاسرة.
قال الله -عز وجل- مُبينًا أن الأمرَ أيسرُ ما يكون على الله -جل وعلا- وأن هذا الذي استصعبتموه واستثقلتموه وأنكرتموه سيحدث بلا شكٍّ، وأنه ليس شيئًا عزيزًا على الله -عز وجل-:

* ﴿فَإِنَّمَا هِي َزَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ الزجرة هي: الصيحة العظيمة التي يكون فيها شيء من الغضب.
أي صيحة واحدة يصيحها إسرافيل عندما ينفخ في القرن الذي جعله الله -عز وجل- بنفخة البعث.
وقد ذكر بعض السلف أنه ما مِن يومٍ يُرى فيه اللهُ -عز وجل- أشدَّ غضبًا من اليوم الذي يُبعث فيه العبادُ.
*﴿فَإِذَا هُم بالسَّاهِرَةِ﴾، فإذا هم فوق الأرض التي جعلها الله أرضًا للمحشر والمنشر.
والساهرة: هي الأرض، سُميت ساهرةً؛ لأن عليها سهر الناسِ ونومهم.

قال ﴿فَإِذَا هُم بالسَّاهِرَةِ﴾، فإذا هم قيامٌ يَنظرون -كما في الآية الأخرى- فوق هذه الأرضِ التي قد جعَلَها الله -عز وجل- مكانًا وموئلًا لحشْر الناسِ ونشْرهم.
*قال الله -عز وجل-: ﴿هَل ْأتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾، الآن ترك الحديث عن الآخرة، وعن الجنة، وعن النار، وعن مآل المؤمنين، ومآل الكافرين والمكذبين بالبعث، إلى حديث آخر كأنه منقطع تمامًا.
*﴿هَلْ﴾ هنا استفهام يراد به التشويق. هل أتاك قصة موسى عندما دعا فرعون إلى الله -عز وجل-؟
* ﴿إِذْنَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾، إذ كلمه الله -عز وجل- على صفة النداء، وقد أخذ العلماء -علماء أهل السنة- بأنَّ كلامَ الله -عز وجل- لموسى كلامٌ حقيقيٌّ، وأنه بصوتٍ يُسمع؛ لأنه ما وصفه بالنداء إلا لأنَّه يسمع.
- ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾، واختار وصفَ الربِّ دُون "إذ ناداه الله" ليُبين أنَّ هذا النداءَ كان رحمة، وكان نعمة، فالربوبية دائمًا ملازمة للرحمة والنعمة والعناية والحفظ والرعاية.
-﴿بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ﴾، هذه إشارة إلى الوادي الذي كلم الله فيه موسى، وهو في جانب الطور الأيمن، في ذلك المكان نودي موسى -عليه الصلاة والسلام-.

والْمُقدَّس بمعنى: المطهر، ومنه روح القدس أي روح الطهر.
- ﴿طُوًى﴾ "طوى" اسم للوادي، فكأنه بدل من قوله الوادي المقدس.
* ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾، هذا هو محتوى النداء. أي اذهب مُكلَّفًا من عندي برسالة إلى فرعون تبلغه بهذه الرسالة، وتأتيه بتلك الآية، وتقيم عليه الحجة.
*﴿إِنَّهُ طَغَى﴾؛ أي عَتَا وزادَ في الكفر، وهذا يدل على أن الكفار أنواع: منهم من هو كافر، لكنه لم يصل إلى المرحلة التي يتعدى بكفره حتى يدعي أنه هو الله، وأنه ربهم الأعلى، وأنه ما علم لهم من إله غيره، ولا يفعل تلك الأفاعيل العظيمة بالناس فيستحيي نساءهم، ويذبح أبناءهم من غير أن يكون هناك حجة أو برهان أو بينة على هذا العمل الذي يعمله.
* ﴿فَقُلْ﴾، الله -عز وجل- يُبين له طريق الدعوة، كيف تدعو مثل هؤلاء، وإذا كان هذا في حال الطاغية؛ فحال من دونه من بابٍ أولى، هذا الرجل الذي قال ما قال، وفعل ما فعل مما لم يفعله أحد قبله قل له هذه العبارات.
-في سورة طه بَيَّن الوصف، قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًالَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، يعني طبيعة النفس لا تحب أن يَقْصُرَهَا أحدٌ على الحقِّ، ولو كانت تعلمُ أنه حق، وهذا يدلنا على ما أعطيه الإنسان من حب لأن تُحترم ذاته وألا يُهانَ أو يشعر بأنه يُرغم على الحق إرغامًا.

-﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنتَزَكَّى﴾، ﴿هَل لَّكَ﴾ هذه من باب التودد والترغيب والتحفيز، ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾، تُزكي نفسك وتطهرها من الذنوب ومن المعاصي ومن الأعمال السيئة وتسلك الطريق الزاكية التي توصلك إلى الله وإلى جنته وإلى رضوانه.
*﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾، أدلك إلى ربك الذي يربيك وينعم عليك ويعطيك، الذي يرعاك ويحفظ، ﴿فَتَخْشَى﴾، يعني إذا هديتك إليه حصلت لك الخشية منه.

*﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾؛ أي جاء بالبينة الدالة على أنه صاحب رسالة، وهذا يدلنا على أن الداعية يجب أن يكون معه أدلة إذا دعا الناس إلى الله -عز وجل-، ولا يأتي مجرد أن يقول لهم: أنا أدلكم على كذا, بل ينبغي أن يكون متسلحًا بالحجج والبراهين.

وقد كان من أعظم حجج الله التي يؤتيها للأنبياء هي المعجزات التي تكون براهين تدعوا هؤلاء إلى الله وتدلهم على أن هذه الدعوة الصادرة من الأنبياء ليست دعوة مجردة، لأن هذا الذي يأتون به لا يمكن لبشر بمثله.
-ما الآيات التي جاء بها موسى؟
العصا إذا ألقاها انقلبت إلى ثعبان يتحرك وكذا، ثم إذا أمسكها مرة أخرى عادت إلى كونها عصا، وهذه آية عظيمة.
الثانية: اليد، كان يدخلها في درع جيبه ثم يخرجها فتكون بيضاء من غير سوء، عجيبة جدًّا، ثم يدخلها مرة أخرى فتعود إلى لونها الأول.

-قال: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾؛ أي اليد والعصا.
لأن الله قال له في الوادي المقدس: ﴿وَ مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴿17﴾قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَ أَهُشُّ بِهَاعَلَى غَنَمِي وَ لِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه 17، 18].
-موسى -عليه الصلاة والسلام- كان حصيفًا ذكيًّا، فهو قال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾، هذه أول مهمة للعصا، أن أتوكأ عليها عند المشي.
-﴿وَأَهُشُّ بِهَاعَلَى غَنَمِي﴾، ليست بمعنى: أسوق بها غنمي؛ وإنما : أضع عصاي على الشجرة فأهز الشجرة؛ لينزل الحشيش وهو ورق الشجر الذي يحتاجه الغنم، وهذا ما يفعله الرعاة عندما يسوقون الغنم، يأتون الأشجار فيهزونها بعصيهم حتى ينزل ورق الشجر فتأكله الغنم.

* ﴿فَكَذَّبَ وَ عَصَى﴾، كذب بهذه الرسالة فلم يؤمن بها، وعصى فلم يطع موسى -عليه الصلاة والسلام- جمع بين التكذيب وبين العصيان.
*﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾، يعني تولى يعمل بنشاط وقوة في مقاومة دعوة موسى -عليه الصلاة والسلام- ومقاومة هذا الحق الذي جاء به نبي الله وكليمه موسى -عليه الصلاة والسلام-.
*﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾، ماذا فعل؟ ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾.

- الآن معنا ﴿يَسْعَى﴾ في سورة النازعات، وسيأتي معنا في سورة عبس أيضًا ﴿يَسْعَى﴾، فهناك سعي في الباطل، وهناك سعي في الحق والخير، وعلى الإنسان إذا سلك طريق الخير والحق فليسعى فيه سعيًا ولا يكتفي بأن يمشي فيه مشيًا وئيدًا هيِّنًا متماوتًا؛ بل يكون صادقًا فيما يقوم به من الحق.
* ﴿فَحَشَرَفَنَادَى﴾، حشر الناس ونادى فيهم، ﴿فَقَال َأَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، يُقال: أنه قال هذه الكلمة بعد أن قال لهم أول مرة: ﴿مَاعَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38].
وقال بعض السلف: إن بين الكلمة الأولى والثانية أربعين سنة.
-وهذا يدل على أن الطاغية يسلك مسالكَ في الطغيان يبدأ بكلمة صغيرة، ثم تكبر، ثم تكبر، حتى تصل إلى أن يقول لهم مثل هذه الكلمة التي هو أول من يعلم أنه كاذب فيها، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
* ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾، وهذا يدل على أن عذاب الله ينزل بعد أن يشتد طغيان الناس، إذا اشتد الطغيان وظهر فإن الله -سبحانه وتعالى- يأتي بالعذاب المستأصل الذي لا يُبقي ولا يذر.
* ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال َالْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، يعني عقوبة الآخرة أي الحياة الآخرة، وعقوبة الدنيا، أما الدنيا فهو أغرقه، وأراه نجاة عدوه وغرقه وذهاب ملكه، وأما الآخرة فله عذاب شديد سواء في قبره وفي آخرته ومنقلبه إذا بُعث يوم القيامة.
-(الْآخِرَةِ وَ الْأُولَى﴾، الآخرة والأولى وصفان أيضًا لموصوف لم يذكر، ولذلك اختلف السلف، فقيل: الآخرة بمعنى الحياة الآخرة.
أو الكلمة الآخرة، لأنه قال في المرة الأولى: ﴿مَاعَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، وقال في الكلمة الأخيرة: ﴿أَنَارَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.

-وعلى كلٍّ أكثر السلف على أن "الآخرة" مستعملة في معناها الذي يدور كثيرًا في القرآن، وهي الآخرة المعروفة التي هي بضد الدنيا.
*﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾، إن في ذلك الذي حكيناه لكم وحدثناكم به من عقوبة الله العظيمة البالغة على هؤلاء لعبرة أي عظة لمن يخشى، من كان في قلبه خشية يتعظ.وهذه قضية مهمة جدًّا، وهي أن الموعظة لا تُغير ولا تُؤثر إلا فيمن كان في قلبه خشية.
*ثم قال في المقطع الثالث من مقاطع هذه السورة: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾.
-سؤال: كيف جاءت قصة موسى متوسطة بين المقطع الأول والمقطع الثالث؟
هذا تهديد من الله لهم، وتذكير بأنهم إن كذبوا بالدار الآخرة فعقوبتهم كعقوبة هؤلاء الذين كذبوا بما جاء به موسى -عليه الصلاة والسلام- عندما قال الله: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾، الله -عز وجل- قال: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال َالْآخِرَةِ وَ الْأُولَى﴾، احذروا أن يأخذكم الله يا من كذبتم بالدار الآخرة وكذبتم بما جاء به محمد أن يأخذكم الله نكال الآخرة والأولى.
-ولذلك جاء بعدها فبسط الحديث عن أدلة البعث، وأدلة القدرة فقال:
* ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّخَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ السماء العظيمة التي خلقها الله، الكبيرة الواسعة البنيان، العظيمة القبة، هذه السماء الله -عز وجل- خلقها وخلقكم أيسر بكثير منها، سواء خلقكم ابتداء أو خلقكم على وجه الإعادة بعد الموت، فما الذي تستغربونه على الله؟ أو تستنكرونه من فعل الله -عز وجل-؟
* ﴿بَنَاهَا﴾، ثم بين ما هو البناء الذي حصل قال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾؛ أي رفع بناءها ومكانها، وسواها أي أحكمها حتى أصبحت بناءً مُحكمًا لا ترى فيها شيئًا من خلل أو عوج أو فطور أو شقوق أو نحو ذلك.

*قال: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾؛ أي أظلم ليلها، جعله مظلمًا، ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي جعل لها نهارًا يخرج من رحم الليل.
*﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، والأرض العظيمة الضخمة الهائلة التي نحن نعيش فوقها، الله -عز وجل- هو الذي دحاها.

- ﴿دَحَاهَا﴾؟ فُسِّرت بعد ذلك بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾، دحوها هو أن يكون فيها العمل الذي عمل عليها من شق الأنهار والجبال، ونبات الأشجار، وحصول المراعي، هذا هو دحوها، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن.
- هنا يأتي سؤال : هل يفيد قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ أن الأرض خُلقت بعد السماء؟ أم الأرض خلقت قبل؟
يقول الله في سورة فصلت: ﴿قُل ْأَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴿9﴾وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴿10﴾ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت 9-11].

وقال في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَ قَلَكُم مَّافِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: 29]، فدلت الآيات على أن خلق الأرض تقدم خلق السماء.
- ولكن دحو الأرض جاء بعد بناء السماء، ولذلك قال هنا: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾.
* ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴿31﴾وَالْجِبَال َأَرْسَاهَا﴾، ثم بيَّن حكمة ذلك فقال: ﴿مَتَاعً الَّكُمْ وَ لأَنْعَامِكُمْ﴾؛ أي جعل الله لكم ذلك متاعًا تتمتعون به أنتم، وتتمتع به أنعامكم.
-عندما ذكر الماء والمرعى وغيرها سوَّى بيننا وبين الأنعام ليبين أن الإنسان لو اكتفى بمجرد المتاع، الأكل والشرب والنكاح وما إلى ذلك فهو بمثابة الأنعام، لكن إن قبل رسالة الله واستجاب لأمر الله، وأطاع الله -جل وعلا- فيما أمره به فإنه يرتفع بذلك إلى الملأ الأعلى.
*قال الله -عز وجل-: ﴿فَإِذَاجَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾الآن يُبين جزاء هؤلاء وهؤلاء بعد البعث.
- ﴿ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ الطامة هي القيامة.لأنها تَطم ما سواها، أي تغطي على كل شيء سواها من شدة هولها، فلا يسمع لها حس ولا صوت ولا يُرى شيء إلا هي من شدة هولها وعظمتها.

ولها أسماء في القرآن كثيرة: الصاخة، والطامة، والحاقة، والقيامة، وغيرها من الأسماء، وكلما كان الشيء عظيمًا كثرت أسماؤه.
* ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَاسَعَى﴿35﴾﴾؛ أي في ذلك اليوم تتذكر سعيك إن كان عملًا صالحًا وإن كان سيئًا، وذلك لشدة الهول، فأنت تنسى ما كنت فيه من النعيم، ما فيه من الرزق، ما عندك من الأولاد، ما عندك من الزوجات، أهلك، أقرباءك، كل هذا يُنسى ولا يبقى إلا شيء واحد وهو سعيك، عملك الذي عملته وقدمته.
* ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾، برزت بمعنى أُظهِرت وأبينت.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يُؤتى يومَ القيامة بجهنمَ لها سبعون ألف زمامٍ»؛ أي خطام وحبل تُشد به النارُ، «مع كل زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرُّونها»؛ إذن عدد الملائكة الذين يجرون جهنم: 4 مليار و900 مليون ملَكٍ يجرون جهنم.

-﴿لِمَن يَرَى﴾، فيعم الخوف أرجاء المكان، ويهاب الناس أن يحصل لهم هذا المصير، أو يكون لهم هذا المآل -نسأل الله العافية والسلامة-.

* ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى﴾، عاد مرة أخرى إلى موضوع الطغيان الذي ذكره في قصة فرعون ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.
-قال: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى﴾؛ أي زاد في الكفران والعناد والعصيان والتكذيب، ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي قدمها وقربها، وجعلها مؤثرة عنده، فلم يستعد للآخرة ولم يعمل لها، وإنما جعل المؤثر والمقدم والمقرب هو الدنيا.
*﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾؛ أي مأواه يوم القيامة ومآله إلى الجحيم، ولا مآل له سواه.


-وبدأ بالترهيب لأن السورة تتحدث عن قوم مكذبين، فالأولى أن تذكر عقوبتهم كما في سورة عم لما ذكر يوم القيامة، وأنه النبأ العظيم الذي اختُلِفَ فيه، ذكر دلائل القدرة الإلهية، وذكر إن يوم الفصل كان ميقاتًا؛ قال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴿21﴾لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ 21، 22]، بدأ بهم لأنهم هم المكذبون بالدار الآخرة.

-قال: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، المأوى أي المآل والمثاب الذي يثوب إليه هؤلاء الكفار.
*ثم لما انتهى من عقوبة الكفار والمكذبين انتقل إلى جزاء المؤمنين، قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾، من خاف مقام الله أي صار عنده هيبة من الله -عز وجل- وخوف من لقاء الله -عز وجل- يخاف إذا لقي الله أن يلقاه مكذبًا، وأن يلقاه عاصيًا، وأن يلقاه ساعيًا في الباطل كما حصل من فرعون الذي أدبر يسعى وحشر فنادى من أجل أن يُجلِب على الحق بخيله ورجله.

- ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾، ولاحظوا كيف يقدم هذه الصفة وهي صفة قلبية؛ لأن عمل القلب هو الذي يكون عليه المرتكز، كل أعمال الجوارح مصدرها ومنبعها من القلب، فمن خاف كفَّت يده عن الحرام، وكفَّ لسانه عن الحرام، وكفَّت عينه عن الحرام، لأنه كلما أراد أن يطلق عينه أو لسانه أو يده أو رجله في الحرام تذكر وقوفه بين يدي الله -عز وجل- فخاف من ذلك.
* ﴿وَنهَى النَّفْسَ عَن ِالْهَوَى﴾، نهى نفسه عما تهواه.
- الذي يهواه الإنسان شيئان:
=إما أن يهوى شيئًا أباحه الله له.
= وإما أن يهوى شيئًا قد حرمه الله عليه.


الهوى ليس بذاته مذمومًا، ولكن لكونِ كثيرٍ من الهوى مذمومًا؛ صار إطلاق الهوى في القرآن غالبًا على هذا المذموم.
لكن المقصود هنا: ﴿وَنهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي الهوى الذي يخالف أمر الله ويكون فيه معصية لله.
يعني لم يجعل ما يسوقه في أعماله هو هواه، وإنما الذي يسوقه هدى الله، المؤمن يتزوج، والزواج من الهوى، لكنه يفعل ذلك طاعة لله، وليس بناء على استجابته لهواه، وإنما لاستجابته لأمر الله.
المؤمن يهوى الطعام ويهوى الشراب، لكن هل يشرب شيئًا قد حرمه الله عليه؟ لا.
هل يأكل شيئًا قد حرمه الله عليه؟ لا.
هل يأكل شيئًا في وقت حرمه الله عليه؟ لا.
نحن في نهار رمضان في شدة الحر نفوسنا تهوى الماء البارد لكن نحن نحجب هذه النفوس على هواها إيثارًا لمرضاة الله وخوفًا من مقامنا بين يدي الله -جل وعلا-.


-وسمي الهوى -كما يقول بعض العلماء- لأنه يَهْوِي بصاحبه في دَرَكاتِ الشقاء والسفول والباء.
*﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
إذن: الجنة لها شرطان:
أن تخاف مقام الله، وإذا خفت مقام الله؛ فإنك لا يمكن أن تتأخر عن أمر أمرت به، ولا يمكن أن تبقى في مكان نُهيت عنه.
- ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾؛ أي هي المقر والمآل والمآب، أسأل الله أن يجعل ذلك لي ولكم ولمن يسمعون ويشاهدون، إنه جواد كريم.

*ثم ختمت السورة بالسؤال أو بطرح مشكلة دائمًا يطرحها الكفار على النبي -عز وجل- عندما يذكرهم بالقيام وبالجزاء والبعث، يقولون له: متى الساعة؟ ويأتي الجواب صريحًا وواضحًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، متى موعدها؟ متى تأتي؟
*قال الله -عز وجل-: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾، ليس شأن الساعة وقيامها من شأنك.
*﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾؛ أي مستقرها ومنتهى علمها إلى الله؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَينَزِّل ُالْغَيْثَ﴾ [لقمان: 34]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِأَيَّانَ مُرْسَاهَا قُل ْإِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَايُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: 187]، والمقصود بالساعة إذا وردت في القرآن: أي وقت قيام الناس من قبورهم.
* ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ﴾ المهمة التي بعثناك بها، وأرسلناك لتحقيقها هي: النذارة.
-لمَ لم يقل: إنما أنت منذر ومبشر؟ لأن الحديث هنا عن قوم يكذبون، وعن قوم قد عصوا وكذبوا ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقدم صفة النذارة وأفردها، وإلا فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نذير وبشير.
- هنا سؤال مهم جدًا: الرسول -صلى الله عليه وسلم- منذر لكل أحد، للثقلين الإنس والجن، المؤمن والكافر، فلماذا خصَّ من يخشاها؟ قال: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَنيَ خْشَاهَا﴾؟
لكون الموعظة تنفع من يتذكر ويخشى الله -عز وجل- بخلاف من لا يتقي ولا يخشى فهو لا تنفعه النذارة ولا البشارة.
وهذا مثل قول الله -عز وجل- في سورة "ق" ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]، مع العلم أن القرآن يذكَّر به الجميع، لكن الذي يخاف الوعيد هو الذي ينتفع.
*﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾، يُصور الله حالهم عندما يرون القيامة التي كذبوا بها، ويرون الساعة التي أنكروها، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.
يقولون -وهم يتذكرون ما سلف من حالهم وحياتهم وغناهم وعيشهم الطويل في الدنيا-: والله ما لبثنا إلا سويعات، كأننا لبثنا جزءًا من النهار، أوله أو آخره؛ لأنَّ هذا الذي نمرُّ به يا إخواني كله يصبح شيئًا يسيرًا في عالم الماضي، أو في عالم المتذكر لما وقع منه في الدنيا.

أم خليل
19-10-2012, 11:47 PM
بارك الله فيكم يا أم خليل , من المتابعين بإذنه ربنا ...
جعل الله ما تقومون به في صحائف أعمالكم ..

حياكم الله دائما أستاذ سليم..

أم خليل
19-10-2012, 11:52 PM
الدرس (3)

[ سورة عبس]



-هذه السورة الكريمة سورة مكية، يتضح لنا ذلك من خلال موضوعاتها، و من خلال أسلوبها، وقِصر آياتها، و أيضًا من خلال قصتها وسبب نزولها.
-هذه السورة مقدمتها له سبب نزول:
هو أن عبد الله بن أم مكتوم، كان ممن أسلم قديمًا، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يُريد أن يتزكى، ويُريد أن يتعلمَ دينه، وجاء مُقبلًا وهو أعمى، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان مشغولًا بدعوة آخرين من كُفار مكة، سواء واحد أو ثلاثة.
في تلك اللحظة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو هؤلاء وهم معرضون عنه، وكان -عليه الصلاة والسلام- يتمنى لو أن عبد الله بن أم مكتوم لم يأتِ في ذلك الوقت لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا يمكن أن يحقر أحدًا من المؤمنين، أو يتأخر عن إجابة طلبه، ولكن الموازنة كانت عند رسول الله في تلك اللحظة تقتضي بمقتضى ما عنده من الحِكمة، أن يقدم شأن هؤلاء الذين يرجو بدخولهم إلى الإسلام نفع الإسلام، وعز المسلمين، ولكن الله عاتبه وقال: يا محمد، إياك أن تُقبل على مَن أعرض عنك، وتدعَ من أقبل إليك.
-وهذا هو الدرس الذي يجب علينا أن نَفهمه من هذه القصة: وهي أن الإنسان لا يذهب لمن يعرض عنه في الوقت الذي يَترك فيه من يُقبل عليه، فالذي يُقبل هو الأحقُّ، ولا تنظر يا محمد إلى المقاييس البشرية الأرضيةِ، أن هؤلاء ذوو عزةٍ وأصحاب مكانة ورِفعة، هذا لا مكانة له عندنا، العز كله عند الله، ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[المنافقون: 8].

*قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1]، الحديث هنا عن رسول الله.
فـ﴿عَبَسَ﴾: أي قطَّب وجهه,و﴿وَتَوَلَّى﴾: أي أعرض ببدنه عن هذا الذي جاءه يريد أن يسترشده ويسأله.
-عبَّر بضمير الغائب و لم يقل: "عبست وتوليت" :لأنه أراد ألا يُوحش صدره بالخطاب؛ لأنَّ الخطاب له هجوم على النفس، وأثر ثقيل عليها،فلما ذهبت هذه الوحشة بدأ بالخطاب، فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾.
* ﴿أَن جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس: 2]: أي بسبب أن جاءه الأعمى.
- عبَّر عن هذا الرجل الصحابي بالأعمى لأسباب؛ منها:
أولًا: ليُبيِّن عذر هذا الرجل الذي جاء إلى رسول الله، هذا الرجل أعمى، هو لا يدري أنت مشغول أو غير مشغول، وهو صاحب حاجةٍ، فكان يَنبغي لك أن تقضيَ حاجته وأن تعذره؛ لأنه لم يطلع على ما أنت مشغول به.
ثانيًا: ليُرققَ قلبَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليه وعلى نُظرائِه. وهذه الآية ممكن أن نجعلها حجة في التلطف مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وإعطائهم من الرفق واللين والرحمة أكثر مما يُعطى غيرهم؛ بسبب ما هم فيه من البلاء، فصاحب البلاء يُرحم أكثر من صاحب العافية.
-فهذا ليس تعييرًا، ما دام يُراد بهذا الوصف معنًى لطيفٌ وجيدٌ، ولا يُراد به العيبُ والتعييرُ، فإنه لا يُعاب ذلك أبدًا. ومثل ذلك: لو أنك أردتَ أنْ تُميز بين رجلينِ باسمينِ مُتَّحدينِ، أحدهما عنده عاهةٌ مُعيَّنة يَتميز بها، والثاني ليس عِنده ذلك، فلا بأسَ أن تصفَ أحدَهما بتلك العاهةِ من أجل التمييزِ، لكن لو قلتَ لإنسانٍ وأنت تُعيره: يا أعمى، أو يا أعرج، أو يا أعور؛ فهذا مذمومٌ، ويأثم الإنسانُ عليه، ويُعتبر من الشتم الذي لا يَليق بالمسلمِ أن يَتلبَّس بشيءٍ منه.

- ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ هذا التلطُّف من الرب -سبحانه وتعالى- مع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يُربينا فيه ربُّنا على مكانة رسول الله عند الله، وأن له منزلةً عالية.
- لو قال له: عبست وتوليت ما ضرَّ ذلك ربنا -سبحانه وتعالى- ولكن الله أرادَ أن يُبين لنا كيف يكون الأدبُ مع الكبارِ، وذوي الشرف والمنزلة والمكانة، وذوي الفضل على أهل الإيمان، والفضل على الخلق، وما يَخفى عليكم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أعظم الناس حقًّا علينا، ولا يصحُّ إيمان عبد حتى يؤمن به -عليه الصلاة والسلام- ويحبه أشدَّ من نفسه.
-من نظائر هذا الأسلوب في القرآن -وهي كثيرة ، قول الله -عز وجل- في سورة التوبةِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]،فالعادة أن تذكر الذنب أو الخطأ الذي وقع ممن تريد التصحيح له، ثم تذكر العفو.
لكن في الآية قدَّم العفو, لئلا يستوحش قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصيبه جائحة من الخوف؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- يُريد أن تكون الصلة بالله -عز وجل- أعظم صلة، ولا يرتاح -عليه الصلاة والسلام- أن يكون التأنيب نازلًا عليه من السماء، ولذلك طمأنه الله ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ﴾.

*﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾: أي شيء يدريك لعل هذا الأعمى الذي جاءك يتزكى، وقوله (زكى) أدغمت التاء في الزاي فصارت﴿يَزَّكَّى﴾، وأصلها: يتزكى.
*﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ أو يتذكر ﴿فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: 4]: هنا ذكر شيئين:
الأول: يزَّكى، الثاني: يذَّكر.
قال العلماء: إن هذا من باب تقديم التخلية على التحلية، فإما أن يتطهرَ من ذنوبه﴿يَزَّكَّى﴾،وإما أن ينتفع بشيءٍ مما جئتَ به من الوحي والخيرِ والعلم النافع، إما أن يحصل له هذا أو يحصل له هذا.
*﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴾أما هذا المستغني الذي لا يرغب في سماع ما عندك يا محمد، وليس عنده الرغبة في أن يُؤمن، ولا أن يتلقى، بل إنه راغب في فراقك، فما الذي يحملك على أن تَتصدى له؟
*﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، أصله: تتصدى، حذفت التاء الأولى تخفيفًا، وهذا سائغ في لغة العرب، خصوصًا إذا كان فيها شيء من الثقل على اللسان.
* ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى﴾: معناها يختلف باختلاف "ما", يمكن أن تكون "ما" نافية، أي: ليس عليك شيء في ألا يتزكى، يعني: إذا لم يتزكَّ يا محمد؛ فليس عليك شيء، لن ينالك من الله -عز وجل- لا عقوبة ولا عتاب؛ لأنك قد أديت ما عليك، وهو الذي أعرض بنفسه،.
المعنى الثاني: أن تكون "ما" ماذا؟ استفهامية.
أي: أي شيء عليك إذا لم يتزك، الآن "ما" جاءت نافية واستفهامية، ولكن المعنى في النهاية واحد، أي شيء عليك إذا لم يتزك؟ لا شيء عليك إذا لم يتزك.
* ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى﴾، الذي جاءك يسعى عبد الله بن أم مكتوم.
لاحظ كيف وصفه؟ وصفه بأنه ﴿جَاءَكَ﴾، فجاء بنفسه. أما أولئك فأنت جئت إليهم، وذهبتَ إليهم، وتصديت لهم، هذا جاءك طالبًا للهُدى، فالحقُّ أن يُقبل على مَن أقبل، وألا يُؤبَهَ بمن أعرض، هذا هو الأصل، العدل أنك مَن أقبل عليك تُقبل عليه، ومن أعرض فلست مُحاسبًا لو أنه أعرض وتركته.
-﴿يَسْعَى﴾ أيضًا هذا المجيء مجيء بإقبال ورغبة، عبد الله بن أم مكتوم جاء قاصدًا؛ لأن السعي هنا لا ينبغي حمله على سعي البدن، بمعنى الركض أو الشدة في الجري؛ لأن ابن أم مكتوم أعمى، ومثل هذا لا يتصور منه أن يمشي في الأسواق وفي الشوارع بقوة أو بسرعة.
إذن ﴿جَاءَكَ يَسْعَى﴾؛ أي جاء مهتمًّا حريصًا مقبلًا.
- والسعي يا إخواني فضيلة ينبغي للمسلم أن يتصف بها، وهي أنه إذا شَرَع في أمر من الخير يُقبل عليه ويحرص عليه، ماذا وصف الله المنافقين في أمر الصلاة؟ قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: 142]، ووصف المؤمنين في آية أخرى قال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19]، فحريٌّ بالمؤمن دائمًا إذا أقدم على عمل من الخير أن يُقدم عليه بهمَّة وبحرص وإرادة تامة دون تردد.
*﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾، هذه الصفة الثالثة، "جاء" و "يسعى" وأيضًا عنده "خشية" حَمَلتْه على أن يسأل، وليس سؤاله مجرد استعلام أو تزوُّد من العلم فقط، أو لمجردِ تزجية الوقت، أو لأجل الكلام مع رسولِ الله فقط، كما يفعل بعض المحبين لرسول الله، يريد أن يتحدث مع رسول الله بأي كلام، لا هذا حمله على السؤال خشيته من الله -عز وجل- يريد أن يعمل، ويريد أن ينفذ.
-ما الفرق بين الخشية والخوف؟
الخشية: خوف بعلم..
أما الخوف فيكون خوفًا، يعني أن تخاف من شيء، عامةً أن تسمع صوتًا مفزعًا تخاف، ما تدري ما هذا الصوت، هل هو صوت رعد يأتي بعده المطر، أو صوت قنبلة أو تفجير، ماتدري.

-ومادة خشي (الخاء والشين والياء) في اللغة العربية دائمًا تدل على الشيء الأكثر،الأبلغ أو الأقوى في المعنى، مثلًا خذ تصاريفها: "خشِي" و "شيخ"، الشيخ: إما أن يكون الكبير في السن أو الكبير في العلم، لو قلبتها مرة ثانية: "خيش": هو الكيس الذي يكون قويًّا، فتوضع فيه الحبوب والأشياء الثقيلة، وهكذا.
* ﴿ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾، كيف هذا؟ جاء ويسعى، وهو يخشى، ومع ذلك تلهيت عنه، وسمى إعراض النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه تلهيًا؛ لأنك تركت ما يليق بك مع من أقبل عليك، وذهبت إلى من أعرض عنك، وليس مستمعًا لك، ولا منتفعًا بما عندك، فسمَّاه "تلهيًا".
- و﴿تَلَهَّى﴾ هذه أصله: تتلهى، لكن حذفت التاء تخفيفًا.
- الدرس الذي نأخذه من هذا:
في تقديمنا للدعوة، وبذلنا للعلم وللدين، ما ننظر إلى قضية مراتب الناس الأرضية، بل من أقبل على العلم و الدعوة، جاء إلينا، يجب علينا أن نُقدم له هذه الدعوة، وأن نمدَّ له يد العون والمساعدة، وأن نهديه سبيل الرشاد، وألا ننظر إلى أصله أو فصله أو نسبه أو غناه، أو حاله أو جاهه أو سمعته، أو أي شيء من هذه الموازين الأرضية. هذه فائدة عظيمة جدًا ينبغي أن نستفيدها من هذه الآيات.

*﴿كَلاَّ﴾، كلا هنا قلنا بالأمس أنها تأتي بمعنيين:
= إما أن تكون بمعنى الردع والزجر.
وقد يعبر عنها بعض العلماء كابن جرير الطبري -رحمه الله-: (ليس الأمر كذلك)، كتعبير أخف من كلمة الردع والزجر.
= وإما أن تكون بمعنى: حقًّا.
قلنا: تكون بمعنى "حقًّا" إذا لم يسبقها كلام يُردُّ عليه، وتكون بمعنى الردع والزجر أو النفي إذا كان قبلها كلام يُنفى، أو كلام يُرد على صاحبه.
-هنا قوله: ﴿كَلاَّ﴾ يُراد بها: رد هذا الأمر، يعني ليس الأمر كما فعلت، أو تحتمل أن تكون بمعنى "حقًّا" لتكون متصلة بما بعدها، حقًّا إنها تذكرة.
-﴿إِنَّهَا﴾ يعود على الآيات السابقة أو القصة، هذه القصةُ تذكرةٌ وعظةٌ لك يا محمد ولأمتِك من بَعدِك.
*(فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾ إما أن يكون الضميرُ هنا عائدًا على الله :فمن شاء ذكر الله، وإما أن يكون عائدًا على القرآن الذي منه تلك القصة، أو منه تلك الآيات. وهذا أَوْلَى، أن يعود على القرآن؛ لأن الحديث بعد هذه الآية هو عن القرآن.
*﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾، ما الذي في صحف مكرمة؟ هو الذي جاء في قوله: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾. أي هذا موضوع في صحف مكرمة قد أعلى الله شأنها وكرَّمها.
﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي قد رفعت رفعًا حسيًّا، ورفعًا معنويًّا، ولذلك يستفيد العلماء من هذا أن كتاب الله ينبغي أن يكون دائمًا مرفوعًا. عندما يكون مع الكتب يُرفَع، لما يكون في الأدراج، يوضع في الرف الأرفع تقديرًا له وتعظيمًا، كما أنه في اللوح المحفوظ -أيضًا- مرفوع فوق كل كلام، وكل شيء موجود في ذلك اللوح.
*(مُّطَهَّرَةٍ﴾أي لا يصيبها شيء من الدنس، ولا يصيبها شيء من الزيادة أو النقص أو التحريف أو التبديل أو التغيير.
*ثم ذكر مَن الذي يَلُونَ هذه الصحف المكرمة، قال: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، السفرة هم الملائكة، هذا قول جمهور المفسرين؛ لأن هذا الوصف قد جاء بهذه الصورة للملائكة في الحديث النبوي، قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران».
وقال بعض العلماء: إن السفرة هم أصحاب رسول الله، أو كُـتَّاب الوحي.
-الظاهر: هو الأول، لمجيء هذا الحديث الذي يدل على ذلك، وأيضًا لأن المؤمنين إذا وصفوا في القرآن لا يوصفون بقوله: ﴿بَرَرَةٍ﴾، وإنما يوصفون بالأبرار. أما البررة فهي خاصة بالملائكة.
- سُمي الملائكة سفرةً؛ لأنهم يقومون بالسفارة بين اللهِ وبين خَلْقه، فكل الأعمالِ تُوكَل إلى الملائكةِ حتى قبض الأرواحِ، والنزول بالوحيِ، الذي ينزل به الملائكة، ورفع الأعمال إلى الله -عز وجل-، الذي يرفعها ويقوم بذلك هم الملائكة، فسُموا من أجل ذلك "سَفَرَة".
*﴿كِرَامٍ﴾ لغة العرب : أي شيء شريف في جنسه يسمى كريمًا، حتى الأحجار إذا كانت شريفة في جنسها عالية القد قيل: هذه أحجار كريمة، كذلك بنت الرجل يقال: كريمة فلان,لعلوِّها عنده، وحظوتها لديه، وحِرصه عليها، يُقال: كريمة فلان، والعين تُسمى كريمةً أيضًا لنفاسَتِها في بدن الإنسان.
-الملائكة لكرمِهم، وعِظم منزلتِهم، ونفاستِهم في مخلوقاتِ ربهم -سبحانه وتعالى- قيل: كرام؛ لأنهم لا يَعصون الله ما أَمَرَهم ويفعلون ما يؤمرون.
*(بَرَرَةٍ﴾أي كثيري البر والإحسان وفعل الخير، فالبر مأخوذ من السعة، ولذلك يُقال للبادية أو يقال لغير المدن: بر، لأنها متسعة.
وكذلك من يُكثر من فعل الخير يقال له: برٌّ، ويقال لهم: أبرار؛ لأنهم يتوسعون في فعل الخير.
*بعد أن انتهى من هذا بدأ في ذكر أمر وهو: كيف أن الإنسان يجحد هذا الخير، ويكفر به من دون حجة ولا برهان، فقال:
*{قُتِلَ الإِنسَانُ}الإنسان هنا لا يمكن أن يحمل على جنس الناس، وإنما يُراد به الكافر، ونستدل على ذلك بأن هذه الآيات آيات مكيَّة، وغالب ما يرد من وصف الإنسان في الآيات المكيَّة إنما يراد به الكافر،﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾[القيامة: 14]،﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1].

- ﴿قُتِلَ﴾ دعاء عليه بالقتلِ، وهي بمعنى: لُعن عند كثير من المفسرين.
-﴿ مَا أَكْفَرَهُ﴾ "ما" هنا تصح أن تكون:
1- استفهامية: ما الذي جعله يكفر؟ قد قامت عليه الحجج، وأقام الله -عز وجل- له البينات، أرسل له الرسل، أنزل عليه الكتب، جعل له عينين، ولسانًا وشفتين، ما الذي جعله يكفر؟
2- تعجبية: يعني: عجبًا له كيف يكفر؟
والتعجب هنا أليق بالسياق، ما أكفره يعني ما أشد كفره! وبالفعل، الإنسان إذا كفر لا شيء من المخلوقات يمكن أن يزيد عليه في الكفر.
*﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، يبين الله حقيقة هذا الإنسان الذي كفر، وأنه ضعيف، وأن إمكاناته محدودة، وأنه محتاج إلى الله، ومع ذلك يكفر ويستعلي ويكذب بالله وبرسله، ويرد آيات الله -سبحانه وتعالى-.
- ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ما هي مكونات هذا المخلوق الذي استعلى واستكبر وتجبر وبطر؟
* ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾هذا الإنسانمخلوق من نطفة، والنطفة هي: الماء القليل، وهو ماء أيضًا قذر، خُلق الإنسان منه، فما الذي جعله يتكبر!
-﴿فَقَدَّرَهُ﴾ لاحظوا جاء بالفاء ليدل على أن النطفة من حين ما تقع في الرحم يبدأ عملية التقدير، الفاء هنا للدلالة على الترتيب والتعقيب.
* ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾، جاء بـ "ثم"؛ لأن بين التقدير وبين الخروج من بطن الأم فترةً زمنيةً تستحقُّ "ثم" الدالة على التراخي.
-السبيل: اسم لأكثر من معنى، ولأجل ذلك اختلف العلماء في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ هل معناها:
1-يسر له طريق الخير والشر؟: فالإنسان يرى من نفسه الآن طريق الخير والشر أمامه مفتوحانيفعل ما يشاء.
2-أو﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ثم طريق خروجه من بطن أمه يسره

- نحن نقول: كِلا القولين مقبول، لكن أليقهما بالسياق وبالدلائل التي تحف هذا المعنى هو القول الأول، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ﴾؛ أي طريق خروجه من بطن أمه﴿يَسَّرَهُ﴾.
ولذلك نجد الشوكاني -رحمه الله- في تفسيره يعبر دائمًا بعبارة: والأول أَوْلَى.
لأن القول الثاني لا يمكن نفيه، الآية تحتمله ويمكن أن تستوعبه.

*﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ﴾ لأن بين خروجه من بطن أمه وموته في العادة وقتًا طويلًا، عشرًا، أو عشرين، أو ثلاثين، أو ستين سنة.
-﴿أَمَاتَهُ﴾؛أي قدر عليه الموت.
*﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ لماذا عبر بعد الموت بالفاء؟
لُيبين أن الإقبار يكون بعد الموت مباشرة، ولهذا ممكن نأخذ من هذه حكمًا شرعيًّا وهو استحباب الإسراع بدفن الميت وتجهيزه بعد موته، وعدم التأخر بذلك كمايفعل الناس فيهذا الزمان.
-﴿ أَقْبَرَهُ﴾ليس معناها قَبَرَه؛ لأن الله لا يقبرالناس، وإنما أقبره: هيأ له مكانًا يُقبر فيه.
*﴿ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ لاحظ، لما كان ما بين القبر والنشر وقت طويل لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى- جاء بـ " ثُمَّ "، وهذا يدلنا على أن القرآن لا يمكن أن يضع حرفًا أو كلمة إلا في مكانها، ومتى وجدت حرفًا أو كلمة لم تحملها على المعنى الذي يُريده الله -سبحانه وتعالى-، وسويت بينها وبين غيرها مما هو قريب منها؛ فأنت لم تفهم المراد.
- كان بالإمكان أن يسوِّي فيقول: "خلقه من نطفة ثم قدره ثم السبيل يسره ثم أماته ثم أقبره ثم إذا شاء أنشره"، ويكون المعنى المراد به التعاطف.
لكن الآيات تأتي مرة بهذا، ومرة بهذا، ومرة بهذا، وفي الآية الواحدة قد تجد الاثنين، "ثم" و"الفاء"، ليبين لك أن كل حرف استُعمل في مكانه، وهكذا سائر القرآن.
*﴿كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾،﴿كَلاَّ﴾ردع لهذا الإنسان الكافر، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يعني لم يفعل ما أمر به.
قال مجاهد: "يعني ما من أحدٍ يمكن أن يفعلَ كل ما أُمرَ به، بل لابد أن يُقصِّر الإنسان، وهذا من طبع الإنسان؛«كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون»".
*﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، هنا بعدما انتهى من ذكر كفر الإنسان بالرسالة التي أوحيت إليه وأنزلت عليه، انتقل إلى ذكر دلائل نعمة الله على عبده التي تدعوه إلى أن يدعهذا الكفر، وأيضًا دلائل القدرة التي تدل الإنسان على أن الله قادر على الشيء الذي ينكره الإنسان، وهو البعث بعد الموت؛ لأن هذه قضية قلنا أنها من أهم قضايا جزء عمَّ.
-﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ يعني لينظر كل واحد منكم أيها الناس إلى هذا الطعام الذي بين يديه، من أين هو؟ ما دورك في هذا الطعام الذي عندك؟ الأرز الذي تأكله صباح مساء، ما دورك فيه؟ القمح، الفول، الجزر، الخس، إلى آخره.
هل أنت صنعته وكوَّنته؟ هل أنت أخرجته وفعلت به هذه الصفة التي هو عليها؟ وضعت فيه هذا الطعْم الذي هو فيه؟لا والله، إنما أنت فعلت شيئًا أمرك الله به، وليس هو في الحقيقة هو المؤثرَ، بل التأثير كله من قِبل الله.
*﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا﴾ نحن أنزلنا الماء مصبوبًا من السماء.
* ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ شققنا الأرض بالنبات، تكون البذرة داخل جوف الأرض، ثم ما تزال -بضعفها- تقاوم وتدخل تدخل حتى تخرج على ظهر الأرض.
* ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾، بدأ بالحب كما في سورة عمَّ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًا﴾ [النبأ 14، 15]لشدة حاجةِ الناس إلى الحَبِّ؛ فقوتنا نحن بهذا الحب، يعني تستطيع أن تستغنيَ عن الخس والكراث، والجزر، والبرتقال، والتفاح، لكن يشق عليك أن تستغني عن القمح، والأرز، والذرة، والدخن، وغيرها من الحبوب التي هي أقوات لبني آدم.
* ﴿وَعِنَبًا﴾ ذكر العنب، و ثَنَّى به لأنه من أحسن الفواكه وأعظمها أثرًا على صحة الإنسان، وأكثرها لذة، وأكثرها أيضًا سهولة في جنيه وفي أكله، فكروم العنب عندما تأتي إليها تقطفها هكذا ثم تضعها في فمك مباشرة، وتجد حلاوتها من أيسر ما يكون، وطعمها من ألذِّ ما يكون، ومضغها واستساغتها من أيسر ما يكون.
فالله -عز وجل- يُبين لك كيف أن الله يسر لك هذه النعمة، وهيَّأ لك هذا الطعام، فما الذي يدعوك إلى الكفر؟ ما الذي يجعلك تستكبر وتستعلي؟
- ﴿وَقَضْبًا﴾ القضْب هو ما يُقضَب يعني يُقطَع، فكل النباتات التي تُقطَع ثم تعود تسمى قضبًا، فمنه مثلًا: الخس، والكراث، والقت الذي يُوضع للبهائمِ ، كله من القضب.
كلمة "قضب" معروفة في العربية بمعنى القطع، «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرى شيئًا فيه تصليب إلى قضبه». أي قطعه، يعني ما يرى مكانًا فيه صليب ظاهر إلا قطع ذلك الصليب؛ لأنه شعار النصارى.
*﴿وَزَيْتُونًا﴾ الزيتون معروف، سواء الزيتون في حَبِّه، أو الزيتون فيما يُعصَر منه ويخرج من زيت.
-﴿وَنَخْلًا﴾ هذه النخلة المعروفة التي فيها هذه الثمرة العجيبة، التي تجمع بين خمسة أشياء: فهي حلوى، وغذاء، وقوت، وفاكهة، ودواء. وهذا قلَّ أن يجتمع في شيء من النبات، إما أن تجد النبات طعامًا مثلًا، وإما أن يكون دواء، وإما أن يكون غذاءً، وإما أن يكون قوتًا.
-أما التمرة أو ما يخرجُ من النخلة؛ فهو يجمع هذه الخمسة أشياء، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتحدث عن أثر هذه التمرة يقول: «بيت ليس فيه تمر أهله جياع»؛ لأن التمرة تغني عن كثير من حاجات الإنسان، أو عن كل حاجات الإنسان إلا ما ندر.
* ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحدائق: جمع حديقة، والحديقة عند العرب هي ما يُحدق بالشيءِ، يَعني يطيف به ويُحوِّط عليه، فتُسمى حديقة، فالحديقةُ عن العرب هي: ما أُحدِقَ عليه بشجرٍ أو شيء يحوطه.
-﴿ غُلْبًا﴾ الغُلب: هي ذات الجذوع العريضة، والأفنان الملتفة، تسمى غلب، يعني الأشجار العظيمة.
*﴿وَفَاكِهَةً﴾ هذا يدخل فيه جميع ما يَتفكَّه به الإنسان، برتقال، والموز، والتفاح، وغيرها.
﴿وَأَبًّا﴾قال العلماء: الأبُّ هو ما تنبته الأرض من الكلأ مما ترعاه البهائم، وقد ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "قد عرفنا الفاكهة، فما الأبُّ؟"، ثم قال: "إن هذا لهو التكلُّف يا عمر"، وثبت هذا عن عمر بإسناد صحيح. فعلى أي شيء نحمله؟
قال العلماء: يحمل على أن عمرَ أراد أن يعرفَ أيَّ نوعٍ من الأبِّ، وإلا فمعنى الأب معروف عند العرب، لا يخفى على عربيٍّ أصلًا.
فقال: "إنَّ هذا لهو التكلُّف" يعني يكفيك أن تفهم المعنى العام يا عمر وهو كلأ الأرض، دون أن تعرف شيئًا معيّنًا من هذا الكلأ.
- أما ما رُويَ عن أبي بكر أنه لما سئل عن الأب، قال: "أي سماء تظلني، وأي أرض تُقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم"، فهذا إسناده ضعيف عن أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-.
-بعد أن بيَّن هذه الدلائل انتقل إلى ذكر يوم القيامة الذي سيقت هذه الدلائل من أجل بيان أن ذلك اليوم ممكن وحاصل ولا مشقة فيه على الله -سبحانه وتعالى- الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء، وأمره﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].
* ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾الصاخة من أسماء يوم القيامة، وقد سُميَت في القرآن بالحاقة، والطامة، والصاخة، وغيرها من الأسماء.
و الصاخة بمعنى تصخ الآذان وتصمُّها من شدة صريرها وقوَّة صوتها.
*﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، فهؤلاء هم أقرب الناس إلى الإنسان، أخوك، وأمك، وأبوك، وصاحبتك، وبنوك، فأنت تفر منهم لئلا يطلبوا منه شيئًا، ولئلا يسألوه شيئًا.إذن فرارك من غيرهم من باب أولى.

*﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي كل واحد منهم مشغول بنفسه قد اغتنى بما عنده من الحال، فهو مذهول، ولذلك لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أهل القيامة يأتون حفاة عراة غرلًا، قالت عائشة وهي تتخوف على عورتها،؛ لأنها امرأة عفيفة طاهرة، قالت: "يا رسول الله، الرجال والنساء ينظربعضهم إلى بعض؟!". قال: «يا عائشة، الأمر أعظم من ذلك». يعني كل واحد مشغول بنفسه.
*﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ لم يذكر من حال المؤمنين وحال الكافرين إلا الوجوه ,لأن أول السورة كانت عن الوجه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، فناسب أن يذكر من أحوال الناس في يوم القيامة هذا الوجه الذي يعبر عن سرور الإنسان وفرحه ونعمته وابتهاجه ونضرته، وعن بؤسه وعذابه وألمه.
-﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ أي مضيئة ضاحكة؛ لأنها مقبلة على خير، مستبشرة يعني قد استبشرت بما بشرت به من فضل الله ونعمته.
*﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ قد علتها هذه الغبرة التي أظلمت وجوهها.
*﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي ظلمة وكلوح.
*﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ أي هؤلاء أصحاب هذه الوجوه كفرة فجرة.
والفرق بين الوصفين: أن الكفر قلبي، والفجور عملي.
فجمع لهم بين الوصفين فقال: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾.