المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : عن الفطرة



مهاجر
20-10-2012, 07:22 AM
ثم فطرة قلب تستحسن ما حقه الاستحسان من العلوم والإرادات الباطنة ، والأقوال والأعمال الظاهرة ، فَتَسْتَحْسِنُ التوحيد في العقد والعدل في الحكم ، وتستقبح الضد ، فذلك قياس العقل فهو يقضي بإثبات ضد الحكم بثبوت ضد العلة ، فعلة التحسين : حسن القول أو الفعل ، وعلة التقبيح : قبح القول أو الفعل ، فالحكم يطرد وينعكس ، وذلك معيار لا ينضبط إن رد إلى العقول فلا تدرك منه إلا مجملات تفتقر إلى بيان النبوات ، فكان الناس أمة واحدة على التوحيد ، فثم محذوف دل عليه الحال والسياق في قوله تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ، فكان الناس على التوحيد ، كما أثر عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وذلك معنى يعم العقد والشرع ، فاختلفوا بعارض الشرك الطارئ ، فَبُعِثَ النبيون ، عليهم السلام ، بتقويم ما اعوج من فطرة النفس الأولى ، فـ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" ، فالحال الوجدانية تدل ضرورة على الفطرة الإيمانية المعقولة ، فتلك فطرة الأديان ، كما أن الأبدان قد فطرت على حب الطيب من الغذاء من مطعوم ومشروب ، وحب الطيب من المناكح التي تستحسنها النفوس بما جبل عليه النوع الإنساني من ميل ذكره إلى أنثاه ، فذلك وجدان الفطرة البدنية التي تزيدها الطريقة الشرعية حسنا وطهرا ، فـ : "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ" ، فيجتمع في الفعل : حسن الطبع بالميل إلى الضد فذلك حكم الفطرة الصحيحة ، فـ : (مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، فثم تقديم لما حقه التأخير من الحكم المسند : "من آياته" على جهة التشويق ، فالنفس تَسْتَشْرِفُ لمعرفة المحكوم عليه ، فيكون ذلك آكد في تقرير المعنى وبيانه ، ولا يخلو من دلالة امْتِنَان ، فهي آية تعجز في سياق الجلال الإلهي ، ونعمة تأسر الكريم في سياق الجمال الرباني ، فالكريم هو الذي يشكر من أنعم عليه ، فَيُقِرُّ ويعترف بفضله ، فمن آياته الكونية ، فدلالة : "من" : تبعيضية فتلك نعمة من نعم شتى ، فـ : (إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وهي ، من وجه آخر ، جنسية بيانية ، فهي من آحاد تندرج في الجنس الأعلى ، فثم آيات تترى ، منها الكوني المعجز ، ومنها الشرعي المحكم ، فثم عموم يستغرق الجميع ، وإن ورد التمثيل في الآية بنعمة الإنشاء من التراب ونعمة خلق الأزواج فهم السكن والمودة ، ودلالة : "أنفسكم" ، قد تحمل على غيرهم ، فتجري مجرى الأنفس في قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) ، فيقتلون غيرهم من أبناء جلدتهم فهم منهم بالنظر في الأديان ، وهم غيرهم بالنظر في الأبدان ، فكذلك الشأن في هذه الآية ، فالزوج غير زوجه بداهة ! ، فخلق لكم من غيركم من خارج أبدانكم أزواجا بهم يحصل السكن والمودة ، فهم من أنفسكم ، من وجه آخر ، فثم صلة وثيقة بين الزوج وزوجه فهما يتماسان بالروح والجسد فترفع الحجب المعقولة والمحسوسة في تلك النسبة اللطيفة بين الزوجين فهي من نفسه بما يكون بينهما من لقيا روح بها تحصل المودة ولقيا بدن بها تحصل اللذة على وجه لطيف تتعانق فيه الأرواح معنى والأبدان حسا ، فثم تداخل بين المعقول والمحسوس في هذه النسبة الشريفة ، فيعسر تجريده إلا في الذهن ، فهي نفسه في المحبة الباطنة وإن كانت غيره في الجبلة الظاهرة ، فدلالة : "من" ، من هذا الوجه ، دلالة بيان للجنس ، فمن جنس الذكر خلقت الأنثى ، فـ : "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا" ، فخلقت الأنثى من الذكر فهي فرع يأرز إلى أصله ، فدلالة : "من" من هذا الوجه دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء غاية الأنثى من الذكر ، فمنه خلقت وإليه تأرز فكلاهما يفتقر إلى الآخر ، فتلك آية من آيات الرب ، جل وعلا ، بها تَبِينُ الحكمة في خلق الضدين على وجه يحصل به الكمال المركب ، فمعنى الزوجية في المخلوقات معنى يحسن فكل زوج يكمل زوجه ، خلافا للخالق ، جل وعلا ، فمعنى الأحدية والصمدية هو الأحسن في حقه ، بل وهو الواجب الشرعي والعقلي الضروري ، إذ به ينتظم أمر الكون ، فالإرادة واحدة والمشيئة نافذة ، فـ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، وما تلك الآيات إلا للتدبر والتفكر ، فتلك ، في نفسها عبادة شرعية ، وهي لازم الآية الكونية ، وهي ، من وجه آخر ، ذريعة إلى إيجاب الإفراد في الألوهية عقدا وعبادة وشرعا وسياسة فرعا على الانفراد في الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا .


فيجتمع في الفعل الواحد : حسن الطبع وحسن الشرع ، ففطرت النفوس على حب الطيب ، وبغض الخبيث فهو يضاده في الوصف فيثبت له من الحكم ما يضاده ، فثم ارتباط في العقل وثيق بين الحكم والعلة ، فالعلة : مبدأ ، والحكم : منتهى ، فأول الأمر وصف يقوم بالذات أو الفعل ، يدركه العقل الصريح أو يحسه الوجدان الصحيح ، وهو أمر قد يحدث في النفس ، ضرورة ، كما في حسن النافع من المطعوم والمشروب فهو يحفظ البدن ، فإذا بدلت الفطر فهي تستحسن الخبيث من المطعوم والمشروب ، فهو نجس أو مستقذر ، أو ضار لا ينفع بل يرجع على البدن بالضعف والمرض ، وذلك إهدار أي إهدار لمقصد رئيس من مقاصد التشريع وهو حفظ البدن مما يضره من المحرمات الشرعية والمستقذرات الجبلية التي تأنف النفس منها بما رُكِزَ فيها من قوى العلم القياسي فهو يقضي ، بداهة ، بإباحة ما ينفع ، فذلك وجه يطرد ، وحظر ما يضر ، فذلك وجه ينعكس ، فالقياس العقلي الصريح يطرد وينعكس ، وهو في نفس الآن ، لا يخرج عن حكم الوحي الصحيح ، فكلاهما من الرب العليم الحكيم ، تبارك وتعالى ، فالوحي منه شرعا ، والعقل منه كونا ، فالوحي من كلماته الشرعية الحاكمة ، والعقل من آثار كلماته الكونية النافذة ، فخلق العقل بالقدرة ، وأنزل الوحي بالحكمة ، وركز في العقل قوى النظر الصريح فهو يقضي بالحكم الصحيح ، ولو إجمالا ، فلا ينفك يفتقر ، كما تقدم مرارا ، إلى تزكية الوحي الصحيح ، فيقضي بالتسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتباينين فذلك قياس الحكمة ، فبها يوضع الشيء أو الحكم في المحل أو المحكوم الذي يلائمه ، فيوضع الحِلُّ في المحل المباح ، ويوضع الحظر في المحل المحرم ، فالقياس ، كما تقدم ، يطرد وينعكس ، فثم قدرة على خلق العقل غريزة صحيحة ، وثم حكمة في إجراء قياسه على الوجه الصريح فهو يدرك من مناط الحكم المعقول ما به يثبت الحكم ، فمعه يدور وجودا وعدما ، وذلك أمر يعم جميع الأحكام ، شرعا وعادة وعقلا ، فركز في الوجدان ، أيضا ، قوى صحيحة تدرك الحسن النافع من المحسوس الذي يغتذي به البدن ، أو يحفظ به النوع ، فالفطرة الصحيحة تقضي بالميل إلى طيب المطعوم والمشروب ، فتهدى إليه النفس بما جبلت عليه من حب النافع وبغض الضار ، فذلك يندرج في عموم ربوبية الهدى الجبلي للنوع الإنساني خاصة ، ولجميع الأنواع عامة ، فـ : (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ، فثم عموم في الربوبية بإضافتها إلى ضمير الجماعة المخاطِبَة ، وثم قصر بتعريف الجزأين : "ربنا" فهو معرف بالإضافة ، و : "الذي" وهو موصول خاص والموصول من أنواع المعارف القياسية كما قرر أهل القواعد اللسانية ، فهو مئنة من الحصر والتوكيد فهداية الربوبية الجبلية مما اختص به رب البرية ، تبارك وتعالى ، وثم عموم في المعمول اللغوي والمفعول الكوني : "كُلَّ شَيْءٍ" ، وثم إجمال صدر به السياق فأطلق فعل الإعطاء ، ثم قيد بالخلق ، فأعطي خلقه الذي يلائمه تقديرا في عالم الغيب بالعلم الأول ، وتكوينا في عالم الشهادة بالقدرة والمشيئة النافذة ، فـ : (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فيريد ، جل وعلا ، ما شاء من الممكنات المقدورات ، فهي ، في نفسها ، جائزات تفتقر إلى موجب ، فالجواز العقلي أو الشرعي لا يكفي في إثبات أو نفي ، فهو يحتمل كلا الأمرين فلا بد من مرجح من خارج يوجب الجائز الشرعي قضاء ، أو الجائز الكوني خلقا ، فأعطى الكائن خلقه بالعلم الأول ، والقدرة النافذة ، فقدره تقديرا ، ثم أوجده إيجادا ، فبرأ وصور ، وبدع على غير مثال تقدم ، فهو : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، فتلك آية كونية آفاقية ، و : (مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، فتلك ، كما تقدم ، آية كونية نفسانية ، فأعطاه الخلق التقديري والخلق الإيجادي فركز فيه من قوى العقل والحس ما به ينتفع ، فأعد المحال المعقولة والمحسوسة بحكمة بالغة ، فلكلِّ محلٍّ من الأسباب ما يلائمه ، فالباطن له أسباب العقد ، والظاهر له أسباب الشرع الذي يستغرق جميع حركات الاختيار ، التكليفية أو الجبلية فلا تنفك تندرج في عموم الشريعة نصا صريحا في الواجبات والمحرمات أو مقصدا عاما في المرسلات التي لم ينص عليها الشرع بمنطوقه النصي الخاص فيوجب أو يحرم شيئا بعينه ، سواء أكان معقولا من قول أو فعل ، أم محسوسا من مطعوم أو مشروب أو منكوح ، فلا ينفك النص يعم بألفاظه جملة وافرة من الأحكام فهو يستغرق جمهور ما يعرض للمكلف من قول أو فعل ، من عبادة أو عادة ، من شرع أو جبلة ، وما زاد عليها من النوازل التي تعرض فلا تنفك تجد لها أصلا عليه تقاس فثم مناط خاص في نص الإيجاب أو التحريم لفرع بعينه فَبِهِ يلحق نظيره ، فالفرع يلحق بالأصل قياسا فَثَمَّ علة صحيحة في النظر فهي ، كما تقدم ، مناط عام للحكم يستغرق آحاده من المنصوص فهو الأصل وغير المنصوص فهو الفرع ، وذلك قياس العقل الصريح ، وهو ، كما تقدم مرارا ، معنى صحيح يعم الشرعيات والعقليات والحسيات ، فمن المطعوم والمشروب ، على سبيل المثال ، ما قد علم بالحس والعادة والتجربة ، أثره النافع أو الضار ، فَيُلْحَقُ به نظيره في الوصف ، يلحق به في الحكم إذ قد شاطره الوصف ، فهو ، كما تقدم ، علة ظاهرة منضبطة تؤثر على وجه يدركه العقل في إيجاد الحكم ، فتستغرق آحادها في الخارج .

فَثَمَّ ، كما تقدم ، مناط خاص في حكم بعينه ، وثم مناط عام هو مقاصد الشريعة العامة ، إذ ثم مرسلات لم ينص عليها الشرع ، فسكت عنها رحمة ، فلم يدل عليها الوحي بنصه دلالة قطع جازم أو ظن راجح ، ولم يدل عليها بفحوى القياس الخاص ، فلم يَبْقَ إلا مورد الإرسال العام ، إذ لم يشهد لها الوحي باعتبار أو إلغاء ، فهي تندرج في مقاصد الشريعة العامة التي تستغرق المصالح المرسلة ، فالوحي ، كما تقدم ، قد استغرق جميع موارد الاختيار التكليفي أو الجبلي ، فاستغرق بأحكامه الخاصة ، بالمنطوق والمفهوم ، واستغرق بالمقاصد العامة للشريعة ، فقدر المحال بخلق تقديري محكم يأرز إلى علم أول يحيط بما يحفظ الأديان من الشرائع ، وما يحفظ الأبدان من المطاعم والمشارب ، ثم أوجدها في عالم الشهادة ، بقدرة نافذة ، فجاءت كما قدر ، فقضاء الإيجاد في الشهادة يصدق حكم التقدير في الغيب ، فقدرت المحال بالعلم ثم أوجدت بالقدرة وأعدت بالحكمة ثم أُمِدَّت بما يلائمها من الأسباب ، فَلَهُ ، جل وعلا ، كما يذكر بعض المحققين ، له وحده ، الإيجاد والإعداد والإمداد ، فذلك الخلق التقديري لجميع الأشياء كما دل عليه عموم قوله تعالى : (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، وذلك الخلق الإيجادي الذي دل عليه هذا العموم ، أيضا ، فإيجاد بخلق أول يتعلق بالعلم ، وخلق ثان يتعلق بالمشيئة والقدرة ، وإعداد بالحكمة ، كما تقدم ، وإمداد بالأسباب فهي تباشر المحال فَتُنْتِجُ المسبَّبات النافعة في الشرع والحس ، على وجه تحفظ به الأديان والأبدان ، فتلك هداية تعم ، فأطلق العامل في قوله تعالى : (ثُمَّ هَدَى) ، فهو يعم الهداية المعقولة ، فتهدى القلوب بوحي النبوات إلى صحيح العلميات وصريح العمليات ، فَبِهِ تصح الأديان ، وتهدى الكائنات إلى طيب المطعوم والمشروب والمنكوح فبه تصح الأبدان وتحفظ الأنواع ، فذلك وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فتلك كلية تستغرق الطيبات إباحة وهي الأصل ، فالأصل في الأعيان : الطهارة في العين والإباحة في الانتفاع بها حتى يرد الدليل على نجاستها أو تحريمها ، وإن تفاوت الدليل فتحريم ما نجست عينه مما يدركه العقل والحس بداهة فلم يرد التوكيد على تحريمه ما ورد على تحريم المسكر ، فَثَمَّ من المسكر ما هو طاهر العين كالحشيشة ، ولا يلزم من ذلك حِلُّها فهي ضارة ، فتلك جهة التحريم الرئيسة ، وإن طهرت من جهة العين ، فالجهة منفكة ، إذ قد يكون الضار طاهرا فيحرم تناوله بالطعم أو الحقن ... إلخ ، وإن لم تحرم مباشرته باليد جسا ولمسا ، فالكلية تستغرق الطيبات حلا ، والخبائث حظرا ، وإطلاق العامل : "هدى" ، يعم من وجه آخر ، جميع الكائنات ما عقل منها وما عجم ، فهدى الحيوان إلى ما يصلح بدنه ويحفظ نوعه ، وهدى الإنسان إلى ما يصلحه ، فهدى الأبدان إلى ما يحفظها فذلك قدر يشترك فيه الإنسان مع سائر الأنواع وهدى القلوب إلى ما يحفظها من الشرائع والأديان فذلك قدر به فضل النوع الإنساني ، فيدخل فيه عموم التكريم الإلهي ، فـ : (لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) .

فَهُدِيِ البشر إلى الحق في التكوين ، فالخلق محكم ، والمحل الباطن معد لتلقي أسباب الوحي شرعا ، والمحل الظاهر معد لتلقي أسباب الكون رزقا ، والأسباب قد يسرت من الرزق الشرعي الْمُنَزَّل ، فمنه المحكم ومنه المتشابه فَيُرَدُّ المتشابه إلى المحكم فالناسخ يقضي على المنسوخ ، فنسخت جمل من الكتاب العزيز ، فمنها ما رفع لفظا وحكما ، ومنها ما رفع حكما وأُثْبِتَ لفظه فهو مما يتعبد بتلاوته ، فنسخ بكتاب مثله ، على قول بعض أهل الأصول ، فلا ينسخ الكتاب بسنة ، وإن دلت على الحكم الناسخ ، فثم ، ولا بد ، دليل آخر من الكتاب نسخه ، فواطأته السنة فلا تستقل بالنسخ ، فـ : "إِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَد وَسَائِرَ الْأَئِمَّةِ يُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْمُحْكَمَةِ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ نَسْخًا لِبَعْضِ آيِ الْقُرْآنِ لَكِنْ يَقُولُونَ: إنَّمَا نُسِخَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ لَا بِمُجَرَّدِ السُّنَّةِ وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وَيَرَوْنَ مِنْ تَمَامِ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْسَخْهُ إلَّا بِقُرْآنِ" . اهـ
"مجموع الفتاوى" ، (20/399) .

وثم من المحققين من رجح نسخ الآحاد للمتواتر ، فمحل النسخ هو دلالة اللفظ على الحكم وهو أمر يدخله الظن الراجح وإن كان النص قطعي الثبوت فتنسخ الدلالة الظنية ولو كان النص متواترا بالدلالة القطعية ولو كان النص آحادا ، وتلك جملة واحدة من جمل كثيرة من إحكام هذه الشريعة في دلائلها واستدلالاتها والترجيح بين نصوصها حال التعارض وتعذر الجمع ، فكل أولئك مما ضبط وحرر فهو ، من هذا الوجه ، مئنة من تيسير أسباب الشرع التي تباشر محال التكليف ، فيسرت الأسباب من الرزق الشرعي المنزل ، ويسرت الأسباب من الرزق الكوني فمنه النازل من السماء ، فـ : (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) ، ومنه النابت من الأرض ، فـ : (أَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) .

والله أعلى وأعلم .

مهتمة
22-11-2012, 12:54 PM
ثم فطرة قلب
تستحسن ما حقه الاستحسان من العلوم والإرادات الباطنة ، والأقوال والأعمال الظاهرة ــــــــ
وتستقبح الضد

فذلك قياس العقل
فهو يقضي بإثبات ضد الحكم بثبوت ضد العلة
فعلة التحسين : حسن القول أو الفعل
وعلة التقبيح : قبح القول أو الفعل
فالحكم يطرد وينعكس

ــــــــــــــــــــــــــ

وما تلك الآيات إلا للتدبر والتفكر
فتلك ، في نفسها عبادة شرعية ، وهي لازم الآية الكونية

ــــــــــــــــــــــــــ

فيجتمع في الفعل الواحد : حسن الطبع وحسن الشرع
ففطرت النفوس على حب الطيب وبغض الخبيث
فهو يضاده في الوصف فيثبت له من الحكم ما يضاده

فثم ارتباط في العقل وثيق
بين الحكم والعلة

فالعلة : مبدأ ، والحكم : منتهى

فأول الأمر وصف يقوم بالذات أو الفعل
يدركه العقل الصريح أو يحسه الوجدان الصحيح

وهو أمر قد يحدث في النفس ، ضرورة
كما في حسن النافع من المطعوم والمشروب
فهو يحفظ البدن

فإذا بدلت الفطر فهي تستحسن الخبيث من المطعوم والمشروب
فهو نجس أو مستقذر ، أو ضار لا ينفع
بل يرجع على البدن بالضعف والمرض
وذلك إهدار أي إهدار لمقصد رئيس من مقاصد التشريع
وهو حفظ البدن مما يضره من المحرمات الشرعية والمستقذرات الجبلية
التي تأنف النفس منها بما رُكِزَ فيها من قوى العلم القياسي

فهو يقضي ، بداهة ، بإباحة ما ينفع
ــــــــــــــــــــــــــ

والله أعلى وأعلم .




كل الشكر
أثابك العلي الأكرم