المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ .)



مهاجر
26-11-2012, 06:45 AM
ومن قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، فذلك وعد جازم ، قد حد على جهة الماضوية إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، فوعد ، تبارك وتعالى ، المؤمنين والمؤمنات وذلك إطناب ينفي الاحتمال ، ولو مرجوحا ، فإن الأصل في خطاب التشريع : العموم ، وإن حد على جهة التذكير في الغالب ، فذلك جار مجرى التغليب في اللفظ ، فيدخل المغلوب في اللفظ في عموم المعنى ، فهو مكلف يدخل في حد التكليف إلا ما كان من أحكام يختص بها جنس دون آخر ، فذلك استثناء ، والاستثناء ينزل منزلة الضرورة ، فيقدر بقدره ، وهو ، مع ذلك ، لا يثبت إلا بدليل ، فخروج النساء من دائرة الجهاد لا يثبت إلا بدليل ، فـ : "عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ" ، فهو استثناء من أصل ، وهو ، مع ذلك قد خُصَّ بدليل آخر ، وهو حال تطرأ إذا دهم العدو محلة المسلمين ، فيجب الجهاد على كل قادر عليه ذكرا أو أنثى ، صغيرا أو بالغا ، فأطنب في الوعد بالنص على الجنسين ، وعلق الحكم على الوصف الذي اشتقت منه الصلتان ، وهو الإيمان ، فالموصول هنا هو : "أل" ، وصلته هي الاسم المشتق ، وهي صلة صريحة حدت على جهة الاسمية ، وإليها أشار في الألفية بقوله :
وصفة صريحة صلة "أل" ******* وكونها بمعرب الأفعال قلّ .

وقد حدت على جهة الفعل في قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) ، وقد اقترن وصف الإيمان العام بعمل الصالحات فهو ، كما تقدم مرارا ، لازمه الوثيق في الخارج فلا ينفك تصديق الباطن ، إذ أقر وأذعن ، فذلك تصديق يعتبر ، وهو ، من وجه آخر ، يولد في القلب ضرورة : حركة ميل بها يرجح الممكن ، على وجه لا يخرج عن إرادة الرب المنعم ، تبارك وتعالى ، فهو الذي امتن على المؤمن أن رجح في قلبه الإيمان على الكفران فخلق فيه إرادة الاختيار للخير فضلا ، فأصلح المحل فهو يقبل لازم هذا الاختيار من انتهاج الوحي ، في الخبر والحكم ، في الوفاق وفي النزاع ، في العقد والشرع والحكم والسياسة والأخلاق والزهد ، كما تقدم مرارا ، فهو يعظم الشرع بقلبه ، وهو ، مع ذلك ، يتأول أخباره تصديقا ، ويتأول أحكامه امتثالا فليست دعواه مجردة لا دليل عليها من العمل الصالح ، فهو ، كما تقدم ، لازم الإيمان ، من وجه ، إذ خص حال الاقتران بالإسلام ، خص بالقول الباطن ، وهو التصديق العلمي الجازم الذي يقضي بداهة بكمال الانقياد والاستسلام فرعا على كمال الإقرار والإذعان ، ولا ينفك ذلك تظهر آثاره في عمل القلب وإراداته ، ولا ينفك ذلك ، أيضا ، تظهر آثاره في الخارج في القول ، والعمل معا ، فهما لازما التصديق الباطن ، من هذا الوجه ، وهما ، من وجه آخر ، يشاطرانه قسمة الإيمان في الخارج فهما قسيماه ، إذ ماهية الإيمان تتجزأ فهي تتركب من عقد قلب ، وقول لسان ، وعمل جوارح ، وهي ، من وجه ثان تتركب من فعل وترك ، فيفعل القلب الرجاء والخشية .... إلخ من العبوديات الباطنة ، ويترك ما يضادها أو ينقضها من كفر وشرك وحسد ورياء ..... إلخ من أجناس المعصية الباطنة ، فمنها ، كما تقدم ، ما ينقض أصل الدين فلا يجامع أصل التوحيد سواء أكان أصلا من أصول الكفر ، فلا يجتمع مع نقيضه في محل واحد في وقت واحد ، فذلك محال في النقل والعقل والحس ، فالنقيضان من إيمان وكفران ، فلا ينفك مكلف يَتَلَبَّسُ بأحدهما فلا يمكن أن يخلو المحل الحساس المتحرك بالإرادة التكليفية التامة ، وذلك وصف الإنسان إذ حمل الأمانة ، لا يمكن أن يخلو من حركة باطن تؤمن أو تكفر ، فليس ثم محل تكليفي خال من الإيمان والكفران معا فذلك محال ذاتي بما فطر عليه المولود ، فالتوحيد في قلبه قد ركز ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ" ، فذلك الأصل ، وهو من رحمة الرب ، جل وعلا ، أن جبل النفوس على التوحيد فلا تجد كلفة في انتحاله كما تجد في انتحال غيره من عقود مبدلة وشرائع ومذاهب محدثة ، فلا بد أن تتكلف من القول أو العمل ما يوقع النفس في الضيق والحرج إذ خالف صاحبها الفطرة الأولى ، فكل خروج عن أمر الرب ، جل وعلا ، العقدي أو الشرعي ، السياسي أو الحكمي ، الأخلاقي أو الزهدي ، كل خروج عنه ، يوقع صاحبه في الحرج إذ تنطع فالتزم ما لا يلزمه ، وزاد أو نقص في الشرع بما يعرض له من هوى عقل أو ذوق نفس ، فلا بد أن يفارق من الوحي بقدر ما يقارف من قياس عقل فاسد به يتأول الأخبار بل والأحكام ، فيعطل الرب ، جل وعلا ، عن وصف الكمال ، ويغلو في المخلوق المربوب ، فيخلع عليه ما لا يصح إلا للرب المعبود ، جل وعلا ، ويعطل الشرع فهو ينقض أحكامه الخاصة في موارد الجزئيات من أقضية وفتاوى ، بل وينكر سيادته العامة في موارد الكليات من أصول جامعات ، فهو ينكر سيادته في الأصل والفرع ، في الكل والجزء ، فلا يرضى به حكما ، بل يجتهد في تعطيله وتأويله بتخريجه على أصول متشابهة لا تنفك تأرز إلى قياس باطل أو ذوق فاسد ، وهما ، عند التدبر والنظر ، يتلازمان فلا ينفك فساد القوة العلمية بالقياس الباطل ، لا ينفك يقترن بفساد القوة العملية بالذوق الفاسد ، فالعلم الباطن والعمل الظاهر ، يقترنان ، كما تقدم مرارا ، سواء أكانا صحيحين على منهاج الوحي ، أم باطلين على منهاج الوضع ، فما انفك أعداء الرسالة يضعون من العقائد المحدثة ما يضاهي عقائد النبوة المنزلة ، ولا ينفكون يتأولون المحكم من أخبار الوحي ليوافق المتشابه من قياس العقل أو وجدان النفس في باب خبري ، لا اجتهاد فيه ، فالأصل فيه التوقيف إذ لا يدرك العقل تفصيله ، وإن أدرك جمله الرئيسة بما ركز فيه من فطرة التوحيد الصحيحة ، فهي تفتقر إلى بيان النبوة ، ولا ينفك أعداء الرسالة يضعون من الشرائع والسياسات ما يعارضون به محكم النبوات ، فيتأولون ، أيضا ، فالباب واحد وإن تعددت مسائله ، فَيَتَأَوَّلُونَ الأحكام المحكمة بِرَدِّهَا إلى أصول استدلالهم المتشابهة ، فيضاهون معيار الوحي في التحسين والتقبيح بمعيار الوضع ، فصاحبه يحسن ويقبح بما يظهر له ، بادي الرأي ، من هوى عقلي أو وجدان ذوقي ، فأنى له يهتدي وقد خالف بدائه العقول إذ اتبع المتشابه وأعرض عن المحكم فلم يرد ما تشابه من قياس عقله أو وجدان ذوقه إلى ما أحكم من كتاب ربه ، جل وعلا ، وخبر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الخبر الشارح لما أجمل في الكتاب من أحكام ، وهو المبين بنسخ أو تخصيص أو تقييد أو إنشاء لحكم جديد أنزله الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك من تبليغ الوحي وتبيين معناه ، فالتلازم بين فساد العقد الباطن ، وفساد الشرع الحاكم ، أمر ، عند التدبر والنظر حاصل بل واجب فلا بد أن يظهر الوارد العلمي الباطن في الناتج العملي الظاهر ، وإن فلتات ولحظات تكشف مستور النفوس ومكنون الصدور ، ولا بد ، من وجه آخر ، أن تظهر آثار الحركات الإرادية الباطنة من حب أو بغض ، من ميل أو تجافي ، لا بد أن تظهر في الأحوال والأخلاق فلا تبقى كامنة في الأعماق ، كما قال بعض الفضلاء ، في سياق التنويه بخطر التشبه بالكافر والمارق فلا ينفك المتشبِّه يقلده في جميع أحواله فلا يمكنه إلا أن يتأول محبته الباطنة في أفعاله بل وهيئاته الظاهرة .

والشاهد أن كل خروج عن أمر الرب ، جل وعلا ، العقدي أو الشرعي ، السياسي أو الحكمي ، الأخلاقي أو الزهدي ، كل خروج عنه يوقع صاحبه في الحرج ، فهو يدخله في حد الفتنة في الأولى ، ويجعله محلا للوعيد بالعذاب الأليم في الآخرة .

فاقترن الإيمان الذي حد على جهة الصلة الفعلية الصريحة : "آمَنُوا" ، اقترن بلازمه في الخارج من العمل الصالح ، فذلك من عطف اللازم المسبَّب على الملزوم المسبِّب ، وهو ، من وجه آخر ، عطف خاص على عام ، فالعمل جزء من الإيمان ، إذ جنس التصديق يعم الباطن بعلمه والظاهر بقوله وعمله ، فالعمل الإسلامي لازم العلم الإيماني ، من وجه ، والعمل ، من وجه آخر ، يدخل في حد الإيمان كما يدخل في حد الإسلام ، إذ اللفظان يتفقان في الدلالة إذا افترقا في السياق ، فيدل كل منهما على نفسه أصالة وعلى الآخر نيابة .

وذلك لفظ تكرر في التنزيل ، أيضا ، حال النص على خبر وعد ، كما في هذا الموضع ، أو تحذير ذيل بالأمر ، كما في قول الرب جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) ، ولا ينفك الخبر عن إنشاء فهو لازمه في العقل الذي يدرك بداهة من خبر الوعد أمرا ، ويدرك في المقابل من خبر الوعيد نهيا ، ويدرك من منطوق كُلٍّ مفهوما يضاده في الحكم إذ يضاده في الوصف ، فالحكم ، كما تقدم ، مرارا ، يدور مع علته وجودا وعدما ، والإطناب ، من وجه آخر ، يحسن في مواضع الوعد فذلك آكد في تقرير المعنى ، فقدم السياق بالوعد ، وهو مادة كلية ، تنقسم في الخارج ، فمنه الوعد الصادق ، وهو وعد الإله الشارع ، تبارك وتعالى ، فـ : (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) ، ومنه الوعد الكاذب ، فـ : (قَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) ، فثم وعدان قد اقترنا في الذكر وإن اختلفا بل وتضادا في الوصف ، فذلك جار مجرى المقابلة ، أو طباق الإيجاب بين الوفاء والإخلاف ، ولا يخلو من دلالة جناس بين الوعدين ، فذلك حد اللفظ ، وهما ، كما تقدم ، مختلفان بل ومتضادان ، فذلك حد المعنى ، فشتان الوعد الصادق والوعد الكاذب ، ومنه الوعد بالخير ، كما في هذا الموضع ، ومنه في المقابل الوعد بالشر ، سواء أكان من الخالق ، جل وعلا ، فـ : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) ، فبه يستوفى شطرا القسمة العقلية في هذا الباب ، فوعد بالخير فضلا ، ووعد بالشر عدلا ، وهو وعد يستغرق الكافر الأصلي والمنافق والمرتد ، فذلك وعد مؤبد ، ويستغرق ، من وجه آخر ، الفاسق الْمِلْيَّ ، فذلك وعد مؤقت ، فثم مقابلة بين أجناس الموعودين : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ، و : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ) ، وأجناس الجزاء بالثواب أو العقاب : (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، و : (نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) ، وثم من ، من وجه آخر ، مقابلة في الحال وفي الفعل ، فـ : (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، وفي مقابله : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، فعقد الولاء ، في الموضع الأول ، قد أجمل فهو عقد باطن ، ثم ذيل بِبَيَانِهِ من العمل الظاهر ، فـ : (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، فحصلت المقابلة في عقد الولاية ، وفي لازمه من الأمر والنهي ، من الفعل والترك ، فدلالة الأمر دلالة فعلية وجودية أن افعل ، ودلالة النهي ، في المقابل ، دلالة تركية عدمية أن اترك ، فلا بد أن يتأول الظاهر العقد الباطن ولا ينفك يؤمن بعقد ويكفر بضده ، ويحسن شيئا ويقبح ضده ، فله حركة تصور ، وله حركة إرادة ، فلازم ذلك في الخارج أن يفعل ويترك ، فيفعل الحسن ويترك القبيح ، وذلك أمر يتفاوت فيه البشر تبعا لتفاوتهم في معياره فَثَمَّ من يأرز إلى الوحي المحكم فهو مستمده في العقد والشرع ، في الحسن والقبح ، وهو ، مع ذلك لا ينقض قياس العقل الصريح فلا يتصور أن ينقض الوحي الصحيح قياس العقل الصريح ، فهما من رب واحد ، فالوحي كلامه ، والعقل خلقه ، فأنزل كلامه على محل خلقه لِيَبْتَلِيَهُ أيؤمن أم يكفر ، فتظهر آثار جماله إذ هدى المؤمن في الأولى إلى طيب القول والعمل ، وهداه في الآخرة إلى الجنة ، فـ : (يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) ، فالجزاء في الآخرة فرع على العمل في الأولى ، إذ الحكم ، كما تقدم مرارا ، يدور مع علته وجودا وعدما ، فذلك فضله ، تبارك وتعالى ، يؤتيه من يشاء بقدرته ، ويضعه في المحل القابل بحكمته ، وتظهر في المقابل آثار جلاله إذ أضل الكافر في الأولى : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) ، فذلك يكافئ حال المؤمنين ، فـ : (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) ، فثم مقابلة في الحكم ، إذ ثم مقابلة في الوصف الذي أَنْتَجَ الحكم ، فـ : (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) ، فاتبع الأولون الباطل فأضل الرب ، جل وعلا ، أعمالهم ، وذلك مقتضى جلاله إذ أضل الكافر ، ومقتضى حكمته إذ وضع الضلال في المحل القابل لآثاره ، كما وضع الهدى في المحل القابل لآثاره ، فالقياس ، كما تقدم مرارا ، يطرد وينعكس ، فقد هدى في المقابل المؤمن وأصلح باله ، فقدم الحكم على الضدين ، ثم ذيل بعلة كل منهما ، على جهة اللف والنشر المرتب ، فقابل بين : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) ، فهو أول في ترتيب الأحكام ، و : (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ) ، فهو أول في ترتيب العلل ، ثم قابل بين : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) ، فهو ثان في الأحكام ، و : (أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) ، فهو ثان في العلل ، فاطرد القياس وانعكس ، واستغرق ، من وجه آخر ، مواضع الفضل بالإيمان واتباع الحق في الأولى والنجاة بدخول الجنان في الآخرة ، ومواضع العدل بالكفران واتباع الباطل في الأولى والهلكة بولوج النيران في الآخرة ، فالأول أثر الجلال ، والثاني أثر الجمال ، وبهما يثبت الكمال في حق ربنا الرحمن ، تبارك وتعالى ، وقد قدم في صدر سورة القتال ، سورة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقدم ، من وجه آخر ، وصف الجلال ترهيبا ليخلي المحل من وارد النجس والكفران ، ثم ثنى بوصف الجمال ليحلي المحل بعد أن نفى خبثه ، ليحليه بوارد الطهر والإيمان ، فيشبه ذلك ، من وجه ، اشتراط الكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله ، جل وعلا ، فـ : (مَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) ، ويشبه ، أيضا ، تقدم النفي في الشهادة قبل الإثبات ، فـ : "لا إله" : تنفي وصف المعبود بحق عن كل من سوى الرب ، جل وعلا ، و : "إلا الله" : تثبت هذا الوصف الشريف له ، جل وعلا ، على جهة الانفراد ، فلا ند له في عبوديته إذ لا مثل له في ذاته واسمه ووصفه وفعله وحكمه .

فهدى المؤمن في الآخرة إلى صراط العزيز الحميد ، فـ : (هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) ، فوصف الحميد مئنة من الجمال وهو ما يحسن في سياق الثواب ففيه معنى الرحمة وفيه معنى الفضل والمنة من رب العزة ، تبارك وتعالى ، وهدى الكافر ، في المقابل ، إلى صراط الجحيم ، فـ : (اهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) ، فالجزاء في الآخرة ، كما تقدم ، فرع على العمل في الأولى ، فذلك حكم يطرد في الخير وفي الشر معا ، وهو مئنة من الحكمة الربانية البالغة في وضع الحكم في المحل الملائم له .

فـ : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ : فذلك إجمال في الوعد يزيد المخاطَب تلهفا إلى بيانه فذلك آكد في تقرير المعنى ، وهو ، من وجه آخر ، ما يحثه على التزام الأمر في سياق الوعد ، ويحضه في المقابل على التزام النهي في سياق الوعيد ، فَأَجْمَلَ ثم بَيَّنَ :
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا : فنكرت الجنات تعظيما ، وأطنب في وصفها فذلك آكد في تقرير المنة ، وهو ما يحسن ، كما تقدم ، في سياق الترغيب ، كما يحسن في المقابل في سياق الترهيب : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ) ، فَوَصْفُ أهلها : (خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) ، وهي ، من وجه آخر ، تجري مجرى العموم ، فهي جنان كثيرة ، خص منها بالذكر بعد العموم : مَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ : فخص عدن كما خص الفردوس في مواضع فكلها أفراد تندرج في الجنس العام ، وعليه حملت بعض نصوص الوعيد على معاص حرمت الجنة على أصحابها ، فمن وجوه تخريج ذلك أن ثم جنانا بعينها لا يدخلها إلا من سلم من هذه المعصية ، فلا يدخلها من تَلَبَّسَ بها وإن دخل الجنان بعد تطهيره بالنيران أو عفو ربنا الرحمن ، تبارك وتعالى ، عنه ابتداء ، وذلك جار على ما تقدم من الإطناب في سياق الوعد فذلك آكد في بيانه وتقريره وحث المخاطب على التزام موجبه من الإيمان الذي صدرت الآية بوصفه فهو العلة ، إذ اشتق منها الاسم الذي أنيط به الوعد ، "المؤمنين" وإناطة الحكم بمشتق يؤذن ، كما يقول أهل الأصول ، بِعِلِّية ما منه قد اشتق ، فتكون علة الوعد هي الإيمان ، وتكون علة الوعيد ، في المقابل ، هي الكفران والنفاق ، فـ : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ) ، ويكون ذلك ، من التوطئة بالعلة تشويقا للحكم ، فذلك آكد في رسوخه سواء أكان ذلك في سياق ترغيب بثواب أم في سياق ترهيب بعقاب ، ومن ثم أطنب بذكر أرفع أجناس النعيم ، فـ : رِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ : فتلك هي رؤيته ، جل وعلا ، إذ هي أشرف أجناس النعيم لمن تدبر ونظر ، فلم تغلظ نفسه ويتبلد حسه فهو يقف على عتبات المحسوس لا يفارقها فلا يعرف من النعيم إلا من غلظ من مأكل ومشرب ومنكح ، وتلك لذات الحس الدنيا ، وهي ، مع ذلك ، كائنة في الجنة حقيقة لا خيالا ، كما يزعم من زعم من الفلاسفة أو النصارى .... إلخ ممن قصروا اللذات على لذات الروح ، فلذات الجنان : لذات حس دنيا ، وهي ، مع ذلك ، قد خلصت من الأكدار فليست كلذات الدنيا فالأكدار والأغيار تنغصها ، فوصف اللذات المحسوسة في الجنة لا نقص فيها وإنما توصف بالدنيا في مقابل اللذة العليا : اللذة العلمية الكاملة برؤية الرب ، جل وعلا ، فتنكيرها جار مجرى التصغير لا لصغرها في نفسها فهي أعظم نعمة ، كما تقدم ، وإنما لعظمها فأصغر قدر يُنَالُ منها أكبر من كل ما تقدم ذكره من الجنان العامة والخاصة ، فـ : ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، فأشير إليه بإشارة البعيد مئنة من التعظيم ، مع انقضاء ذكره قريبا ، وهو ، من وجه آخر ، جار على معهود لسان العرب إذ يشيرون إلى ما انقضى قريبا بإشارة البعيد ، وزِيدَ في الدلالة بالقصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر إضافي يزيد المعنى توكيدا ، فضلا عن التوكيد بضمير الفصل واسمية الجملة فهي مئنة من الثبات والرسوخ .

والله أعلى وأعلم .

زهرة متفائلة
18-02-2015, 09:52 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

جزاكم الله خيرا ، ونفع الله بعلمكم .

نسأل الله الجنة!