المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مسألة التأسيس والتكرار .....؟



أم خليل
02-12-2012, 09:34 PM
السلام عليكم و رحمة الله

سُئِلْتُ هذا السؤال :

"أهل العلم يقولون أنّ الأصل في الكلام هو التأسيس وليس التكرار, لتحصيل معاني جديدة في الكلام.
فهلا وضحتم لنا مسألة التأسيس في الكلام والتكرار, وهل يمكن أن تكون الكلمة مختلفة في المبنى تعطي معنى كلمة أخرى دون زيادة في المعنى عن الأصل أرجو الإفادة ."


فهلا تكرم الأفاضل بإجابة كافية شافية مجلّية

و شكرا مقدما..

مهاجر
03-12-2012, 08:06 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

وشكرا لكم .

ضرب بعض أهل العلم له مثالا بنحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" ، فَلَوْ حمل الكلام على التوكيد لكانت الرسالة مرادفة للنبوة من كل وجه ، فيكون ذكرها بعدها من باب عطف الشيء على نفسه فلا يفيد معنى جديدا بل ذلك يجري مجرى التوكيد بتكرار اللفظ نفسه ، وذلك إنما يصح على قول من أثبت الترادف في اللسان ، فيكون معنى النبوة هو معنى الرسالة مع الاختلاف في المبنى ، وذلك ، بداهة ، إهدار لدلالات اللسان ، إذ مادة الرسالة المعجمية تغاير بداهة مادة النبوة ، فالاختلاف في المادة اللفظية لا بد أن يظهر أثره في الدلالة المعنوية ، ولو جزئيا ، فيثبت الترادف من وجه ، ويثبت التباين ، من وجه آخر ، فيكون ثم ترادف جزئي في الدلالة على قدر مشترك ، فالنبوة والرسالة كلاهما يدل على معنى الوحي ، فهو مادة كلية تنقسم في الخارج فمنه الوحي الرحماني ، ومنه الوحي الشيطاني ، والوحي الرحماني منه وحي البلاغ ومنه وحي الإلهام ، ووحي البلاغ هو محل الشاهد فهو جنس لما تحته فمنه وحي النبوة ، ومنه وحي الرسالة ، فبينهما عموم وخصوص مطلق ، إذ دائرة الرسالة من جهة المعنى أوسع ، فَتَسْتَغْرِقُ النبوة وتزيد عليها فكل رسول نبي ولا عكس ، إذ كلاهما يوحى إليه ، وكلاهما يؤمر بالبلاغ على الراجح من أقوال المحققين ، فاستويا في هذين القيدين فزادت الرسالة قيد التبليغ لشرع جديد ينسخ الشرع المتقدم كليا ، كما نسخت الرسالة الخاتمة ما تقدمها ، أو جزئيا كما نسخت رسالة النصرانية بعض أحكام اليهودية ، خلافا للنبوة فهي تجدد ما اندثر من آثار رسالة تقدمتها فلا تأتي بشرع جديد ، وإنما تبلغ الشرع المتقدم على جهة التذكير بما خفي من آثار الوحي ، فتحصل أن ثم مغايرة ، ولو جزئية ، فليس ثم ترادف كلي من جميع الوجوه بل لا بد أن يستقل اللفظ بمعنى يخصه لا يشركه فيه غيره ، فحده في اللفظ المسموع لا بد أن يحدث في المعنى المعقول علامة بعينها لا مثيل لها ، وإن كان ثم شبيه ، تماما كالأجنة فمهما تماثل التوأمان فلا بد من اختلاف ولو في الجينات والبصمات ، فكذلك الكلمات فهي كالشفرات الوراثية لا يمكن أن تتطابق وإن بين توأمين متماثلين ، فالنبوة أضيق من جهة المعنى ، وأوسع من جهة الأفراد في الخارج ، إذ كل رسول نبي ولا عكس فعدد الأنبياء أكثر من عدد الرسل ، والرسالة في المقابل أوسع من جهة المعنى وأضيق من جهة الأفراد إذ ليس كل نبي رسولا فعدد الرسل أقل من عدد الأنبياء ، فَثَمَّ اختلاف بينهما في الحد اللساني فمادة النبوة غير مادة الرسالة ، واختلاف في المعنى ، وإن كان ثم اشتراك في الأصل وهو الوحي والبلاغ ، كما تقدم ، ومثله ألفاظ من قبيل : السكب والصب ، فكلاهما مئنة من إراقة السائل ، وذلك قدر مشترك ، ولكن الصب يزيد معنى يدل عليه جرس الحروف فهو مئنة من الشدة ، وأما السكب فهو أضعف وأرق فجرس حروفه أضعف وأخفت ، فاشتركا في الأصل واختلفا في القدر الزائد ، وهكذا في كل الألفاظ التي ظاهرها الترادف فلا بد من قدر فارق ، وقد ينوب أحد اللفظين عن الآخر حال الافتراق كما في الإيمان والإسلام ، فكلاهما ينوب عن الآخر إذا أفرد بالذكر ، ومع ذلك لا ينفكان يختلفان فمادة الإيمان تباين مادة الإسلام في مبناها فلزم أن يكون ثم قدر فارق في الدلالة اللسانية وفي الدلالة الاصطلاحية الشرعية ، ودليل اختلافهما افتراقهما حال الاقتران ، فيختص الإسلام بأعمال الظاهر ويختص الإيمان بأعمال الباطن ، ويقال فيهما ، أيضا ، ما قيل في النبوة والرسالة ، فالإيمان أوسع في الدلالة فهو يَسْتَغْرِقُ الإسلام ويزيد عليه ، وأقل في الأفراد فليس كل مسلم مؤمنا ، ولا عكس ، فعدد المسلمين أكثر ، فحصل الترادف من وجه ، والتباين من وجه آخر .
فصار عطف معنى الرسالة على معنى النبوة في دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحتمل :

التوكيد لو قلنا بالترادف الكامل فلا زيادة في المعنى بإيراد الرسالة بعد النبوة .

والتأسيس فَثَمَّ تدرج في المعنى ، فذكر وصف النبوة الأخص ثم زاد عليه وصف الرسالة الأعم ، فثم زيادة جديدة حصلت بذكر الرسالة فيكون ذلك من قبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى .

ولذلك قال أهل العلم بأن التأسيس يثري السياق بإثبات معنى جديد خلافا للتوكيد فلا معنى جديد يثبت ، فيقدم التأسيس على التوكيد من هذا الوجه .

والله أعلى وأعلم .

رابط قد يفيد في هذا الموضع :
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=72184

هدى عبد العزيز
02-11-2015, 08:10 PM
بارك الله لك فيما قدمت أخي الكريم مهاجر
والسؤال ينم على ذكاء أختنا أم خليل .

أم خليل
27-11-2015, 10:30 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

وشكرا لكم .

ضرب بعض أهل العلم له مثالا بنحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" ، فَلَوْ حمل الكلام على التوكيد لكانت الرسالة مرادفة للنبوة من كل وجه ، فيكون ذكرها بعدها من باب عطف الشيء على نفسه فلا يفيد معنى جديدا بل ذلك يجري مجرى التوكيد بتكرار اللفظ نفسه ، وذلك إنما يصح على قول من أثبت الترادف في اللسان ، فيكون معنى النبوة هو معنى الرسالة مع الاختلاف في المبنى ، وذلك ، بداهة ، إهدار لدلالات اللسان ، إذ مادة الرسالة المعجمية تغاير بداهة مادة النبوة ، فالاختلاف في المادة اللفظية لا بد أن يظهر أثره في الدلالة المعنوية ، ولو جزئيا ، فيثبت الترادف من وجه ، ويثبت التباين ، من وجه آخر ، فيكون ثم ترادف جزئي في الدلالة على قدر مشترك ، فالنبوة والرسالة كلاهما يدل على معنى الوحي ، فهو مادة كلية تنقسم في الخارج فمنه الوحي الرحماني ، ومنه الوحي الشيطاني ، والوحي الرحماني منه وحي البلاغ ومنه وحي الإلهام ، ووحي البلاغ هو محل الشاهد فهو جنس لما تحته فمنه وحي النبوة ، ومنه وحي الرسالة ، فبينهما عموم وخصوص مطلق ، إذ دائرة الرسالة من جهة المعنى أوسع ، فَتَسْتَغْرِقُ النبوة وتزيد عليها فكل رسول نبي ولا عكس ، إذ كلاهما يوحى إليه ، وكلاهما يؤمر بالبلاغ على الراجح من أقوال المحققين ، فاستويا في هذين القيدين فزادت الرسالة قيد التبليغ لشرع جديد ينسخ الشرع المتقدم كليا ، كما نسخت الرسالة الخاتمة ما تقدمها ، أو جزئيا كما نسخت رسالة النصرانية بعض أحكام اليهودية ، خلافا للنبوة فهي تجدد ما اندثر من آثار رسالة تقدمتها فلا تأتي بشرع جديد ، وإنما تبلغ الشرع المتقدم على جهة التذكير بما خفي من آثار الوحي ، فتحصل أن ثم مغايرة ، ولو جزئية ، فليس ثم ترادف كلي من جميع الوجوه بل لا بد أن يستقل اللفظ بمعنى يخصه لا يشركه فيه غيره ، فحده في اللفظ المسموع لا بد أن يحدث في المعنى المعقول علامة بعينها لا مثيل لها ، وإن كان ثم شبيه ، تماما كالأجنة فمهما تماثل التوأمان فلا بد من اختلاف ولو في الجينات والبصمات ، فكذلك الكلمات فهي كالشفرات الوراثية لا يمكن أن تتطابق وإن بين توأمين متماثلين ، فالنبوة أضيق من جهة المعنى ، وأوسع من جهة الأفراد في الخارج ، إذ كل رسول نبي ولا عكس فعدد الأنبياء أكثر من عدد الرسل ، والرسالة في المقابل أوسع من جهة المعنى وأضيق من جهة الأفراد إذ ليس كل نبي رسولا فعدد الرسل أقل من عدد الأنبياء ، فَثَمَّ اختلاف بينهما في الحد اللساني فمادة النبوة غير مادة الرسالة ، واختلاف في المعنى ، وإن كان ثم اشتراك في الأصل وهو الوحي والبلاغ ، كما تقدم ، ومثله ألفاظ من قبيل : السكب والصب ، فكلاهما مئنة من إراقة السائل ، وذلك قدر مشترك ، ولكن الصب يزيد معنى يدل عليه جرس الحروف فهو مئنة من الشدة ، وأما السكب فهو أضعف وأرق فجرس حروفه أضعف وأخفت ، فاشتركا في الأصل واختلفا في القدر الزائد ، وهكذا في كل الألفاظ التي ظاهرها الترادف فلا بد من قدر فارق ، وقد ينوب أحد اللفظين عن الآخر حال الافتراق كما في الإيمان والإسلام ، فكلاهما ينوب عن الآخر إذا أفرد بالذكر ، ومع ذلك لا ينفكان يختلفان فمادة الإيمان تباين مادة الإسلام في مبناها فلزم أن يكون ثم قدر فارق في الدلالة اللسانية وفي الدلالة الاصطلاحية الشرعية ، ودليل اختلافهما افتراقهما حال الاقتران ، فيختص الإسلام بأعمال الظاهر ويختص الإيمان بأعمال الباطن ، ويقال فيهما ، أيضا ، ما قيل في النبوة والرسالة ، فالإيمان أوسع في الدلالة فهو يَسْتَغْرِقُ الإسلام ويزيد عليه ، وأقل في الأفراد فليس كل مسلم مؤمنا ، ولا عكس ، فعدد المسلمين أكثر ، فحصل الترادف من وجه ، والتباين من وجه آخر .
فصار عطف معنى الرسالة على معنى النبوة في دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحتمل :

التوكيد لو قلنا بالترادف الكامل فلا زيادة في المعنى بإيراد الرسالة بعد النبوة .

والتأسيس فَثَمَّ تدرج في المعنى ، فذكر وصف النبوة الأخص ثم زاد عليه وصف الرسالة الأعم ، فثم زيادة جديدة حصلت بذكر الرسالة فيكون ذلك من قبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى .

ولذلك قال أهل العلم بأن التأسيس يثري السياق بإثبات معنى جديد خلافا للتوكيد فلا معنى جديد يثبت ، فيقدم التأسيس على التوكيد من هذا الوجه .

والله أعلى وأعلم .

رابط قد يفيد في هذا الموضع :
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=72184

جزاكم الله خيرا أ.مهاجر على ما أفدتم به
وشكرا جزيلا لكم
وعفوا إذ جاء الشكر متأخرا جدا..!

أم خليل
27-11-2015, 10:35 PM
بارك الله لك فيما قدمت أخي الكريم مهاجر
والسؤال ينم على ذكاء أختنا أم خليل .

لا والله يا كريمة,فلست بصاحبة السؤال ولا بصائغته^^
شكرا لحسن ظنك وشكرا أخرى لحضورك الذي كان له فضل تذكيري بشكر أستاذنا الكريم بعد سنين خلت