المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مشطور المديد/مجزوء الرمل



د.عمر خلوف
03-12-2012, 12:48 AM
مشطور المديد/مجزوء الرمل


ينظر بعض العروضيين إلى ما جاءَ من الشعر على وزن:

فاعلاتن فاعلن=فاعلاتن فاعلن
على أنه من (مشطور المديد)، اعتماداً منهم على أن أصل المديد في الدائرة العروضية هو:

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن = فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن
وهو ما يسمونه: (المديد الوافي). ويمثلون له بالمقطوعة الحماسية الشهيرة:

طافَ يبغي نَجْوةً=منْ هَلاكٍ فهَلَكْ
ليتَ شِعري ضِلّةً=أيُّ شيءٍ قتَلَكْ
أمَريضٌ لم تُعَدْ=أمْ عدوٌّ خَتَلَكْ
كلُّ شيءٍ قاتلٌ=حينَ تلقَى أجَلَكْ
والمنايا رُصَّدٌ=للفتى حيثُ سلَكْ
بينما ينسبها آخرون إلى: (مجزوء الرمل).
ومَردُّ خلافهم يعودُ إلى قلّةِ المكتوبِ عليه، وعدم ذكر الخليل له في عروضه.
ومعلومٌ أن (وافي المديد) ليسَ له في واقع الشعر أدنى نصيب، وإنما انبثقَ هذا الشكل عن الدائرة التي جمعته -خَطَلاً- ببحرين هما من أكثر البحور دوراناً في الشعر العربي، أعني: الطويلَ والبسيط.
أما (المديد الشعري)، كما استعملته الذائقة الشعرية العربية، فلا يرِدُ إلا مسدّساً على:

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن=فاعلاتن فاعلن فاعلاتن
وعلى الرغم من كونه مجزوءاً من سابقه، إلاّ أننا لا نجد له علاقة به البتة.
فالمديد الشعري نسقٌ مستخدمٌ في الشعر العربي، والمديد الدوائري نسق لم تقبله الذائقة الشعرية قط. فليسَ له واقعٌ في عالم الشعر، لأنّ سِياقه الحركي هو مما أهملته الذائقة العربية.. فقولنا:
(فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن) متّصلاً إنما يُساوي:
(فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن) وهو عكس سياق البحر البسيط، ويخرج من دائرته العروضية، بحراً لم يُكتب عليه شعر قط.
وتُظهر النظرة المُدقّقة في سياق المديد الشعري أنه يُساوي:
فاعلاتن فاعلاتن فعولن
وهذا التركيب يُظهر لنا الفرقَ بينه وبين بحر الرمل:
فاعلاتن فاعلاتن فاعلن
حيث يتنامى الوزنان معاً، بدءاً بنقطتي البداية، ويسيران معاً في تطابقٍ واضح حتى نهاية التفعيلتين الأوليين..
وفي الوقت الذي يَعْبُر فيه إيقاع الرمل إلى التفعيلة الثالثة (فاعلن)، بانسياب وسلاسة واضحين، لأن (فاعلن) تسير على نسق أختيها السابقتين لها، يُفاجِئُكَ المديد بالوتد الثابت في صدر (فعولن)، لتشعر هنا باختلافٍ صارخٍ بين الإيقاعين، يُمايزُ بينهما، فيذهبَ كل إيقاعٍ منهما في طريقٍ مختلف.
إن هذا الحاجز/الوتد الذي يعترض طريق الحركة الانسيابية هو ما يُميّز المديد، ولا يكتمل إيقاع البحر إلا بوجود هذا الوتد في هذا المكان من النسق.
فإذا أراد أحد الشعراء أن يقتلع هذا الوتد، فقَدَ الإيقاع ما يُميّزه عن الرمَل. ولهذا السبب بالذات لم يكن للمديد الشعري أي شكل مجزوء، لأنّ الجَزْءَ فيه يعني إسقاط هذا الوتد المُميِّز، ليدخل ما تبقّى منه حظيرة مجزوء الرمل كما هو واضح.
أما الرملُ فقابِلٌ للجَزْءِ عند أي مقطع منه، لأن سقوط الوتد الأخير من (فاعلن)، أو سقوط التفعيلة بمقطعيها، بل وسقوط مقطع ثالث قبلها لا يُغير في مسار النسق الذي يسير عليه الإيقاع أصلاً.
فإذا ما عدنا إلى مثالنا: (فاعلاتن فاعلا) أيقنّا أنه على نسق الرمَل وسِياقه بلا ريب، ولا يمتُّ إلى المديد بصلةٍ، ولا إلى مشطوره بقرابة. ويكون كل ما كُتب على هذا الوزن إنما هو من مجزوءات الرمل ومقَصّراته لا غير.
وكان الزجّاج قد ذهبَ إلى كون هذا الوزن من مجزوء الرمل؛ محذوف العروض والضرب كما قال. وحكى الدماميني عن بعضهم أنّ هذا هو قياسُ مذهب الخليل، والحَمْلُ عليه أولى من الحَمل على وافي المديد، لأنّ حمله على المديد يلزم عليه شذوذان، أولهما: مجيءُ المديد تاماً، وثانيهما: التزام التصريع في القصيدة.
ونقول: لو كان (وافي المديد) مستعملاً لَما امتنع عندنا شَطْرُه والتزامُ التصريع فيه، إلاّ أنه بسياقه المتّصل ليسَ مستعملاً أصلاً كما قلنا.
وأما قَولُ بعضِ العروضيين: " إن المديدَ لا يأتي مشطوراً"، فإنْ قصَدَ (الوافي) متّصلاً فقد بيّنا امتناع الكتابة عليه أصلاً. وإنْ قصَدَ الشاهدَ المكتوبَ على شطرين فهذا ليس بمشطور، ولكنه من مجزوءات الرمَل. وإنْ قصَدَ المديدَ الشعريّ ذاته بناءً على ما قعّده العروض الخليلي، فلا يمتنع الشّطْرُ عندنا فيه، ولا في غيره من البحور، وقد جاء.
يقول ابن الصباغ في إحدى موشحاته( ):

لكُمُ أضحى رجائي يُشيرُ
بكمُ الجَبْرُ وقلبي كسيرُ
جَبْرُ مثلي في عُلاكمْ يسيرُ

أنتَ مَعْنايَ وقَصْدُ رجائي
قد ألِفْتُ فيكَ طولَ بكائي
وجَوى قلبي وفرطَ عَنائي

سليمان أبو ستة
03-12-2012, 09:01 PM
ماذا لو نظر أستاذي د. عمر خلوف إلى البحور كافة مع الأعاريض والضروب التي تنسب إليها على أنها أنساق إيقاعية تأتي في البيت مفردة أو متكررة أو محذوفا من جزئها الواقع في الضرب، أو مضافا إليه بقدر معلوم .. عندئذ أضمن له أن لا يواجه اعتراضا على نسبة أي بحر إلى غير ما يجب أن ينسب إليه.
فنسق المديد الذي يجري على: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن ، هو غير نسق المديد الذي يجري على فاعلاتن فاعلن. فالثاني يمكنك أن تضاعفه لتصنع منه بحرا قد يستعمل أو لا يستعمل ، وأما الأول فلا يمكنك مضاعفته في الشطر لطوله البائن.
من هنا يمكن لي الاطمئنان إلى أن النسق:
فاعلاتن فاعلن * فاعلاتن فاعلن
لا يخرج عن كونه شكلا من أشكال المديد المفرد.
ومع أن مجزوء الرمل يمكن يأتي ضربه على فاعلن ، فإن ذلك لا يجب أن يؤدي إلى الخلط ببحر المديد الذي تختص فيه (فاعلن) بالعروض دون الضرب، أي أنه يجوز في تقديري أن يرد بحر المديد المفرد على النحو التالي:
فاعلاتن فاعلن * فاعلاتن فاعلاتن
ويسمى حينئذ المديد المفرد المرفل. وما على أخي خلوف إلا أن يفتش لنا على شاهد لذلك المديد المرفل لعلنا نستدرك به على الخليل.

د.عمر خلوف
15-12-2012, 06:49 PM
نظرتي لقوالب البحور هي نظرتك يا أستاذ سليمان
فكل قالب من قوالب أي بحر هو بمثابة البحر المستقل لا يمكن لشاعر أن يخلط بينه وبين أخيه مهما كان الفارق ضئيلاً
لكنني أنظر أيضاً إلى ما يتميّز به كل بحر من بحور الشعر العربي، وإلى ما يُميّزه عن نظائره، لأجد المسوّغ التصنيفيّ لكل نسق من هذه الأنساق أو القوالب..
ونظراً إلى أن ما يُميّز بحر المديد عندي عن بحر الرمل هو الوتد الأخير في نسقه، والذي يُفقِد المديدَ بفقدانه وحذفه ما يُميزه، فليس للمديد عندي أي نوع من أنواع المقصرات أو المجزوءات.
ومثله عندي كمثل البحر السريع والرجز.
ولذلك فالنسق: (فاعلاتن فاعلن) لا يصح عندي أن يُنسب إلا إلى الرمل، وهي نسبة من باب التصنيف المنطقي، كما قلت، وإلاّ فهي صورة مستقلة بذاتها كما تريد.
أما عن شاهد المديد الذي طلبت، فعندي للمذيل منه شواهد، وبإطلاق القافية يصير مرفّلاً كما لا يَخفى
ولكنني بعيد الآن عن مكتبتي

سليمان أبو ستة
16-12-2012, 03:02 AM
ليت أخي أبا عاصم يقترب قليلا منها ليمد يده الكريمة ويناولنا بعضا من ثمارها المشتملة على هذا المذيل.

خشان خشان
16-12-2012, 11:00 AM
‏ تحية لأخوي وأستاذي الكريمين ‏
رأيت أن يكون لي شرف مشاركتكما . ‏
أرجو معذرة ركاكة الكلام، فالوزن بغيتي ‏
الأبيات ذاتية الشرح كما تريان حفظكما الله.‏



طافَ يبغي نَجْوةً ....... منْ هَلاكٍ واصل
ليتَ شِعري ضِلّةً ....... أيُّ شيءٍ قاتلِ
أمَريضٌ لم تُعَدْ ....... من عدوٍّ خاتل‎

طافَ يبغي نَجْوةً تنفعٌ ....... من هَلاكٍ واصلٍ يسطع
ليتَ شِعري ضِلّةً يا أخي ....... أيُّ شيءٍ قاتلِ يخدع
أمَريضٌ لم تُعَدْ خائفٌ ....... من عدوٍّ خاتل يصفع‎

طافَ يبغي نَجْوةً لم تنفعِ ....... منْ هَلاكٍ واصل ذي أربعِ
ليتَ شِعري ضِلّةً عند المسا ....... أيُّ شيءٍ قاتل كالمدفعِ
أمَريضٌ لم تُعَدْ ويحي أنا ....... من عدوٍّ خاتل في البلقع ‏‎

د.عمر خلوف
18-12-2012, 12:28 AM
فاعلاتن فاعلن ** فاعلاتن فاعلاتن

قالب افتراضي كذلك نمثلُ له بقول د.خفاجي بعد إطلاق الروي:

أنا فنّانٌ ولِي ** في رُبا الشعْرِ فنونُ
تسجُدُ الألبابُ لِي ** وتُناجيني العيونُ
أنفُثُ القولَ وبِي ** منهُ وجْدٌ وشجونُ
أُبدِعُ القولَ ولِي ** فيه جِدٌّ ومُجونُ


فاعلاتن فاعلن ** فاعلاتن فاعلانْ

قالبٌ افتراضي كذلك، ذكره ابن الفرخان، وأنشد له من شعره:

لا تلُمْني في التَّصابْ ** إنّ قلبي اليومَ غابْ
غابَ قلبي فأنا الـ ** ـدَهْرَ من ذاكَ مُصابْ
فارَقُوني ومَضَوا ** فأنا اليومَ لِمَابْ ۧ
وأتانِيْ بَعْدُ في ** جُملةِ الكُتْبِ كتابْ
صرتَ تحيا بعدنا ** ما لِذا عندي جوابْ

وكنتُ قد وضعتُ له قولي:

ربِّ كحِّلْ بصَري ** بشعاعٍ من ضِياكْ
وافتحَنْ لي أذُني ** كي تَعي دوماً نِداكْ

وقد وجدتُ له فيما بعد عدداً من الشواهد.كما في قول ملك غرناطة:

أَنَا مَطْلَعُ السّعودْ ** أنَا قِبْلَةُ الوفودْ
فتأمّلْ مصنعي ** تَلْقَهُ روضاً يجودْ
والظّلالُ حولَهُ ** كَخَوافِقِ البنودْ
وأمامي وقَفَتْ ** ربَّةُ الثّغْرِ البَرودْ
كلّما تُبصِرُني ** تَترامى للسجودْ
خَجِلَتْ في مَشْيِها ** حينَ ريعَتْ بالأسودْ

وللجعفري:

حيِّها، قد أخجلَتْ ** في سَناها الفرقديْنْ
عادَ مَنْ نازَلَها الـ**ـحربَ في خُفَّيْ حُنَيْنْ
راحَ منها الشيخُ والـ**ـكهْلُ غيظاً واجِمَيْنْ
منْ فمِ الإبريقِ في الـ**كأسِ صيغتْ كاللجَيْنْ
وتجلّتْ لِذَويـ**ـها كضَوءِ القمَرَيْنْ
خِلتني وهْيَ بِثَغْـ**ـري أُناجي العُمَرَيْنْ

ولخالد الفرج:

ومتى هبَّ النسيمْ ** وتهادى كالسقيمْ
فاذهبي مسرِعةً ** نحو أدراجِ النعيمْ

وليوسف العظم:

نحنُ أحفادُ القلمْ ** نحنُ أبناءُ الرماحْ
وإذا الباغي ظلَمْ ** نحنُ عنوانُ الكفاحْ