المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ....)



مهاجر
24-12-2012, 07:03 AM
ومن قوله تعالى :
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ :
فلما جرد الخليل ، عليه السلام ، النية ، ومضى في هجرته ، والهجرة مظنة الانفراد ، فالسالك طريقها يسلك طريقا موحشة ، فسالكها قليل ، والأنس فيها لا يكون إلا برب العالمين ، جل وعلا ، فذلك ما يهون الخطب ، فجاء الجزاء من جنس العمل إذ آنسه الرب ، جل وعلا ، بهبة ربانية عظيمة ، فوهب له إسحاق ويعقوب ، فوهب الابن والحفيد ، وجمعت النبوة في ذريته ، فهو ابو الأنبياء ، عليهم السلام ، فما بعث نبي بعده إلا من نسله ، فتلك هبة عظيمة ، حسن منعها إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين ، فذلك آكد في تعظيم المنة فعظمها من عظم من امتن بها ، فـ : وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ : فاللام مئنة من الاختصاص ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المنة ، وثم إطناب في تقرير المنة ، فـ : جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ : فَذَلِكَ من الجعل الكوني النافذ ، وهو مما يرد في سياق الجلال تارة ، فـ : (لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) ، وفي سياق الجمال أخرى ، كما في هذا الموضع وكلاهما لا يكون إلا بقدرة نافذة وحكمة بالغة بها يجعل الشيء في موضعه ، فتجعل النقمة في المحل الفاسد ، وتجعل النعمة في المحل الصالح ، فجعلت في ذريته : النبوة والكتاب ، فـ : "أل" فيهما مئنة من العموم الذي يَسْتَغْرِق ، فجعلت النبوات في ذريته ، وجعلت الكتب فيها ، فكتاب التوراة الموسوي ، وكتاب الإنجيل العيسوي ، وكتاب القرآن المحمدي ، وزد عليها الزبور الداودي ، فمزاميره تسبيح بالعشي والإبكار ، بحمد ربنا ذي الجلال والإكرام ، تعالى اسمه وتقدست ذاته ، فـ : "أل" ، كما تقدم ، مئنة من العموم الجنسي الْمُسْتَغْرِق ، والعموم آكد في تقرير المنة إذ تخصيصها ، كما تقدم مرارا ، مما ينغصها ، وعطف الكتب على النبوات ، عطف مسبَّبٍ على سبب فلا يكون كتاب إلا بنبوة ، ولا عكس ، فدائرة النبوة أعم ، فثم عموم وخصوص مطلق من هذا الوجه ، فلكل كتاب نبوة جاءت به ، وليس لكل نبوة كتاب فمنها ما يأرز إلى كتاب تقدم ، كما كانت حال أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام فكانوا يأرزون إلى التوراة ، وإن نزلت بعدها كتب غيرها ، فكان الزبور ، كتاب تسبيح ، وكان الإنجيل كتاب جمال نسخ بعض شرائع الجلال التوراتية ، ومنها ما استقل بالتشريع ككتاب التوراة والكتاب الخاتم ، ولذلك حسن اقترانهما في مواضع ، كما في قوله تعالى : (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) ، فهما أصل التشريع ، فالتوراة : أصل التشريع المنسوخ ، والقرآن : أصل التشريع الناسخ فهو المهيمن على ما تقدمه من كتاب ، وهو ، من وجه آخر ، مما تتناسخ نصوصه وأحكامه ، فبعضها ينسخ بعضا ، فالقرآن ينسخ القرآن ، والسنة تنسخ السنة بالإجماع ، والقرآن المتواتر ينسخ سنة الآحاد على الراجح من أقوال أهل العلم خلافا للشافعي ، رحمه الله ، إذ قد يلزم من ذلك نسخ جملة من أحكام السنة المحكمة ، فلقائل أن يقول بنسخ تحريم بيوع عدة بعموم الحل والإباحة في قوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ، فـ : "أل" في "البيع" قد تحمل على العموم ، فينسخ عمومها خصوص البيوع المحرمة ، ولقائل أن يعترض ، فالخاص يقضي على العام فليس الباب باب نسخ وإنما هو عموم وخصوص ، فيقضي الخاص القطعي على العام الظني ، كما قرر أهل الدرس الأصولي ، وقد تحمل : "أل" على العموم الذي أريد به الخصوص ابتداء ، فدلالته دلالة العهد فهي تشير إلى معهود ذهني هو ما أحل من البيوع دون ما حرم ، والسنة ، من وجه آخر ، تنسخ القرآن على قول بعض المحققين ، فالآحاد قد ينسخ المتواتر ، إذ محل النسخ هو دلالة اللفظ على الحكم ، والدلالة قد تكون ظنية وإن كان اللفظ متواترا قطعيا ، وقد تكون ، في المقابل ، قطعية وإن كان اللفظ آحادا ظنيا ، فيقضي قطعي الدلالة على ظني الدلالة ، فذلك محل إجماع .

والشاهد أن الكتاب الخاتم هو المهيمن ، ففيه زبدة العقائد وخلاصة الأحكام ، فكلها قد أجمعت على التوحيد ، دعوة الخليل عليه السلام ، فالنبوات والكتب جميعا قد جعلت في ذريته فأتت بما يعضد الملة الإبراهيمية ، الملة الحنيفية ، فأوحى رب البرية ، جل وعلا ، إلى خاتم رسله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : (اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، فاتباعه في الأصل التوحيدي : حتم لازم ، ولا يلزم منه الاتباع في العقد التشريعي ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فاتبعه في العقد حنيفية سمحة تعدل عن الشرك وتنفي خبثه ، فحسن التذييل باللازم ، فلازم الحنف والميل إلى التوحيد الحنف والميل عن التشريك ، فـ : (مَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، ودلالة الكينونة الماضية في سياق النفي آكد في تقرير المعنى فضلا عن زيادة : "من" ، فهي آكد في تقرير النفي ، إذ تفيد التنصيص على العموم ، فدلالة السياق آكد في تقرير النفي من قولك في غير التَّنْزِيلِ : وما كان مشركا ، فذلك مما تَنَزَّهَ عنه الأنبياء عليهم السلام بداهة .

وزيد في الثناء بإيراد الجزاء في الأولى ، فـ : آتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ، والإيتاء آكد في تقرير المعنى من الإعطاء فهي هبة ربانية لا ترد ، وَزِيدَ في الثناء بإيراد الجزاء في الآخرة ، فـ : إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ، فَثَمَّ توكيد بالناسخ اللفظي ، فضلا عن دلالة اللام التي اتصلت بالظرف : "من الصالحين" متعلق الخبر المقدر بكينونة اسمية أو فعلية على خلاف في ذلك ، فتقدير الكلام : وإنه في الآخرة ليكون من الصالحين ، أو لكائن من الصالحين ، فكل أولئك مما يزيد المعنى بيانا وتقريرا ، فهو من الصالحين ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى من قولك في غير التَّنْزِيلِ : وإنه في الآخرة صالح ، أو لصالح ، فهو في زمرة الصالحين ، كما ذكر البغوي ، رحمه الله ، فمناط الحكم وهو معنى الصلاح الذي اشتق منه الوصف ، قد حصل فيه ، إذ هو الفرع ، فألحق بزمرتهم إذ هي الأصل ، فالفرع يأخذ حكم الأصل إذا سَاوَاهُ في العلة ، فذلك حد القياس الصحيح .

والله أعلى وأعلم .