المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ............)



مهاجر
25-01-2013, 08:57 AM
ومن قوله تعالى :
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ : فذلك تفريع على دعوة الخليل عليه السلام ، فلا تخلو الفاء من دلالة سببية ، فكان إيمان لوط عليه السلام ، فرعا على دعوة الخليل عليه السلام ، وما كان ذلك ليكون لولا أن قدر الرب ، جل وعلا ، له الإيمان ، فهيأ المحل لقبول وارد الوحي الصحيح ، وأمده بخبر الرسالة على لسان الخليل عليه السلام ، فآمن قبل أن ينبأ ، فيكون رسولا يوحي إليه ، أيضا ، فهو مؤمن قبل أن ينبأ ، وذلك وصف يطرد في حال جميع الأنبياء عليهم السلام ، فهم منزهون عن الكفر والشرك ، وإن جاز ذلك في حقهم عقلا ، باعتبار بشريتهم التي تحتمل الإيمان أو الكفر ابتداء ، فالمحل البشري يحتمل الوارد الإيماني إن أصلحه الله ، جل وعلا ، وهيأه لقبول آثار الرسالة فخلقه على أكمل وصف ، فالحكمة تقضي بإمداده بأسباب الهداية اصطفاء للأنبياء عليهم السلام فتلك رتبة لا تنال بكسب ، وفضلا يجريه ، تبارك وتعالى ، على من شاء من الصالحين ، فيخلق فيهم تصورا صحيحا يتولد منه لزوما حب للحق وميل إليه فيريده جزما ، فقد خلق فيه جل وعلا ، إرادة الخير فضلا ، فمحله يقبلها ، كما تقدم ، والحكمة تقضي بوضع الشيء في محله الذي يلائمه ، ولو شاء ، عز وجل ، لخلق فيه إرادة الشر عدلا ، فمحله على الضد يقبلها ، فالقياس يطرد وينعكس ، وذلك ، كما تقدم ، مقتضى الحكمة ، فيوضع كل شيء في المحل القابل له ، ويخلق تبعا لذلك انقيادا في الظاهر في القول والعمل فهو فرع على انقياد الباطن ، فالإيمان يقضي بانقياد الباطن العلمي الإرادي والظاهر القولي والعملي الاختياري ، ولا يخرج ذلك ، كما تقدم مرارا ، عن مشيئة الخالق ، تبارك وتعالى ، فالإيمان قد ضمن معنى الانقياد والاستسلام ، فصح ، من هذا الوجه ، والله أعلم ، تعديه باللام ، فقد انقاد لوط عليه السلام لدعوة الخليل عليه السلام واستسلم لخبر الرسالة وحكمها ، فذلك مقتضى الإيمان ، بل هو شرط صحة رئيس ، فينقاد القلب ويسلم بتصديق يشفع بالإقرار الجازم والإذعان التام ، فلا يكفي التصديق المحض في ثبوت دعوى الإيمان ، فهو يحصل بمعرفة محضة لا يلزم منها انقياد ، فالانقياد لا يكون إلا بالإقرار الجازم ، فذلك تصديق مخصوص ، فالتصديق المحض مبدأ الأمر ، فهو الأصل ، ولكنه لا يكفي في إثبات الدعوى الإيمانية حتى يشفع بلازمه من الإقرار الباطن والانقياد التام فذلك ، كما تقدم ، حد الإسلام فهو مئنة من الاستسلام ، والاستسلام لا يكون إلا بتوحيد الوجهة فلا يخضع المستسلم إلا لمن استسلم له ، إذ لو أشرك به غيره لبطلت دعوى التوحيد ، فهو يخضع لأكثر من سيد ، وذلك سبب رئيس في وقوع المشاكسة ، فـ : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك من قياس العقل الصريح إذ استنطق الخصم بالحجة فلا يستويان في الحكم إذ قد تباينا في الوصف فأحدهما قد سلم وخلص لسيده ، والآخر لم يسلم من شريك في الملك ، فله في العبد تصرف ، وذلك ما يكدر صفو الآخر فلا يَسْلَمُ له ملكه ، فقياس العقل الصريح أن تتباين الصورتان في الحكم إذ قد تباينتا في الوصف ، فالحكم فرع على الوصف فمعه يدور وجودا وعدما ، والقياس ، من وجه آخر ، يطرد وينعكس ، فَيَثْبُتُ في حال إذ ثم وصف مؤثر جالب للحكم قد ثبت ، ويثبت ضده في المقابل بثبوت الضد ، فيثبت حكم السلامة في المِلك ، بالكسر ، وذلك قدر يزيد على المَلك ، بالفتح ، فيملك السيد الرقبة ويملك التصرف فيها فيأمر وينهى فذلك مقتضى السيادة التامة الخالصة من الشريك والمنازع ، ولله المثل الأعلى ، فمِلكه أتم فيأمر وينهى على لسان رسله ، عليهم السلام ، فله السيادة مطلقا فكل سيادة لغيره فهي مقيدة بأمره ونهيه فلا طاعة في معصية ، فالسيادة الربانية : سيادة تامة مطلقة هي السقف الأعلى ، فلا تضاهيها ولا تنازعها سيادة في خبر إذ خبر الرسالة صدق قد عصم من الكذب والخطأ ، فـ : (إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، أو في حكم إذ حكم الرسالة عدل قد عصم من الظلم والجور ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فذلك الأمر الشرعي ، فهو حكم تكليف يلزم ، وهو ، من وجه آخر ، يحتمل الإيجاب في مواضع والندب في أخرى ، فالإحسان قدر يزيد على العدل ، فدلالة الأمر تحتمل في هذا السياق ن فهي تدل على الإيجاب حال العدل ، وعلى الندب حال الإحسان ، وذلك ، من وجه قد يشهد لمن جوز دلالة المشترك على كلا وجهيه ، والشاهد أن الأمر الرباني يلزم ، وأدنى أحواله أن يبيح أو يرجح فهو أمر شرع يبيح ويحظر ، فليس ذلك إلا للرب ، جل وعلا ، فهو الرب المشرع الذي يلزم المكلف أن يخضع لسلطانه التشريعي اختيارا ، كما قد خضع لسلطانه التكويني اضطرارا ، فالألوهية ، كما تقدم مرارا ، فرع على الربوبية ، فمن له الخلق التكويني ، فله الأمر التشريعي ، وله السيادة التامة إذ خلق ورزق ودبر وعلم فحكم بما يصلح أحوال الناس في معاشهم العاجل ، ومعادهم الآجل ، فله سيادة التشريع الملزم في الخبر العلمي فيلزم تصديقه ، فمنه ما تواتر فهو يفيد العلم الضروري ، ومنه ما ينظر في إسناده فهو يفيد الظن الراجح الذي تحتف به القرائن من تحقق لشروط الصحة ورواية في كتب الصحاح أو المسانيد التي علم من حال أصحابها التدقيق في المتون والتنقيح في الأسانيد ، فهو خبر قد حفظ ، ولنا قد نقل بأصح لفظ وإسناد ، فَنَبَّهَ المحققون على اختلاف الألفاظ ولو ترادفا لا يضر ، أو زيادة ثقة ينظر فيها ، هل هي بمنزلة الخبر المستقل ، فينظر في إسناده على جهة الانفراد فإن كان راويه ثقة تام الضبط فهو صحيح يقبل ، وإن كان ثقة خفيف الضبط فهو حسن يحتج به وإن كان دون الصحيح فلا ينهض له حال الترجيح إذا كان ثم تعارض يتعذر معه الجمع ، وإن كان عدلا في نفسه ضعيفا في ضبطه ، فحديثه لا يقبل إلا بعاضد ، فهو ضعيف ينجبر فيصلح في الاعتبار ما لا يصلح في الاحتجاج ، وإن كان متروكا أو كاذبا أو مقدوحا في عدالته على جهة تعظم ، فذلك من الضعف الشديد من جهة العدالة ، وإن كان سيئ الحفظ على وجه يشتد فلا يكاد يضبط إما ابتداء ، وإما لعارض يعرض من اختلاط أو تغير أو تلقين أو ضياع كتابِ من يحدث من كتابه فلا يضبط ضبط الصدر ، فكل أولئك من الضعف الشديد من جهة الضبط ، فإن كان كذلك فهو ضعيف لا ينجبر فلا يعتد به ، ولو اعتبارا ، فلا يحتج به ، من باب أولى ، بل ولا يصلح أن يتابع فهو شديد الضعف لا ينجبر ، وكل أولئك مما يعلم باستقراء أحوال النقلة ومعارضة الطرق ، وتحرير مواضع الزيادة فمنها ، كما تقدم ، ما ينزل منزلة الخبر المفرد ، فينظر فيه كما ينظر في الحديث المستقل ، فهو حكم يزيد كالنهي عن شيء في جملة مَنَاهٍ ، فكل نهي ينزل منزلة حديث مستقل ، فإذا كان من زاده ممن يحتمل تفرده فهو خبر يقبل في الاحتجاج سواء أكان راويه راوي الصحيح الثقة تام الضبط ، أم كان راوي الحسن الثقة خفيف الضبط ، وإن لم يكن فهو يتفاوت في الضعف فمنه ما يحتمل وهو ما يرتقي إلى رتبة الحسن لغيره إن توبع على وجه صحيح معتبر ، فإن لم يتابع فالأصل فيه التوقف حتى يرد العاضد المرجح ، أو المعارض المضعِّف ، فقد يرد صحيح أو حسن أقوى منه فيرجحه من هذا الوجه ، إذ الجمع قد تعذر فلا يصار إلى الترجيح إلا بعد تعذر الجمع ، وذلك أصل في الاستدلال سواء أكان ذلك في المتن أم في الإسناد ، فإعمال الأدلة جميعا أولى من إعمال بعض وإهدار بعض آخر ، ومنه ما لا يحتمل فهو شديد الضعف فلا يتابِع ولا يتابَع ، فهو كلا رواية ، ومنها ما ينزل منزلة التابع كالاستثناء ونحوه ، فهو زيادة لا تستقل بذاتها إذ هي قيد أو مخصص لما قبلها ، فينظر في راويها ، فإن كان ممن تحتمل زيادته قبلت ، وإن خالف جمعا من الثقات يرجحونه في العدالة والضبط ، فزيادته شاذة بقيد المخالفة ، وإن تفرد بها دون أن يخالف غيره فهي ، كما تقدم ، بمنزلة الحديث المستقل ، فتكون حينئذ : شاذة بقيد التفرد ، فينظر في إسنادها ويحكم عليها صحة أو حسنا أو ضعفا ، وإن كان ممن لا يحتمل تفرده وخالف جمعا من الثقات فزيادته منكرة بقيد المخالفة ، وإن تفرد بما لا يحتمل تفرد مثله به ، فزيادته : منكرة بقيد التفرد ، ترد إن اشتد ضعفه ، ويتوقف فيها إن لم يشتد حتى يرد شاهد يعضد أو مانع يضعف ، كما تقدم ، وذلك باب تحتف بمسائله من القرائن ما لا يدركه إلا من أحاط بالألفاظ تحريرا وضبطا ، والرجال تعديلا وجرحا ، وكل أولئك مما يشهد لصحة الخبر الرسالي : كتابا متواترا وخبرا صحيحا يفسره ويبين ما أجمل منه ويقيد ما أطلق ويخصص ما عم وينسخ ما ثبت أولا بل وينشئ الحكم فصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو صاحب الشرع المنزل فهو المبلغ والمبين ، فيبلغ تارة بنقل الأحكام ، ويبلغ أخرى بإنشائها ، فالوحي ، كما تقدم ، له السيادة الخبرية الصحيحة إذ لا خبر أصح من خبره ، فهو جار على أصول النقل الصحيح ، وأصول العقل الصريح فلا يأتي ، كما تقدم مرارا ، بما يحال في العقل ، وإن أتى بالمحار فالعقل يعجز عن درك كنهه ولا يحيل معناه فهو جائز غير ممتنع ، فجهة الجواز فيه تحتمل ، وهي ، مع ذلك ، تفتقر إلى مرجح من خارج ، هو الخبر الصحيح فَبِهِ يصير الجائز واجبا ، فهو مرجح معتبر يدل ضرورة في باب الخبريات العلمية على معلوم غيبي لا ينال بالنظر العقلي ، فالعقل ، كما تقدم ، لا يدركه ، وإن جَوَّزَهُ ، فهو جائز عقلي يستوي طرفاه فيفتقر ، كما تقدم ، إلى مرجح من خارج ، فيشبه ، من وجه ، الجائز الكوني ، فكل شيء مُمْكِن في الكون هو جائز يفتقر إلى مرجح يوجبه فيصير موجودا في الشهادة بعد أن كان معدوما في الغيب ، أو آخر يمنعه فلا يخرج من حيز العدم إلى حيز الوجدان ، وتلك هي مشيئة الرحمن ، تبارك وتعالى ، فهي المرجح الذي يصير الجائز من الأشياء في الكون واجبا إن أراد الرب ، جل وعلا ، إيجاده ، أو محالا ممتنعا إن أراد ، عز وجل ، امتناعه ، فمشيئته ، تبارك وتعالى ، هي المهيمنة ، كما أن كلماته الشرعية الخاتمة هي المهيمنة ، فـ : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ، فله ، عز وجل ، هيمنة الشرع تحكيما ، وهيمنة الكون تقديرا ، فكل شيء في الكون لمشيئته النافذة تبع ، فـ : (مَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، فكل مشيئة دون مشيئته ، فكل ما سوى الرب ، جل وعلا ، بذاته ووصفه وفعله وحكمه الكوني وحكمه الشرعي ، كل شيء سوى ذلك فمخلوق حادث تعالى ربنا ، جل وعلا ، أن يشبهه في الكنه والحقيقة وإن شاركه في أصل المعنى المجرد في الذهن ، فذلك من الاشتراك في المطلقات الذهنية فلا يلزم منه ، بداهة ، اشتراك في الحقائق الخارجية ، كما أن الاشتراك في الأحكام تحسينا وتقبيحا وما يلزم منها من إباحة أو حظر ، كما أن هذا الاشتراك لا يلزم منه التماثل بين حكم الرب الشارع ، جل وعلا ، فهو الأكمل والأعدل إذ صاحبه الأعلم والأحكم ، فله تبارك وتعالى ، العلم المحيط بما دق وما جل من الأعيان والأحوال فلا يكون شرعه إلا صلاحا في الأولى والآخرة فهو أعلم بما يصلح الدين من الشرعيات ، وأعلم بما يصلح الدنيا من الكونيات ، فله ربوبية التدبير الكوني بكلمات المشيئة المطلقة ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وله ربوبية التدبير الشرعي بكلمات الوحي الصادقة فبها تغتذي القوى العلمية الباطنة ، وكلماته العادلة فبها تغتذي القوى العملية الظاهرة ، فله ، جل وعلا ، كما تقدم مرارا ، السيادة المطلقة كونا فذلك مما سلم به المؤمن والكافر ، فـ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، وشرعا ، فمنها سيادة الخبر العلمي الذي يغتذي به الجنان توحيدا للرب ، جل وعلا ، ووصفا له بما يليق بذاته القدسية مما وصف به نفسه فجاء به الوحي الرسالي المسطور ، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاء به الوحي الرسالي المأثور ، من غير تعطيل جاف ، ولا تمثيل غال ، فالمعطل قد جفا في حق الرب ، جل وعلا ، فنفى عنه الكمال ، والممثل قد غلا في حد صفاته في الخارج فقاسها على صفات المخلوق الحادث ، قياس تمثيل باطل ، وقل مثله ، كما تقدم مرارا ، في الأحكام الشرعية والسياسية ، فأصحاب الشرائع الوضعية والسياسات الطبيعية التي تأرز إلى الشهوة ، أو السياسات الملوكية التي تأرز إلى قياس العقل بمعزل عن خبر الوحي ، فالعقل يبارز الوحي ، وليس له بِنِدٍّ ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، نقض صريح لقياس العقل الصريح إذ كيف يكون علم المخلوق ندا لعلم الخالق ، تبارك وتعالى ، مع البون الشاسع بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فكما ثبت الافتراق في الذوات ، فكذلك الحال في الصفات ومنها الكلمات الكونية النافذة ، فشتان قدرة الرب ، جل وعلا ، على الخلق ، فهي قدرة مطلقة على خلق جميع الممكنات بمشيئة نافذة لا تعارضها مشيئة حادثة ، فشتان قدرة الرب ، جل وعلا ، وقدرة المخلوق فهي لقدرة الخالق ، جل وعلا ، تبع فهي مخلوقة من جملة مخلوقاته وهي لمشيئته ، تبارك وتعالى ، تبع ، فـ : (مَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فلا تضاهي المشيئة الربانية النافذة ، فضلا أن تَتَقَدَّمَهَا ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، نقض فاضح لقياس العقل الناصح ، ومنها ، أيضا ، الكلمات الشرعيات الحاكمة ، فشتان كلمات الرب الشارع ، جل وعلا ، فهي مئنة من العدل المطلق بلا هوى ولا شهوة ، إذ قد تنزه عنها الرب ، جل وعلا ، فلا يميل كما يميل البشر ، فذلك فقر ذاتي قد ركز فيهم جِبِلَّة فلا يعلل ، إذ الذاتي لا يعلل ، فهو مما ركز في النفس ضرورة لا تُسَبَّب ، فشتان كلمات الشارع الحق ، جل وعلا ، وكلمات الشارع الوضعي المحدث في الدين ما ليس منه ، فيحكم بالجور إذ عدل عن جادة الوحي فلم يسلكها ، وسلك ، في المقابل ، جادة الهوى والشهوة ، فهو فقير يروم سد فاقته فلا يتنزه من عوارض النقص في الذات والوصف ، فله حظ يروم تحصيله ، وذلك قد يحمله على الظلم في الحكم إذ يسوي بين المتباينين أو يفرق بين المتماثلين ، أو يحسن القبيح إن كان له فيه غرض ، أو يقبح الحسن إن لم يوافق هواه وذوقه ، فصار الوحي لهواه تبعا ، فهو يحكم بالمتشابه ويعدل عن المحكم فيخالف ، كما تقدم مرارا ، قياس العقل الذي يزعمه ! ، فهو قاض بتقديم ما حقه التقديم من محكم الوحي ، وتأخير ما حقه التأخير من متشابه العقل والذوق ، فالمحكم يقضي على المتشابه ، وهو يقدم عليه حال التعارض وتعذر الجمع ، فهو الْأَوْلَى ، كما تقدم ، فيرد المتشابه إلى المحكم لِيُبَيِّنَهُ ، أو يرد إن تعذر الجمع ، وذلك بداهة لا يكون في حكم الشرع فلا شيء منه يُرَدُّ بل الدخول فيه كافة حتم لازم ، وإنما يكون بالنظر في متشابه الأحكام العقلية التي تحسن وتقبح بهوى محض لا يستند إلى دليل صحيح صريح سالم من المعارضة ، فتلك ترد إن خالفت الوحي ، خلافا لمتشابه الوحي ، فهو إضافي يزول برده إلى المحكم ، فالإيمان بالجميع حتم لازم ، فـ : (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) .

والشاهد أن السيادة في هذا الباب للرسالة التي جاءت بأصح خبر وأعدل حكم ، فكل سيادة دونها وتحتها تندرج ، فلا يستقل المخلوق بمشيئة حتى يشاء الرب ، جل وعلا ، فذلك حكم كوني نافذ ، ولا يستقل المخلوق بتشريع فليس أهلا لذلك بما يعرض له من جهل وظلم وفقر يحمله على الميل في الحكم ليسد فاقته إلا ما كان من مصالح مرسلة لم يشهد لها الوحي باعتبار أو إلغاء فيجتهد في ذلك ولا يخرج في ذلك عن أصول أبرزها ألا يعارض كليا من كليات الشريعة بل ولا جزئيا بدعوى تحقيق المصلحة العامة فما اعتبره الشارع فهو معتبر لا يجوز إلغاؤه بدعوى تحقيق مصلحة فليس ثم مصلحة ترجى في مخالفة الشريعة العظمى ، بل إن مخالفة أمرها مظنة الفتنة في الأولى بالشرك إذ صاحبه قد أشرك مع الرب ، جل وعلا ، غيره في وصف التشريع ، ومظنة العذاب الأليم في الآخرة فالشرك لا يغفره الرب ، جل وعلا ، سواء أكان شركا في العقد ، أم شركا في الحكم ، على وجه ينقض أصل الدين ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فلا يستقل العقل بالحكم على وجه يعارض به حكم الوحي ، سواء أعارضه في أصل أم في فرع ، فالسيادة المطلقة للوحي ، وليس العقل له إلا تابعا ينقاد ويخضع ، فذلك ، كما تقدم ، من لوازم الإيمان بل ومن أجزائه الرئيسة وشروط صحته ، فلا يتصور إيمان بتصديق محض لا يشفع بلازمه من الانقياد التام لأخبار الرسالة بالتصديق وأحكامها بالامتثال ، فينقاد القلب ويسلم في ، فهو يؤمن لصاحب الدعوى الرسالية كما آمن لوط ، عليه السلام ، لصاحب الملة الحنيفية ، فانقاد واستسلم في جميع أحواله الظاهرة والباطنة ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، قدر يزيد على التصديق المحض ، وهو ، من وجه آخر ، يباينه في اللفظ ، فالإيمان لا يتعدى بنفسه فلا يتعدى إلا بواسطة كالباء أو اللام ، كما في هذا الموضع ، فلا يقال : آمنتك ، خلافا للتصديق فهو يتعدى بنفسه وبغيره ، والإيمان ، من وجه آخر ، أعم من جهة أجزائه ، وإن كان أخص من جهة أفراده ، فالإيمان تصديق وزيادة ، أو هو تصديق يعم الباطن انقيادا ، والظاهرا نطقا وعملا ، فيزيد على التصديق المحض في القلب ، ويزيد على التصديق اللفظي في القول ، فهو يستغرق جميع محال التكليف ، فيستغرق أفعال البدن وَتُرُوكَهُ ، فـ : "النَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، والإيمان ، من وجه آخر ، يُعَرَّفُ بضد الكفر ، كما أن التصديق يُعَرَّفُ بضد الكذب ، ودائرة الكفر أعم من دائرة الكذب ، فمن الكفر ما يكون بالتكذيب ، ومنه ما يكون بالاستكبار والإعراض ، وإن صَدَّقَ في قرارة نفسه ، ومنه ما يكون بالقول والعمل ، وإن صَدَّقَ ، أيضا ، فنواقض الدين تعم التكذيب وغيره فالتكذيب نوع يندرج في جنس الكفر فهو أخص ، وكذلك الشأن في المقابل ، فالتصديق جزء يندرج في ماهية الإيمان ، فلا تثبت حقيقة الإيمان بثبوته مجردا دون أن يشفع ببقية شروط الإيمان من قول يشهد ، وعمل يصدق الدعوى ، ولو أتى بالجنس الذي يخرجه من دائرة الكفر ويدخله في دائرة مطلق الإيمان ، فهو موعود بالنجاة من هذا الوجه فمعه أصل الدين الذي لا نجاة إلا به ، ولا يدخله في المقابل في دائرة الإيمان المطلق فلما يبلغ بعد رتبة الكمال الواجب ، إذ لا تنال إلا باستيفاء الواجبات ولا يكون ذلك في الغالب إلا بقدر زائد من المندوبات فهي سياج الواجبات ، فَتُتم ما نقص منها ، من وجه ، وتمهد لها ، وتقيها شر الفترة إذ تكون بترك مندوب يفدي الواجب ، فيسلم التارك من تبعة الإثم ، وإن لم يسلم من تبعة اللوم إن داوم على ترك المندوب فمآله ، في العادة ، التفريط في الواجب ، فيحترز من ذلك بسد الذريعة بالمداومة على المندوب ما أمكن ، والتحبير للواجب ما أطاق المكلف ، فلا يسلم من نقص بغفلة أو فترة ، ولكنه سرعان ما يتذكر ويبصر ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) ، فمن لم يدخل دائرة الكمال الواجب ، فهو ، في المقابل ، متوعد بالعذاب ، ولو مؤقتا ، في نار العصاة ، فعليها حمل قول من قال بفناء النار ، فهي نارة العصاة لا نار الكفار ، فعذابهم عذاب الخلد الدائم ، فذلك وعيد ربنا ، جل وعلا ، العادل ، كما أن وعده بالفضل يثبت في حق المؤمن ، سواء أكان طائعا فقد أتى بالواجب أو قد زاد ، فهو موعود بالنجاة ابتداء ، أم كان عاصيا فهو فاسق ملي معه الأصل الإيماني وإن فرط في القول والفعل التكليفي ، فلم يترك جنس العمل مطلقا ، ولم يترك ما ترك استخفافا أو استهزاء ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، ينقض أصل الدين بنفسه ، ولم يأت بناقض آخر من عقد أو قول أو عمل ، فسلم أصل دينه من النقض ، ولم يسلم دينه في المقابل من النقص ، فهو موعود من جهة الأصل ، متوعد من جهة فوات الكمال الواجب ، فقد ينجو ابتداء بفضل الرب ، جل وعلا ، فيغفر له ما شاء من الذنب كبيرا كان أو صغيرا ، فهو يدخل في عموم : (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) ، فـ : "ما" : موصول مشترك ، وهو مئنة من غير العاقل إذ الأعمال والأقوال والأحوال الإرادية الاختيارية كلها تنزل منزلة غير العاقل فهي أعراض تقوم بالذات فلا قيام لها بنفسها ، فالوصف لا ينفك يفتقر إلى ذات يقوم بها ، فذلك موصول يستغرق بعمومه جميع المعاصي والآثام خلا الشرك ، فقد خص بصدر الآية : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ، فخرج الشرك من العموم فهو أعظم الذنوب ، كما تقدم مرارا ، فغفرانه نقص في الحكمة ينزه عنه الرب ، جل وعلا ، فقد ينجو العاصي ابتداء إن سلم أصل دينه من النقض بمعصيته فمن المعاصي ما ينقض أصل الدين وإن لم يلزم منه تكذيب فدائرة الكفر ، كما تقدم ، أعم من دائرة التكذيب ، كما أن دائرة الإيمان ، في المقابل ، أعم من دائرة التصديق ، فقد ينجو ابتداء فذلك حكم الفضل ، وقد يعذب في نار العصاة المؤقتة ، فذلك حكم العدل ، فيطهر خبثه بكير العقوبة ، فإذا طهر وخلص صار أهلا لدخول الجنان فلا يدخلها إلا من سلم من دنس الكفر والمعصية ، فيدخلها ولا يخرج منها فقد حرم جسده على النار انتهاء بما معه من أصل الإيمان ، وإن لم يحرم ابتداء بما اقترف من عصيان ، وذلك أمر يتفاوت تبعا للتفاوت في عظم الجرم أو صغره فلكلٍّ درجة في الجنة بما آمن وأطاع ، ولكلٍّ في المقابل دركة في النار بما كفروعصى ، فالحكم يطرد وينعكس ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أمر يطرد في نصوص الوعد والوعيد ، فضلا عن دلالة العكس فمنطوق الوعد يدل بمفهومه على الوعيد والعكس صحيح .

فآمن له لوط ، عليه السلام ، وتقديم ما حقه التأخير يزيد المعنى بيانا وتقريرا ، وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي :
فذلك قول الخليل عليه السلام فالضمير راجع لا إلى أقرب مذكور ملفوظ ، وهو لوط عليه السلام ، فقال في سياق الإخبار ولا يخلو ، كما تقدم مرارا ، من دلالة إنشاء ، فَثَمَّ أمر قد وجب بالهجرة من دار الكفر ودار البدعة ، على تفصيل في ذلك ، فكره من كره من المحققين ، سكنى دار يسب فيها السلف ، بل وأوجب الخروج منها ما لم يطق المكلف إنكار هذا الجرم ورفعه ، فتوجه الإنكار إلى من قعد ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، فلم يمتثل الأمر الذي تضمنه الخبر في قوله تعالى : (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) ، فالأمر بإفراده ، جل وعلا ، بالعبادة ، إذ قدم الضمير فذلك مئنة من الحصر والتوكيد ، ذلك الأمر بإفراده بالعبادة يستلزم ، ضرورة ، الخروج من أرض السوء التي لا يعظم فيها الرب المعبود ، جل وعلا ، فيشرك به ويعطل شرعه ، فذلك الأصل ، إذ لا تكون العبادة كاملة إلا في دار إيمان خالص ، فدور الكفر والدور المختلطة المركبة التي جمعت وصف الإيمان من وجه ، ووصف الكفران من آخر ، تلك الدور ليست ، بداهة ، المحل الأكمل الذي يظهر فيه شعار الدين ، وإن حصل في بعضها من ذلك شيء يقل ويكثر تبعا لقربها من وصف الإسلام الخالص ، وظهور آثار الوحي فيها ، وتصديق أهلها بالوحي ، وتعظيمهم للشرع ، ولو في الجملة ، فالدور تتفاوت في ذلك فتتفاوت أحكامها تبعا لذلك ، فذلك كأي حكم في باب الأسماء والأحكام يلزم التحري في إطلاقه ، وإنزاله على دار بعينها من جنس الحكم على الفرد المعين ، وهو أمر ، كما تقدم ، يلزم فيه من التحري والتورع ما لا يخفى ، فالإفراط فيه غلو ، والتفريط فيه جفاء يسلك بصاحبه بابا من الإرجاء الذي فشا في الأعصار المتأخرة لما ضاقت دائرة الإيمان فصار تصديقا محضا ، كما تقدم ، وصار العمل بل والقول في بعض مقال الإرجاء الغالي ، صار زيادة تخرج عن ماهية الإيمان فليست إلا لازما أو ثمرة لا يقدح تخلفها في حقيقة الإيمان ! ، فضلا عن تعطيل الشرع ودروس آثار الوحي وظهور الجهل في المقابل ، فذلك من أشراط الساعة ، فتلك حال يروج فيها مقال الإرجاء ويشتهر ، فهو مقال هين لين لا تطرف فيه ولا تعصب ! ، فوجب التوسط في هذا الموضع خصوصا ، وفي جميع مسائل الأسماء والأحكام خصوصا ، فالإفراط والتفريط كلاهما يوقع صاحبه في مقال محدث وهما على طرفي نقيض ، فمقال أهل السنة في هذا الباب وسط بين مقال الخوارج ومقال المرجئة ، وذلك أمر يطرد في مقال أهل الإسلام بين الملل ، ومقال أهل السنة في النحل ، فذلك رسم الأمة الوسط ، فـ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، والهجرة ، من وجه آخر ، كأي تكليف شرعي ، أمر يتفاوت تبعا للتفاوت في الطاقة والوسع ، فـ : (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، وقد تتراجح المصالح على وجه معتبر لا متوهم ، فتصير سكنى دار الكفر الأصلي أمرا جائزا بل وربما واجبا ولو على الكفاية ، كمطارد يخشى بأس الطواغيت فيفر إلى دار كفر يظهر فيها من شعار الإسلام ما لا يظهر في داره ! ، أو عالم يعلم الناس ، أو متعلم يحصل من العلم ما لا نظير له في داره ، أو مريض يطلب دواء لا يجده في دار غيرها ، فقال الخليل عليه السلام : إني مهاجر ، فأكد بالناسخ اللفظي ، وقيد الوجهة : "إِلَى رَبِّي" ، فيهاجر إلى ربه ، جل وعلا ، بسلوك طريق الهجرة المحسوسة في الأرض ، فذلك ما ينصرف إليه الذهن ، بادي الرأي ، والمعقولة في النفس ، فهو يسير على جادة الحق بتصديق الخبر وامتثال الحكم وتعظيم شعائر الدين وأحكامه ، فيصدق الخبر ويمتثل الحكم في جميع أحواله الخاصة والعامة ، ويدخل في السلم كافة فلا يتناقض إذ يصدق ببعض ويكذب ببعض ، فلما تتم هجرته إذ قد آمن ببعض وكفر ببعض ، فإليه ، كما تقدم ، يتوجه الإنكار في قوله تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فلا تتم الهجرة إلى الرب ، جل وعلا ، إلا بهجران الكفر والمعصية ، وقربان الإيمان والطاعة ، فيعدل عن الباطل إلى الحق ، فذلك قياس العقل الصريح فلا يمكن سلوك جادة الهجرة إلى الرب ، جل وعلا ، إلا بالنكول عن جادة الشيطان ، فليس ثم إلا فريقان في دار الابتلاء ، فـ : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) ، فيقع التدافع بين الفريقين في ساحات الجدال بالحجة والبرهان ، وفي ساحات الجلاد بالسيف والسنان ، وليس ثم إلا فريقان في دار الجزاء : (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ، ولا يمكن أيضا أن تسلك جادة الهجرة إلى الرب ، جل وعلا ، إلا بسلوك جادة الهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو ، كما تقدم مرارا ، المبلغ للفظ الوحي المبين لمعناه الخبري ومراده الحكمي ، فلا ينفك العبد في جميع أحواله ، كما يقول بعض المحققين ، عن هجرتين : هجرة إلى الرب ، جل وعلا ، توحيدا للمرسِل تبارك وتعالى فذلك مقتضى الشطر الأول من الشهادة ، وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم توحيدا للرسول ، فذلك ، في المقابل ، مقتضى الشطر الثاني من الشهادة .

فالهجرة إلى الرب ، جل وعلا ، تقضي ، لزوما بالهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومن ثم جاء التذييل بالعلة على جهة الفصل المؤكد بالناسخ ، فلا وصل بعاطف إذ ثم شبه كمال اتصال بين المعلول المتقدم والعلة المتأخرة ، فـ : إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : على جهة الحصر والقصر بتعريف الجزأين فضلا عن دلالة ضمير الفصل ودلالة : "أل" في : "العزيز" ، و : "الحكيم" ، على الاستغراق المجازي لمعاني العزة والحكمة ، وثم تلاؤم ، كما يقول صاحب التحرير والتنوير رحمه الله ، إذ حسن التذييل بوصف الجلال من العزة ، فالمهاجر يأوي في العادة إلى ركن شديد عزيز ينصره ويجيره ، ومن أعز من الرب جل وعلا ؟! .

والله أعلى وأعلم .