المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : عن التيمم



مهاجر
30-01-2013, 08:31 AM
ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ" ، فذلك من الجعل الشرعي في سياق الامتنان بالتيسير ، وقد حذف العامل الجاعل ، حُذِفَ للعلم به ، بداهة ، فهو الرب ، جل وعلا ، فلا يشرع الأحكام بجعل أو منع ، بإباحة أو حظر ، إلا هو ، فجعلت لي ، ودلالة الضمير تعم ، وإن خص لفظه بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو جعل له ولأمته وإنما اختص بالخطاب لاختصاصه بمقام التبليغ والتبيين ، فيعم الضمير ، من هذا الوجه ، فهو من الخاص لفظا الذي أريد به العموم معنى لقرينة عموم الشريعة ، من وجه ، وانتفاء دلالة الخصوص فليس من الخصائص التي انفرد بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإنما هو من الخصائص التي انفردت بها الأمة الخاتمة ، وهي ، بداهة ، جمع كثير ، فلا يزال يزيد حتى يتم الرب ، جل وعلا ، أمره ، فـ : "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ" ، فالخطاب ، من هذا الوجه ، يعم صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو المخاطب مواجهة ، ويعم أمة الإجابة بعده فإليها يتوجه الخطاب بالفروع إذ استوفت الأصل الأول الذي لا يصح قول أو عمل إلا باستيفائه ، فـ : (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فالتوحيد شرط صحة يستصحب في جميع أعمال التكليف الاختيارية ، الباطنة أو الظاهرة ، فلا يصح شيء منها ، جل أو دق ، إلا بصحة العقد الأول ، عقد التوحيد العلمي ، وما يتفرع عليه من قوى الإرادة ، فهي عمل الْبَاطِن فثم إرادة فعل للخير تولد في القلب الرجاء ، فيرغب المكلف في الثواب فهو أثر وصف الجمال : وصف الحميد ، تبارك وتعالى ، وثم إرادة كف عن الشر تولد في القلب الخوف ، فيرهب المكلف من العقاب فهو أثر وصف الجلال : وصف المجيد ، عز وجل ، فالقياس يطرد وينعكس ، فذلك قانون يطرد في الإلهيات العلمية والحكميات العملية بل والعاديات الكونية فهو معيار صحيح في جمع أجناس العلوم الدينية والتجريبية ، العلمية والعملية ، ولا تنفك الإرادة ، كما تقدم مرارا ، عن أثر في الظاهر من قول وعمل ، فلا تسلم تلك السلسلة إلا بسلامة أولى حلقاتها : فيسلم التوحيد من عارض الشرك ، فتسلم الإرادة ويسلم القول والعمل الظاهر ، فإذا فسدت أولى الحلقات فسدت بقيتها تبعا ، فـ : "أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" ، فالتوحيد ، كما تقدم ، هو الأصل ، والخطاب ، من وجه ثالث ، يعم أمة الدعوة ، فيستغرق المؤمن والكافر ، فالكفار ، على الراجح من أقوال أهل الأصول ، يخاطبون بفروع الشريعة وبما لا تصح إلا به من الأصل الأول ، أصل التوحيد الجامع ، فتحمل عليه دلالة العموم في المضاف إلى الضمير : "لأمتي" في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَجُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِي وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ" ، فهو عموم يستغرق جميع المكلفين : المخاطِب صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد خص بالذكر في قوله : "لي" ، والمخاطَب من الموجودين والمعدومين ، من المؤمنين ومن الكافرين ، فكل أولئك يستغرقهم العموم المعطوف : "لأمتي" .

ولا تخلو دلالة المنة من دلالة تكليف ، فثم أمر بالتيمم بصعيد الأرض الطاهر ، وهو مما ورد به التصريح في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) ، والصعيد في لسان العرب يعم فهو يستغرق كل ما علا الأرض ، فلا وجه لتخصيصه بالتراب إذ دلالة : "أل" في : "الأرض" : دلالة جنس فهي تستغرق جميع أفراده ، فتعم التراب وغيره ، ولا وجه لذلك ، أيضا ، من جهة تنغيص المنة وتكديرها ، فقصر الإجزاء على التراب ، تخصيص للعام ببعض أفراده ، فقد قصرت دلالته على التراب دون سائر الصعد ، وذلك تخصيص فيه نوع تحكم ، وإن كان له حظ من الدليل النقلي ، فـ : "جُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ" ، فإن ذلك مما يندرج في باب التمثيل للعام بذكر بعض أفراده ، وهو التراب ، فلا يخصصه ، وقد يجري مجرى التغليب فالتراب أكثر ما يعلو الأرض ، ولا يمنع تغليبه في الذكر دخول غيره في عموم الحكم ، فلا تسلم المنة من التنغيص إلا بحفظ دلالة التعميم في اللفظ ، فيستغرق جميع صعد الأرض ، من التراب أصلا ، فهو الأشهر والأكثر ، وهو الذي يتبادر إلى الذهن ، ومن غيره ، فرعا ، فهو يلحق بالتراب في حكم الإجزاء إذ قد لحقه في الوصف ، فجميعها من الصعيد الطيب الذي ورد الأمر بتيممه ، فـ : (تَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) ، فذلك قصد في أصل الوضع اللساني ، فيمم فلان وجهه شطر القبلة إذا قصدها فاستقبلها ، وهو قصد مخصوص في اصطلاح الشرع ، فيقصد الصعيد بضربة للوجه والكف ، أو ضربة لكلٍّ منهما ، فتلك هيئة مخصوصة تقصر القصد على قصد بعينه هو قصد الصعيد الطيب ، فحقيقة الشرع ، كما تقدم مرارا ، أخص من حقيقة اللسان ففيها قدر زائد بقيد يخص موارد الإطلاق فيقصر دلالة اللفظ على قصد بعينه ، فذلك مما يندرج ، من وجه ، في باب الاشتراك المعنوي في جنس كلي في الذهن دون الحقيقة في الخارج ، فمادة التيمم مئنة من القصد ، وهو كلي ذهني تنقسم موارده في الخارج ، فمنه قصد الطريق ، ومنه قصد القبلة ، ومنه قصد الصعيد .... إلخ ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم ، فتكون دلالة : "أل" في : "الأرض" : مئنة من بيان الماهية ، من وجه ، ومئنة من العموم المستغرق لأجزاء الحقيقة ، من وجه آخر ، فذلك ، كما تقدم ، مما تعظم به المنة فلا يحسن قصر العموم على التراب وحده ، وإن ورد النص بذلك ، فإن النص يتنازعه أصلان : أصل الخصوص القطعي الذي يقضي على العموم الظني ، فثم من يجعل : "الأرض" : عاما ، ويجعل : "تربتها" : خاصا ، فهو فرد من أفراد العموم ، فيكون بيان العام في الخبر الأول هو الفرد الخاص الذي نص عليه في الخبر الثاني ، وثم أصل ثان ، وهو حمل التربة في الخبر الثاني على المثال الذي يحصل به البيان فلا يخصص ذكره العموم ، فيكون البيان في الأصل الأول : بالتخصيص ، فالخاص القطعي يبين العام الظني ، فهو ، كما تقدم ، قاض عليه ، ويكون البيان في الأصل الثاني : بالتمثيل فذكر التراب مثالا يُبَيِّنُ العموم ، وهو الراجح ، والله أعلم ، من جهة ما تقرر من قرينة الامتنان ، فالتخصيص ينغصها ، وقد يقال ، من وجه آخر ، بأن لفظ التربة يعم كل ما علا الأرض من صعيد ، فتلك منة تعم ، من وجه ، فَتَسْتَغْرِقُ أجناس الطهور من تراب ورمل ..... إلخ ، من الصعد الطيبة فثم تخصيص بالوصف ، من وجه آخر ، فهو يفيد بالمنطوق : حل الصعيد الطيب ، فتلك رخصة ربانية حال فقد الماء حقيقة ، وهي عزيمة حال فقده حكما ، فبه تستباح العبادة ، وهو يلزم لكل صلاة ، على قول ، ويجزئ لجميع الصلوات ما لم يحدث صاحبه ، ويجزئ لأول وقت كل صلاة على قول ثالث رجحه بعض المحققين ، فـ : "مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجِبُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَتَيَمَّمُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْآثَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالْمَأْثُورَةَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَلِهَذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ فِيهِمَا عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ" . اهـ
"مجموع الفتاوى" ، (20/370) .

وثم ، كما ينقل بعض أهل العلم ، من رجح قول أبي حنيفة ، رحمه الله ، فثم مقدر محذوف دل عليه السياق اقتضاء فتقدير الكلام : وأيما رجل أدركته الصلاة وكان على غير طهارة فخرج من كان على طهارة حكمية بالتيمم ما لم ينقض تيممه الأول بناقض من نواقض الوضوء فالتيمم بدل ، فيأخذ حكم المبدل منه فما ينقض الوضوء ينقض التيمم ، ويزيد التيمم عليه انتقاضه بوجدان الماء ، فإذا وجد الماء بطل التيمم كما اشتهر في مقال الفقهاء في هذا الباب .

فتلك منة عظيمة تستباح بها العبادة حال الضرورة ، فذلك من رفع الحرج في الحنيفية السمحة ، فلا تجد فيها تنطعا أو تكلفا ، فهي وسط بين الشرائع في خبرها فهو الأصدق فلا يكذبه إلا جاحد منكر ، أو جاهل لا يعلم ، أو مسفسط قد فسد عقله فَضَلَّ في باب القياس إذ سوى العبد بالرب ، جل وعلا ، فذلك الضلال المبين ، كما في قول رب العالمين تبارك وتعالى : (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وذلك أمر يعم العقد والشرع ، فثم من سوى بين رب العالمين ، جل وعلا ، وله الكبرياء والعظمة جلالا ، وله العلم والحكمة والرحمة جمالا ، وحكمته تعم خلق الأعيان بالأمر الكوني وتدبير الأحوال بالأمر الشرعي وهو ، بداهة ، ما يرده أصحاب الطرائق الأرضية الذين ضاهوا حكم الوحي المحكم بهوى العقل وذوق النفس ، فهو رب العالمين ، فَيَرُبُّ الأبدان بالغذاء المحسوس ، ويرب الأرواح بغذاء الأديان المعقول ، وهو غذاء ناصح من كدر الظلم في العقد تشريكا وتَثْلِيثًا ، ومن كدر الظلم في الحكم ، فهو يرد الأمر إلى الرب ، جل وعلا ، فأمره العدل وحكمه القسط ، فهو عدل في تصوره ، وعدل في حكمه ، فجاء بالعقد العادل الذي حكم بقياس العقل الصريح فَفَرَّق بين أعظم متباينين : الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فالخالق له الكمال المطلق والعلم المحيط ، والمخلوق ليس له من ذلك شيء حتى يُتَّخَذَ إلها يعبد أو ربا يشرع ، فالربوبية تعم التكوين والتشريع معا ، فَتَسْتَغْرِقُ الخلق والأمر فمن له الخلق ، فتلك مقدمة ، فله الأمر فتلك نتيجة ، وجاء بالشرع العادل الذي استغرق جميع الأحكام التكليفية العامة والخاصة ، بالمنطوق والمفهوم ، بالمقاصد العامة والأصول الكلية ، فلا تجد حركة اختيار إلا ولها حكم في شرعة الرحمن ، جل وعلا ، فالشرع قد أفاد حال النطق ، وحال السكوت ، فما سكت عنه فهو عفو ، فالسكوت في موضع البيان : بيان ، فإذا لم يكن ثم فسحة من وقت ، ولم يكن ثم مانع ، ولم يكن ثم مظنة إكراه ، كما كانت الحال في مكة فإن سكوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن شرك قريش في العقد وظلمها في الحكم لم يكن بداهة سكوت تقرير ، وإنما دخل في عموم : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، فإذا لم يكن ثم شيء من ذلك ، فكان السكوت مع قيام الحاجة فلا يجوز تأخير البيان عن وقتها ، وانتفاء المانع ، فالسكوت في موضع البيان يجري مجرى البيان الصريح فهو إقرار صحيح ، فالوحي ، كما تقدم ، لم يفرط في حكم ، فـ : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، على القول بأن الكتاب هو كتاب التشريع فتكون : "أل" مئنة من العهد الذهني ، وتلك قرينة عقلية يصح استعمالها في هذا الموضع ، فيكون الكتاب حقيقة في الكتاب المنزل ، إن أريد به كتاب التشريع ، ويكون حقيقة في اللوح ، إن أريد به كتاب التكوين ، فاللفظ ، من وجه ، يجري مجرى المشترك اللفظي ، فيدل على حقيقتين متباينتين ، وقد يجري ، من وجه آخر ، مجرى المشترك المعنوي ، فيدل على حقيقتين تشتركان في أصل المعنى ، فكلاهما من كلم الرب ، جل وعلا ، وكلاهما مكتوب مجموع ، فالكتب مئنة من الجمع ، فجمعت كلمات التكوين في اللوح ، وجمعت كلمات التشريع في الصحف المنزلة ، فالشرع قد سطر في اللوح فهو من القدر الرباني ، فثم عموم وخصوص مطلق من هذا الوجه ، فكل شرع قد سطر في اللوح ، ولا عكس ، فاللوح يزيد على الشرع ، فهو يعم المقادير الكونية كما قد سطرت فيه الأحكام الشرعية ، فـ : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) .


وحسن في سياق الامْتِنَانِ تقديم ما حقه التأخير ، في : "وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" ، فقدم الجار والمجرور : "لِي" ، فَضْلًا عن دلالة الاختصاص في اللام فهي ، كما تقدم ، خصيصة لهذه الأمة ، فجعلت الأرض على جهة التشريع ، وذلك خطاب يعم بمعناه ، فإن دلالة الاختصاص بهذه المنة يدخل فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي توجه إليه الخطاب ابتداء ، ويدخل فيه معه تبعا عموم الأمة فتدخل أمة الإجابة ، وتدخل أمة الدعوة ، كما تقدم ، فهي مخاطبة بفروع الشريعة ومخاطبة بما لا تصح الفروع إلا به من أصل الدين الأول ، وهو التوحيد الذي بعث به الأنبياء ، عليهم السلام ، فلا يصح فرع إلا به ، فهو شرط في صحة العمل ، فالخطاب بالتكليف العملي لا يصح إلا باستيفاء شرطه التوحيدي عبادة ، وشرطه التوحيدي رسالة ، فـ : (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ، فصدر الخطاب بأمر التبليغ قولا ، فهو يستغرق المخاطِب بدلالة عموم التكليف ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخاطب به ، بداهة ، فـ : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .

وهذه المنة ، من وجه آخر ، مما خص من جهة التقييد في قوله تعالى : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) ، فخرج ما خبث ، فلا تكون استباحة العبادة إلا بطهور ، فـ : "لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ" ، وذلك يعم الطهور المائي الحقيقي ، والطهور الترابي الحكمي ، وهو التيمم ، وخص ، من وجه آخر ، فعموم : "الأرض" قد خص بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ" ، وذلك إنما يجري مجرى تخصيص المنة ، وذلك ، وإن كان خلاف الأصل ، إذ الأصل ألا تخصص المنة فذلك مما ينقصها وينغصها ، إلا أنه يجري حال التعدي على حق الرب ، جل وعلا ، فحقه المقدم في مقام التعبد سدا لذرائع الكفر والعصيان ، فنهى عن الصلاة في المقبرة فإنها ذريعة إلى الغلو في المقبورين ، لا سيما إن كانوا من الأولياء صدقوا أو كذبوا في دعوى ولايتهم ! ، وليسوا إلا بشرا فقياس العقل الصريح أن لا يغلو فيهم الإنسان فضلا أن يعبدهم من دون الرحمن ، جل وعلا ، فيتوجه إليهم بالدعاء فهو أصل العبادة ومخها ، فحدت به العبادة على جهة القصر الإضافي بالنظر في آحاد العبادة في الخارج ، فهو نوع تندرج فيه صور شتى من العبادات الباطنة والظاهرة ، فالعبادة ، كما تقدم ، اسم جامع لكل ما يحب الرب ، جل وعلا ، من العقائد والشرائع والأخلاق والسياسات والأحكام ، فَيَسْتَغْرِقُ الأقوال والأعمال ، ويستغرق العبادات البدنية كالصلاة والجهاد ، والعبادات المالية كالزكاة والصدقة ، والعبادات التي يمتزج فيها فعل البدن بالمال ، فهي عبادات مركبة ، كالحج ، فهو عبادة مركبة من البدن ، فَثَمَّ مشقة معتادة ترتفع حال الحرج فذلك حكم يطرد في جميع أحكام الديانة ، بل تلك كلية قد علمت بالاستقراء ، فالمشقة تجلب التيسير ، بل إن موضع الشاهد ، يدل على ذلك ، فجعل الأرض مسجدا وطهورا من موارد التيسير في التشريع فاستبدلت الطهارة الحكمية ، طهارة التيمم الترابية ، بالطهارة المائية وهي الطهارة الحقيقية ، وهي ، مع ذلك مما يقدر بقدره ، فيشرع حال فقد الماء ، فـ : "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" ، فأطلق "الماء" في سياق الشرط فهو يقترب في دلالته من النكرة إذ التعريف الجنسي ينصرف إلى ماهية الشيء دون تعيين آحاد منه في الخارج فدلالته دلالة النكرة التي تدل حقيقة الشيء في الخارج خلافا للمعرف ففيه نوع زيادة بالتخصيص والتوضيح لعين المعرف ، فحسن في تقرير الحكم : الإمعان في العموم ، فتحمل : "أل" على الجنسية فهي إلى النكرة أقرب ، والنكرة في سياق الشرط مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فيجري ذلك مجرى التعريف الجنسي في قول الرب العلي تبارك وتعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) ، فهي إلى النكرة أقرب إذ المراد في سياق التنفير حصول حقيقة المشبه به في الذهن دون تعيين لفرد من أفراده في الخارج ، ويجري مجرى التعريف في نحو قول الشاعر :
وَلَقَدْ أمرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّني ******* فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلتُ لا يَعْنِيني .
فلم يرد لئيما بعينه ، ولذلك كانت الجملة بعده : وصفا لا حالا إذ هو معرفة يؤول معناها إلى النكرة ، والنكرة في سياق الشرط ، كما تقدم ، مئنة من العموم القياسي ، فمتى وجدت حقيقة الماء مطلقة ، فلم يختلط بها ما يخرجها عن ماهيتها المطلقة ، متى وجدت فقد بطل التيمم فجاء الأمر على حد الإيجاب ، فـ : "لْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" .
فتقررت المنة على جهة التوكيد : "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" ، فضلا عن دلالة القصر بتعريف الجزأين : "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ"، فذلك آكد في تقرير المنة ، وثم شرط سيق مساق المبالغة ، فتحمل فيه : "إن" على الوصلية ، وهي ، من وجه آخر ، حقيقة ، فإن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما طال زمانه أو قصر ، ومن ثم ذيل بالشرط حال العكس في الوصف فقد وجد الماء ، وذلك معنى يستغرق الوجدان الحقيقي ، والوجدان الحكمي ، فقد يجد عين الماء ولا يقدر على استعماله لمانع من مرض أو جرح يخشى فساده أو تأخر برئه ، فيثبت عكس الحكم بثبوت عكس الوصف ، فإذا لم يجد الماء حقيقة أو حكما ، فيشرع له التيمم بل ويجب فهو البدل ، والبدل يحل محل المبدل منه إذا فُقِدَ ، فلا يجزئ الفعل وتبرأ الذمة إلا بالماء فهو الأصل ، فـ : "لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" ، فثم تخصيص بالغاية ، فعموم الرد وعدم القبول قد خص بفعل المشروع من طهارة الوضوء ، فذلك مما يندرج في عموم : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" ، فذلك يعم غير المشروع مما أحدث في الدين ، من وجه ، أو عمل على غير ما حده الشرع فلا يخرج فاعله من العهدة إذ لم يأت به على الوجه المجزئ ، فقد يثبت الفعل في الخارج فله وجدان محسوس ، ولكنه لا يثبت على الوجه الذي أراد الشارع ، جل وعلا ، فليس له وجدان مشرورع ، فلا يلزم من حصول الفعل في الخارج أن يحصل على الوجه المشروع ، فذلك لا يكون إلا باتباع شريعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك ، من وجه آخر ، معنى يستغرق العقائد الوجدانية والشعائر الفردية والشرائع الجماعية والسياسات الدولية والأخلاق فهي تعم جميع ما تقدم ، فهي ، من وجه ، تكافئ معنى الدين الذي يستغرق جميع أحوال المكلفين الظاهرة والباطنة ، فالخلق هو الدين ، فـ : (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) ، والدين هو الخلق ، فـ : "الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" ، فالشرع قاض بالعدل على ما سواه من المقالات والشرائع ، فهو يفصل في الأقوال المجملة فَيَقْبَلُ الحق ويرد الباطل ، فلا يرد مقال إلا بعد النظر فيه بِعَيْنِ العدل فما وافق الوحي فهو المعيار المحكم ، فإنه يقبل ، وما خالفه فهو رد على صاحبه ، فيدخل في حد : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" ، وإن اعتذر لصاحبه إن كان من أهل الفضل والسبق ، فلم يحكم التنزيل على جميع يهود ، فـ : (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) ، مع أن أكثرهم فاسقون ، فـ : (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) ، فهي مقتصدة تحكم بالعدل وبه تهدي ، فـ : (مِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) ، فثم اقتصاد في العقد ينفي الغلو في المخلوق والجفاء في الخالق ، جل وعلا ، فيعطي كُلٍّا ما يستحق من الحكم ، فذلك قياس العدل الذي يحكم على المحل بما يليق به من الأوصاف ، فلكلٍّ من الوصف ما يليق بحاله كمالا أو نقصانا ، فذات الرب ، جل وعلا ، محل كامل قد سلم من الآفات وتنزه عن النقائص ، فهو الرب الكامل بالذات والوصف ، الأول بكماله الآخر به فلا يعتريه نقص ، فله الجلال والجمال فهو ذو العزة جلالا ، والإكرام جمالا ، فالمحل الكامل لا يقوم به ، بداهة ، إلا الوصف الكامل ، فذلك قياس العقل الناصح ، فهو العدل الخالص فَيَقْضِي بنسبة الكمال إلى الكامل ، ويقضي بضده من نسبة النقص إلى الناقص ، فالقياس يطرد وينعكس ، وقل مثله في المخلوق الناقص فلا يليق بمحله إلا الوصف الناقص فالكمال لا يلائمه بل هو على الضد يفسده ، إذ قد جبل على الطغيان إن آنس استغناء ، فـ : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) ، فما كان فقيرا فهو خاشع ومتواضع ، ولو قسرا ! ، فقد جبل على النقص ، فلا يلائمه إلا التعبد والتخشع لرب أعلى ، ولا يكون ذلك على جهة الكمال إلا إذا اقترن برسم النبوة توحيد وخضوعا للإله الحق ، تبارك وتعالى ، فذلك ، أيضا ، من قياس العقل الصريح ، فلا يعبد إلا الإله الحق الذي له كمال الذات والوصف والفعل والحكم فله حكم التكوين خلقا ، وله حكم التشريع أمرا ، فـ : "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" .

ولا يعبد إلا بما شرع على ألسنة رسله عليهم السلام ، وآخرهم وجامع علومهم وأحكامهم هو الذي جاء بالرسالة الخاتمة فهي المهيمنة الناسخة فجاءت بما يصدق ما تقدمها من الكتب ، وما يواطئ ما سبقها من شرائع العدل ، بل وزاد عليها الفضل ، فلم يجعل في الدين حرجا ، فذلك ، كما تقدم ، أصل قد علم باستقراء فروع الشريعة ، ومنها التيمم ، كما تقدم ، فهو رخصة بل وعزيمة في مواضع ، فالرب ، جل وعلا ، كريم يكره أن ترد منحه وأن يعرض المتنطع عن رخصه ، فـ : "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" ، إذ تكلفوا ما لا يطيقون ، ولو أطاقوه حالا فمآلهم السآمة والملل ، فلا يطيقون مآلا ، فالرب ، جل وعلا ، أعلم بضعف الإنسان ، فـ : (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) ، فشرع له من الأحكام ما يلائمه ، فلا يكل ولا يسأم ، ولا يقع في الحرج فليس ثَمَّ في الشرع مشقة تزيد على ما اعتاده البشر ، فالرب ، جل وعلا ، غني عن تعذيب العباد لأنفسهم ، فَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟» قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ ، (أي : إلى الكعبة) ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ ، وذلك أمر يعم جميع موارد الترخص ومنها التيمم ، فالشريعة شريعة كمال في عزائمها وفي رخصها فلا يخرج عن منهاجها في قول أو عمل ، في حكم أو سياسة ، إلا من أساء الظن بالرب ، جل وعلا ، فَرَامَ السعة في غير منهاج الوحي فلا وسعه شرع إذ لم يسعه شرع الحنيفية السمحة ، فإن العدول عنها ، عند التدبر والنظر ، هو الحرج بعينه ، فصاحبه في شؤم المخالفة ما أصر على مخالفة الوحي ، فإن الشؤم ، كل الشؤم ، في الحال وفي المآل في العدول عن رخصة الشرع وسعته إلى حرج الوضع وضيقه فلا ينفك يجد من خالف عن أمر الوحي لا ينفك يجد الفتنة والعذاب الأليم ، ويجد الفساد في البر والبحر ، فشؤم تعطيل الشرع في جليل أو دقيق ، في عزيمة يعرض عنها المكلف تهتكا ، أو رخصة يعرض عنها تنطعا ، فالشريعة وسط بين الجلال والجمال ، فهي عدل واقتصاد في القول والعمل ، وعدل في الأخلاق فلا إفراط بشهوانية أبيقورية ، ولا تفريط برواقية زهدية ، وعدل في الباطن فعقدها عقد التوحيد فلا إفراط بتمثيل يزيد فيه الْمُمَثِّلُ أو الْمُشَبِّهُ فيحد وصف الخالق ، جل وعلا ، على حد وصف المخلوق ، فالعدل أن يثبت المعنى بلا تكييف أو تمثيل ، فيقع الاشتراك في المعاني الكلية في الذهن ، ولا يقع في المعاني الجزئية في الخارج ، فَيُوصَفُ الرب ، جل وعلا ، بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالباب تَوْقِيفِيٌّ مداره على السمع ، فلا اجتهاد فيه للعقل ، إلا ما كان من قياس أولى يأرز ، عند التدبر والنظر ، إلى خبر الوحي الصحيح من قرآن ، فهو متواتر ، أو سنة ، فمنها المتواتر ومنها الآحاد ، وكلٌّ باستقراء أدلة الوحي يكفي المؤنة في هذا الباب ، فلا بد أن يثبت الخبر ابتداء بنص صحيح قبل أن يُثْبِتَه العقل بقياس الأولى إن كان مما يقع فيه الاشتراك في المعنى الكلي في الذهن ، فهو مما يصح إطلاقه في حق المخلوق من علم أو حكمة ... إلخ من معاني الكمال التي يشترك أفرادها في معانيها الكلية في الذهن دون حقائقها الجزئية في الخارج ، فالوحي قد كفى المؤنة في هذا الباب فجاء بأصدق خبر وأعدله فهو السطة بين التمثيل والتعطيل ، فيثبت بلا تمثيل ، وينزه بلا تعطيل ، فهي شريعة القصد ، كما تقدم ، في العقد العلمي وفي الحكم التكليفي ، كما في التيمم ، وهو محل الشاهد ، فهو رخصة يستباح بها المحظور ، من جهة استباحة العبادة بلا طهارة مائية هي شرط الصحة الأول في الصلاة ، وفي الطواف ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، فهو صلاة ، كما في الخبر ، على خلاف في ذلك ، فَثَمَّ من قال بإجزاء طواف بلا طهارة ، وإن جُبِرَ بدم ، وهو قول الحنفية رحمهم الله ، وثم من قال بإجزائه إن أحدث وهو متوضئ يطوف فيكمل الطواف بلا وضوء إن منعه الزحام ، فذلك ، أيضا ، من رفع الحرج ، فالمشقة الزائدة ترفع الحكم على قدر الضرورة الملجئة ، فهي تقدر بقدرها ، فأصحاب الأعذار يصلون على حالهم وإن أحدثوا فلا يملكون رفع الحدث كمن به سلس بول أو انفلات ريح ، فإنه يتوضأ لكل صلاة ، فيحترز ما استطاع من النجاسة ، ولا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت ، ويصلي ما شاء من النوافل ، فهو يقاس على المستحاضة ، فهي الأصل في أصحاب الأعذار ، على تفصيل في ذلك ، فَيُسْتَبَاح بالتيمم ، وهو محل الشاهد ، ما يستباح بالوضوء ، فالطهارة الترابية الحكمية تجزئ عن الطهار المائية الحقيقية ، فيصلي بلا وضوء ، وذلك ، بداهة ، محظور ، ولكنه لما عدم الماء حقيقة أو حكما جاز له الترخص باستباحة المحظور فيصلي بلا وضوء ، فيجزئ التيمم في الحدث الأصغر بل والأكبر ، كما تقدم من حديث أبي ذر ، رضي الله عنه ، فـ : "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" ، فالتيمم يستباح به ، كما تقدم ، كل ما يستباح بالوضوء ، فهو بدل يجزئ عن المبدل منه ، فذلك قياس العقل ، فالبدل يأخذ حكم المبدل منه في اللسان وفي الشرع ، فيتيمم إذا عجز عن الوضوء حقيقة أو حكما ، فقد يجد الماء ويعجز عن استعماله ، لجراحة ، كما تقدم ، أو برد شديد ، كما في حديث عمرو ، رضي الله عنه ، وفيه : " «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا" ، فأقره صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذا الفقه فقد استدل بعموم المعنى في الآية ، فهو يستغرق هذه الصورة وسائر الصور التي يقع فيها الحرج على وجه يخرج عن حد العادة ، فلا يحتمله عموم المكلفين وإن احتمله آحادهم ، فالشرع إنما يحكم للغالب ، فالنادر لا حكم له ، وذلك ، كما تقدم ، مئنة من يسر الشريعة الخاتمة ، فالمنة بها تعظم في عزائمها التي تصلح الدين والدنيا ، ورخصها التي تحفظ مقاصد التشريع فلا تهدرها فليس ثم إفراط ولا تفريط ، وإنما العدل في القول والعمل ، فعدل في العقد ، كما تقدم ، وعدل في الشرع ، فلا غلو بزيادة ولا جفاء بنقص ، فـ : "اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" ، فمن اقتصد في العقد والشرع فسلك جادة الوحي ، لم يحتج إلى شرع محدث فإنما يلجأ من يلجأ من أصحاب الولايات وأرباب السياسات إلى الشرائع الوضعية المحدثة لقلة زاده من الوحي فلما قلت بضاعته من الحق افتقر إلى باطل يكمل به نقصه ، فيزيد به في عقده مقالا محدثا ، ويزيد به في شرعه وسياسته حكما جائرا ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، مع كمال الاغتذاء بشريعة رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، في عقدها وحكمها ، في العلوم والإرادات الباطنة ، والأقوال والأعمال الظاهرة ، فالاغتذاء بها ينفع الروح عقدا صحيحا ، وينفع البدن ، أعمالا صالحة تعمر الأركان فتغمرها ببركتها فضلا عن مقصد الشريعة الرئيس في حفظ الأديان التي تغتذي بها النفوس ، وحفظ الأبدان فهي آلاتها الفاعلة ، فالشرع قد جاء لحفظ الدين والدنيا ، كما تقدم ، ولا تحفظ الدنيا ، باستقراء تاريخ النبوات والسياسات ، لا تحفظ إلا إذا سِيسَت بالوحي ، فهو منهاج الحق في العلم والعمل .

فجاء التيمم ترخصا حال فقد الماء حقيقة ، حفظا للدين أن تضيع فرائضه ، وقد يقال بأنه العزيمة حال فقد الماء حقيقة فهو البدل ، كما تقدم ، والبدل يأخذ حكم المبدل منه ، فالوضوء عزيمة ، فكذا التيمم إذا فقد الطهور المائي ، فهو عزيمة بها تستباح العبادة الواجبة والمندوبة ، من باب أولى ، فتأخذ حكم المبدل منه ، في الجملة ، فَثَمَّ فروق في مواضع ، وثَمَّ تباين في الصفات والماهيات ، فماهية التيمم دون ماهية الوضوء في القدر والوصف ، فلا يلزم في التيمم تعميم الجسد بالطهور الترابي حال التطهر من الحدث الأكبر ، كما هي الحال في الطهور المائي الذي يلزم تعميم الجسد به حال التطهر من الحدث الأكبر ، وكذلك الشأن في الوضوء فلا يلزم في التيمم تعميم أعضاء الوضوء بالطهور الترابي ، فالقياس في هذا الموضع قياس مع الفارق ، إذ الحكم مختلف وإن اتحد السبب ، وهو استباحة العبادة الواجبة ، فذلك ، أيضا ، من يسر الشريعة فالبدل حال الضرورة بفقد الماء حقيقة أو حكما ، البدل أخف من المبدل منه ، بل لو تعذر التيمم بحصول الضرر بالمسح ، أو تلف العضو الممسوح بحرق أو جرح ... إلخ ، فيصلي بلا طهور ، فتلك صلاة فاقد الطهورين ، فيصلي ولا يعيد ، ولو وجد الطهور في الوقت ، إذ قد برئت ذمته بأداء العبادة في وقتها على الوجه الْمَقْدُور المستطاع ، وذلك ، أيضا ، مئنة من يسر الشريعة الخاتمة فتعظم المنة الربانية ، كما تقدم مرارا ، بما شرع من أحكام الترخص كجعل الأرض مسجدا وطهورا ، وهي منة تعم من جهة الآلة فتعم التراب وغيره ، كما تقدم ، فيكون ذكر التربة في رواية : "وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ" ، من باب ذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل فلا يخصصه ، من جهة الأصول ، ومن جهة المعنى ، فتخصيص المنة ، كما تقدم ، ينغصها ، وقد يقال بأن معنى التربة يستغرق ، بأصل الدلالة اللسانية ، كل ما علا الأرض وإن لم يكن ترابا وإنما نسبت التربة إليه تغليبا ، فهو أكثر ما يعلو الأرض ، فيدخل فيها غيره من رمل ونحوه ، فـ : "كَذَلِكَ كَانَ يَتَيَمَّمُ بِالْأَرْضِ الَّتِي يُصَلِّي عَلَيْهَا تُرَابًا كَانَتْ أَوْ سَبْخَةً أَوْ رَمْلًا. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ» ) وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الرَّمْلِ فَالرَّمْلُ لَهُ طَهُورٌ. وَلَمَّا سَافَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَطَعُوا تِلْكَ الرِّمَالِ فِي طَرِيقِهِمْ وَمَاؤُهُمْ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ حَمَلَ مَعَهُ التُّرَابَ وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ فِي الْمَفَاوِزِ الرِّمَالَ أَكْثَرُ مِنَ التُّرَابِ، وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا قَطَعَ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ بِالرَّمْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ" . اهــ من : "زاد المعاد" لابن القيم رحمه الله .

فلو كان الجواز مقصورا على التراب ما وسعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة ، ولا يجوز أن يكون ذلك مما وقع فلم ينقل مع عموم البلوى به فذلك يقدح في عصمة الشريعة من النقص وعصمة الأمة أن تجمع على خطأ ، فلما احتيج إلى البيان ولم ينقل فسكت صلى الله عليه وعلى آله وسلم والحال كما قد علم ، فالتراب قليل نادر ، والرمل كثير غالب ، فلما احتيج إلى البيان وسكت صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ذلك مئنة من جواز التيمم بغير التراب مما علا الأرض من الصعيد الطيب ، فـ : "أل" في : "الصعيد" في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ" مئنة من العموم الجنسي المستغرق لآحاد ما دخلت عليه : "أل" فيعم التراب وغيره ، فأرشده صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جهة اسم الفعل فهو مئنة من الأمر على تقديره بـ : "الزم" ، ولا يخلو ، كما تقدم ، من معنى الإرشاد فضلا عن دلالة الإيجاب ، وقد ذيل بالعلة على جهة العطف بفاء لا تخلو من معنى السببية ، فضلا عن تصدير السياق بالمؤكد الناسخ بعد إيراد حكم ، فذلك مئنة من التعليل ، ولو غيرَ صريح ، كما قرر أهل الأصول ، وذلك جار على ما تقدم من عموم المنة بجواز التيمم بالصعيد كله ، فالسكوت في موضع البيان : بيان للجواز ، فسكوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إيجاب التيمم بالتراب مع علمه بحال الْقِفَارِ والمفاوز التي يغلب على صعيدها الرمال ، مئنة من جواز التيمم بالرمال ، فالسكوت في موضع البيان بيان كما تقدم .

وتستغرق ، أيضا ، من جهة المكان ، إلا ما كان من تخصيص تقدم ذكره ، فثم تخصيص للأرض بالمقبرة والحمام ، فذلك مما علم باستقراء النصوص ، كما تقدم ، فـ : "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ" ، فهو من التخصيص المنفصل بدليل من خارج السياق ، فضلا عن قرينة المعنى ، فالمنة يدخلها التخصيص ، وإن كان خلاف الأصل ، صيانة لحق الرب جل وعلا .

والشاهد أنه لا يثبت الحكم إلا بالأصل ، فإن لم يوجد فقد شرع البدل على جهة التخفيف ورفع الحرج ، فذلك ، كما تقدم ، معنى قد تواتر في الشريعة الحنيفية ، فعلم باستقراء فروعها ، فهو أصل من أصولها يندرج تحته ما لا يكاد يحصى من الفروع ، ففي البيوع : عفي عن بيع المقاثي ونحوه وإن لم يبد صلاحها جميعا فبدو صلاح البعض يعم الكل رفعا للحرج الحاصل من بيعها لقطة لقطة ، فـ : "مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ المقاثي؛ فَإِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ بَيْعَهَا إلَّا لُقَطَةً لُقَطَةً لِأَنَّهُ بَيْعُ مَعْدُومٍ وَجَعَلُوا هَذَا مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إذَا بِيعَتْ بِعُرُوقِهَا كَانَ كَبَيْعِ أَصْلِ الشَّجَرِ مَعَ الثَّمَرِ وَذَلِكَ يَجُوزُ قَبْلَ ظُهُورِ صَلَاحِهِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: {مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ} فَإِذَا اشْتَرَطَ الثَّمَرَ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ وَهُنَا جَازَ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ؛ وَلِهَذَا تَكُونُ خِدْمَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الشَّجَرِ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمَقْصُودُ فِي المقاثي هُوَ الثَّمَرُ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَ المقاثي كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذْ لَا تَتَمَيَّزُ لُقَطَةٌ عَنْ لُقَطَةٍ وَمَا لَا يُبَاعُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يُنْهَى عَنْ بَيْعِهِ .............. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ الَّتِي يُمْكِنُ تَأْخِيرُ بَيْعِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا فَلَمْ تَدْخُلْ المقاثي فِي نَهْيِهِ" . اهـ
بتصرف يسير من : "مجموع الفتاوى" ، (20/547) .

وذلك ، من وجه آخر ، مئنة من إعجاز الوحي ، فالنصوص تتناهى والحوادث لا تتناهى فاقتضت الحكمة الربانية البالغة أن يأتي الوحي بأصول كلية جامعة تستغرق آحاد المسائل ، وأن يأتي بجملة من الأحكام الفرعية في نوازل جزئية يقاس عليها ما جَدَّ من نوازل ، فيلحق الفرع بأصله إذ العلة قد ثبتت على جهة التساوي ، فيكون من قياس التسوية ، أو ثبتت في الفرع آكد وأولى ، فيكون من قياس الأولى ، أو ثبتت فيه أضعف وأدنى ، فيكون من قياس الأدنى ، فأبان الوحي عن أحكام النوازل على وجه محكم قد بلغ الغاية في الإتقان ، فيلحق الفرع بأصله ، ويرد المتشابه إلى محكمه ، فذلك قياس العقل الصريح الذي جاء به التشريع ، فـ : "نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ بِالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ إلَّا لِافْتِرَاقِ صِفَاتِهِمَا الْمُنَاسِبَةِ لِلْفَرْقِ وَلَا يُسَوِّي بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلَّا لِتَمَاثُلِهِمَا فِي الصِّفَاتِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّسْوِيَةِ" . اهـ
"مجموع الفتاوى" ، (20/526) .


والرخصة ، كما تقدم ، خلاف الأصل ، فهي تدور مع الضرورة وجودا وعدما ، فإذا وجد الأصل ، وهو الماء ، على وجه صحيح سالم من المعارضة ، فلا مانع من جراحة أو تلف أو خوف تأخر للبرء من مرض أو خوف هلكة ، كما تقدم في حديث عمرو رضي الله عنه ، فإذا وجد الأصل وانتفى المانع بطلت الرخصة ، على جهة الاستئناف فما تقدم فهو صحيح قد وقع على وجه يجزئ فلا تلزمه إعادة صلاة صلاها بالتيمم ، وإن وجد الماء بعد ذلك ، بل ولا يلزمه أن يؤخر الصلاة بل يصلي في أول الوقت بالتيمم إن لم يغلب على ظنه أن يجد الماء قبل خروج الوقت ، فلا يهدر فضيلة الصلاة في أول الوقت مع غلبة الظن ألا يجده قبل خروجه ، فيصلي على حاله ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، من يسر هذه الشريعة مع إحكام أحكامها على وجه استغرق أدق الأحوال والفروع ، ولو قَلَّ وقوعها على وجه لا يفضي إلى تكلف في تقدير فروع لا تكاد تقع ، فهي من النادر ، والنادر ، كما تقدم ، لا حكم له ، فهي شريعة لو تتبعت أحكامها في باب واحد كالتيمم وتأملت ما فيها من تيسير وما فيها من دقة في الحكم بإناطته بمعنى صحيح صريح يدركه العقل والحس ، فهو يواطئ وجوه الاستدلال الصحيح في نقله ، الصريح في عقله ، فلو تتبعت ذلك لعلمت أنها شريعة رب الأرض والسماء ، عز وجل ، وأنها الشريعة المحفوظة بوعد الرب ، جل وعلا ، الصادق ، فقد وصلت إلينا بنقل صحيح سالم من المعارضة ، فَثَمَّ معايير محكمة لا يحكم على خبر بصحة أو ضعف إلا بعد اعتباره بها فهي معيار صحيح للحكم على الأسانيد ورجالها ، وذلك ما أقر به المخالف بل وذهل ! ، وجاء هذا النقل بما يواطئ العقل الصريح ، فثم معايير أخرى للاستنباط قد بلغت الغاية في الدقة اللسانية والعقلية ، فجاء الوحي بأصح لفظ وأصرح معنى فلم يدع لمخالف حجة ، ولم يدع لمكلف حاجة في غيره : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

وثم إطناب في بيان المنة فذلك آكد في تقريرها ، فجاء الشرط المؤكد بـ : "ما" ، فـ : "أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ" فالزيادة في المبنى مئنة من الزيادة في المعنى ، فـ : "أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ" ، فذلك خطاب يتعلق لفظه بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعم بمعناه لقرينة عموم التشريع فهو الأصل ، كما تقدم ، ومع ذلك ورد النص العام لفظا ومعنى ، فـ : "رَجُلٍ" : نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم ويدخل فيها النساء ، بداهة ، إذ مفهوم رجل في هذا السياق : مفهوم لقب فلا يدل على انتفاء غيره ، بل القرينة الشرعية تدل على دخول جميع المكلفين فعموم التشريع ، كما تقدم ، هو الأصل ما لم يرد الدليل الصارف إلى شخص ، كما في خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو نوع كأحكام الجهاد فهو مقصور على الرجال إلا في أحوال مخصوصة كاستباحة العدو ديار المسلمين فيلزم جميع أهلها الدفع ويلزم من جاورهم النصر ، فـ : (إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) ، وذلك بداهة مما عطل في زماننا فعمت به البلوى فلا تكاد تجد نصرة للمستضعفين من المؤمنين ولو بالدعاء والكلمة ! ، بل والقرينة اللغوية تدل على العموم في سياق : "أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ" ، فذلك ، كما تقدم ، من خطاب التغليب .

والعموم قد استغرق المكان في : "فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ" ، وأعيان المكلفين في : "فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ" ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، آكد في بيان المنة وتقريرها .

والله أعلى وأعلم .