المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ ........)



مهاجر
31-01-2013, 08:33 AM
ومن قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فسخره ، تبارك وتعالَى ، للبشر المكلف الذي يَختار ويفعل بإرادة فاعلة مؤثرة لَا تَخرج عن إرادة التكوين النافذة ، فهي مشيئة ربانية جازمة ، فَثَمَّ اختيار مؤثر فِي فعل البشر ، بِما أُودِعَ فِي آلَاته من قوى الفعل والترك ، وبِما خلق فِي جنانه من حركة الحب والبغض ، فهما ، كما تقدم مرارا ، أصل كل حركة اختيارية فِي الخارج فلَا تتحرك النفوس الحية الحساسة المتحركة بالْإرادة إلَّا طلبا لمحبوب أو دفعا لمكروه ، وذلك مناط يصح أن يعلق به التكليف الْاختياري : عقدا وشرعا ، قولًا وعملًا ، فعلًا وتركا ، فَسُخِّرَ من جهة التكوين ، وكلف من جهة التشريع ، فالجهة منفكة ، فهو يشترك مع جَميع الكائنات فِي دخوله فِي معنَى السخرة الكونية ، فالخلقَ جَمِيعًا عباد لله ، جل وعلَا ، ينقادون لِإرادة التكوين ، فــ : (يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ، فلَا تقع حركة فِي هذا الكون ، بِخير يقضى فضلًا ، أو شر يقضى عدلًا ، وإن كان الْخَيْرُ فيه باطنا آجلًا ، فلَا يتمحض الشر فيه من وجه ، بل يغلب خيره ، ولو آجلا ، شره ولو عاجلا ، فقضاؤه ، جل وعلا ، خير كله ، سواء أكان قضاء تكوين نافذ ، فَوَجْهُ القدرة فيه أظهر ، وإن لَم يَخل من حكمة ، فــ : (مَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) ، فكان قرحا أصاب الْأبدان ، وكان خيرا تَمايزت به الْأديان ، فلم يخله الرب الحكيم الرحيم ، جل وعلَا ، من خير ، وإن كان ظاهره ، بادي الرأي ، القرح والْألَم ، وتلك ، كما تقدم مرارا ، مئنة من حكمة ربانية بالغة ، فمن الشر يستخرج الرب ، جل وعلَا ، الْخَيْرَ ، ومن المحنة تكون المنحة ، وعند التعارض ، كما يقول المحققون ، يقدم الْأَوْلَى ، فتحتمل المفسدة الصغرى رَجَاءَ حصول المصلحة العظمى ، فما ثَمَّ شر إلَّا وفِي طياته الخير ، فيا صاحب الْابتلَاء أبشر وإن طال ليل الكرب ، فما بعده إلَّا فجر الفرج فتلك سنة الرب ، جل وعلَا ، فِي الكون ، فالْأيام دول ، والْأحوال لَا تدوم ، فـ :

وَعَالم الكَوْنِ لا تَبقَى محاسِنُه ******* ولا يَدُومُ على حالٍ لَهَا شانَ .

فثم أغيار تتعاقب بِها تظهر حكمة الرب ، جل وعلَا ، فِي تدبير الكون ، فــ : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، فالجميع ليد القدرة يَخضع ، وبيد الحكمة يدبر ، فهو ، أبدا ، يفتقر إلى الرب ، جل وعلَا ، أن يوجده ويصحح آلَاته ومَحالَّه البدنية والقلبية ، فتقبل آثار الْأغذية المحسوسة والمعقولة ، فهي أسباب يُجريها الرب ، جل وعلَا ، فخلق السبب الكونِي من ماء يَنْزِل ، وغذاء ينبت ، فــ : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) .

فلَا ينفك البشر يفتقرون إِلَى الرب ، جل وعلَا ، فِي التكوين وفِي التشريع ، فهو الذي يُجري أسباب الْأديان التِي بِها تَحيَى القلوب ، ويُجري أسباب الطعام والشراب والنكاح ..... إلخ التِي بِها تَحيَى الْأبدان وتُحفظ الْأنواع من الفناء ، فجميعهم للرب ، جل وعلَا ، مسخر ، وجَميعهم عبد مُذَلَّل ، يَخضع لربه وينقاد بإرادة التكوين ، فلَا يكون فِي الكون إلَّا ما الرب ، جل وعلَا ، يريد ، فهو الْمهيمن بِمشيئته ، الْمهيمن بكتابه وشريعته ، فـ : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) ، وهو ، تبارك وتعالى ، الذي خضع له من فِي السماء والْأرض اضطرارا ، فجَميع الخلق له ينقاد ، وخضع لشرعه من شاء فاصطفاه فَقَرَّبَه وأدناه وامْتَنَّ عليه بالتزام الشرع والسَّيْرِ على جادة الوحي ، فالخلق جَميعا عباده شاءوا أو أبوا ، فتلك عبودية الْاضطرار الكونية ، فــ : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، فذلك يندرج ، أيضا ، فِي عموم التسخير ، فلَا يقتصر على البحر ، فليس إلَّا فردا من أفراد العموم فذكره فِي هذا الْموضع يَجري مَجرى التمثيل للعام بفرد من أفراده ، فلَا يُخَصِّصُهُ ، إذ ذكر بعض أفراد العام لَا يُخصصه ، فضلًا أن السياق غير حاصر فهو سياق امتنان بنعمة كونية ، ونعم الرب ، وجلَا ، لَا تُحصى ، فذلك جنس عام تندرج فيه أنواع ، فمنها : النِّعَم الشرعية ، ومنها النِّعَم الكونية ، ونِعَمُ الشرع ، كما تقدم مرارا ، أشرفها وصفا وأعظمها قدرا ، وهي في نفسها تتفاوت فليس أشرف من نعمة النبوة ، فالوحي مادتُها ، وهي مادة تصور وحكم ، فبها تَحصل العقود العلمية الباطنة ، وبِها تسن الشرائع الحكمية الظاهرة فِي القول والعمل ، فِي الفعل والترك ، في السياسة والحكم ، فتلك مادة عصمة تعصم صاحبها من الْانْحراف العقدي ، والْانْحراف الشرعي ، فتعصم من البدعة والمعصية ، والبدعة ، كما تقرر ، منها بدع علمية اعتقادية فالعاصم منها تصديق خبَر الرسالة ، وبدع عملية فالعاصم منها امتثال حكم الشريعة ، والمعصية ، أيضا ، جنس عام ، تندرج فيه كل مُخالفة للوحي ، فيعم من هذا الوجه ، كل ما خالف الشرع من قول وعمل ، من تصور وحكم ، بزيادة فعلية أو نقص تركي ، فمن المعاصي ما يُقْتَرَف ، فهو انتهاك بفعل مُحرم ، وذلك ما يتبادر إِلَى الذهن عند إطلَاق المعصية ، فهي تنصرف ، بادي الرأي ، إِلَى فعل ما نَهى عنه الشرع نَهيا جازما سواء أكان بدليل قطعي أم ظنِي ، وذلك أمر يعم ، وإن أطلق بعض أهل الْأصول من الحنفية ، رحِمهم الله ، على المحظور بدليل ظنِي وصف المكروه كراهة تَحريم فلا يخرجه ذلك عن حد الوعيد ، فالخلاف لفظي لَا يُبْنَى عليه عمل ، وإن بُنِيَ عليه اعتقاد ، فلَا يكفر عندهم منكر المكروه التحريمي إذ قد ثبت بدليل ظنِي ، ومنكر الظنِي لا يكفر على الصحيح من أقوال أهل العلم خلافا لمنكر المحرم القطعي فثبوته يَقِينِيٌّ ، ومنكر القطعي ، منكر لما قد علم من الدين بالضرورة ، فيكفر من هذا الوجه إلا أن يكون ثم مانع يمنع نفاذ الوعيد ، من جهل أو قرب عهد بإسلَام ، أو بعد دار فلَا تشتهر فيها الْأحكام ..... إلخ ، ولَا خلَاف ، عند التدبر ، فإن منكر الظنِيِّ عند الجميع لَا يكفر ، إلَّا من جحد واسْتَكْبَرَ فاستبانت له صحته فِي نفس الْأمر ، فعنده من القرائن المحتفة به ما ليس عند غيره ، فهو فِي حقه يقين ، وإن كان في حق غيره ظن ، أو استخف ، فالْاستخفاف بالشرع فِي نفسه ينقض أصل الدين ، سواء أسخر من قطعي أم ظنِيِّ ، من واجب أم مُحرم ...... إلخ ، فمنكر الظنِيِّ لشبهة أو عدم بلوغ للحجة ، فكم أنكر أفاضل أحاديث لَم تثبت صحتها عندهم فَجَاءَتْهم من طريق غَيْرِ مرضية ، أثبتها غيْرُهم فجاءتْهم من طريق مرضية ، فهي حجة على الْآخرين ، وإن لَم تكن حجة على الْأولين ، وليس ذلك ، بداهة ، من اختلاف الشرائع ، فالشرع واحد والحكم واحد والحق فِي نفسه واحد لَا يَتَعَدَّد ، ولكن طرق بلوغه تَتَبَاين فيبلغ بعضا من طريق يفيد اليقين فهو عندهم قد تواتر فأفاد القطع وإن لم يتواتر عند غيرهم فلَا يفيد إلَّا الظن ، والظن ، من وجه آخر ، يكفي إذ الرجحان الغالب يكفي فِي موارد العلم والعمل ، فيجتهد من يَجتهد فِي تَحرير طرق الْخَبَرِ وألفاظه ، أو يَجتهد في اختيار مقلده فِي الْأصول أو الفروع ، فالتقليد فِي أصول الدين صحيح ، فلَا ينفك عن اجتهاد فِي تَحري الحق ، ولَا ينفك عن قدر ضروري من العلم يدركه كل مكلف فلَا يفتقر إلَى نظر أو استدلَال ، فهو معلوم متواتر : تواترا عاما تقوم به الحجة على عموم المكلفين ، ومن رحْمة الرب ، جل وعلَا ، أن أقام على الحق دلَائل دامغة ، يَحصل بِها القطع فِي النقل والعقل معا ، فقد تواتر ذكر النبوة واشتهر ، وهي ، كما تقدم ، أعظم الْمِنَن ، فمن مشكاة العصمة قد خرجت ، والشيء ، كما يقول بعض المحققين ، يكثر وجوده فِي الخارج إن كان مَحسوسا ، أو تكثر أدلته فِي الذهن إن كان مَعقولًا ، كلما ازدادت الحاجة إليه ، وتلك ، أيضا ، من رحمات الرب ، جل وعلا ، فقد يسر سبب الرزق الكوني فسخر البحار والأنهار ، وسخر الحيوان والطير والشجر ، فذلك ، أيضا ، عموم يندرج فيه خصوص المنة في الآية ، فسخر الكون كله للإنسان لينتفع به ، من وجه ، وذلك قدر مشترك يحصل للمؤمن والكافر ، فــ : (مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، وليتذكر بآيه الكوني تفرد خالقه بالأمر الشرعي ، فيشكر النعمة الكونية بامتثال الطريقة الشرعية في القول والعمل ، فـ : (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) ، فجاء الأمر بعد جملة من المنن الربانية فهي مئنة من انفراده ، جل وعلا ، بربوبية العناية الخاصة برسله ، عليهم السلام ، ففيها قدر زائد على العناية العامة بسائر الخلق ، وإن كان الجنس واحدا ، فنعمة الرب ، جل وعلا ، قد عمت البشر جميعا وإن اختص الأنبياء عليهم السلام بقدر زائد هو اصطفاء النبوة فهي المنة التي لا تعدلها منة ، فهي الرحمة العامة التي تستغرق صاحبها ابتداء ، فــ : (كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وتستغرق أمته من بعده ، فــــ : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) .

والشاهد أن النعمة الربانية : نعمة سابغة ، وقد علقت المنة على فعل التسخير فهو مناط الحكم إذ الصلة : "الَّذِي سَخَّرَ" منه قد اشتقت ، والاشتقاق مئنة من العلية ، والنص هنا ، وإن أورد مورد الخبر إلا أنه بداهة لا يخلو من دلَالة إنشاء ، فلَازم الامتنان بِهذا التسخير الكوني ، شكر الرب ، جل وعلَا ، بالقول والفعل ، كما تقدم ، فالشكر مئنة من الْإقرار والاعتراف بالمنة ، من وجه ، وذلك معنًى يدخل في حد الإيمان ، فالمؤمن يُقِّرُ بنعمة الرب ، جل وعلَا ، وهي أعظم نعمة ، فَثَمَّ نعمة الوحي والنبوة التِي بِها تُحفظ الْأديان فهي مناط السعادة والنجاة ، وثَمَّ نعمة الكون من جبلة معتدلة ، فـ : (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) .

فالرب ، جل وعلا ، هو الخالق البارئ المصور الذي سخر الكون للإنسان ، فهو الخليفة على جهة الابتلاء ، ليظهر الرب ، جل وعلا ، فيه معلومه الأول ، فتأويله ما يكون في عالم الشهادة من تصور وإرادة وقول وعمل ، فتقدير الرب ، جل وعلا ، يستغرقها جميعا فمشيئته عامة نافذة لا راد لها ، فسخر ، جل وعلا ، الكون عموما ، وسخر البحر خصوصا في هذا الموضع ، فذلك من التفصيل في بيان المنة في مواضع عدة فَيَزِيدُهَا تقريرا ولا يقصرها على المذكور فذلك من التخصيص بالأفراد ، وهو منتف في الأصول ، كما تقدم ، إذ ذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل لا يخصصه ، لا سيما في موارد الامتنان ، فتخصيص المنة ينغصها ، فـ : هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ : فذلك من وجه آخر يجري مجرى القصر بتعريف الجزأين ، الضمير والموصول فهي من المعارف كما قرر أهل الأصول فذلك مما يزيد المنة بيانا وتقريرا ، من جهة عظم المنة فهي من عظم من امتن بها فالقصر في مورد التسخير الكوني ولا يكون إلا بمشيئة نافذة لا راد لها ، وليست تلك إلا مشيئة الرب ، جل وعلا ، ذلك القصر مئنة من قدرة نافذة على الإيجاد ، وحكمة بالغة في الإعداد فقد أعد ، جل وعلا ، كل كائن لما له خلق ، وأعد كل سائل لما له صب وسكب ، فمنها ما يروي الظمأ ، ومنها ما لا يروي وإن اسْتَزَاد الشَّارِبُ منه ما اسْتَزَاد ، فماء البحر المالح لا يروي ، وإن كان ينفع ، من وجه آخر ، فقد هيأه الرب ، جل وعلا ، وسخره لعيش أنواع من الخلق لا تعيش إلا فيه فلا تحيى في الماء العذب ، وقل مثله في الماء العذب ، فثم كائنات لا تعيش إلا فيه ، فلا تعيش في الماء المالح ، فأعد الرب ، جل وعلا ، كل بحر لما له خلق ، فذلك من عموم التيسير الكوني في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، : "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، فذلك من التيسير الكوني بكلمة نافذة تجري على وزان الحكمة البالغة ، فهو تأويل العلم الأول إذ علم ، تبارك وتعالى ، ما يصلح لكل محل وما به تحصل المصلحة العظمى والغاية الرئيسة من الخلق من ظهور آثار الكمال الإلهي ، وما يستلزمه ذلك من إفراده ، جل وعلا ، بالعبادة ، فالكلية تستغرق ما عقل من المكلفين فينصرف إليهم اللفظ ابتداء لقرينة السياق فهو في مقام البيان لما أشكل في باب القدر ، فثم تكليف شرعي ، فــ : "اعْمَلُوا" ، وثم في المقابل ، تقدير كوني ، فــ : "كُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ" .

والشاهد أن النعمة الربانية السابغة قد أبان عنها التنزيل على وجه تكرر وتقرر ، فَثَمَّ مواضع عدة في التنزيل امْتَنَّ الرب ، جل وعلا ، فيها بنعمة التسخير الكوني فحسن إيراد الفعل الكوني التسخيري في سياق الامتنان الرباني على النوع الإنساني ، حسن إيراده على حد القصر بتعريف الجزأين مئنة من التقرير والتوكيد وبيانا لانفراد الرب ، جل وعلا ، بهذا الأمر فهو من آيات الربوبية المعجزة فلا تقبل الشركة ، فليس ثم من يسخر البحر وسائر الكون إلا الرب ، جل وعلا ، فهو الذي انفرد بالتكوين والتدبير ، فله ربوبية الإنشاء للمحال والإعداد لها لتقبل آثار التدبير الرباني ، الكوني والشرعي ، فإن التدبير الكوني قد استغرق موارد الخلق الجبلي للأعيان التي ركز فيها الرب ، جل وعلا ، قوى الحس والحركة ، والتدبير الشرعي ، من وجه آخر ، قد استغرق موارد الاختيار الفعلي الاختياري وجودا وعدما ، فإن الترك أمر وجودي ، كما قرر أهل الدرس الأصولي ، فثم تدبير استغرق جميع الأعيان والأحوال ، فَثَمَّ تسخير للكون عموما ، والبحر خصوصا على جهة التمثيل ، كما تقدم ، فمنة الرب ، جل وعلا ، سابغة لا تحصى أجناسها ولا أعيانها ، فـ : (إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فثم عموم قياسي ، فالإضافة إلى المعرفة في : "نِعْمَةَ اللَّهِ" : مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فذلك عموم لا يحصي آحاده إلا الرب المحصي ، جل وعلا ، فهو الذي أحصى الأعيان عدا ، فـ : (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) ، فثم توكيد باللام و : "قد" فهي مئنة من التحقيق إذ دخلت على الماضي ، فذلك مما أحصي بالعلم التقديري الأول فهو ماض بالنظر في زمن الخطاب فَقَد تقدم عليه فهو أمر ثبت في الأزل فعلم الرب ، جل وعلا ، بالنظر في نوعه ، قديم أزلي فالرب ، جل وعلا ، أول بالذات والوصف ، وبالنظر في آحاده فهو حادث يتعلق بآحاد المقدورات المعلومات في الخارج فأحصاها الرب ، جل وعلا ، تقديرا في الأزل ، وأحصاها كتابة في صحائف الأعمال بعد إذ كانت ، فالثواب والعقاب إنما يتعلق بالموجود الكائن لا المعدوم الغائب فذلك يتعلق بالمعلوم التقديري العدمي ، فمن رحمة الرب ، جل وعلا ، أن كان الجزاء على المعلوم الوجودي ، فيحصى المفعول بالعلم التقديري الأول ، ويحصى ، من وجه آخر ، بالعلم الإحصائي الثاني ، فجهة التَّعَلُّقِ تَنْفَكُّ ، فهي ماض بالنظر في العلم المتقدم ، وهي مما يقع تأويله ولا يزال بِتَوَالِي المعلومات الوجودية في عالم الشهادة ، وثم ما لم يقع بعدُ يومَ الحشر ، فذلك أمر يستقبل فتكون دلالة الماضي عليه دلالة تحقق ، فهي من جنس الماضوية في قول رب البرية جل وعلا : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، أي : سيأتي ، فلما يأت بعد ، وهو آت لا محالة ، فذلك موعود الرب ، جل وعلا ، الصادق ، فلما يأت بعد ، وهو مع ذلك حتم لازم فذلك خبر الوحي ، وهو ، كما تقدم ، أصدق وارد علمي ، فِبِهِ تكمل قوة التصور ، فالوحي قد أبان عن حقائق الخلق الأول ، فـ : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ، وأخبار الأمم السابقة فالسنة فيها واحدة ، فـ : (إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) ، فتلك سنتها في التشريع ، و : (لَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) ، فتلك سنتها في التصديق ، و : (إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) ، فتلك سنتها في التكذيب والعصيان ، و : (سَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) .

وفي آي الجاثية قدر زائد به تزيد المنة بيانا وتقريرا ، فـ : (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ) ، إذ دلالة اللام في : "لكم" : مئنة من الاختصاص في سياق الامتنان ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير فهو مئنة من الحصر والتوكيد ، وذلك آكد في تقرير المنة الربانية على النوع الإنساني ، فالضمير في : "لكم" ، وإن أفاد بوضعه اللغوي : خطاب المواجهة ، فدلالته : دلالة المخاطَبين ، إلا أنه يستغرق بالنظر في عموم المعنى : جميع المخاطبين ، وإن لم يتوجه إليهم الخطاب الأول ، فذلك ، من وجه ، مِمَّا يستأنس به من يجوز خطاب المعدوم ، وهو الراجح من أقوال أهل الأصول ، فتلك النعمة السابغة لا تقتصر ، بداهة ، على المخاطَبين ، بل تعم غيرهم بدلالة العموم المعنوي ، فثم قرينة من خارج ، وهي عموم خطاب الشارع ، جل وعلا ، فالعبرة بعموم لفظ الرسالة لا بخصوص خطابها ، فقد نزلت جملة منها على أسباب ، فَتُفِيد العموم ، فالعام الوارد على سبب محفوظ الدلالة ، وإن احتمل التخصيص بصورة السبب أو عينه ، فذلك احتمال بعيد ، وهو خلاف الأصل ، فلا يرد به ما اطرد من دلالات العموم في النصوص فهي الأصل في الشرع ، وتخصيصها بأسبابها إهدار لمعانيها التي تستغرق نظائر السبب بدلالة القياس الصريح ، سواء أكان لحنا أم فحوى أم قياسا أدنى ، فكل أولئك مما يستفاد من منطوق اللفظ ، فضلا عن دلالة العكس ، فهي دلالة المفهوم أو دليل الخطاب الذي يُبَيِّنُ حكم الأضداد ، فالعام الوارد على سبب يعم كسائر أجناس العام فيستغرق جميع أفراده حتى يرد الدليل المخصص ، ودخول سببه فيه ، من وجه آخر ، قطعي لا يحتمل التخصيص خلافا لدخول بقية أفراده ، فدلالته عليها دلالة ظن راجح فتحتمل التخصيص فدلالتة دلالة قطع جازم فيقضي القطعي على الظني ، بداهة ، فدلالة النصوص ، أخبارا وأحكاما ، دلالة عموم فتعم المنة المخاطبين ومن جاء بعدهم ، فلا وجه لتخصيصها ، فذلك مما ينغصها ويكدرها ، فلا تخص المنة إلا احترازا لحق الخالق ، جل وعلا ، كتخصيص عموم : "وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" ، بالصلاة في المقبرة والحمام ، فذلك جَعْلٌ شرعي في مقام الامتنان بالرخصة ، فهي من أعطيات الرب ، جل وعلا ، التشريعية التي بها كان التخفيف ، فالمنة تكون بالتيسير ، ودلالة اللام ، أيضا ، مئنة من الاختصاص فمعنى المنة فيها ظاهر ، وقد خوطب بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جهة المواجهة ، فتعم المنة بالنظر في المعنى ، فعموم المنة يَسْتَغْرِقُ جميع المكلفين إذ لا قرينة تخصص ، فالأصل في التشريع العموم ، وقل مثله في التيسير بالتخفيف ، فالأصل فيه ، من باب أولى ، العموم ، إذ به تعظم المنة ، وقل مثله في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ" ، فتكلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جهة الخصوص فتاء المتكلم مئنة من الخصوص ، وهو ، من وجه آخر ، مما يعم بمعناه ، على وجه ، إذ النصرة تعم الرسل عليهم السلام جميعا وأتباعهم ، فـ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، فثم عموم في : "رُسُلَنَا" ، و : "الَّذِينَ آمَنُوا" ، يستغرق جميع أفراده ، فدلالة الموصول دلالة عموم قياسي ، فضلا عن إيراده على حد الجمع ، فـ : "الذين" مما حد حد الجمع وإن لم يكن جمعا ، إذ هو مما وضع على بناء واحد فلا يعرب بالحروف أو الحركات ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، مما ارتجل من الموصول المفرد ، فيجري على سَنَنِه في البناء ، فكان الأصل هو المفرد ، ثم ارتجلت صيغ المثنى ، فهو مما أعرب إعراب المثنى ، والجمع ، فهو مبني ، وإن أعرب الموصول في بعض اللغات ، وهي لغة هذيل كما حكى القرطبي رحمه الله ، وإن أعرب بالحروف على حد جمع الذكور السالم ، كما في قول الشاعر :
نحن اللذونَ صَبَّحوا الصَّباحا ******* يومَ النُّخَيْلِ غَارةً مِلْحاحَا .

فَثَمَّ عموم موصول : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، فأنيط حكمه بالوصف الذي اشتقت منه صلته فمناط الأمر هو الإيمان ، وهو وصف يعم من جهة المعنى إذ الإيمان ، كما تقدم ، يستغرق جميع محال التكليف ، فَيَعُمُّ الباطن بعلومه ، واللسان بشهادته وذكره ، والأركان بأفعالها وتروكها ، فَيَعُمُّ جميع أحوال الأفراد والجماعات الاختيارية ، فهو عقد باطن ولسان صادق وعمل شاهد ، وسياسة فرد بالزهد والرياضة ، وسياسة جماعة بشرائع ملزمة ، وسياسة دول بمواثيق وعهود محكمة ، لا تنقض عرى الدين ولا تبطل أحكامه فهي سياسة شرعية محكمة بها يصان الدين أن تنتهك الأحكام ، وتحفظ الدنيا أن تضيع المصالح المعتبرة ، فالشرع خير كُلُّه في أمور الدين والدنيا معا ، فالمنة قد علقت بوصف ، وهو الإيمان ، فتكون النصرة في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم خصوصا بالنظر في خطاب المواجهة في سياق التشريع ، وتكون في حق جميع المؤمنين بالنظر في عموم المعنى ، فكذلك الشأن في الآية : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فخطاب المواجهة يخص المخاطب ، وعموم المعنى يَسْتَغْرِقُ جميع المؤمنين من أمة الإجابة بل ويعم غيرهم من أمة الدعوة فيعم ، عند التدبر والنظر ، جميع المكلفين ، إذ المنة الكونية عامة ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، فامتن ، جل وعلا ، على المؤمن والكافر معا ، بنعم التكوين والتدبير ، فخلق ورزق ودبر ..... إلخ ، فهداهم إلى ما فيه صلاح الأبدان ، بل وامتن عليهم بما فيه صلاح الأديان هداية إرشاد وبيان ، فالمؤمن قد خص بهداية الإلهام والتوفيق فلا تكون إلا لمن امتن عليه الرب الحكيم العليم بنعمة التصديق والانقياد .

فـ : سَخَّرَ الْبَحْرَ ، وذلك ، أيضا ، يجري مجرى التمثيل للعموم بذكر فرد من أفراده ، فهو مِنَّةٌ من جملة مِنَنٍ ربانية سابغة ، فلا يحصيها إلا الرب ، جل وعلا ، فقد : (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فتلك دلالة اختصاص أخرى ، على ما تقدم ، من عموم الخطاب بالنظر في معناه ، فثم عموم آخر يضاهيه وهو عموم المنة لما خلق الرب ، جل وعلا ، في الأرض ، فلا يخص ، كما تقدم ، إلا لحق الرب ، جل وعلا ، بقيد : (يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فذلك عموم فصلت آحاده في مواضع ، فـ : (مَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) .
فذلك ، كما تقدم ، من خصوص المنة بتسخير البحر ، فيجري مجرى التفسير لعموم المنة في قوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .

فسخر العموم ، إذ دلالة الموصول دلالة عموم فَتَسْتَغْرِقُ جميع الأعيان والأجرام والأحوال في السماوات والأرض ، وسخر البحر على جهة الخصوص في هذه الآية ، ولا ينفك يدل على عموم يَسْتَغْرِقُ العذب والمالح ، فكلاهما بحر ، وإن خص العرف الحادث البحرَ بالمالح ، فدلالة العموم آكد في تقرير المنة ، وبعد الامتنان بالخلق جاء الامتنان بوجوه الانتفاع به ، ففصل القول فذلك آكد في تقرير المنة ، فسخر البحر لـ : تَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ، فنص على الأكل خصوصا ، وإن كان الانتفاع به يكون بالشرب إذا حُلِّيَ ، وبالوضوء والاغتسال فوصفه في الخبر : "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" ، فجاء الخبر على جهة القصر بتعريف الجزأين إمعانا في بيان المعنى وتقريره في سياق الامتنان ، فماؤه طهور وتلك صفة مشبهة حدت على جهة المبالغة إمعانا في تقرير المعنى ، فتزيد على الصفة المشبهة الأخرى : طاهر ، فالطهور ، كما قرر أهل الفقه ، يزيد على الطاهر ، إذ الطهور ، ولو مستعملا ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، طاهر في نفسه ، فذلك قدر يشترك فيه الطهور والطاهر معا ، مطهر لغيره ، وذلك قدر يزيد به الطهور على الطاهر ، فهو مطلق في الوصف خلافا للطاهر فلا ينفك يقيد كماء الورد والزعفران ... إلخ ، فكل أولئك مما خالطه طاهر أخرجه عن إطلاقه فصار طاهرا في نفسه غير مطهر لغيره فهو دون الطهور فجاءت المنة بطهورية ماء البحر المالح ، فحدت على جهة المبالغة ، وزيد في تقرير المنة بالزيادة في الجواب فالسؤال عن طهورية الماء فورد الامتنان مع ذلك بحل مَيْتَتِهِ ، فذلك مِمَّا خص به عموم التحريم في قول رب العبيد تبارك وتعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) ، وذلك مِمَّا خص ، أيضا ، بالجراد ، فـ : "أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ، فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ، فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ" ، فخص عموم التحريم للدم ، أيضا ، بالكبد والطحال .

فنص على الأكل والمنة تعم بالأكل والشرب والاغتسال .... إلخ ، وأسند الفعل إلى ضمير الجماعة فهو مئنة من جمع الذكور السالم ، وهو ، مع ذلك ، يعم ، النساء ، بقرينة عموم التشريع ، وعموم المنة في هذا الموضع بعينه فلا تخص بجنس دون آخر ، فذلك مما ينغصها ، ولا تخص بمأكول دون آخر ، فذلك ، أيضا ، مما ينغصها ، فلا يكون تخصيص في منة إلا حفظا لحق ذي العزة ، تبارك وتعالى ، كأن يكون اللحم المطعوم قد ثبت يقينا ضرره ، فالأصل فيه الإباحة ، فالحظر طارئ ينقل عن الأصل ويحظر ما أصله الإباحة فلا يسلم به إلا بقرينة مُعْتَبَرَةٍ تخرجه عن الأصل ، أو يكون مسروقا أو مغصوبا فالحرمة من خارج ، فاللحم في نفسه مُبَاحٌ ، ولكن وصف السرقة أو الغصب قد ورد عليه فصار حراما لا لذاته وإنما لغيره إذ طرأت عليه الحرمة من خارج ، ودلالة : "من" : دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء غاية الأكل تكون من البحر صيدا أو مما يقذفه البحر ابتداء ، وَثَمَّ ذكر لبعض أفراد العموم فخص اللحم الطري بالذكر فلا مفهوم للوصف في سياق الامتنان ، كما قرر أهل الأصول ، فيحل الطري والجاف ، وزيد في تقرير المنة بذكر وجوه أخرى من وجوه الانتفاع : وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ، وقد وصف بما وضعت لأجله ، وهو اللبس ، فالحلية تلبس ، فالامتنان بها يكون بوجه انتفاع صحيح مُعْتَبَرٍ ، وإلا كان استعمالها في غير ما وُضِعَت له عَبَثًا ، فذلك ، بداهة ، مما ذم في صحيح المنقول وصريح المعقول ، والحلية تعم ، فهي حلال للذكر والأنثى ، فلم يحرم على الرجال إلا الذهب والحرير ، وقد يقال ، من وجه آخر ، بأن ذلك مما يخص بالعرف فقد يجري العرف بتحلي النساء باللؤلؤ والمرجان ... إلخ من زينة البحر فلا تجري العادة أن يتحلى به الرجال فتقبح مخالفة العرف الذي اختص كل نوع بما يلائمه من الزينة ، فالعرف الصحيح يعتبر بل هو من أصول التشريع ، كما قرر أهل الأصول في بيان أدلة الأحكام الكلية .

وزيد في تقرير المنة بإيراد وجه ثالث وهو ركوب الفلك في البحر ، فتشاطر الأنعام هذا الوجه ، فـ : (عَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) ، فحسن في سياق الامتنان تقديم ما حقه التأخير إمعانا في البيان والتوكيد ، وتشاطر كل ما حدث بعد ذلك من ركائب ، فـ : (الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، وحسن إيراد الفعل في : "وَتَرَى الْفُلْكَ" ، على حد المضارعة إمعانا في استحضار الصورة فذلك مما يحسن في سياق التقرير لِلْمِنَّةِ ، ومن ثم ذيل بعموم الفضل بعد أن نص على آحاد منه ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بالعام بعد الخاص ، فذلك مما يزيد المعنى بيانا وتوكيدا ، وبعد تلك الجملة الوافرة من وجوه الامتنان بتسخير البحار ، جاء التذييل بالعلة : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فذلك جار على ما تقدم مرارا من التلازم الوثيق بين آي الربوبية ولازمها الضروري من أحكام الألوهية تعبدا عاما وشكرا خاصا في مقام الإقرار بالمنة الربانية السابغة ، فحسن التذييل بالشكر خصوصا ، وإن كانت دلالته دلالة العبادة عموما ، فالشكر يَسْتَغْرِقُ آحادها فيكون بالجنان واللسان والأركان ، فحسن إطلاقه فهو يَسْتَغْرِقُهَا جميعا ، وحسن إيراده على حد المضارعة إمعانا في استحضار الصورة فذلك آكد في تقرير المنة ، فضلا عن دلالة المضارعة فهو أمر يتصل زمانه فيحدث العبد من آحاده شكرا لكل نعمة تترى ، ونعم ربنا ، جل وعلا ، لا تنقطع ، فواجب الشكر حتم لازم في كل وقت إذ لا ينفك العبد يَتَنَقَّلُ في نعم الله ، جل وعلا ، فـ : (إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) .

والآية ، من وجه آخر ، بإطنابها في بيان وجوه المنة ، تزيد على ما ذكر في مواضع أخرى كقوله تعالى : (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فزادت عليها الأكل والزينة ، فتلك زيادة لا تعارض فيها ، فالزيادة لا تعارض الأصل فتشبه ، من وجه ، الزيادة في النص على وجه لا يخصص أو يقيد الأصل ، فليست نسخا ، فزيادة إيجاب الزكاة على الصلاة ليست نسخا للصلاة ، بداهة ، فغايتها أنها رفعت الإباحة العقلية والبراءة الأصلية فكانت الصلاة وحدها تجزئ فلما انضم إلى إيجابها إيجاب الزكاة ارتفع إجزاء الصلاة وحدها فلا تجزئ بعد إيراد الزيادة إلا إذا اقترنت بالصلاة وقل مثل ذلك في سائر الأحكام فليس ثم تعارض ، وليس ثم نسخ ، إذ النسخ يصار إليه إذا وقع التعارض وتعذر الجمع ولا تعارض هنا ، ابتداء ، فالزيادة كما تقدم ليست من جنس المزيد عليه ، وقل مثله في زيادة خبر الثقة في أصول الرواية ، فالزيادة إذا جاءت بحكم جديد مستأنف فلم تخصص أو تقيد .. إلخ من وجوه البيان الزائد ، فهي زيادة لا تعارض المزيد عليه فتقبل مطلقا وإن تفرد بها راو إذا كان ممن يحتمل تفرده فهي بمنزلة الخبر المستقل ، وخبر الآحاد إذا رواه ثقة فهو صحيح يحتج به وإن لم يتابعه غيره عليه .

والله أعلى وأعلم .