المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : عن الأجناس الأدبية



مهاجر
19-02-2013, 07:09 AM
مما تقرر عند أهل النظر ، وهو عند التدبر ، ضروري لا يفتقر إلى نظر ! أن الإنسان لا يريد ما لا يعلم ! فذلك ، بداهة ، لا يُتَصَوَّرُ ، وإنما يُرِيدُ ما يعلم أو يظن أن فيه نَفْعًا ، فلا بد من مصدر تَلَقٍّ يعلم به الخير من الشر ، ويعلم به النافع من الضار ، وذلك مما تَتَفَاوَتُ العقول فيه أيما تفاوت ، وهو أمر ظهرت آثاره في أجناس الفكر والأدب ، فكانت الواقعية ، وهي جنس أدبي حديث ، كانت تَصَوُّرَ العقل لِمَا يَقَعُ في الحياة فهي تصور الواقع بما فيه من آثام وآلام ولا تقدم العلاج إذ لا ينفك العقل يكون الحَكَمُ فَإِلَيْهِ يُرَدُّ الأمر فجاء كل عقل بما يرى أنه العلاج وإن لم يَسْتَنِدْ إلى مصدر محكم تطرد أحكامه فلا تجد فيها التَّعَارض والتَّنَاقض الذي تجده في أحكام العقول إذ لا تَنْفَكُّ ، وإن ذكية نابهة ، لا تَنْفَكُّ تجد فيها من الحظوظ ما به تُتَهَّم ، فهي إلى الأسباب تفتقر ، وهي ، مع ذلك ، لا تحيط بالأمر دركا ، وإن صَوَّرَتْهُ في وَاقِعِيَّةٍ نقدية ، تَصِف الداء ولا تُقَدِّمُ الدواء ، أو واقعية تقدم حلولا مادية بحتة ، كالواقعية الاشتراكية فَغَايَتُهَا أن يحصل بِهَا نوع صلاح في أمور الدنيا لا يَنْفَكُّ ، عند التدبر والنظر ، يَقْتَرِنُ بفساد عظيم في الدين والدنيا معا فهو ينحط بصاحبه إلى دركة الحيوان الذي لا يؤمن إلا بالمشهود ، فهو يُنْكِرُ أسباب الغيب ، فيستبدل العلم التجريبي بالوحي الإلهي ! ، وذلك إهدار ، أي إهدار ، لفضائل النفس من روح لطيف تغتذي بِغِذَاءِ الوحي الأعلى فصاحبها قد انصرفت همته إلى تحصيل أسباب الحس الدنيا ، فغلظ نفسه قد حجبها عن مَوْرِدِ الوحي ، فلا تدرك إلا المحسوس ، ولا تسلك منهاجا محكما به تدرك المعقول من أحكام التحسين والتقبيح ، فهي تأرز ، كما تقدم ، إلى عقل ناقص ، فإن كرم به الإنسان إذ أنيط به التكليف بالإيمان والامتثال إلا أنه لا يستقل بداهة بِدَرَكِ الحق المطلق ، وإن أدرك منه قدرا مجملا بما ركز فيه من ضَرُورِيِّ العلم والفطرة ، فلا ينفك يفتقر إلى منهاج أعلى به تحسم أدواء النفوس التي انشعبت بها الأهواء ، فكلٌّ في واد يهيم ، وذلك أمر ، كما تقدم ، قد نال أجناس الفكر والأدب ، لا سيما في الأمصار التي لم تَنَلْ حظا من النبوات ، فكانت الآداب فيها وَثَنِيَّةً تقدس العقل الأرضي واللذة والقوة ، فهي تعظم مَعَانٍ دُنْيَا إذ لا حظ لَهَا من المعاني العليا ، فصدقت بالباطل من أساطير الإغريق إذ لا حظ لها من الحق الذي نزل به الوحي ، فلا عهد لأمة الْيُونَانِ بِالنُّبُوَّاتِ المحكمة إذ لا حظ لها إلا مقالا يُقَدِّسُ الجنس اليوناني في عنصرية لا تخفى ، ويقدس قِيَاس العقل مع تَفَاوُتِهِ وَاضْطِّرَابِ تصوره وحكمه فإن وصف الداء بِحِكَايَةِ الواقع وَسَرْدِهِ ، كما تقدم ، فهو يعجز عن وصف الدواء إن حاد عن جادة الرسالة ، فمشكاتها مشكاة العصمة في القول والعمل فَيُرَدُّ إليها ما تَشَابَه من الأهواء والأذواق ، وَيُقَدِّسُ اللَّذَّةَ فكان اليونان أمة أَبِيقُورِيَّةً شَهْوَانِيَّةً ، فتحصيل اللذة المحسوسة مُنْتَهَى السؤل إذ النفوس قد انحطت ، كما تقدم ، إلى دركة الحيوان البهيم ، وذلك مئنة من فشو الترف الذي يفسد الأديان والأخلاق ويضعف الأبدان والحواس فالترف يثقلها ويورثها البلادة ، ويُبَدِّدُ الأوقات والأموال وَيُلْجِئُ الناس إلى الكذب والغش رجاءَ المصلحة العاجلة ، فالترف رق النفوس ، فأدوات الحضارة قد صارت هي الحاكم المسيطر على النفس فلا تتحرك بعلم أو إرادة في الباطن ، أو قول أو عمل في الظاهر إلا تحصيلا لأسباب اللذة والشهوة ، وذلك ، كما تقدم ، انحطاط إلى دركة الحيوان البهيم .

وجاء العصر الوسيط بقصصه الديني الخرافي ! ، فَقَدْ صَدَّقَ بالباطل الذي ينكره النقل والعقل معا ! ، فلم يَزَلْ شؤم الْوَثَنِيَّةِ يلاحق الأمم إذا حادت عن منهاج التوحيد ، فهو آكد العهود والمواثيق ، كما تقدم ، فجاء الاستفهام في سِيَاقِ إنكار ولا يخلو من تَقْرِيرٍ به تقام الحجة : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) ، فكان القصص الخرافي الذي يأرز إلى عقائد باطلة وإن كان لها نسبة إلى الوحي فلا تَنْفَكُّ يدخلها التحريف الذي طَالَ أصل الدين التوحيدي بما وقع من غُلُوٍّ في البشر في الأنبياء ، عليهم السلام ، فـ : (قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) ، والقديسين ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، فذلك الانحراف في العقد ، وبما وقع من غُلُوٍّ في البشر من الأحبار والرهبان ، فـ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فذلك الانحراف في الشرع ، فلا ينفك من غلا في العقد يغلو في الشرع ، فالانحراف في العلم والتصور سبب رئيس في الانحراف في الإرادة والحكم ، فهما يتلازمان تلازم الجنان وما يقوم بها من علوم باطنة ، والأركان وما يقوم بها من أعمال ظاهرة ، فكان هذا الانحراف هو مادة القصص الأدبي في العصر الوسيط فهو إلى الوثنية أقرب وإن هذب ونقح ! ، فلا ينفك يدل على باطل محض ، ولا ينفك يدل على طغيان ظاهر امتزج فيه الطغيان الديني الكهنوتي بالطغيان السياسي وهو أمر تكرر في أمم قد خلت ، فَيَهُودُ قد سَبَقُوا إليه ، فكان استبداد الأثرياء من الصدوقيين ، كما يذكر بعض المفكرين ، وهو ما امْتَزَجَ بطغيان كبار الكهنة والرهبان في مقابل ثورة الفريسيين وصغار الكهنة ، وهي نفس الحال التي ارتد فيها المجتمع الأوروبي إلى جاهليته الكلاسيكية الأولى ! ، إن صح التعبير ، فَرَجَعَت أوروبا في عصر النهضة وما يَلِيهِ إلى منتصف القرن الثامن عشر إلى الكلاسيكية الإغريقية والرومانية الوثنية ! ، لا سيما الإغريقية فهي الأصل الذي درج عليه الرومان فلم يكن لهم كبير أثر في الآداب كالإغريق بل كانوا أهل حرب وقتال ، فكانت الرجعة وإن شئت الدقة فقل الردة إلى الأساطير الخيالية التي لا حقيقة لها في الخارج ، وهي ، تدور ، إجمالا ، على فكرة الصراع التي تهيمن على العقل الأوروبي قديما وحديثا فلما تزل آثارها إلى يوم الناس هذا في آداب أوروبا وسياساتها ، فالصراع في الآداب الإغريقية يدور بين الإنسان والآلهة الشريرة ! التي تَرُوم الهيمنة عليه فتحجب عنه أسرار القوة التي انتزعها في آخر الأمر انْتِزاعًا ! ، وتجد أثر هذا القول الباطل ظاهرا في مَقَالِ يهود في الوصية المزعومة فقد صرع إسرائيل الرب ، جل وعلا ، فلم يطلقه إلا وقد أخذ صكا بالأرض المقدسة له ولأبنائه وأحفاده من بعده من شعب إسرائيل المقدس ! ، فالقداسة البشرية ! مما ظَهَرَ أثره ، أيضا ، في الآداب الإغريقية وامتد إلى جميع المقالات العنصرية التي تتعصب التعصب المذموم فلا شاهد لها من نقل أو عقل ، فلا تعدل في خصومة ، ولا تحسن تتعصب للحق ، ولا تدرك ما تَلْزَمُ فيه المفاصلة من حق وباطل ، وما يحسن فيه البر من أمور المعاش التي يستوي فيها عامة البشر ، فهي لا تعلم لذلك معيارا إذ لا ينال إلا من مشكاة الوحي ، وليس لها جميعا منه إلا العدم ! ، أو آثارا باهتة شابها ما شابها من كدر التبديل والتحريف ، فليس ثم معيار محكم به يعرف الحق من الباطل فصاحبه يعدل مع المخالف ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، والموافق ، فـ : (إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) ، فجاء الاحتراز بالقيد : "لو" ، ولا يخلو ، مع ذلك ، من معنى المبالغة ، فـ : "لو" : شرطية بها يحترز على جهة الحقيقة ، وهي ، من وجه آخر ، وصلية يحترز بها على جهة المبالغة إمعانا في التوكيد والتقرير ، فالعدل أصل من أصول الدين ، إذ التوحيد ، عند التدبر والنظر ، أعظم صوره ، كما أن الشرك أعظم الظلم ، فالقياس يطرد وينعكس ، فلا يعدل أولئك إذ قد خرجوا عن منهاج الوحي ، فليس إلا التعصب المذموم الذي يقدس صاحبه جنسه أو لونه فَيَزْدَرِي غَيْرَهُ فتجد الأبيض قد ظلم الأسود إذا صار الأمر له ، وتجد الضد ، فليس ثَمَّ معيار محكم يرد إليه التفاضل بَيْنَ الناس ، فالوحي قد عطل ، وهو الحكم الفصل في هذا الباب ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ، فهو ، تبارك وتعالى ، يَعْلَمُ بعلمه المحيط ما يقوم بالنفوس من تقوى أو فجور فذلك مِعْيَارُ التفاضل بَيْنَ البشر لا الجاه والمال والحسب ، فـ : "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ" ، و : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، و : "لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضٍ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى" ، فأنيط الحكم بأوصاف لا بأعيان أو أجناس ، وذلك أمر يطرد في أحكام الوحي سواء أكان ذلك في خبر المدح والثناء أم في حكم الشرع ، فالحكم يناط بوصف ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) ، فأناط المدح بالمعية الربانية ، معية النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ ، أناطه بوصف التقوى والإحسان ، وهو وصف عام لا يَقْتَصِرُ على فَرْدٍ أو جنس بِعَيْنِهِ ، وقل مثله في الحكم الشرعي بل هو أظهر فيه إذ الأصل في التشريع العموم فأنيط الحكم بعلة يدركها العقل ، بها تحصل الحكمة في الغالب فليس من شرط العلة الاطراد العام فقد تتخلف في بعض الجزئيات فلا يضر تخلف العلة في بعض قليل ، إذا اطردت في الكثير الغالب ، كما قرر أهل الأصول ، فالأصل في الأحكام الشرعية ، كما تقدم ، أن تناط بمعان صحيحة منضبطة تَدُورُ معها وجودا وعدما فَيُقَاسُ عليها ما يضاهيها من النوازل ، فذلك الأصل إلا ما كان من توقيف في الإلهيات والسمعيات وبعض الأحكام التعبدية التي لا يدرك العقل علتها الخاصة وإن وجد آثار حكمتها العامة ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مئنة من إحكام هذه الشريعة ، ومئنة من العدل الذي يحسم مادة الجور ، فالأمر ، كما تقدم ، عام في جميع أفراده ، قد أنيط بأوصاف لا بأعيان أو أجناس ، فلا تجد ذلك في المذاهب قديما وحديثا إذ قد حادت عن منهاج الوحي في التصور وفي الحكم فعظمت النوع الإنساني عموما وجعلته ندا للآلهة المستبدة ! ، فهي في صراع دائم مع قوى في الخارج تَرُوم قهرها وإذلالها ، فذلك ملمح رئيس في الآداب الإغريقية التي كان الصراع فيها بين الإنسان وبين قوى خارجية ، وذلك ، بداهة ، مما يؤرق الإنسان ويجعله في هم وحزن فَثَمَّ عدو يتربص به الدوائر ! ، فأين ذلك من رحمة الإله الحق ، إذ بعث الرسل ، عليهم السلام ، بالرحمات الدينية التي تصحح التصور وتجم الفؤاد ، فأراد التصحيح لما بُدَّلَ وحرف من عقد بعد أن وقع الخلاف فهو شر يفسد الأديان والأبدان بإذكاء العداوات فَتَدُورُ رحى الحروب الجائرة تعصبا وانتصارا لباطل محض ما أنزل به الرب ، جل وعلا ، من سلطان فهو دعوة مجردة لا بَيِّنَةَ لها تشهد ، فبعث الأنبياء ، عليهم السلام ، بما يرد الأمم إلى جادة الحق بعد أن عدلت عنها ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، إذ لا صَلَاحَ لِلْحَالِ والمآل إلا بِاقْتِفَاءِ آثار الوحي فهو القول الفصل من عند الرب العليم الخبير ، تبارك وتعالى ، الذي يعلم ما يصلح البشر في أديانهم وأبدانهم فلا يشرع إلا ما ينفع ، ولا يحل إلا ما هو طيب ، فصلاح الأديان بصحيح العقد ومحكم الشرع ، وصلاح الأبدان بطيب الطعام والشراب مما أحل رب العباد ، جل وعلا ، فامتن به منة العموم وإن ورد في مواضع في حق الخصوص من المؤمنين ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ، فلا ينفك يعم جميع أجناس البشر ، مؤمنهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم ، أبيضهم وأسودهم ..... إلخ ، فـ : (مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، فلا يقصر الفضل والعطية الكونية على أوليائه دون أعدائه بل قد امتن على أعدائه في أمور الدنيا بما به يَسْتَوْفُونَ حظوظهم التي تعجلوها في دار الابتلاء ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ، فلهم رزق لا بد أن يحرزوه ، ولهم جزاء على إحسان منهم في أمور ، فلا ينفعهم في دار الجزاء إذ لم يحرروا عقد التوحيد والتشريع لرب العالمين ، جل وعلا ، فـ : (قَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، فلا يحرره إلا من أسلم وجهه لله ، وجل وعلا ، فلم يشرك في عقد ، فـ : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) ، أو شرع ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، ولم يحدث في قول أو عمل ، فـ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" ، وأراد ، جل وعلا ، التيسير على العباد في أمور الشرع ، فـ : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، فَكُلُّ أولئك من الرحمات الشرعية التي امتن بها رب البرية ، جل وعلا ، وهي ، عند التدبر والنظر ، آثار النبوة فهي الرحمة العظمى ، وأعظمها قدرا أعمها نفعا ، وهي الرسالة الخاتمة التي فصلت ما أجمل في الرسالات السابقة ، فهي على جادتها في الأصول ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، وإن خالفتها في فروع ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فأعظم الرحمات الدينية ، رحمة النبوة ، عموما ، وأعظمها قدرا ونفعا رحمة النبوة الخاتمة ، خصوصا ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاك0َ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) .

فبعث ، جل وعلا ، الأنبياء ، عليهم السلام ، بالرحمات الشرعية ، كما تقدم ، وبعث الملائكة بالرحمات الكونية ، فهي تدبر الأمر بإذن الرب ، جل وعلا ، فمنها ملائكة وكلت بحياة القلوب وحيا ، ومنها أخرى وكلت بحياة الأبدان قطرا ، فماء المطر لا ينزل إلا بسوقها السحاب بإذن رب العباد ، تبارك وتعالى ، فهو السائق للسحاب على جهة الحقيقة بالنظر في المشيئة الرَّبَّانِيَّةِ النافذة : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) ، وهي السائقة له على جهة الحقيقة ، أيضا ، بما وهبها الرب ، جل وعلا ، من قوى فاعلة بها تُؤَثِّرُ في إيجاد المسبَّب من الرزق ، فهي سبب يٌنْتِجُ آثاره في الخارج ، رزقا تَتْرَى آحاده بإذن خَالِقِهِ وَمُجْرِيهِ فضلا فهو الباسط ، ومانعه عدلا فهو القابض ، فـ : (اللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

فأين ذلك من مذاهب أساءت الظن بالرب ، جل وعلا ، فهي تصفه بالظلم وإرادة الكيد والشر ! ، فَيَرُومُ ، كما تقدم ، حجب النوع الإنساني عن مَوَارِد العزة والمنعة خشية أن ينازعه الملك ! ، فتلك نظرة غلو في الحقيقة الإنسانية الدنيا يقابلها جفاء في الحقيقة الربانية العليا ، وهي أمر لا زالت آثاره ظاهرة في العقلية الأوروبية المعاصرة فهي إجمالا تكفر بالرحمن ، جل وعلا ، فقد غلت في عقدها ابتداء ، فأطرت المسيح عليه السلام حتى جعلته الإله أو الكلمة الأولى ، فأشركت إذ أَثْبَتَت قديما مع الرب الأول ، جل وعلا ، فغلت في العقد ، ولا ينفك غلوها في هذا الباب ، أيضا ، عن أثر ظاهر لتعصب باطل للحقيقة الإنسانية التي رُفِعت إلى درجة الألوهية أو البُنُوَّةِ ، ثم جَفَت في حق الإله الحق ، تبارك وتعالى ، فَنَسَبَت إليه من الافتقار إلى الأسباب من طعام وشراب .... إلخ ، بل والقتل والصلب .... إلخ ما تَنَزَّهَ عنه ، ضرورة دينية وعقلية وفطرية وحسية لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، فلا ينفك الغلو في الحقيقة الإنسانية الدنيا يقترن بجفاء في الحقيقة الربانية العليا ، فكفر من كفر بالإله الحق إذ نَسَبَ إليه ما تَنَزَّهَ عَنْهُ من وصف النقص المطلق ، بل وألحد مَنْ ألحد بعد ذلك ، فأنكر وجود الرب الخالق ، جل وعلا ، تصريحا أو تلميحا ، فجاءت الثورة الرُّومَانْتِيكِيَّةُ بأدب جديد يقوم على أساس لاديني محض ، فهو قد ثار على الظلم والاستبداد الملكي والكنسي ، فكان الظلم باسم الدين ! ، وهو ، بداهة ، دين باطل قد بدل وحرف فقياس الدين الخاتم عليه ، كما يروج من يروج من الثوار الجدد في موجة جديدة من موجات الثورة العقلية على النصوص والأحكام الشرعية طلبا للحرية وفرارا من القهر والعبودية في الدولة الدينية الثيوقراطية ، وحقيقة الأمر أن ثم تقصدا متكلفا للطعن في الدين الخاتم تصريحا أو تلميحا برمي أتباعه بالتعصب ثم الاعتذار للدين المتسامح فهو من أفعالهم براء ! ، وذلك ، كما تقدم ، قياس متكلف فثم فارق ، أي فارق ! ، فجاءت الثورة الرومانتيكية لِتَنْقِلَ أصحابها من تقديس الأشخاص من باباوات وملوك إلى تقديس النوع الإنساني فَغَلَتْ ، أيضا ، في تعظيم النوع الإنساني ، وغلت في تعظيم الحرية المطلقة بعد طول رق ، فآل الأمر إلى الضد ، وهو التحرر الكامل من الأديان بل والأخلاق والأعراف ! ، وغلت في تقدير العقل فجعلت له السلطان التام في التصور والحكم ، فنزعت مقاليد الأمور من طبقة الإكليروس لترده إلى قياس العقول فكان الانحراف وإن شئت الدقة فقل لا زال الانحراف إذ قد نزعت مقاليد الأمور في التصور والحكم ، في العقد والشرع ، في الأخلاق والسياسة ، في الزهد والرياضة ، نزعت من الوحي المعصوم لِتُرَدَّ إلى متشابه العقول ! ، فلا تَزَال الأجناس الأدبية المعاصرة يظهر فيها التعصب لعرق أو لون أو طبقة ، فظهرت آثاره في الأدبيات الكلاسيكية التي كان أبطالها دوما سواء أكانوا من الأساطير أم من التاريخ ، كانوا دوما من الحكام والأمراء والنبلاء في عصر لما يَزَل للعرش والكنيسة السطوة ، فَقَدْ تآمرا على الشعب حتى في الأجناس الأدبية ! ، فأهملوا ذكره حتى جاءت الثورة الرومانتيكية التي تعصبت للشعب المضطهد فكانت شخصياتها جميعا من الطبقة البرجوازية وما دونها من الطبقات الشعبية .

ثم جاءت الواقعية كرد فعل لإسراف الرومانتيكية في الخيال ، بل وزاد بعض الأدباء ، كإميل زولا ، الطبيعيةَ فأخضع الأدب لقوانين البحث التجريبي ، فنعى النقاد على الكلاسيكية والرومانتيكية التعميم في الشخصيات على وجه يتسم بالمثالية الخيالية فالقوالب جامدة لا حياة فيها ، فهي معان تجريدية لا حقيقة لها في الخارج فجاءت الواقعية بتخصيص الحدث بالواقع على وجه اتسم بالنقد الذي ينهج التفصيل دون تقديم البديل ، وإن قَدَّمَ فهو اقتراح عقل يَتَفَاوَت لا منهاج وحي محكم ثابت فهو ، وحده ، الذي يسلم من المعارضة فالعقول لما تَزَل تَتَفَاوَتُ في أحكامها فَيَقْتَرِحُ كلٌّ ما يظن الحل فيه وإن زاد الأمر تعقيدا ! ، فلا بد من حكم من خارج يحسم النِّزَاعَ بَيْنَ العقول إذ اختلفت بما قضى الرب ، جل وعلا ، عليها من التَّفَاوُتِ فلا تَنْفَكُّ حال التعارض تفتقر إلى حكم الوحي فهو الذي يحسم مادة الخلاف في العقد والشرع .

ومع ذلك لم تسلم الواقعية وإن زعمت أنها تنقد الواقع وتصلحه لم تسلم من النقد ، فلم يسلم بها العقل الأوروبي الحائر فانتقل من إسرافها في تصوير الواقع إلى رمزية تسرف في تعاطي الوهم والخيال ، فكان التعميم في الرمزية التي تدل على اضطراب في الفكر وإن زعمت الدقة واللطف في معانيها فلا يدركها إلا أصحاب النظر الدقيق ، فهي متعددة المعاني لها معنى ظاهر يتبادر وآخر خفي لا يدركه العقل ، بادي الرأي ، وحقيقة الأمر أنها إلى منهاج الباطنية أقرب ! .

فمن حيرة إلى حيرة ، ومن واد إلى آخر ، فلا ينفك من عدل منهاج الوحي يجد الشؤم في التصور والحكم .

والكلاسيكية التقليدية أسبق في الوجود الخارجي بل والوجود الذهني من الرومانتيكية ، فالكلاسيكية أليق بالمجتمعات الزراعية التي تتسم بالسكون ، والزراعة كما يقول ابن خلدون رحمه الله ، أقدم الصنائع ، فالمجتمعات الزراعية تسبق المجتمعات الصناعية في الوجود ، وأما الرومانتيكية فهي أليق بالمجتمعات الصناعية ، والصناعة تَلِي الزراعة في الوجود إذ حاجة الناس إلى القوت الضروري أعظم من حاجتهم إلى الصناعة فكثير منها يدخل في حد الحاجي أو الكمالي وَرُتْبَتُهُ في مقاصد البشر تَلِي الضروري ، وهو ما جاء الوحي على وِفَاقِهِ ، فالضروري يقدم على الحاجي ، والحاجي يقدم على الكمالي ، فالزراعة تسبق الصناعة في الوجود ، فكذلك الكلاسيكية التقليدية فهي تسبق الرومانتيكية الثورية ، والكلاسيكية ، من وجه آخر ، وهي أليق في السياسة بالأنظمة الملكية تعظم الأخلاق ، ولو تقليدا ، فتجد المجتمعات الزراعية أقرب إلى الفطرة والبداوة ، ولذلك اختصت الزراعة بالبدو ، كما يقول ابن خلدون رحمه الله ، وهو ، يريد ، والله أعلم ، بداوة الطبع لا البداوة المعهودة فحرفتها الرئيسة الرعي ، فبداوة الطبع أقرب إلى الفطرة وأشد جَلَدًا في تعاطي أسباب الفلاحة خلافا لطبائع الحضر إذ يَغْلِبُ عليها الكسل والدعة ، فالصناعة تزدهر في الحضر ، إذ تُعْنَى ، في الجملة ، بالكمالي ، والصناعة ، عند التدبر والنظر ، ثورة على الطبائع الزراعية التقليدية ، فهي أليق بالرومانتيكية ، والرومانتيكية ، من وجه آخر ، أليق في السياسة بالجمهوريات التي تعلي من قيم الحرية والمساواة ..... إلخ فَتَبْلُغُ بها حد التفلت من الأديان والأخلاق ، فتجد الحال الثورية في السياسة ، حالا رومانتيكية في الآداب والفنون ، فَمِنْ جمود الاستبداد إلى سيولة الحرية فلا يصلح الأمر إلا الوحي فهو الذي جاء بالقصد والعدل في العقد والشرع والطبع ، في السياسة والفكر ، في الرياضة والزهد فعلاج الاستبداد العدل لا الفوضى ، فتلك السنة الشرعية الحاكمة ، إذ أمرت بالعدل والقسط ، وإن كانت السنة الكونية جارية بوقوع الثورة بعد الاستبداد ولا تَنْفَكُّ الثورة بما جُبِلَ عليه البشر من حياة وحس وحركة وإرادة ، لا تَنْفَكُّ عن تدافع يَبْلُغُ في أحيان كثيرة حد الفوضى ، فهي حال تَعْرِضُ لا يرفعها إلا حكم الوحي المسدد .

فالأمر ليس زراعة يغلب على طبائع أهلها الوقار ، وصناعة يغلب على طبائع أهلها الخفة ، فالأطماع تَتَفَاذَفُهُم ، وإنما الأمر وحي يلجم أهواء النفوس وأذواقها ، فقد ضل المجتمع الزراعي الكلاسيكي في أوروبا فرضي بضيم العرش وطغيان الكنيسة ، بل وجعل ذلك دينا فصاحب العرش يحكم بالحق الإلهي ، وقس الكنيسة يعطي ويحرم فَقَدْ نازعَ الرب ، جل وعلا ، منصب التشريع في الأرض ، بل وَنَازَعَه ، تبارك وتعالى ، وصف الرضا والعطاء ، ووصف السخط والحرمان ، فهو يحرم من شاء من رعايا الكنيسة أن يدخل الملكوت ! ، والعقول تصدق والنفوس تَنْقَادُ إذ الجهل بالحق قد ذاع ، والعلم بآثار النبوة قد نسخ ، فوقع الْغُلُوُّ في البشر من الملوك والساسة ، والقسس أصحاب النيافة ! ، وضل المجتمع الصناعي الرومانتيكي مع ما فتح له من العلم بسنن الكون فلم يحسن يعلم من سنن الشرع ما يضاهيها بل قد كفر بلسان الحال بكل دين ومقال ، إلا ما وافق الهوى والذوق ، فقد فر من طغيان الكنيسة إلى طغيان الذات فاتخذ الهوى إلها بعد أن اتخذ الملك والبابا ! ، فمن ضلال التقليد إلى ضلال التجديد إذ لم يستند في كلتا الحالين إلى الحق المحكم ، فمناط الأمر ، كما تقدم ، ليس زراعة أو صناعة ، وإن كان أهل الزراعة إلى الدين والفطرة أقرب ، إلا أن ذلك لا ينفع إلا إذا سلك صاحبه جادة النبوة ، فجدد آثار الفطرة بآثار الحكمة ، فقد يكون صاحبها من أهل الصناعة وهو على الحق فلا يضره ذلك في شيء ، وقد يكون الضال من أهل الزراعة ، فلا يَنْفَعُهُ أن كان ذا فطرة صحيحة في الجملة إذ لم يعضدها بحكمة الوحي فهي مناط النجاة سواء أكان صاحبها من أهل الصناعة أو الزراعة أو التجارة ....... إلخ .

والله أعلى وأعلم .