المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : قصة (2) لـ / أحمد عبد الحليم



بطرس غاليس
20-03-2013, 08:08 PM
إجابة سؤال igcse مايو/ يونيو 2007 م
س / اكتب قصة بعنوان " لقاء لا ينسي "

لم أكن أتوقع أن يأتي هذا اللقاء ، إنه اللقاء الذي انتظرته منذ عشرين سنة ، كم صحت وارتفع صوتي بالبكاء أمام أخوتي وأقاربي ، و أمام أمي التي طالما حاولت تهدئتي ، وتذكري بالمستقبل ، وأهمية الالتفات إليه ، وعدم تذكر الماضي ، إلا أنني كنت أرى العبرات تختنق بين جفونها ، كم كان أبي غاليا ً علينا كلنا ، كان القلب الرحيم ، والأب الشفيق ، كان لنا الجدار الذي نستند عليه في الأزمات والشدائد ، ليس لنا فقط وإنما لكل جيراننا ، كان شجاعا ً مقداما ً لا يخاف في الله لومة لائم ، لا يهاب الظالمين ولا يركع للطاغين ، غاب عنا وعمري آنذاك سبع سنوات ، ولكن لم يغب صوته وخياله عني ، كنت آراه في حلمي ويقظتي ، وكم تمنيت أن يعود وأجلس على ركبيته أو على ظهره ، أو يعانقني و يهدهدني ويمزح معي .
غاب عنا وهو في كهولته ، فكان عمره حوالي خمسا ً وأربعين سنة ، كان ذلك في ليلة مطيرة شاتية شديدة البرد ، وجدنا فيها المطر ينصب على قريتنا صبا ً ، حتى دخلت المياه من أسقف البيوت ومن جدرانها ، فخرج أبي – على الفور - ليغطي سقف بيتنا ببعض الأخشاب والمواد العازلة ولم يعد ، اعتقدنا - أول الأمر- أنه ذهب كعادته لمساعدة بعض الجيران ، وتأخر و تأخر ، حتى دب القلق في قلوبنا ، وبدأنا مع أفراد قريتنا في البحث عنه في كل مكان ، في داخل القرية وخارجها ، وعند أصحابه ورفقائه وأقاربه ، حتى دخلنا المستشفيات ومراكز الشرطة نسأل ونبحث ، ولكن بل جدوى .
عم الحزن أرجاء القرية ، اختفى أبي كما يختفي القمر في الليالي المظلمة ، اختفى ولكن روحه لم تختفي عن أرجاء قريتنا التي كلما خطوت خطوة فيها وجدت من يذكرني به ، يحسبونني قد نسيته ، ولكن كيف يُنسى هذا الأب العظيم .
ومرت الشهور والشهور ، ولا نسمع همس صوته الدافئ ولا كلماته الحنونة الرقيقة ، البكاء في بيتنا يكاد لا ينقطع ، والحزن يكاد يبيت في قريتنا ، أين ذهب هذا البطل ؟ سؤال لطالما تردد على ألسنة كبار أهل القرية وصغارها .
وتوالت السنون ، وبدأنا نستسلم للأمر الواقع ، ونعيش بدون أبي ، ولكن في الحقيقة لا حياة بدونه ، فالطعام بلا مذاق ، والماء كالعلقم . . . . كم تحسرنا عليك كثيرا ً يا أبي ، وبعد هذا الحزن ، وتلك الحسرة جاء اللقاء .
ففي أحد الأيام عاد أحد رجال القرية من سفره البعيد إلى العاصمة وعلى وجهه علامات التعجب والحيرة ، وإذا به يسألني عن أبي ، فتعجبت من سؤاله ، فالقرية كلها تعرف ما حدث لأبي ولكن الرجل قال : لقد وجدت رجلا ً يشبه أباكم في أحد أحياء العاصمة ، لم نصدق كلامه لأننا نعرف أن هذا الرجل كثيرا ً ما يختلق الكثير من الحكايات ، وفي ذات الوقت تمنينا أن يصدق هذه المرة ، و مر الخبر علينا سريعا ً وكاد الأمر ينسى لولا تدخل جدتي العزيزة وتألمها لأننا لا نريد رؤية هذا الرجل ، ورغم تأكيدنا لها أن الرجل صاحب الخبر كثيرا ً ما يهذي ، إلا أنها بكت وذكرتنا بأبينا فأبكتنا جميعا ً وقررنا إرضاء لجدتي أن نذهب لرؤية هذا الرجل الذي يشبه أبانا ، وبالفعل ذهبنا للمكان المحدد في العاصمة ، فإذا برجل عجوز كبير السن ذي لحية كثيفة وشعر أبيض لا يعرفنا ، ولكن ملامح أبي وقسمات وجهه واضحة عليه كثيرا ً ، فناديناه فتعجب ولم يرد ، ولكن إذا كان هذا هو أبي حقا ً فلماذا لا يرد علينا ؟ لماذا لم يعرفنا ؟ وفي أثناء حوارنا مع أنفسنا ، لمحنا رجلا ً قادما ً ينادي شبيه أبينا باسمه الذي نعرفه " عماد " ، هنا تعجبنا لذلك وبدأنا نسأل الرجل المنادي عن شأن هذا العجوز الذي يشبه أبانا وعن معرفته به ، فذكر أنه كان معتقلا ً معه منذ ثمان عشرة سنة ، وأنه لشجاعته لاقى عذابا ً شديدا ً جعله يفقد الذاكرة ، وقد حدثني كثيرا ً عن ولده " أحمد " وعن زوجته وأمه وأهل قريته ، وعن . . . . وهنا توقف كلام الرجل عندما وجدنا شبيه أبي يبكي وينادي " ابني أحمد " بكينا جميعا ً وحمدنا الله لأن الذاكرة قد عادت إنه فعلاً أبي العزيز ، إنه حقا ً لقاء لا ينسى .

المؤلف : أ / أحمد عبد الحليم
مدرس اللغة العربية بمدرسة التميز العالمية ببريدة

لا يجوز نشر أرقام هواتف أو عنوانات بريد إلكتروني أو أي وسيلة اتصال أخرى على صفحات الموقع إلا بعد موافقة الإدارة.
أحمد عبد الحليم