المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : التأثيرات الأجنبية على النحو العربي (طلب توضيح)



أ. مزيان
03-04-2013, 11:16 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

أرجو من الإخوة الأساتذة إفادتي ببعض المصادر و المراجع -المهمّة- التي تخدم موضوع بحث بعنوان: " التأثيرات الأجنبية على النحو العربي في منظور الدارسين المُحدَثين" ... و أرجو منكم توضيح كلمة "الدارسين المحدثين" و إلى ماذا أتطرق في حديثي بالتحديد ؟
جزاكم الله خيرًا و نفع بكــم.

زهرة متفائلة
03-04-2013, 11:36 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

فائدة على النقيض :

صفاء النحو العربي من التأثيرات الأجنبية
الدكتورة صالحة حاج يعقوب
قسم اللغة العربية وآدابها
الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

المقدمة:

يهدف هذا البحث إلى تحقيق القول بأن القواعد النحوية العربية لا علاقة لها بالفكر اليوناني. وتستعرض الباحثة بعض الأدلة على عدم تأثّره بالثقافات الأخرى، ومن هذه الأدلة عملية الترجمة في العصر العباسي التي هي مفتاح أساس في تحوّل المعلومات الخارجية بغير العربية إلى العربية. وأمّا تقعيد النحو العربي فقد بدأ في عهد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). ومع ذلك فإنّ العرب أنفسهم نطقوا على السجيّة والطبيعة كما في بعض الأشعار القديمة التي تتضمن القواعد النحوية المرتجلة. وتستعرض الباحثة بعض الأمثلة للدلالة على أن ما وضع من نحو فهو من ابتكار العرب. وتستعرض بعض آراء العرب اللغوية كالقياس في بعض آيات القرآن الكريم والنثر والأشعار مما تساعدنا في إبراز المعلومات الصحيحة عن عملية تقعيد النحو العربي.

أصالة النحو العربي: إنّ نشأة النحو جاءت مرتبطة بالدراسات القرآنية ارتباطاً وثيقاً، ففيها أنزل وبه حفظت واستمرت وتطوّرت وبينهما أثر وتأثير. ومن أجل القرآن الكريم قام النحو يصحح ويضبط ويقعّد ويعلل ليفهم نصاً وتسلم لغة ويستقيم لساناً؛ فلذلك كانت نشأة النحو العربي بأيدي أوائل القرّاء لا غيرهم. والنحو كما هو معروف لدينا من أهم العلوم الأولى التي ظهرت ونضجت في القرنين الأول والثاني، وهو أحد الأركان التي شكّلت الحضارة الإسلامية. وممّا لا ريب فيه أن نشأة النحو بدأت في عهد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حين أمر أبا الأسود الدؤلي بوضعه. وترى الباحثة أنّ النحو العربي من وضع العرب لأنه حدث في عهد علي (رضي الله عنه)، إذ قال أبو الأسود الدؤلي عند تقعيده للنقط: "إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت شيئاً من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين". أي إن إعراب الأسماء حسب مواضعها من الكلام إذا ابتدأ الكلام رفعها وإذا تقدّمت عليه النواصب تنصبها وإذا تقدّمت عليه الجوازم تجزمها وإذا تقدمها الجار تكسرها. والأصح من الأقوال أنّ واضع النحو هو أبو الأسود الدؤلي بأمر من الإمام علي (رضي الله عنه) رغم وجود أقوال أخرى في واضعه.

وانتشرت عملية وضع القواعد النحوية بأيدي أوائل القرّاء وهم في الغالب من تلاميذ أبي الأسود الدؤلي: نصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز ويحيى ابن يعمر العدواني (ت 69هـ) وعنبسة الفيل، وميمون الأقرن، وأمّا تلاميذ هؤلاء الذين قاموا بتطويرها فهم عبدالله بن أبي إسحق الحضرمي (ت 117هـ) وعيسى بن عمر (ت 149هـ) وأبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ) ويونس بن حبيب (ت 182هـ) والخليـل بن أحمد الفراهيـدي (ت 175هـ) وسيبويه (ت 180هـ) وأكثرهم من البصريين فقد سبقوا إلى وضع النحو. ووجدنا أن هناك روايات تنسب النحو إلى نحاة الكوفية في زمن أبي الأسود مثل تلميذه سعد ابن شداد الكوفي الذي يعرف بـ (سعد الرابية) وتوبة الملاشي ومعاصر عاصم ابن أبي المقرئ (ت 127هـ) وحمدان بن أيمن الطائي المقرئ النحوي... وغيرهم ممن أخذ أبو جعفر الرؤاسي ومعاذ بن الهراء (ت 187هـ). وهذا دليل واضح على أن العلاقة بين القرآن الكريم واللغة العربية وثيقة، وبينهما صلة مترابطة وأثر وتأثير في أثر القرآن عاملاً ومعمولاً.

إنّ الدعوى التي تقول: إن أصالة النحو العربي وبداية نشأة النحو العربي تأثرت بفكر يوناني عن طريق ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية دعوى يَحُفُّها الشّكّ والرّيب. والجواب عن ذلك: أنّ عملية ترجمة الكتب من اللغات الأجنبية إلى العربية بدأت في القرن الثاني أي في العهد العباسي رسمياً. والعصر العباسي في تلك الأيام هو المركز الأساسي في نقل المعلومات عن علوم اليونان إلى العربية. لأن هناك من المترجمين المشهورين في عهد المنصور وهارون الرشيد من (136هـ - 193هـ) ومنهم ابن المقفع وجورج جبريل ويوحان بن مسويك، وأهم الكتب المترجمة منها "كليلة ودمنة" من الفارسية إلى العربية و"السند هند" من الهندية إلى العربية وكتب لأرسطو "Categories" و"De Interpretatione" و"الماجستي" Majestee مما تتحدث عن النجوم وعلم الفلك. وبعد ذلك جاءت مجموعة أخرى من المترجمين ومنهم يوحان ويحي بتريك والحجـاج بن يوسـف بن المـتّار (ت214هـ) وكوسـتا بن لوقـا (ت 220هـ) وعبد الماسـح بـن نعيمـة (ت220هـ) وحنيـن بن إسحق (ت 260هـ) وإسحق بن حنين (ت298هـ) وثابت بن قرة (ت 288هـ). وبعد ذلك بدأت عملية إعادة الترجمة في بعض الكتب مما قد ترجمت عليها، ومنها "الماجستي"(Majestee) و"كتاب الحكام الذهبية" لفيتوكوراس (pythogorus)، وبعض الكتب لـهيفوكرات (hippocrate) وكالين(galien) وكتاب تيموس الحضارة السياسية و"النظام"(the system) لأفلاطون وكتاب "المنطق" لأرسطو، من عمل حنين بن إسحق ومدرسته.

يتّضح لنا أنّ القواعد النحوية العربية في هذا العصر قد وُضعت وخُطّطت وصُنعت بأيدي القرّاء الذين عاشوا قبل هذا العصر، كما ذكرت الباحثة سابقاً في مقدّمة عن أصالة النحو العربي، وأن العرب من أوائل النحويين الذين صنعوا ووضعوا نحواً في العربية، فضلاً عن ذلك كانت عملية الترجمة ليست، كما زعم بعض المستشرقين، بسبب أن النحو العربي قد تأثّر بالكتب المترجمة من اليونانية إلى العربية، بل إن عملية الترجمة قد بدأت في أواسط العصر العباسي وليس قبل ذلك. أي بمعنى أن فكرة النحو العربي صافية عن أيّ من جوانب التأثرات بل كانت من فطنة العرب وذكائهم.

صفاء النحو من التأثيرات الأجنبية

بدأت دعوى تأثير الفكر اليوناني في النحو العربي بأيدي المستشرقين، والسؤال، لماذا اهتموا بذلك؟ فالجواب، لأنهم يعتمدون على نظرية العقل لا النقل، وهم يشكّكون في ظهور كتاب سيبويه "الكتاب" لأنه أول أثر نثري وصلنا في النحو بصورة مفاجئة على حدّ مزاعمهم؛ ولذا رأوا أن النحو ظهر في العراق بعد اعتمادهم على هذه المقدمة الخاطئة. رأى المحدثون أنّ هناك جوانب معيّنة تصل النحو العربي بمنطق أرسطو وهي فكرة القياس والتعليل واستخدام المقولات وغير ذلك. وردّ عبده الراجحي هذا القول بإظهار العناصر المحددة التي تختص بالدرس النحوي اختصاصاً مباشراً، وهي أنّ التعريف عند أرسطو يختلف عن التعريف عند النحاة العرب لأن التعريف عندهم لا ينطبق على التعريف الأرسطي، ولا تظهر من كتاباتهم أنهم كانوا على معرفة قوية ودليل منه أن كتاب سيبويه نفسه يكاد يخلو من التعريف على وجه العموم.

وذكر عبده الراجحي الفرق بين منهج التعليل بالمعنى إلى التعليل بقوانين التركيب إلى التعليل بكثرة الاستعمال عند العرب والتعليل الأرسطي بدأت به الأمثلة من كتب أرسطو "posterior analytics" و "de Intepretation". والتعليل عند أرسطو كما ورد في كتابه يرتبط بالمعرفة باستخدام الروح والعلة أو التعليل، مهما كان الناس لا يكتبون كتابة واحدة ولا ينطقون أصواتاً واحدة، ولكن التجارب العقلية واحدة للجميع. وقسّم أرسطو "العلة" إلى أربع علل: مادية وصورية وفاعلية وغائية، العلة المادية جواب عن: ما الشيء؟ والصورية عن: كيف؟ والفاعلية عن: مَنْ فعل الشيء؟ والغائية عن: لِمَ؟.

أما التعليل عند العرب فهو أساس في أصول البحث النحوي خاصة عند الخليل وسيبويه. وهذا التعليل يتطوّر شيئاً فشيئاً متّصلاً بالتعليل الأرسطي والتعليل الكلامي والفقهي حتى صار من غايات الدرس النحوي، وفي القرن الرابع الهجري ألّف بعض النحويين كتب الأصول في النحو منهم ابن السراج والزجاجي. وهذا ليس بمعنى أن يكون تعليل النحاة هو تعليل أرسطو. وأرسطو في الحقيقة لم يتناول أقسام الكلام الثلاثة: اسم وفعل ورابطة تناولاً مباشراً بل لقد عرض أرسطو للاسم onama وللفعل rhema والرابطة syndesmoi على أنّ هذا التقسيم "عقلي" ممّا رجّح الظن بأرسطيته. ويبدو أن هذا التقسيم لم يستمر في الدرس اليوناني، أما النحو العربي فقد استقرّ منذ سيبويه على القسمة الثلاثية: الاسم والفعل والحرف. ويختلف هذا التقسيم عمّا ورد في التقسيم اليوناني لأن الاسم والفعل والرابطة (الحرف) في النحو العربي تركز أكثر على عملية تقعيد القواعد النحوية حتى صارت هذه القسمة أساساً في تعليل العلل وأقيسة القياس، وأيّد M.g.carter هذه النقطة حيث يقول:

“The most obvious weakness of the Greek hypothesis is that it has never been confronted with Arabic grammar itself or rather, that the Hellenists have never defined the kind of Arabic grammar itself or rather, that the Hellenists have never defined the kind of grammar which they claim was borrowed from Greek”.

وبعد ذلك يقوي قوله بهذه النقطة:

“Sibawayh and Aristotle have very different interest in harf which was identical with the Greek fone asemos but defined from a totally different point of view, Aristotle says that the particle has a definite function but no specific meaning while for Sibawayh the harf has a some kind of meaning (jā`a li ma`nan) but no specific function” .

وتعريف الاسم anoma عند أرسطو: صوت يدلّ دلالة عرفية على معنى، ولا يدل على زمن وليس لجزئه معنى. وأما سيبويه فعرّفه في كتابه عندما ذكر أن (فرس وإنسان)، وهي من الأمثلة التي يستعملها دائماً عند تقديم الأمثلة، لتأييد القول أن هناك عدم تأثّر بالفكرة اليونانية، إذ إن استعمال سيبويه للفعل في "الكتاب" يختلف عن استعماله عند أرسطو، حيث استخدم كلمة "ضرب" و "كتب" و "فعل". أما أرسطو فلم يستخدم كلمة tuptein أي (ضرب) في بعض ما كتبه بل استخدم hugiainein (to be healthy) و badizein (to walk) أي لا "ضَرَبَ" ولا "كَتَبَ" ولا "فَعَلَ".

ومهما كان زعم المستشرق A.Merx أن النحو العربي عند العرب متأثّر بمنطق أرسطو خاصة في مفاهيم الظرف (distintions of genres) والمحتويات (the concept of content) والحال (the concept of state) وهذا يعني عنده أنّ عنصر النحو عند أرسطو له أثر على النحو العربي. ومن جانب آخر رفض ج.تروفيو G. Troupeau هذه الدعوى حيث قال:

"I have made the point that it is unlikely that Sibawayh, who died circa 796 a.d., would have known the logic of Aristotle and been influenced by it, and this for two reasons: the first being that the Hermeneutics and the poetics were not translated into Arabic until approximately a century after the death of Sibawayhi; the Hermeneutics by Ishaq Ibn Hunayn (d. 910), the poetics by Matta Ibn Yunus (d. 940). The second reason is that the grammatical terms used by these two translators, with a few exceptions, either do not exist in the work of Sibawayhi or differ significantly from the terms which he employs, as may be observed from the following list".

ويبدو في هذا القول تأييد منه M.g.carter بأنّ النحو العربي لم يتأثر بالنحو اليوناني بل تأثّر بالقياسي الفقهي النحوي ولا شكّ أنّ القياس المقصود هنا ليس القياس الأرسطي الذي يسير من الكلمات إلى الجزئيات، وإنما كان قياساً لغوياً فطرياً أساسه كان قياساً على نمط القياس الفقهي الذي كان شائعاً قبل ترجمة العلوم اليونانية إلى العربية.

بعض الأمثلة على القياس النحوي العربي

أدركنا أن القياس ليس له شيءٌ في النحو العربي إلا في جزء بسيط من أصول النحو. وترى الباحثة أنه يدل على أنّ للنحو العربي استقلالاً عن التأثّر باللغات الأجنبية. وإنّما بدأ عمل القياس في عهد أبي إسحاق الحضرمي واتّسع هذا العمل على أيدي الخليل وسيبويه، إذ إن الخليل نظّم واستنبط قوانين النحو ودقائقه، وسلّط هذا العقل على قوانين العربية في النحو والتصريف. ومن المعلوم، أنّ مجموعة من القرّاء الأوائل كانوا من واضعي النحو، ولم تقف هذه العملية على هذا الحدّ فقط بل استمرّ تطوير النحو وقواعده كما يقول ابن سلام عن النحاة واستخدم عبارات تدل على التطوير في الدراسة النحوية، بقوله:"كان أول مَنْ بعج النحو ومدّ القياس وشرح العلل". من هنا يبدو أنّه الواضع الأول لعلم النحو وأوّل من اشتقّ قواعده وأول من طرد فيها القياس. ويؤيد أبو الطيب اللغوي ذلك بقوله: "فرّع عبدالله بن إسحاق النحو وقام وتكلّم في الهمز، حتى عُمل فيه كتاب ممّا أملاه". وهناك عملية القياس التي صارت قاعدة تستعمل في تلك الأيام كما صحّح أبو إسحق الحضرمي مديحاً عند الفرزدق لبني مروان كما في المثال الآتي:

وعضُّ زمانٍ يابنَ مروان لم يدع
من المال إلا مُسحتاً أو محرفُ

فالشاهد "محرفُ" اعترضه لرفعه قافية البيت وكان حقها النصب لأنها معطوفة على كلمة "مُسحتاً" المنصوبة. وكذلك قصيدة مدح بها الفرزدق يزيد بن عبد الملك على هذا النمط:

مستقبلين شمالَ الشام تضربنا
على عمائمنا يُلقى وأرحُلُنا

بحاصبٍ كنديف القطن منثور
على زواحف تُزجى مخُّها ريرِ

فالشاهد "مخّهاريرُ" مشيراً إلى قياس النحو لأنه يتألف من مبتدأ وخبر

فغضب الفرزدق وهجاه بقصيدة على هذا النمط:
فلو كان عبدُالله مولىً هجوتُه
ولكنَّ عبدَ الله مولى مواليا

فصحّحه أبو إسحق الحضرمي بقوله: "أخطأتَ أخطأتَ إنّما هو مولى موالٍ".

فالشاهد "موالياً" مشيراً إلى أنّ كلمة موال المضافة مجرى الممنوع من الصرف، إذ جرّها بالفتحة وكان ينبغي أن يصرفها قياساً على ما نطق به العرب من مثل جوارٍ وغواشٍ إذ يحذفون الياء منونين في الجر والرفع. وكان يخالف القرّاء في سورة المائدة: )والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما( فكانوا يقرؤون (السارقُ والسارقةُ) بالرفع على الابتداء، بينما الخبر فعل الأمر، وجعله ذلك يقرؤهما بالنصب على المفعولية. وكذلك حدث اللحن في قوله تعالى: )أن الله بريء من المشركين ورسوله)بكسر اللام في رسوله فالأحق "ورسولُه"، وهناك أخطأ اللسان لدى الحجاج بن يوسف الثقفي في قراءة قوله تعالى: )قل إن كان ءاباؤكم وأبنآؤُكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادَها ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله) بضمّ أحبُّ والوجه أن تُقرأ بالنصب خبراً لـ "كان" لا بالرفع.

هذه الأدلّة واضحة في أنّ القياس المعتمد أساس في بناء النحو العربي. ونرى بأن القياس بدأ ونشأ مع النحو حينما دعت الحاجة إليه في الشريعة، ثم أصبح منهجاً وطريقة سائدة في كثير من فروع المعرفة. وصار النحو كله قياساً، وعليه المعمول في غالب مسائله، واستبحر القول في العلّة والتعليل والجدل النحوي، والخلاف النحوي والجدل الفقهي. وكما قال المخزومي: "أقل من البصريين رواية وحفظاً وسماعاً، فقد كان الكوفيون والبصريون جميعاً يعملون جاهدين على لقاء الأعراب، والسماع منهم، وعلى جميع الأشعار، وأخبار أيام العرب"، وأيّد السيوطي هذا بالقول: "وهم علامون بأشعار العرب، ومطلعون عليها". ومن ذلك يرى سعيد جاسم الزبيدي أنّ البصريين والكوفيين يقيمون القياس والسماع، وليس صحيحاً ما قيل عن مذهب البصريين إنّه قياسي، ومذهب الكوفيين إنّه سماعي". وكان يبني القياس على الكثرة المطّردة من كلام العرب، مع نصه دائماً على ما يخالفه، ومحاولته في أكثر الأحيان أن يجد له تأويلاً نحو القياس في عطف المعرّف بالألف واللام على المنادى المرفوع أن يكون مرفوعاً نحو: "يا زيدُ والحارثُ" كما تقول العرب: "يا زيد والنصرُ" كما أنشد الأعرج في: "يا جبال أوّبي معه والطيرُ" فرفع، ويقولون: "يا عمرو والحارث". وقال الخليل هو القياس كأنه قال: "ويا حارث". وتستعرض الباحثة بعض الأعمال الظاهرة والمحذوفة ومنها: قوله تعالى: )لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة(، الشاهد في كلمة "المقيمين الصلاة" بالنصب، ولو كانت معطوفة على ما قبلها لكان حقها الرفع، ويقول الخليل إنها منصوبة بفعل محذوف قصداً للثناء والتعظيم، كما في قول الشاعر في الافتخار عن أمية بن أبي عائد:

ويأوى إلى نسوةٍ عُطّلٍ
وشُعثاً مراضيعَ مثلَ السّعالى

"شعثا" منصوبة بإضمار فعل لا يصحّ إظهاره لأن ما قبله دلّ عليه فوجب حذفه على ما يجري عليه تعبيرهم في الذم والمدح.
روى الخليل: يقول الناس: (إنّ بك زيدٌ مأخوذ) أي "إنّه بك زيد مأخوذ" قياساً على ما أنشد ابن صريم اليشكري.

ويوماً توافينا بوجه مقسّم
كأنْ ظبيةٌ تعطو إلى وارق السّلَمْ

وقول الآخر:

ووجهٌ مشرقُ النّحر
كأنْ ثدياه حقّانِ

القاعدة العامة في الحال دائماً يأتي مصدراً نكرةً، منع القياس دخول الألف واللام عليه نحو "ذهب زيد المشيَ" بالنصب على الحال، وإنما يقال "ذهب زيد ماشياً"، لو وجدت فحكمه شاذّ عن قول العرب "أرسلها العراك". واستعمال "ما النافية" استعمال ليس في رفع اسمها ونصب خبرها في مثل "ما زيد منطلقًا" ثم يعقب بلغة تميم فيها وأنها لا تعملها، يقول سيبويه: "وأما بنو تميم فيجرونها مجرى "أما" و"هل"، وهو القياس لأنها ليست بفعل، وليس "ما" كـ"ليس" حقيقي. ولا يكون فيها إضمار، أما أهل الحجاز فيشبهونها بـ"ليس"، إذ كان معناها كمعناها". وهناك الأمثلة الأخرى – مما تفكر الباحثة- بأن القياس النحوي ربط بالبنية السطحية والبنية العميقة في النحو التّحويلي ممّا قدّمه نعوم تشومسكي منها:

أ- سبق النفي على الوصف

غيرُ لاهٍ عداك، فاطّرح
غير مأسوف على زمنِ

اللهْوَ، ولا تفترر
بعارضٍ سَلْم


غير قائم الزيدان، ما قائم الزيدان، ليس قائم الزيدان

ب- الوصف من نوع صيغة مبالغة:

خبير بنو لِهب، فلا تكُ ملغيا
مقالة لِهبيٍّ إذا الطّير مرّت

ج- تقديم الخبر جوازاً:

قام أبوه زيد

قد ثكلت أمّه من كنتَ واحدهُ
وبات منتشباً في بُرثُنِ الأسد
أبوه منطلق زيد

إلى ملكٍ ما أمُّه من محاربٍ
أبوه، ولا كانت كليبٌ تصاهره

د- تقديم الخبر وجوباً:

في الدار صاحبها
أهابُك إجلالاً، وما بك قدرة
علي، ولكن ملء عيني حبيبها

هـ- يجوز حذف المبتدأ أو الخبر إذا دلّ على المحذوف:

أزيد قائم /نعم زيد قائم:

قال تعالى ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم...)

و- تعدّد الخبر:

هذا حلوٌ حامض/ زيد قائم ضاحك.

قال تعالى (وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرْشِ المَجِيدُ )

وأحسَّ بعض القدماء في وضوح طوابع الكوفيين: "لو سمع الكوفيون بيتاً واحداً فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلاً وبوّبوا عليه"، وقالوا: "عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظاً في شعر أو نادر كلامٍ جعلوه باباً أو فصلاً". وعلى أنه ينبغي أن نعرف أن المدرسة البصرية حين نحّت الشواذ عن قواعدها لم تحذفها ولم تسقطها بل أثبتتها أو على الأقل أثبتت جمهورها، ناقدة في كثير منها إلى تأويلها، حتى تنحِّي عن قواعدها ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن خللاً يشوبها، وحتى لا يغمض الوجه الصحيح في النطق على أوساط المتعلمين؛ إذ قد يظنون الشاذ صحيحاً مستقيماً، فينطقون به ويتركون المطّرد في لغة العرب الفصيحة وتصاريف عباراتهم وألفاظهم.

وهناك بعض الأمثلة إشارة إلى سجيّة العرب في كلامهم كما أنشد ابن امرئ القيس في الشعر:


وَلوَ أنّ مَا أسْعَى لأدنَى مَعِيشةٍ
كَفَاني وَلمَ أَطلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المَالِ


فالشاهد هنا "قليلٌ" والعامل "كفاني" و "ولم أطلب" أي ارتباط التنازع الوثيق بفكرة العامل، لئلاّ يلتقي مؤثِّرانِ على مؤثَّرٍ فيه، وجود نصوص عربية أصلية تؤيد بعضاً من تراكيبه غير مصنوعةٍ. وجود عاملين أو أكثر، ويشترط أن يكون بينهما ارتباط بالعاطف مطلقاً. هذا التركيز على النقاط الأساسية التي تتضح بها فكرة التنازع وارتباط ذلك بفكرة التأثير والتأثّر. وهذا دليل واضح أن فكرة النحو بدأت منذ زمن قبل الخليل وسيبويه أي أن امرأ القيس قد تقدّم على الخليل وسيبويه وأقرانهما من هذه الجهة في الترتيب الزماني، ومن هذه الجهة في ترتُّب "القواعد" على النصوص. هذا بمعنى أنّ الصورة المنطقية تظهر في المركب السطحي أي كل العناصر من التراكيب العميقة تظهر في التركيب السطحي. ومن ذلك، نرى أنّ دور الجانب الداخلي يعبّر عن الفكر لتعبير "معنى" حين تعتمد على عدد من "الافتراضات" الأساسية التي تكون فيها. وكما ذكر عبده الراجحي بأنّ الجانب الداخلي ممّا قدّمه تشومسكي يتضمّن "الجانب الحدسي"(intuitive) في العمل النحوي. وهذا يماثل قول امرئ القيس إن مرفوعاً وعامله "قليلٌ" والعامل "كفاني" لأن "لم أطلب" تحتاج إلى الفاعل أو المرفوع أي فهمنا من ذلك أن هناك ارتباط التنازع الوثيق بفكرة العامل، فكيف فرض النحاة أن العامل لـ "قليلٌ" هي "كفاني" وليس "ولم أطلب"؟ هذه كلها تعود إلى قضية "الافتراضات" مما لها رابطة بالقدرات الأساسية للعقل الإنساني كما رأى المذهب الديكارتي وهي قدرات عامّة بين الناس ودراسة النظام الأساسي الذي تتولّد به قوانين البنية العميقة قبل تحويلها إلى الكلام السطحي ثم تنتقل إلى فكرة الكليّات (universal) ويمكن أن نصورها كالآتي:



وأمّا الجانب الخارجي فهو آلة الفكر والتعبير الذاتي أي يعبر عن شكلها الفيزيقي أو أصوات وأيضاً يسمى بالبنية السطحية مما سماه النحو التحويلي، أي يهتم بالقوانين التي تحد البنية التحتية وترابطها بنية السطح. والبنية التحويلية مما يراها الوصفيون في ذلك الموطن:

1- قضية الأصلية والفرعية: كما في قول الشاعر:

فلو كان عبدُالله مولىً هجوتُه
ولكنَّ عبدَالله مولى مواليا

فصحّحه أبو اسحق الحضرمي بقوله فقال: "أخطأتَ أخطأتَ إنّما هو مولى موالٍ".

إنّ كلمة "موالٍ" جرّها بالفتحة وكان ينبغي أن يصرفها قياساً أو أصلاً على ما نطقت به العرب من مثل جوارٍ وغواشٍ إذ يحذفون الياء منونين في الجر والرفع.

2- قضية العامل: كما في قوله تعالى: )أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ(، فالأحق "ورسولَه"، لأنه عاطف على معمول الناصب أي "الله".

3- قواعد الحذف:

كقول الناس: (إنّ بك زيدٌ مأخوذ)، أي "إنّه بك زيد مأخوذ" قياساً على ما أنشد ابن صريم اليشكري.



4- قواعد الزيادة

5 - قواعد إعادة الترتيب: يجب تقديم الخبر إذا كان المبتدأ متصلاً بالضمير نحو "في الدار صاحبها" قياساً على هذا الشعر
ومن الأمثلة السابقة نلاحظ أن قواعد النحو العربي تبدأ من قدرة تفكير العرب نفسها، والأدلة المطروحة دليل واضح أن لكل سبب مسبباً أو العلة لها معلول. ويتجلّى لنا مما طرحنا بأنّ الدعوة إلى أنّ بدايات النحو العربي تأثّرت بالفكرة اليونانية شيء مردود وغير دقيق.

الخلاصة

وبعد الملاحظات عن هذا الموضوع وجدنا أنّ بداية نشوء النحو العربي كانت على أيدي حذّاق العرب ولم يتأثر بالثقافات الأخرى. لذلك استعرضت الباحثة دليلاً عن عملية الترجمة التي كانت تحدث في العصر العباسي. وأما عملية تقعيد القواعد النحوية فقد بدأت قبل ذلك، أي في عهد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). وكذلك استخدمت الباحثة رأي نعوم تشومسكي في البنية العميقة والبنية السطحية حين تحدّث عن عملية التفكير داخلياً وخارجياً ذاتياً. ورأت الباحثة أنّ هذه النظرية تناسب عملية إخراج القواعد النحوية في العربية. لذلك، استعرضت بعض القواعد النحوية القياسية مما طُبّق لدى النحاة القدماء منها قضية الأصلية والفرعية وقضية العامل والحذف والزيادة والإبدال وتناسقها مع نظرية تشومسكي. وعلى ضوء هذه الأمثلة، أدركت الباحثة بأن عملية تقعيد النحو العربي لا علاقة لها بالفكرة اليونانية ولا بتأثير مباشر منها. وأن قول أرسطو عن تقسيم الكلام إلى: "فعل" و"اسم" و"حرف" لا علاقة له بباب النحو العربي وقواعده، بل هذا التقسيم لم يستمر في الدرس اليوناني.



المصادر والمراجع

المراجع العربية:

- حسان، تمام، اللغة بين المعيارية والوصفية، (القاهرة: دار الثقافة، 1992م).
- ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، ط2، تحقيق محمود محمد شاكر، (القاهرة: مطبعة المدني، 1974م).
- ابن خالويه، مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع، (القاهرة: مكتبة المتنبي، 1995).
- أبو الطيب اللغوي، مراتب النحويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: مكتبة نهضة مصر ومطبعتها، د.ت).
- أمين، أحمد، ضحى الإسلام، الجزء الثالث، (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة، 1969م).
- حسن منديل العكيلي، الخلاف النحوي، (بغداد: دار الضياء، 2007م).
- الراجحي، عبده، النحو العربي والدرس الحديث، (بيروت: دار النهضة العربية، 1979م).
- الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، (القاهرة: دار المعارف، 1984م).
- سعيد جاسم الزبيدي، القياس في النحو العربي نشأته وتطوّره، (عمان: دار الشروق، 1997م).
- سيبويه، الكتاب، تحقيق إميل بديع يعقوب، (بيروت: دار الكتب العلمية،1999م).
- سيد، صبري إبراهيم، تشومسكي فكره اللغوي وآراء النقاد فيه، (إسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989م).
- السيرافي، أخبار النحويين البصريين، ط1، تحقيق محمد إبراهيم البنّا، (مصر: دار الاعتصام، 1985م).
- السيوطي، الاقتراح في علم أصول النحو، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م).
- ابن عقيل، شرح ابن عقيل، المجلد الأول، تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، (بيروت: دار الفكر، 1998م).
- ضيف، شوقي، المدارس النحوية، ط6، (القاهرة: دار المعارف، 1995م).
- طلال علاّمة، تطوّر النحو العربي في مدرستي البصرة والكوفة، (بيروت: دار الفكر اللبناني، 1993م).
- عباس حسان، اللغة والنحو بين القديم والحديث، (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1971م).
- مهدي المخزومي، مدرسة الكوفة، مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، ط3، (بيروت: دار الرائد العربي، 1986م).
- نهاد الموسى، نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث، (الأردن: مكتبة وسام، 1987م).

المراجع الأجنبية:

- Chomsky, Noam, Aspects of the theory of syntax, )Cambridge:MIT Press, 1969(.

- Gutas, Dimitri, Greek Thought Arabic Culture –The Graeco- Arabic Translation Movement in Baghdad an Early `Abbasid Society,) London: Routledge, 1998(.

- C.H.M. Versteegh, Greek Elements in Arabic Linguistic Thinking, )Leiden: E.J.Brill, 1977(.

- The Encylopaedia of Islam, (eds). C.E Boswort (Leiden:E.J.Brill, 1993) vol V11.

- G.Troupeau, Lexique-Index du Kitab de Sibawayhi, (Paris, 1976), translated by Philip Simpson. Copyright 2006 Ashgate Publishing Ltd.

- Carter, The Origins of Arabic Grammar, translation of Les origins de la grammaire arabe, Revue des Etudes Islamiques 40 (Paris,1972), translated by Philip Simpson. Copyright 2006 Ashgate Publishing Ltd


ـــــــــــــــــــــــ

مجمع اللغة العربية الأردني بالضغط هنا (http://www.majma.org.jo/majma/index.php/2009-02-10-09-36-00/440-81-1.html)

أ. مزيان
03-04-2013, 11:47 PM
أشكرك على الرّد السريع، سبق أن قرأتُ بحث الأستاذة، و لكن أرجـــو إفادتي فيما يخص: "الدارسين المحدثين"
هل لهم نظرة خاصة للموضوع ؟

زهرة متفائلة
04-04-2013, 12:12 AM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

أحسب من الدراسين المحدثين إبراهيم بيومي / والله أعلم

هذه بعض المراجع ....

* ( منطق أرسطو والنحو العربي ) إبراهيم بيومي مدكور !
* جيرار تروبو ونشأة النحو العربي - عمر حسن القِيَّام / جامعة الإسراء - الأردن هنـــــا (http://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=30994)...
* بحث بعنوان ( التفكير النحوي ....) في الفصل الأول تعرَّض الباحث لذكر عن النحو العربي وتأثره وما بعده ، وأحسب أنه ذكر بعض الدراسين المحدثين في ص : 35 خاصة / ويمكن الاستفادة من المراجع ....بالضغط هنا p (http://bu.univ-ouargla.dz/Souad_Charfaoui.pdf?idthese=185)df أو بالضغط هنـــــا
(http://www.google.ae/url?sa=t&rct=j&q=%D8%A8%D8%AD%D8%AB+%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D8%B1+%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AD%D9%88%D9%8A +%D8%B9%D8%A8%D8%AF+%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86+%D8%B9%D9%86%D8%AF+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7 %D8%AC&source=web&cd=2&cad=rja&ved=0CDAQFjAB&url=http%3A%2F%2Fbu.univ-ouargla.dz%2FSouad_Charfaoui.pdf%3Fidthese%3D185&ei=vpNcUYbMOsrVrQfJ5IH4Bw&usg=AFQjCNHdGsCm5TvJ11vio8qepBJWB_Fj8A)
والله أعلم بالصواب ، والباقي يفيدكم أهل العلم

أ. مزيان
04-04-2013, 12:31 AM
شكرا جزيلا. بارك الله في خدمتك.