المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ ......)



مهاجر
11-04-2013, 04:52 PM
ومن قوله تعالى : (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) :
فذلك عموم من وجهين ، إذ تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل ، ودخلت : "أل" الجنسية الاسْتِغْرَاقِيَّةُ على الجمع المنكر : "أمثال" ، فأفادت البيان للماهية ، من وجه ، والاستغراق للأفراد الخارجية ، من وجه آخر ، فتعم بدلالتها كل فرد في الخارج تحققت فيه الماهية المطلقة في الذهن ، فهي في الخارج تحصل في أفراد فَتَعُمُّهُم بدلالتها البيانية للجنس ، فَتُبَيِّنُ الجنس من وجه وتستغرق آحاده ، من وجه آخر ، فلا تَنْفَكُّ : "أل" : الاستغراقية تدل على الجنسية ، فتدل على الماهية المطلقة للحقيقة التي دخلت عليها ابتداء ، ومن ثم تدل على ذيوعها في أفراد في الخارج فهي تستغرقهم ، من هذا الوجه ، خلافا لـ : "أل" التي تُبَيِّنُ الماهية دون أن تستغرق أفرادها في الخارج إن كانت الأفراد منفصلة كما في آحاد الجموع ، وآحاد اسم الجنس الجمعي كبقر فَيُحَدُّ مفرده بإلحاق تاء الوحدة بلفظه ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) ، فدلالة : "أل" ، دلالة عموم يَسْتَغْرِق ، فَقَرِينَةُ السياق تدل على حَيْرَتِهِم في تَعْيِينِ الفرد المجزئ فهو واحد من جَمْعٍ كَثِيرٍ ، فدلالة : "أل" ، كما تقدم ، تفيد البيان لماهية الذبح فهو من جنس البقر ، فلا يجزئ غيره ، فقرينة الأمر التي صدر بها السياق تقصر الإجزاء عليه ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) ، والنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فيحصل الإجزاء بأي فرد في الخارج تَتَحَقَّقُ فيه ماهية الحقيقة التي أنيط بها حكم الإجزاء ، فقد أناط الشارع ، جل وعلا ، الأحكام في كتابه بأسماء فمنها ما يعرف بحد اللسان المطلق فهو الأصل في البيان فالحقيقة اللغوية أعم الحقائق فدلالتها المعجمية مطلقة فلا قيد من اصطلاح سواء أكان اصطلاح شرع يقيد الإطلاق في حقيقة اللغة الأعم لِتَصِيرَ حقيقة شرعية أخص ، أم اصطلاح عرف ، عم أو خص ، فهو ، أيضا ، عرف يقيد الإطلاق في حقيقة اللغة الأعم لِتَصِيرَ حقيقة عرفية أخص ، فالحقائق ، كما تقدم ، على ثلاثة أنحاء ، فمنها الحقيقة اللغوية الأعم وهي الأصل قبل ورود الشرع وحدوث العرف ، ومنها الحقيقة الاصطلاحية الشرعية ، ومنها الحقيقة العرفية ، فالشرعية قد قيدت بدلالة الشرع النازل ، والعرفية قد قيدت بدلالة العرف الحادث ، وهو مما يَتَغَيَّر تَبَعًا لِتَغَيُّرِ الأعصار والأمصار ، وهو ، من وجه آخر ، مما تنقسم موارده في الخارج فمنه عرف صحيح مباح ، بل وقد يكون واجبا أو مندوبا فهو من فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق ، كقرى الضيف ، فهو واجب بالشرع ، وهو ، مما دل على حسنه العرف الصحيح ، فذم من لم يضيف الغريب ، فـ : (انْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) ، فلو أخذ الأجر على الإحسان ما ذم إذ يأخذه من قوم سوء لا يقرون الضيف ، ومنه عرف فاسد وإن عمت به البلوى ، فلا اعتبار به ، بداهة ، فليس فعل البشر حجة على الشرع إلا في موارد يصح فيها الاحتجاج بالعرف ، فهو عرف مُعْتَبَرٌ يواطئ أصول الشرع الصحيح ، وأصول القياس الصريح ، وأصول الأخلاق والفضائل التي يمدح بها أصحاب المروءات الكاملة ، فنفوس أصحابها شريفة تأنف أن تَتَلَبَّسَ بخسيسة أو تتصف بنقيصة ، فيصح الاحتجاج بالعرف الصحيح إذ لا نص ، فيجري ذلك مجرى المصلحة المرسلة التي أطلقها الشارع ، جل وعلا ، رحمة غير نسيان ، فالأنظار فيها تختلف إذ لا نص ، فيجتهد أهل النظر فمنهم من يعتبرها ومنهم من يلغيها ، فالعرف يضاهي المصلحة من هذا الوجه فمنه ما يعتبر ومنه ما يلغى ، فالعرف الصحيح يجري مجرى الشرط ، فدلالته تعدل دلالة اللفظ في باب الشرط فالمشروط لفظا كالمشروط عرفا ، وتعدل الشرع ، ولو من وجه ، فاطرد في كلام الفقهاء أن لفظ الواقف كنص الشارع ، جل وعلا ، وذلك أمر لا يسلم من كل وجه فليس على إطلاقه كما قرر بعض المحققين إذ لا ينفك لفظ الواقف يعرض على نص الشارع ، جل وعلا ، فالعبرة بالشرع فهو الحكم وما سواه من هوى أو ذوق أو سياسة فهو محكوم وذلك القياس المعقول ، كما تقدم مرارا ، فالمحكم يقضي على المتشابه .

فكذلك العرف الصحيح الجاري فهو كالنص في تقييد الأحكام على وجه صحيح لا تحكم فيه بحظر مشروع أو إباحة محظور ، ودلالة العرف ، من وجه آخر ، تَعْدِلُ دلالة العهد في : "أل" ، فالسياق أو الحال يقيد العموم بقصره على معهود ذكري ، أو آخر ذهني ، فـ : "أل" ، في : "البقر" ، من وجه آخر ، قد تجري مجرى العهد فلم يقصدوا ، بداهة ، جميع البقر ، وإنما قصدوا ما تحت أيديهم ، فـ : "أل" ، تحتمل دلالة الماهية المجردة ، ودلالة الاستغراق لحقيقة المعرف ، وهو اسم جنس جمعي ، كما تقدم ، فحقائقه في الخارج منفصلة ، فماهية المعرف قد تكون مما تَتَمَايَزُ أفراده في الخارج كالبقر ، فأجرامها في الخارج منفصلة ، وقد تكون من وجه آخر مما تَتَّصِلُ أجزاؤه فلا تَتَمَايَزُ فتطلق على ما قل وما كثر إطلاقا واحدا ، كما في اسم الجنسي الإفرادي كالماء فلا واحد له من لفظه كاسم الجنس الجمعي ، فدلالة : "أل" في : "الماء" في قول رب البرية جل وعلا : (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، دلالة بيان للماهية ، فلا تَسْتَغْرِقُ جنس ما دخلت عليه ، فمن ماهية الماء خلق الأحياء ودلالتها في قول صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" ، دلالة عهد ذهني ، فالأول ماء الاغتسال ، والثاني ماء المني ، وما بينهما واسطة السبب فـ : "من" مئنة من السببية ، فاختلف العهد وإن تجاور اللفظان بل واتحدا في المبنى ، فلكلٍّ معنى يُبَايِنُ الآخر ، وذلك ، من وجه ، شاهد لمن جوز دلالة المشترك على كلا مَعْنَيَيْهِ ، فدلالة : "أل" : في : "الأمثال" ، وهو ، محل الشاهد ، دلالة عموم جنسي ، فهي تستغرق أفراد الماهية في الخارج ، فحصل العموم ، كما تقدم ، من جهة تسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل الذي صدر به السياق ، فذلك نهي تكليف في باب العقد ، فيشاطر النهي في باب الشرع ، كما في قوله تعالى : (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، فالنهي منه ما يختص بالإلهيات ، فباب الحظر فيها أوسع إذ الأصل فيها التوقيف فلا تضرب فيها الأمثال ما تضرب في الشرعيات فكثير من مسائلها قد عقل معناه فصح القياس عليه إذا انضبطت العلة وتعدت ، واطردت وانعكست فذلك قياس العقل الصريح إذ يناط الحكم ، كما تقدم مرارا ، بالعلة المؤثرة فهو معها يدور وجودا وعدما ، فيستنبط أهل الدراية من الأصول في باب القياس ما تصح إناطة الحكم به ، فَيُلْحِقُونَ الفروع بها إذا تحققت العلة في الفرع تَحَقُّقَهَا في الأصل ، كقياس حرق مال اليتيم على أكله ، فالمعنى المؤثر هو التعدي والإتلاف ، فيحصل بالحرق كما يحصل بالأكل ، فذلك القياس الجلي الذي لا ينكره إلا من جحد دلالة العقل الضرورية على التسوية بين المتماثلات فذلك رسم الشريعة الخاتمة ، فلا تجد فيها من الاضطراب ما تجده في أحكام البشر وأَقْيِسَتِهِم فَفِيهَا من التفريق بين المتماثلات ، والتسوية بين المتماثلات ما لا يخفى إذ يفوت القائس إذا حاد عن جادة النقل ، سواء أكان ذلك في أصل فهو الأعظم ، لا سيما في مسائل الإلهيات ، كما تقدم ، فضرب الأمثال فيها محظور في الجملة ، فَإِلَيْهِ يَنْصَرِفُ النهي في الآية ، فضرب الأمثال القياسية في باب الصفات الإلهية تَعَدٍّ وتجاوز للحد المشروع باقتراف المحظور المنهي عنه على جهة الجزم بِنَصٍّ في الباب ، فدخول : "لا" الناهية على المضارع نص في النهي كما قرر أهل الأصول ، فخرج ما حُدَّ حَدَّ الأمر في باب الاجتناب للمحظور ، كما في أمر الرب المعبود ، تبارك وتعالى : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ، فهو يفيد التحريم كما يفيد النهي ولكن بصيغة أمر لا نهي صريح ، وقل مثله في أخبار الذم ، كما في قول الرب جل وعلا : (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) ، فهو ، خَبَرُ غَيْبٍ ، فلا ينال إلا من جهة السمع ، وهو ، مع ذلك ، يفيد ، بداهة ، إنشاء النهي عن الكذب على الله جل وعلا ، فهو داخل في حد القول على الله ، جل وعلا ، بغير علم ، وذلك مما ورد النص على تحريمه ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، وورد النهي عن الخوض فيه ، فـ : (لَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) ، فذلك أمر يعم بدلالة اللفظ كل تعد في أحكام الشرع من إباحة وحظر ، ودلالة معناه ، من وجه آخر ، تعم كل تعد في أخبار العقد من إثبات أو نفي ، فالكذب على الرب ، جل وعلا ، يكون في العقائد في باب الإثبات فَيَزِيدُ في الوصف ما ليس منه ، والأصل في هذا الباب ، كما تقدم مرارا ، التوقيف ، وينقص منه ما قد ثبت فذلك جفاء المعطلة والمتأولة ، فالأصل في هذا الباب إجراء النصوص على ظواهرها الصحيحة التي تدرك بالنظر في الدلالة المعجمية المفردة ، والدلالة السياقية المركبة ، فهي أصل في معرفة مُرَادِ المتكلم ، لا سيما في باب غيب محض لا يدرك في الجملة بقياس العقل ، وإن دل عليه العقل إيجابا أو تجويزا فتلك دلالة مجملة تفتقر ، كما تقدم مرارا ، إلى بيان الوحي ، فقد يظهر بادي الرأي أن ثم تأويلا بحمل لفظ على معنى هو من لوازمه ، فيحتج به أهل التأويل على صرفهم ظواهر الصفات الخبرية بل ويحتج به أهل التعطيل المحض ! ، ولا حجة لهم ، من باب أولى ، كتفسير الصفة بلازمها ، كما في قوله تعالى : (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فالرحمة هنا هي المطر المخلوق ، فليست الوصف الإلهي ، فهو ، بداهة ، غير مخلوق ، فذلك من تفسير المؤثِّر بالأثر ، فيجري مجرى التفسير للصفة بلازمها ، وهو الفرع ، فلا يَلْزَمُ منه نفي الملزوم ، وهو الأصل ، كما هي الحال في الكناية ، فحدها كما قرره أهل البيان : الانتقال من الملزوم إلى اللازم ، كقولك : فلان : نظيف اليد كناية عن أمانته ، فلا يلزم من إثبات اللازم نفي الملزوم بل قد يكون طاهر الذمة الباطنة وطاهر اليد الظاهرة فلا إشكال في الجمع بينهما خلافا للمجاز ، فالجمع بين الأصل والفرع فيه يمتنع .

وقد يقال ابتداء بانقسام مورد الرحمة في الخارج فمنه رحمة غير مخلوقة هي وصف الرب ، جل وعلا ، إذ رحمته كسائر صفاته الذاتية والخبرية ، المعنوية والفعلية ، فرع على ذاته القدسية إذ تقوم بها على الوجه اللائق بجلال الأول القديم فوجوده واجب أزلي ، قد دلت عليه الضرورة الدينية من كلام النبوات والضرورة العقلية من قياس العقول الصريحات ، والضرورة الفطرية من وجدان الفطر الصحيحات التي لم تتلطخ بأدران التشبيه والتعطيل في الوصف ، والتشريك في العقد ، فهي على رسم التوحيد الأول ، وإن مجملا ، كما تقدم ، فلا ينكر ما ثبت ضرورة لِرَبِّنَا ، جل وعلا ، من أولية الذات ، فيلحق بها ما قام بها من صفات ، فهو الأول بالذات القدسية ، وهو الأول بالأسماء الحسنى وإن لم تظهر آثارها في الكون فلما يوجده بعد ، فهو الخالق قبل أن يخلق ، الرازق قبل أن يرزق ... إلخ ، فاتصف بالكمال المطلق أزلا ، معنى وفعلا ، وإن لم يحدث بعد من آحاد أفعاله ما يوجد به آحاد المفعولات المقضيات في الكون على ما تقدم في علم التقدير الأول ، فما الخلق والتكوين في الخارج إلا تأويل ما تقدم في علم التقدير الأول ، فجاء الفعل الحادث بالنظر في آحاده ، فلم يزل ربنا ، جل وعلا ، فاعلا ، وإن لم يفعل على ما اطرد من اتصافه ، تبارك وتعالى ، بالكمال المطلق أزلا وإن لم تظهر بعد آثاره في الكون ، فجاء الفعل الحادث مصدقا للعلم الأول ، فإما أن يقال ، كما تقدم ، بانقسام مورد الرحمة ، فمنها الرحمة غير المخلوقة ومنها الرحمة المخلوقة ، سواء أكان مما تقدم من خلق الجنة ، النعمة العظمى ، فقد تقدم خلقها في الجملة وإن أحدث من آحاد النعم فيها ما أحدث بحصول سببه الشرعي بإذن ربه ، جل وعلا ، الكوني ، فـ : "قُلْ : سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ" ، فتلك رحمة مخلوقة تظهر آثارها الجزئية في دار البرزخ إذ يفتح على المؤمن في قبره من أبواب نعيمها ما ورد الخبر الصحيح به ، وتظهر آثارها الكلية في دار الجزاء الأوفى ، أم كان في المقابل مما تحدث آحاده في هذه الدار بمشيئة رب العباد ، تبارك وتعالى ، كالمطر فهو رحمة آثارها ما ينبت من زرع بإذن الرب ، جل وعلا ، فهو الزارع ، وإن لم يكن بداهة من باشر الفعل بالحرث والبذر ، فذلك فعل صاحب السبب من زراع البشر ، فالجهة منفكة لا كما قال أهل الحلول والاتحاد إذ يحملون هذه النصوص على وجه يقضي بحلول ذات الرب ، جل وعلا ، في المخلوق ، فذلك ما توهموه من حقائقها المتبادرة ، وحقيقة الأمر أنهم قد غَلَوا في تَفْسِيرِهَا الحرفي ، فَيَنْظُرُونَ في دلالة الألفاظ المفردة دون فقه لمعانيها المركبة ، فإذا وقفوا على نص كحديث الرب ، جل وعلا ، القدسي على لسان نبيه العربي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا" ، فمثلهم في جمودهم على الألفاظ في باب الإلهيات كمثل الظاهرية في جمودهم على الألفاظ في باب الحكميات ، فلا يدرك الأولون من لفظ الحديث إلا حلول الرب الحميد المجيد ، جل وعلا ، في سمع المخلوق وبصره ! ، فلا ينظرون في دلالة سياق أو نظر صحيح ، فمعنى العناية بالتسديد والتوفيق ، فلا يسمع ولا يبصر إلا ما يرضي الرب جل وعلا ، هو الذي يدركه كل عاقل نظر في السياق المركب دون أن يجمد على دلالة الألفاظ المفردة ، وقل مثله في نحو قوله تعالى في الحديث القدسي الآخر : "يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي" ، فنسب الجائع والمريض إلى نفسه الشريفة ، تبارك وتعالى ، إمعانا في تَقْرِيرِ حقهم فذلك مما عهد في لسان العرب فضلا عن قرينة السياق المركب فهو ، كما تقدم مرارا ، أصل في تَعْيِينِ مراد المتكلم ، في عقد أو شرع ، في خبر أو حكم ، ففقه الألفاظ قد يقضي بصرفها عن دلالاتها المتبادرة لا تحكما كما يصنع المعطلة والمتأولة في باب الإلهيات ، وإنما دلت القرينة الصحيحة على ذلك ، ولكل باب من القرائن ما يلائمه ، فالقرائن في باب الخبريات من الإلهيات والسمعيات لا تكون إلا لفظية إذ قياس العقل فيها ، كما تقدم ، يمتنع في الجملة فهو من ضرب الأمثال المحظورة التي ورد النهي عنها كما تقدم في صدر الآية ، فـ : (لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، ولذلك امتنع المجاز في هذا الباب ، كما قرر بعض المحققين ، إذ القرينة الصارفة في المجاز عقلية ، والقرائن العقلية في المسائل الخبرية لا تعتبر إذ لا يدرك العقل حقيقة الغيب ليضرب له المثل ، فإذ انتفى العلم بالحقيقة والكنه ، وهو ما ذيلت به الآية ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، فذيل به على جهة التعليل إذ صدر بالناسخ المؤكد ، فضلا عن الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بَيْنَ المعلول وعلته ، فإذ انتفى العلم بحقيقة الغيب لم يجز ضرب المثل له بتشبيه أو مجاز ، فقرينة العقل لا تعتبر في باب لا يدرك العقل حقائقه في الخارج وإن أثبت معانيه المطلقة في الذهن ، إيجابا أو تجويزا ، فإثباتها مطلقة في الذهن على جهة الاشتراك المعنوي في الحقائق الكلية المطلقة لا يَلْزَمُ منه إدراك حقائقها في الخارج ، من وجه ، ولا يَلْزَمُ منه وقوع الشركة في الحقائق في الخارج فذلك أمر يمتنع بداهة ، في الأوصاف الخبرية في باب الإلهيات كالوجه والعين ، وما يقابلها في أوصاف البشر من أعضاء وأبعاض فلا يوصف ، جل وعلا ، بذلك ، بداهة ، لما يلزم من هذه الألفاظ من افتقار ونقص يَتَنَزَّهُ عنه الرب ، جل وعلا ، بداهة ، فالمركب يفتقر إلى عضوه ، والكل يفتقر إلى بعضه ، وإن كان ذلك ، من وجه آخر ، مما يدخله الإجمال فقد يتوسل به من يتوسل إلى التعطيل والتأويل في باب الإلهيات فيتذرع بنفي العضو والبعض ، وهو يروم نفي الوصف الخبري من وجه وعين فلم يدرك منه إلا نظير ما يجده بحسه الظاهر من صفات البشر ، فالوجه والعين في حقهم أبعاض وأجزاء ، فحقيقة الأمر أنه قد وقع في التشبيه الذي يفر منه ! ، فما عطل ، كما تقدم مرارا ، من كلام المحققين في هذا الباب ، ما عطل إلا بعد أن شبه ومثل ، ولو أجرى الوصف على الوجه اللائق بجلال الرب ، جل وعلا ، فأثبت المعنى وفوض الكيف والحقيقة في الخارج لسلم له الباب واطرد ، فذلك أصل في باب الإلهيات ، إذ ثم ما يثبت وهو المعنى الذي لا يلزم من إثباته ، كما تقدم ، تشبيه أو تمثيل ، وثم ما يفوض وهو حقيقة الوصف وكنهه في الخارج ، فذلك ما لا سبيل للعقل أن يدركه فقد استأثر بعلمه الرب ، جل وعلا ، فلا يحصي العقل ثناء عليه ولا يحيط بشيء من علم ذاته وصفاته ولا يدركه بالبصر رؤية في الدنيا ، أو إحاطة في الآخرة فمن ذا الذي يدرك الخالق الأعظم ، تبارك وتعالى ، وهو الذي لا تحده العقول ولا يحيط به خلق ، فَتَعَالَى بالذات والوصف على وجه يليق بجلاله .


فلا يَلْزَمُ من إثبات المشترك المعنوي المطلق في الذهن وقوع الشركة في الحقائق في الخارج فذلك أمر يمتنع ، بداهة ، في الأوصاف الخبرية ، كما تقدم ، ويمتنع ، أيضا ، في المعقولات ، كالإيمان على سبيل المثال ، فإن الإيمان والإسلام والتصديق والإقرار والإذعان والإخلاص ولوازمها من الرجاء والخشية والإنابة والخضوع .... إلخ ، كل أولئك من الكليات المعنوية الجامعة التي تَنْقَسِمُ مواردها في الخارج ، فلا يلزم من الاشتراك في مطلقاتها الذهنية التماثل في مقيداتها الخارجية ، فإيمان الصديق ، رضي الله عنه ، بداهة ، يُبَايِنُ إيمان بقية الأمة بل ويعدله بل ويرجحه وإن اشترك الجميع في أصل المعنى في الذهن ، فانقسم المعنى في الخارج وتعدد بِتَعَدُّدِ آحاده ، فلا يكاد يحصي التَّفَاوُتَ بَيْنَهَا إلا الرب ، جل وعلا ، فـ : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .

فثم أصول في هذا الباب تَنْسَحِبُ على الإلهيات والحكميات ، فالألفاظ المجملة تفتقر إلى البيان الذي يتلقى من القرائن المحتفة ، فمنها قرائن لفظية كما في النصوص الإلهية فقياس العقل فيها يمتنع في الجملة ، وإن صح ، كما تقدم مرارا ، بالنظر في قياس الأولى ، فذلك مورد غيب وقع فيه من الإجمال ما وقع في ألفاظ المتأخرين إذ أحدثوا من الألفاظ في هذا الباب ما أحدثوا مع أن الأصل فيه أنه تَوْقِيفِيٌّ لا يُتَلَقَّى لفظه إلا من مشكاة الوحي المعصوم ، فَثَمَّ ألفاظ كالتركيب والتبعيض والجسم والقدم ، فالأصل فيها المنع ، ومع ذلك ، لا يحسن ردها إلا بعد الاستفصال ، فقد يتذرع بها النفاة فيدخلون في حدها معنى صحيحا فيكون اللفظ مجملا فظاهره باطل فيسارع من يسارع فينفيه بما حبل عليه من صحيح النظر وصريح الجبلة فهما ينفيان خبث الباطل بما ركز ، جل وعلا ، في النفوس من حب الحق والسعي في طلبه وما يتذرع به إلى دركه من آلات الفهم والاستنباط فكل أولئك مما ركز ، جل وعلا ، في النفوس فهي تمج الباطل وَتَرُدُّه ، فيظهر من مجمل اللفظ المحدث معنى باطل تَنْفِرُ منه النفوس ، وذلك حق ، ولكن قائله قد تذرع به إذ أدخل في حده ما يروم نفيه من الحق ، أو التزم ما لا يلزم ، فألجأه ذلك إلى التعطيل برد اللفظ المجمل وما يحتمله من حق ، وإن أخطأ القائل في اللفظ إذ نطق بلفظ محدث في باب الأصل فيه ، كما تقدم ، التوقيف ، فتذرع من تذرع بلفظ كالتركيب ، فإثبات وصف الخبر كالوجه والعين يلزم من إثباته القول بالتركيب الذي يمتنع ، بداهة ، في حق الرب ، جل وعلا ، إذ لا يَنْفَكُّ عن نقص مطلق ، فالمركب يفتقر ضرورة إلى أجزائه ، والأجزاء قد تفارق المركب فينقص من اسمه ووصفه بقدر ما يفقد من أجزائه ، كالجسد إذا فقد عينا أو يدا ، فيوصف بالجسد الناقص إذ قد زال جزء من أجزائه فانتفى عنه وصف الكمال ، ولم يَنْتَفِ عنه الأصل ، فهو جسد ولكن بقيد النقص ، وكل أولئك مما يَنْتَفِي بداهة في حق الرب الخالق ، تبارك وتعالى ، فـ : "مِثَالُ ذَلِكَ، فِي التَّرْكِيبِ. فَقَدْ صَارَ لَهُ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: التَّرْكِيبُ مِنْ مُتَبَايِنَيْنِ فَأَكْثَرَ. وَيُسَمَّى: تَرْكِيبَ مَزْجٍ، كَتَرْكِيبِ الْحَيَوَانِ مِنَ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ وَالْأَعْضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعُلُوِّ وَنَحْوِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا بِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي: تَرْكِيبُ الْجِوَارِ، كَمِصْرَاعَيِ الْبَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مِنْ ثُبُوتِ صِفَاتِهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ هَذَا التَّرْكِيبِ.
الثَّالِثُ: التَّرْكِيبُ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَمَاثِلَةِ، وَتُسَمَّى: الْجَوَاهِرَ الْمُفْرَدَةَ.
الرَّابِعُ: التَّرْكِيبُ مِنَ الْهَيُولَى وَالصُّورَةِ، كَالْخَاتَمِ مَثَلًا، هَيُولَاهُ: الْفِضَّةُ، وَصُورَتُهُ مَعْرُوفَةٌ. وَأَهْلُ الْكَلَامِ قَالُوا: إِنَّ الْجِسْمَ يَكُونُ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، وَلَهُمْ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ يَطُولُ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّهُ: هَلْ يُمْكِنُ التَّرْكِيبُ مِنْ جُزءَيْنِ، أَوْ مِنْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ مِنْ سِتَّةٍ، أَوْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ؟ وَلَيْسَ هَذَا التَّرْكِيبُ لَازِمًا لِثُبُوتِ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْجِسْمَ غَيْرُ مُرَكَّبٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّمَا قَوْلُهُمْ مُجَرَّدُ دَعْوَى، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
الْخَامِسُ: التَّرْكِيبُ مِنَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، هُمْ سَمَّوْهُ تَرْكِيبًا لِيَنْفُوا بِهِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي اسْتِعْمَالِ الشَّارِعِ، فَلَسْنَا نُوَافِقُهُمْ عَلَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وَلَا كَرَامَةَ. وَلَئِنْ سَمَّوْا إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ تَرْكِيبًا، فَنَقُولُ لَهُمْ: الْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ، سَمُّوهُ مَا شِئْتُمْ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّسْمِيَةِ بِدُونِ الْمَعْنَى حُكْمٌ! فَلَوِ اصْطُلِحَ عَلَى تَسْمِيَةِ اللَّبَنِ خَمْرًا، لَمْ يَحْرُمْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ.
السَّادِسُ: التَّرْكِيبُ مِنَ الْمَاهِيَّةِ وَوُجُودِهَا، وَهَذَا يَفْرِضُهُ الذِّهْنُ أَنَّهُمَا غَيْرَانِ، وَأَمَّا فِي الْخَارِجِ، هَلْ يُمْكِنُ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ وُجُودِهَا، وَوُجُودُهَا مُجَرَّدٌ عَنْهَا؟ هَذَا مُحَالٌ. فَتَرَى أَهْلَ الْكَلَامِ يَقُولُونَ: هَلْ ذَاتُ الرَّبِّ وُجُودُهُ أَمْ غَيْرُ وُجُودِهِ؟ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ خَبْطٌ كَثِيرٌ. وَأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً رَأْيُ الْوَقْفِ وَالشَّكِّ فِي ذَلِكَ. وَكَمْ زَالَ بِالْاسْتِفْسَارِ وَالتَّفْصِيلِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَضَالِيلِ وَالْأَبَاطِيلِ . وَسَبَبُ الْإِضْلَالِ الْإِعْرَاضُ عَنْ تَدَبُّرِ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ، وَالِاشْتِغَالُ بِكَلَامِ الْيُونَانِ وَالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ" . اهـ
"شرح العقيدة الطحاوية" ، ص174 ، 175 .

فسبب الضلال في النفس والإضلال للغير العدول عن محكم أقوال النبوات إلى متشابه أقوال الفلاسفة وأذواق المتزهدة .

فمن قال بأن إثبات الصفات الخبرية يَلْزَمُ منه هذه اللَّوَازِمُ الرَّدِيَّة ليتذرع بها من تذرع فَيَنْفِي الوصف الخبري أو يَتَأَوَّلُه ، فقد ألجأ الخصم إلى النفي إذ نطق بلفظ مجمل ظاهره النقص المطلق وأدخل في حده ما ليس منه ، وَأَلْزَمَ من أثبت الوصف الخبري الصحيح على الوجه اللائق بالرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، دون خوض في كيف أو كنه ، فهو يثبت المعنى المطلق ويفوض الحقيقة الثابتة في الخارج فلا يدركها إلا الرب الخالق ، تبارك وتعالى ، فألزم من أثبت الوصف الخبري الصحيح أن يثبت ذلك اللفظ المجمل ، فمن قال بالصفات الخبرية فقد قال بالتركيب ، بل وَأَلْزَمَهُ أن يُثْبِتَ ما يوهمه اللفظ المجمل من نقص لا يَلِيقُ بداهة بذي العزة والجلال ، تبارك وتعالى ، فليس أمامه إلا أن يَنْفِيَهُ ليسلم له توحيده وتنزيهه للرب ، جل وعلا ، ولو بنفي صفاته التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الوجه اللائق بجلاله ، وإلا طالته تهم التشبيه والتمثيل والتكييف .... إلخ ، وذلك أمر يطرد في كل مقال منحرف ، فيدخل الرافضة في حد النصب ما ليس منه من حب الصحابة ، رضي الله عنه ، فإما أن توافقهم في نحلتهم الخبيثة بسب الصحابة رضي الله عنهم فهم أعداء آل البيت عليهم السلام فلا يثبت حبهم إلا بلعن أعدائهم ! ، وإما أن تطالك تهم النصب ، فقد ناصبت آل البيت العداء فلم توالهم الولاية الواجبة فلا ولاء يثبت لهم إلا بِالْبَرَاءِ من أعدائهم بسبهم ولعنهم بل وتكفيرهم بل والتدين بذلك ، وليس لهم أعداء في هذه الدنيا إلا خير طباق الأمة ممن زكاهم الوحي كتابا وخبرا ! ، فتحملوا أمانة الدين تَبْلِيغًا وَتَبْيِينًا ، وَبَذَلُوا النفس والمال ، وهم ، مع ذلك ، قد نَقَضُوا الملة بِبُغْضِ الأئمة واضطهادهم وسلبهم الحق في الولاية ..... إلخ من آثار الرفض التي يحملها الخلف عن السلف بل وَيَزِيدُ فيها ما يزيد فذلك ، كما تقدم ، وصف المحدثة فهي شِبْرٌ يحدثه السلف ويصيره الخلف أذرعا بل وأميالا ! ، فلا يسلم لك دين إلا بسب خير طباق الأمة ولعنهم ! ، وإلا فأنت من النواصب ! ، فذلك من شؤم الألفاظ المجملة ، كما تقدم ، فهي كالقياس الفاسد الذي تضرب فيه الأمثال الباطلة في العقد أو الشرع أو السياسة ، وما فسد الدين إلا بضربها ، إذ صاحبها يخالف قياس العقل الصريح فيسوي بَيْنَ المختلفين في الخبر أو الحكم ، فيسوي بَيْنَ وصف الرب الخالق ، جل وعلا ، ووصف المخلوق المربوب وفي ذلك من إبطال دلالات الألفاظ الضرورية ما فيه ، فيبطل الاستدلال بها فكيف يعرف مراد المتكلم إن بطلت دلالة لفظه فمناط الأمر أن يعرف المخاطَب : "مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِدَلِيلٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَجَبَ اتِّبَاعُ مُرَادِهِ، وَالْأَلْفَاظُ لَمْ تُقْصَدْ لِذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ أَدِلَّةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا ظَهَرَ مُرَادُهُ وَوَضَحَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ عَمَلٌ بِمُقْتَضَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِشَارَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ، أَوْ بِإِيمَاءَةٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَقْلِيَّةٍ، أَوْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ، أَوْ عَادَةٍ لَهُ مُطَّرِدَةٍ لَا يُخِلُّ بِهَا، أَوْ مِنْ مُقْتَضَى كَمَالِهِ وَكَمَالِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ مِنْهُ إرَادَةُ مَا هُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ وَتَرْكُ إرَادَةِ مَا هُوَ مُتَيَقَّنٌ مَصْلَحَتُهُ، وَأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى إرَادَتِهِ لِلنَّظِيرِ بِإِرَادَةِ نَظِيرِهِ وَمِثْلِهِ وَشَبَهِهِ، وَعَلَى كَرَاهَةِ الشَّيْءِ بِكَرَاهَةِ مِثْلِهِ وَنَظِيرِهِ وَمُشَبَّهِهِ، فَيَقْطَعُ الْعَارِفُ بِهِ وَبِحِكْمَتِهِ وَأَوْصَافِهِ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ هَذَا وَيَكْرَهُ هَذَا، وَيُحِبُّ هَذَا وَيَبْغَضُ هَذَا.
وَأَنْتَ تَجِدُ مَنْ لَهُ اعْتِنَاءٌ شَدِيدٌ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ وَأَقْوَالِهِ كَيْفَ يَفْهَمُ مُرَادَهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَمَذَاهِبِهِ؟ وَيُخْبِرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُفْتِي بِكَذَا وَيَقُولُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِكَذَا وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ، لِمَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِ صَرِيحًا، وَجَمِيعُ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَعُمُّ أَهْلَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فَاللَّفْظُ الْخَاصُّ قَدْ يَنْتَقِلُ إلَى مَعْنَى الْعُمُومِ بِالْإِرَادَةِ وَالْعَامُّ قَدْ يَنْتَقِلُ إلَى الْخُصُوصِ بِالْإِرَادَةِ، فَإِذَا دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى، أَوْ قِيلَ لَهُ: " نَمْ " فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَنَامُ، أَوْ: " اشْرَبْ هَذَا الْمَاءَ " فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ، فَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ نُقِلَتْ إلَى مَعْنَى الْخُصُوصِ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ الَّتِي يَقْطَعُ السَّامِعُ عِنْدَ سَمَاعِهَا بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ الْعَامَّ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ، وَالْأَلْفَاظُ لَيْسَتْ تَعَبُّدِيَّةً، وَالْعَارِفُ يَقُولُ: مَاذَا أَرَادَ؟ وَاللَّفْظِيُّ يَقُولُ: مَاذَا قَالَ؟ كَمَا كَانَ الَّذِينَ لَا يَفْقَهُونَ إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: {مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16] ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَمْثَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] ، فَذَمَّ مَنْ لَمْ يَفْقَهْ كَلَامَهُ، وَالْفِقْهُ أَخَصُّ مِنْ الْفَهْمِ، وَهُوَ فَهْمُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ فَهْمِ وَضْعِ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ، وَبِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ النَّاسِ فِي هَذَا تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُمْ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (1/164) .

فكل عاقل يدرك بداهة القدر الفارق بين اسم الخالق ، واسم المخلوق ، والحقيقة التي يدل عليها كل اسم ، والقدر الفارق بَيْنَ الحقائق فهو لازم القدر الفارق بين الأسماء ، ولا يَنْفَكُّ ، ذلك ، بداهة ، عن قدر فارق آخر بَيْنَ الأوصاف إذ الكلام فيها فرع على الذوات ، فكما اختلفت الذوات وتباينت فكذلك الشأن في الصفات التي تقوم بها فلكلٍّ من الأوصاف ما يليق بذاته ، كمالا أو نقصا ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، من البدائه العقلية الضرورية التي أنكرها من أنكر ممن غلا أو جفا في المباحث الإلهية بل وفي المباحث الشرعية الحكمية ، فسوى بَيْنَ حكم الخالق ، جل وعلا ، وحكم المخلوق ، فذلك من جنس التسوية بين وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصف المخلوق ، بل إن الحكم ، عند التدبر والنظر ، من موارد الأسماء والصفات الإلهية ، فالرب ، جل وعلا ، هو الحكم ، وهو الحكيم الذي أحكم آي الكون بكلم التكوين النافذ ، وأحكم آي الشرع بكلم القضاء الحاكم ، فآيه محكم ، فأقسم بآي الذكر الحكيم : (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) ، فذلك من موارد الصفة المشبهة التي حُدَّت حَدَّ المبالغة إمعانا في تَقْرِيرِ المعنى وتوكيده ، فهو حكيم بمعنى مُحْكَم ، فآيه قد أحكمت ثم فصلت ، فأم الكتاب محكم ، وما تشابه منه فهو إلى المحكم يأرز ، فكذلك الشأن ، من باب أولى ، في حق ما تشابه من أحكام العقول وأذواق النفوس فلا تَنْفَكُّ يدخلها التشابه بل والتعارض والتناقض ، فلا يحسم النزاع بينها ، كما تقدم مرارا ، إلا نص حاكم ، من وحي نازل ، فهو الحكم من خارج ، وهو ، مع ذلك ، قد سلم من التشابه والاختلاف ، فـ : (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، وَقُلْ مِثْلَهُ ، ولو من وجه ، في اختلاف الناس في دلالة القياس ، فَثَمَّ من غلا وثم من جفا ، فـ : "أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ حَمَّلُوا مَعَانِيَ النُّصُوصِ فَوْقَ مَا حَمَّلَهَا الشَّارِعُ، وَأَصْحَابُ الْأَلْفَاظِ وَالظَّوَاهِرِ قَصَرُوا بِمَعَانِيهَا عَنْ مُرَادِهِ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (1/167) .

فزاد القياسيون ما زادوا مما لا يدخل في حد اللفظ أو معناه إذ تعدوا في استعمال دلالة العقل ، ونقص الظاهرية من دلالات الأحكام ما نقصوا إذ جمدوا على لفظ النقل دون النظر في فحواه أو مفهومه .

وَبَيْنَهُمَا من تَوَسَّطَ فترجم البخاري رحمه الله : "بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ" ، فـ : "هَذَا الَّذِي تَرْجَمَهُ الْبُخَارِيِّ هُوَ فَصْلُ النِّزَاعِ فِي الْقِيَاسِ، لَا كَمَا يَقُولُهُ الْمُفْرِطُونَ فِيهِ وَلَا الْمُفَرِّطُونَ، فَإِنَّ النَّاسَ فِيهِ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ، فَأَحَدُ الطَّرَفَيْنِ مَنْ يَنْفِي الْعِلَلَ وَالْمَعَانِيَ وَالْأَوْصَافَ الْمُؤَثِّرَةَ، وَيَجُوزُ وُرُودُ الشَّرِيعَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَلَا يَثْبُتُ أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - شَرَعَ الْأَحْكَامَ لِعِلَلٍ وَمَصَالِحَ، وَرَبَطَهَا بِأَوْصَافٍ مُؤَثِّرَةٍ فِيهَا مُقْتَضِيَةٍ لَهَا طَرْدًا وَعَكْسًا، وَأَنَّهُ قَدْ يُوجِبُ الشَّيْءَ وَيُحَرِّمُ نَظِيرَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيُحَرِّمُ الشَّيْءَ وَيُبِيحُ نَظِيرَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَنْهَى عَنْ الشَّيْءِ لَا لِمَفْسَدَةٍ فِيهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ لَا لِمَصْلَحَةٍ بَلْ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةُ، وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَفْرَطُوا فِيهِ، وَتَوَسَّعُوا جِدًّا، وَجَمَعُوا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا بِأَدْنَى جَامِعٍ مِنْ شَبَهٍ أَوْ طَرْدٍ أَوْ وَصْفٍ يَتَخَيَّلُونَهُ عِلَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِلَّتَهُ وَأَنْ لَا يَكُونَ، فَيَجْعَلُونَهُ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي عَلَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْحُكْمَ بِالْخَرْصِ وَالظَّنِّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى ذَمِّهِ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (1/150 ، 151) .

فأثبت المحققون دلالة القياس الصحيح فهو مما دل عليه الكتاب إذ أمر بالاعتبار ، وهو قياس النظير على نظيره ، وأنكر على من لم يعقل ويتدبر كما في قول الرب المعظَّم تبارك وتعالى : (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) .

ودل عليه الخبر ، فـ : "قَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذًا عَلَى اجْتِهَادِ رَأْيِهِ فِيمَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ «عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ إنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ...... وَقَدْ جَوَّزَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ وَجَعَلَ لَهُ عَلَى خَطَئِهِ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ أَجْرًا وَاحِدًا إذَا كَانَ قَصْدُهُ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ وَاتِّبَاعَهُ" . اهـ
بتصرف من : "إعلام الموقعين" ، (1/152) .

ودل عليه الأثر ، فـ : "قَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْتَهِدُونَ فِي النَّوَازِلِ، وَيَقِيسُونَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ عَلَى بَعْضٍ، وَيَعْتَبِرُونَ النَّظِيرَ بِنَظِيرِهِ ..... فَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَثَّلُوا الْوَقَائِعَ بِنَظَائِرِهَا، وَشَبَّهُوهَا بِأَمْثَالِهَا، وَرَدُّوا بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ فِي أَحْكَامِهَا، وَفَتَحُوا لِلْعُلَمَاءِ بَابَ الِاجْتِهَادِ، وَنَهَجُوا لَهُمْ طَرِيقَهُ، وَبَيَّنُوا لَهُمْ سَبِيلَهُ" . اهـ
بتصرف من : "إعلام الموقعين" ، (1/153 ، 163) .

ودل عليه عمل الفقهاء المطرد ، فـ : "قَالَ الْمُزَنِيّ: الْفُقَهَاءُ مِنْ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا وَهَلُمَّ جَرًّا اسْتَعْمَلُوا الْمَقَايِيسَ فِي الْفِقْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي أَمْرِ دَيْنِهِمْ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا بِأَنَّ نَظِيرَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَنَظِيرَ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ؛ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إنْكَارُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ التَّشْبِيهُ بِالْأُمُورِ وَالتَّمْثِيلُ عَلَيْهَا" . اهـ
نقلا عن : "إعلام الموقعين" ، (1/154) .

فخالف من خالف في هذا الباب فقدم قياس العقل على نص الوحي ، وضرب الأمثال الباطلة في العقد أو الشرع ، فمن حجج نفاة القياس مطلقا أن : "اَللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَكِلْ بَيَانَ شَرِيعَتِهِ إلَى آرَائِنَا وَأَقْيِسَتِنَا وَاسْتِنْبَاطِنَا، وَإِنَّمَا وَكَلَهَا إلَى رَسُولِهِ الْمُبَيِّنِ عَنْهُ، فَمَا بَيَّنَهُ عَنْهُ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَمَا لَمْ يُبَيِّنْهُ فَلَيْسَ مِنْ الدِّينِ، وَنَحْنُ نُنَاشِدُكُمْ اللَّهَ: هَلْ اعْتِمَادُكُمْ فِي هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ الشَّبَهِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ الْحَدْسِيَّةِ التَّخْمِينِيَّةِ عَلَى بَيَانِ الرَّسُولِ أَمْ عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ وَظُنُونِهِمْ وَحَدْسِهِمْ؟ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، فَأَيْنَ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي إذَا حَرَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَوْجَبْتُهُ أَوْ أَبَحْتُهُ فَاسْتَخْرَجُوا وَصْفًا مَا شَبَهِيًّا جَامِعًا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ جَمِيعِ مَا سَكَتُّ عَنْهُ فَأَلْحِقُوهُ بِهِ وَقِيسُوا عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَاَللَّهُ - تَعَالَى - قَدْ نَهَى عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ لَهُ، فَكَمَا لَا تُضْرَبُ لَهُ الْأَمْثَالُ لَا تُضْرَبُ لِدِينِهِ ..... وَقَالَ - تَعَالَى -: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 74] ، قَالُوا: وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَقَّ التَّأَمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا نَصٌّ عَلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ وَتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ كُلَّهُ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ لِلدَّيْنِ، وَتَمْثِيلُ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِمَا فِيهِ نَصٌّ، وَمَنْ مَثَّلَ مَا لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ إيجَابِهِ بِمَا حَرَّمَهُ أَوْ أَوْجَبَهُ فَقَدْ ضَرَبَ لِلَّهِ الْأَمْثَالَ، وَلَوْ عَلِمَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ مِثْلُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ لَأَعْلَمَنَا بِهِ، وَلَمَا أَغْفَلَهُ - سُبْحَانَهُ - {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] ، وَلْيُبَيِّنْ لَنَا مَا نَتَّقِي كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ إذْ يَقُولُ - سُبْحَانَهُ -: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وَلَمَّا وَكَلَهُ إلَى آرَائِنَا وَمَقَايِيسِنَا الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَهَذَا يَقِيسُ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ عَلَى مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَظِيرُهُ فَيَجِيءُ مُنَازِعُهُ فَيَقِيسُ ضِدَّ قِيَاسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيُبْدِي مِنْ الْوَصْفِ الْجَامِعِ مِثْلَ مَا أَبْدَاهُ مُنَازِعُوهُ أَوْ أَظْهَرَ مِنْهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسَانِ مَعًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَلَيْسَا مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ" . اهـ
بتصرف من : "إعلام الموقعين" ، (1/172 ، 173 ، 182) .

وذلك حق من وجه ، وإن جاوز أصحابه الحد فَتَذَرَّعُوا بِنَفْيِ القياس الباطل بضرب المثل الفاسد ، تَذَرَّعُوا به إلى نفي القياس مطلقا ، فَذَمُّوا ضرب الأمثال كلها ، ما صح وما بطل ، فمورد الأمثال ، كما تقدم ، ينقسم ، فمنه ضرب المثل في الإلهيات والأصل فيه ، كما تقدم ، المنع إذ مداره على السمع فلا يدرك بقياس أو اجتهاد إلا ما كان من المثل الأعلى فذلك مما يثبت بقياس الأولى ، فـ : "هَذَا لَهُ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْخَالِقَ أَكْمَلُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ أَكْمَلُ مِنَ الْمُمْكِنِ، وَنَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَالِمٌ وَالْآخَرُ غَيْرُ عَالِمٍ - كَانَ الْعَالِمُ أَكْمَلَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْخَالِقُ عَالِمًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُمْكِنُ أَكْمَلَ مِنْهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: كُلُّ عِلْمٍ فِي الْمُمْكِنَاتِ، الَّتِي هِيَ الْمَخْلُوقَاتُ - فَهُوَ مِنْهُ، وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ الْكَمَالِ وَمُبْدِعُهُ عَارِيًا مِنْهُ بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَلَا يَسْتَوِي هُوَ وَالْمَخْلُوقَاتُ، لَا فِي قِيَاسٍ تَمْثِيلِيٍّ، وَلَا فِي قِيَاسٍ شُمُولِيٍّ، بَلْ كُلُّ مَا ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ كَمَالٍ فَالْخَالِقُ بِهِ أَحَقُّ، وَكُلُّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ مَا فَتَنْزِيهُ الْخَالِقِ عَنْهُ أَوْلَى" . اهـ
"شرح العقيدة الطحاوية" ، ص95 .

ومنه ضرب المثل في الحكميات ، ومنه ضرب المثل في أمر التكوين ، فـ : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ومنه ضرب المثل أمر التوحيد ، فـ : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك من القياس الصريح إذ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا أمر قد استقر في البدائه فلا ينكره إلا جاحد أو مسفسط ، ومنه ضرب المثل للمؤمنين ، فـ : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) ، وضرب المثل للكافرين ، فـ : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) ، وضرب المثل بأخبار السابقين ، فـ : (اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) ، و : (اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) ، ومنه ضرب المثل الواحد : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) ، فهو في حق المؤمنين رحمة وهداية ، فـ : (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) ، وفي حق الكافرين فتنة وضلالة ، فـ : (أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) ، فتلك دلالة التقسيم العقلي في هذا الباب فالخبر إما أن يصدق وإما أن يكذب ، فيصدق المؤمن ويكذب الكافر فحصل التفريع والتقسيم بدلالة الفاء ، و : "أما" فهي قسمة صحيحة صريحة تستغرق شطري القسمة في الخارج ، كفرا وإيمانا ، هداية للمؤمن بالفضل وإضلالا للكافر بالعدل .

ومنه ضرب المثل المحسوس لبيان المعنى المعقول ، وذلك الأصل في ضرب الأمثال كما في قول ذي الجلال والإكرام تبارك وتعالى : (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، وقوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) .

ومنه ، في قسمة أخرى ، المثل الصحيح ، كالمثل الأعلى في الوصف لِلرَّبِّ الأعلى في الذات والشأن والقهر ، فـ : (لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، وقل مثله في التفريق بين المتباينين ، فـ : (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) ، و : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) ، و : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ، ومنه المثل الفاسد بالتسوية بين المتباينين ، فـ : (لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) ، فسووا بين المسيح عليه السلام وآلهتهم الباطلة ، إذ استدلوا بعموم : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) ، دون النظر في خصوص : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) .

فلا يطلق القول بقبول الأمثال أو ردها ، فذلك ، من جنس ما تقدم من الإجمال في اللفظ ، فثم أمثال فاسدة في العقد أو الشرع ، فهي ، كما تقدم ، مورد النهي العام في قول ذي الجلال والإكرام تبارك وتعالى : (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، فخرجت المثل الصحيحة ، كقياس الأولى في الإلهيات ، وكقياس التمثيل في الحكميات ، فَيَسْتَغْرِقُهَا جميعا عموم ، فـ : (لَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) .


فانفكت الجهة ، فجهة النفي العام : (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) ، تنصرف إلى الأمثال الفاسدة في قياس الكامل على الناقص والغائب على الشاهد في الإلهيات ، والقياس مع الفارق بين الأصل والفرع في قياس التمثيل في الشرعيات والقياس فاسد الاعتبار إذ خالف النص أو الإجماع ... إلخ من صور القياس الفاسد ، فتلك الجهة الفاسدة غير جهة الإثبات لأمثال صحيحة في العقد والشرع كما تقدم .

والله أعلى وأعلم .