المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ ..........)



مهاجر
15-04-2013, 04:33 PM
ومن قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) : فذلك من التوكيد بالناسخ في سياق الوعيد بِاللَّعْنِ ، فلا يَتَوَجَّهُ إلا حال اقتراف الكبيرة ، فَذَلِكَ من أماراتها ، كما ذكر المحققون ، والكفر ، بداهة ، من الكبائر ، بل من أكبرها ، بل هو أكبرها مطلقا ، فقدم في الذكر في الخبر : "«أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ - أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ» ، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ" ، فَاللَّعْنُ في الآية لعن مؤبد ، إذ الكفر الأكبر مناط الحكم في الآية ، وهو مما ينقض الأصل ففيه قدر زائد على كبائر أخرى أنيط بها حكم اللعن ، فـ : "لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ، لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ" ، و : "لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ" ، و : "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى سُرُوجٍ، كَأَشْبَاهِ الرِّحَالِ، يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ" ، فذلك مما يجري مجرى الإطلاق فلا يخص مُعَيَّنٌ بِلَعْنٍ ، لا سيما في حق المسلم الذي يفسق بالكبيرة ولا يكفر إلا إن استحل أو استهزأ ، بل وقد يتوجه القول بِامْتِنَاعِ اللعن في حق الكافر الأصلي إذ قد يتقدم في علم الله ، جل وعلا ، أنه يؤمن في آخر أمره ، وإن كان محل ذم حال كفره ، فلا يرضى الرب ، جل وعلا ، عن الكفر ، فـ : (لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) ، ولا يرضى بداهة عن الكافر حال كفره ، وإن رضي عنه بعد ذلك إذا آمن ، فيحدث ، جل وعلا ، من حكمه من الرضا بعد السخط ، إذ الوصف قد تَغَيَّرَ من كفر إلى إيمان ، وهو مناط الحكم رضا أو سخطا ، والحكم الكوني والشرعي ، كلاهما ، يدور مع الوصف وجودا وعدما ، فإذا وجد السبب من الكفر أو العصيان ، وجد حكم السخط والذم بِاللَّعْنِ على الكفر أو غَيْرِهِ من الكبائر التي ورد النص بِلَعْنِ فَاعِلِهَا ، فَاللَّعْنُ ، كما تقدم ، مئنة من عظم الذنب ، إذ الوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة رب العبيد ، تبارك وتعالى ، لا يكون ، بداهة ، إلا على كبيرة ، سواء أكانت مما ينقض أصل الدين كالكفر الأكبر ، أم ينقض كماله الواجب ، فـ : "لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ ........" ، فذلك باب توقيفي محض ، فالأسماء والأحكام لا تَثْبُتُ بالهوى أو الذوق ، فلا يتعدى فيها الحاكم بإحداث ما لا دليل عليه من الأسماء والأحكام ، فأسماء الإيمان والكفر ، والإسلام والشرك ..... إلخ من أسماء المدح والذم وأحكامه ، تلك الأسماء لا تثبت إلا بالتوقيف ، فلا يتعدى في إحداث اسم أو حكم ، أو إحداث مناط يناط به الحكم ، كمن يَتَوَسَّعُ في باب التكفير فمناط الحكم عنده قد زاد على المناط المشروع المنصوص فأحدث من أسباب التكفير ما لم يَنْزِل به وحي فلا برهان له به من كتاب أو خبر ، وإنما هو محض افتئات على حق الرب الشارع ، جل وعلا ، في الحكم بمدح أو ذم ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، من الافتئات على حقه ، تبارك وتعالى ، في الحكم بإباحة أو حظر ، فجنس التعدي واحد ، وإن تعددت أنواعه في الخارج ، فمنه تعد في أحكام الإيمان والكفر .... إلخ من أسماء المدح والذم ، فَثَمَّ من يغلو في الكفر فيحدث من مناطه ما لم ينزل به الرب ، جل وعلا ، سلطانا ، وَيَغْلُو في تحقيق المناط الثابت فَيَتَعَدَّى في الحكم على الأعيان قبل استيفاء الشروط وانتفاء الموانع على وجه تقام به الحجة الصحيحة الصريحة ، وثم في المقابل من يغلو في الجانب الآخر ، فهو يغلو في نحلة الإرجاء فينفي من نواقض الإيمان ما ثبت بالدليل الصحيح فلا ينقض الإيمان عنده إلا بانتقاض التصديق المطلق في القلب فيجهر صاحبه بالتكذيب صراحة بل ولو صرح ولم ينتف التصديق المجرد من قلبه في نفس الأمر فهو ناج ! ، فالتصديق المجرد بل والمعرفة عند غلاة المرجئة تجزئ في هذا الباب ! ، فلا ناقض عنده من قول أو عمل فالناقض الوحيد هو انتفاء عقد التصديق من القلب ! ، وذلك ، بداهة ، أمر لا يعلمه إلا الرب ، جل وعلا ، فالكفر مما يخفى في الباطن فَأُقِيمَ عليه من الأسباب الظاهرة من الأقوال والأفعال الناقضة للإيمان ما يدل عليه وإن لم يَنْتَفِ التصديق في القلب ، فقد يرتكب الفاعل ناقضا من قول أو عمل والتصديق العلمي المجرد لم يزل ثَابِتًا في القلب ، فهو مجرد من الإذعان والإقرار ، بداهة ، إذ لو أقر وأذعن لانتهى وانْزَجَر فلم يقترف القول أو العمل الناقض ، فالتصديق المجرد يعدل المعرفة وهي مما يحصل للكافر بل وقد حصل لإبليس فهو من أعرف العارفين برب العالمين ، تبارك وتعالى ، ومع ذلك لم تنفعه هذه المعرفة المجردة إذ لم تشفع بطاعة تصدقها فأبى واستكبر أن يَنْقَادَ لأمر التشريع الملزم ، فذلك كفر الإباء والاستكبار وإن حصلت المعرفة بل والتصديق ! ، فتعدل التكذيب كما في قول رب العبيد تبارك وتعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) ، فلا يدخلون الجنة مطلقا إذ علق الحكم بدخولها على محال وما علق على محال فهو ، بداهة ، محال ، وذلك لا يكون إلا في حق الكافر كفرا أكبر فلا يدخل الجنة أبدا .

فدعوى الإيمان لا بد لها من بَيِّنَةٍ من القول والعمل ، فلا تثبت دعوى إيمان إلا بالانقياد التام لشرع الرحمن ، جل وعلا ، فـ : (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، فانتفى الإيمان على جهة العموم ، إذ تسلط على المصدر الكامن في الفعل ، فذلك مئنة من انتفاء الحقيقة المطلقة فَتَسْتَغْرِقُ جميع أجزائها فذلك الأصل حتى يرد الدليل على انتفاء الكمال الواجب دون الأصل الجامع كما في الخبر أن : "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" ، فانتفى الإيمان الواجب ولم يَنْتَفِ أصل الإيمان في الخبر إلا إن كان حب الولد والوالد مَقْرُونًا بِبُغْضِ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو كان ذلك على وجه يَنْقُضُ أصل الدين كأن يستحل ذلك بالقول أو العمل فيقدم حب الوالد والولد في مواضع لا تحتمل ، خلافا لمن غلبه الهوى فاقترف من العصيان في هذا الباب ما يَرْجِعُ إلى شهوة غالبة فلا يستحل عصيانا ، ولا يقترف ناقضا صريحا بنفسه ، فانتفى الإيمان في الآية ، فـ : (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ...) ، انتفى انتفاء العموم المستغرق لأجزاء الحقيقة في الخارج حتى يحصل التخصيص بِرَدِّ الحكم إلى الرب ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتلك بَيَّنَة الدعوى في هذا الباب ، وإلا كانت دعوى محضة يجفو صاحبها في مقابل غُلُوِّ الأول في تحرير مناط التكفير وتحقيقه في الخارج فحصل للأول من الإفراط بالزيادة ما أدخل به كل كبيرة ، فجنس الكبائر مطلقا يخرج الفاعل من الدين كله ! ، مع أن جنس الكبائر كسائر الأجناس الذهنية المطلقة مما يثبت في الذهن مجردا فينقسم في الخارج فمنه ما ينقض أصل الدين كالشرك والكفر والسحر والحكم بغير ما أنزل الله جل وعلا .... إلخ ، من النواقض الَّتِي جَمَعَهَا الْمُحَقِّقُونَ في هذا الباب باستقراء نصوص الوعد والوعيد والأسماء والأحكام ، ومنه ما ينقض كماله الواجب كالعقوق وقول الزور ، ما لم يستحل ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، ناقض بنفسه ، وحصل للثاني من التفريط في هذا المناط ، فضاق عنده في التحرير والتحقيق فهو يحكم بالإيمان لكل من حصل له التصديق المجرد أو نطق بالشهادة وإن اقترف من النواقض ما اقترف ! ، فالإيمان عنده يعدل التصديق ، وإن ارتكب الفاعل ناقضا فلا بد أن التصديق قد انتفى من قلبه جملة فانتفى الإيمان تبعا فهو ، كما تقدم ، يعدل التصديق من كل وجه ! ، وذلك تحكم يرده النقل والعقل والحس فكم صدق كفار بدعوى الرسالة الخاتمة وإنما صدهم الجحود والكبر ، أو ضنوا بملك أو رياسة ، كما حصل لهرقل ، فلم يثبت له الإيمان ، وإن عَلِمَ صدق الدعوى بل وَأَقَرَّ بها ، بل وعظم رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكانت سببا في تثبيت ملكه خلافا لكسرى الذي مزق كتاب صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمزق الله ، جل وعلا ، ملكه فلم ينفك التعظيم وإن لم يقترن بالإيمان لم ينفك يحصل لصاحبه من البركة في دنياه ما هو مئنة من عدل الرب ، جل وعلا ، إذ يوفي كلا حقه فالكافر إن عمل صالحا فجزاؤه يعجل له في الأولى .

والشاهد أن الناقض قد يقع فينتقض عقد الإيمان ولا يزول مع ذلك معنى التصديق المجرد فالإيمان قدر زائد لا يثبت إلا بِثُبُوتِ مَاهِيَّتِهِ في الخارج ، وهي ماهية مركبة من العقد والقول والعمل ، فلا يثبت الإيمان إلا بعقد باطن وقول ناطق وعمل يصدق ، فجنس العمل شرط في صحة الإيمان وإن تخلفت آحاد منه على حد التفريط أو الكسل ... إلخ ، لا على حد الجحود أو الاستباحة للترك ، فحصل التعدي من الفريقين ، من غلا ومن جفا ، من خرج ومن أرجأ ، وسبيل الحق في باب الأسماء والأحكام وسط بَيْنَ الخروج والإرجاء ، فصاحبه لا يزيد في المناط ولا ينقص ، ولا يتعدى في تحقيق المناط فيحكم على المعين إلا بعد قيام الحجة الصحيحة الصريحة الَّتِي لا يقيمها إلا أهل الصدق في العلم والعدل في الحكم ، فلا يتعدى على حق الرب ، جل وعلا ، في الحكم بكفر أو إيمان ، فذلك من أحكام المدح والذم التي لا تثبت ، كما تقدم ، إلا بنص فالأصل فيها التوقيف ، فالتعدي فيها من جنس التعدي في أحكام التشريع ، فصاحبها يتعدى على حق الشارع ، جل وعلا ، أيضا ، فالأول يكفر أو يفسق أو يبدع .... إلخ من أحكام المدح والذم ، والثاني يحل ويحرم ... إلخ من أحكام الأمر والنهي ، وكلاهما يحكم بالهوى أو الذوق ! .

والشاهد أن حكم اللعن المطلق قد أنيط بالمعنى الذي اشتق منه اسم الوصف فهو صلة : "أل" ، كما ذكر صاحب الألفية ، رحمه الله ، فـ :
وَصِفَةٌ صريحة صِلَةُ أَلْ ******* وَكَوْنُها بمعرب الأفعال قـَلْ .
فتقدير الكلام : إن الله لعن الذين كفروا ، فأنيط حكم اللعن الذي اشتق منه العامل ، بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الكفر ، وذلك ، كما تقدم ، ينصرف إلى المعنى المطلق الذي يَسْتَغْرِقُ حقيقة اللَّعْنِ وحقيقة الكفر ، فَيُحْمَلُ اللَّعْنُ على لَعْنِ التَّأْبِيدِ فلا يُنَاطُ إلا بوصف الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين ، فدلالة : "أل" ، من وجه آخر ، مئنة من الاستغراق المعنوي لحقيقة الكفر في الخارج ، فذلك من الاستغراق المجازي عند من يجوز وقوع المجاز في لفظ الشارع ، جل وعلا ، فيجري مجرى : "أل" الجنسية التي تُبَيِّنُ الماهية في الخارج وتستغرق أجزاءها وإن لم تستغرق آحادها ، وهي ، من وجه ثالث ، مَئِنَّةٌ من الاسْتِغْرَاقِ لأفراد الجنس في الخارج ، فَتَعُمُّ الكافرين جميعا بقيد الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين ، فَثَمَّ ، من وجه رابع ، دلالة عهد لا تخلو منها : "أل" إذ تَنْصَرِفُ إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين ، فدلالة السياق تصرفها إلى ذلك ، خلافا لنصوص أخرى ينصرف اللعن فيها إلى كبائر تنقض كمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، فـ : "لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ" ، فذلك ، كما تقدم ، مورد إطلاق فلا يُعَيِّنُ اللاعن ، فذلك مما نهى عنه الشرع في موضع آخر ، فـ : "أُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا، أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَجَلَدَهُ فِي كُلَّ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يَشْرَبُ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يُجْلَدُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»" ، فيجري ذلك مجرى التخصيص لعموم اللَّعْنِ في الخبر الأول ، إذ الجهة منفكة ، فخبر الوعيد ينصرف إلى جهة الإطلاق ، وهو خبر يقضي بداهة بإنشاء النهي عن اقتراف الكبائر المذكورة فإناطة حكم اللعن بها مئنة من تحقق وصف الكبيرة فيها فذلك ، كما تقدم مرارا ، من أمارات الكبيرة ، فذلك مورد الإطلاق خلافا لمورد التقييد في خبر : "لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" ، فالجهة ، كما تقدم منفكة ، فلا يلزم من لعن المطلق لعن المعين ، كما لا يلزم من تكفير المطلق تكفير المعين ، كما لا يلزم من تفسيق المطلق تفسيق المعين .... إلخ فذلك أصل يطرد في باب الأسماء والأحكام ، وهو ، عند التدبر والنظر ، مئنة من إحكام الشريعة ، من وجه ، ومئنة من عدلها في الحكم على المخالف لأحكامها ، من وجه آخر ، وإن اقترف من نواقض كمالها بل ونواقض أصلها ما اقترف إلا أن يجهر صراحة بما لا يعذر فيه بجهل ، أو يُعْلَمَ من حاله قيام الحجة في حقه فلا يعذر بالجهل بما هو عنده معلوم ضروري وإن لم يكن كذلك عند غيره فالمعلوم الضروري مِمَّا يتفاوت تَبَعًا للتَّفَاوُتِ في الأعصار والأمصار والأحوال .... إلخ ، فَيَتَفَاوَتُ الحكم تَبَعًا لِتَفَاوُتِ الأحوال فذلك جار على ما تقدم مرارا من إحكام الشريعة إذ تدور أحكامها مع أسبابها وجودا وعدما ، ومئنة من عدلها إذ لم تُسَوِّ بَيْنَ الفاعلين في الحكم وإن كان الفعل واحدا ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، تفاوت في الحال والعصر والمصر ... إلخ ، يوجب التفاوت في الحكم إِثْبَاتًا أو نَفْيًا ، وذلك أصل في مسألة العذر بالجهل فهي من أعظم المسائل في باب الأسماء والأحكام ، وفيها يقع من الخطأ ما يقع بالإفراط تارة والتفريط أخرى ، فلا يكون انحراف في العقد أو الشرع ، في السياسة أو الحكم إلا بالعدول عن نص الوحي بالغلو إفراطا في حال ، والجفاء تفريطا في أخرى ، فالوحي هو الوسط بين الغالي بالزيادة ، والجافي بالنقص .

فحد الخبر على جهة التوكيد بالناسخ ، فضلا عن تكرار الفاعل معنويا مظهرا على حد الابتداء بلفظ الجلالة الاسم الكريم : "الله" قبل دخول الناسخ فهو مبتدأ ، وبعده فهو اسم الناسخ وله حكم الابتداء ولو معنويا فمحله مع ناسخه الرفع على الابتداء على قول لبعض النحاة ، وتكراراه لفظيا مستترا في عامله "لعن" ، فضلا عن حد العامل "لعن" على جهة الماضوية إمعانا في النكاية في سياق الوعيد ، وزد عليه الإطناب في الخبر ، فحكم ، جل وعلا ، بِاللَّعْنِ المؤبد ، فَقَرِينَةُ السياق : (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) ، قرينة السياق ، كما تقدم ، تَصْرِفُ اللَّعْنَ إلى الحقيقة المطلقة التي تستغرق أجزاء المعنى في الخارج ، وقل مثله في قرينة السياق في نحو قوله تعالى : (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ) ، فاللعنة على الظالمين ، والظلم إذا أطلق فهو ، أيضا ، مئنة من استغراق حقيقة الظلم المطلقة في الخارج ولا تكون إلا الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، كما في قول رب العالمين تبارك وتعالى : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، فالشرك من الظلم الأكبر ، و : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فالحكم بغير ما أنزل الله ، جل وعلا ، مناط للظلم الأكبر الناقض لأصل الدين في معظم موارده على تفصيل في ذلك ، فضلا عن الاختلاف الحاصل بين الحكام في تحقيق مناطه في الخارج ، وهو ، مع ذلك ، مما يحتمل ، فتكون اللعنة من لعن العصاة الظالمين ظلما أصغر ، لا من لعن الكفار الظالمين ظلما أكبر ، فذلك احتمال قد يرد فجاء السياق قرينة تحسم الاحتمال فهم : (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ) ، فذلك لا يكون ، بداهة ، إلا في حق الظالم ظلما أكبر فظلمه كفر أكبر .

فالخلود على جهة التأبيد ، وهو محل الشاهد في آية الأحزاب ، لا يكون إلا للكافرين كفرا أكبر ينقض أصل الدين سواء أكان كفرا أصليا ، أم كفر ردة ، أم كفر نفاق ، فمراتب الكفر الأكبر ، من وجه آخر ، تَتَفَاوَت فَيَتَفَاوَتُ الذم لفاعلها والعقوبة لَهُ تَبَعًا لذلك ، فدركات العذاب تَتَفَاوَتُ في السفل تَبَعًا لِتَفَاوُتِ أصحابها في الذم والوعيد ، فـ : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) ، وإن كانوا جميعا في العذاب خالدين فمن أخفهم عذابا ، فـ : "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ، تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ، يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ" ، إلى أشدهم ، فالجميع فيه خالد أبدا ، فالمغفرة في حقه قد انتفت ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .

والشاهد أن الرب ، جل وعلا ، قد حكم باللَّعْنِ المؤبد ، وأطنب بالخبر : (وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) ، فذلك ، أيضا ، مما يزيد في النكاية ، فدلالة الماضوية ، كما تقدم ، مئنة من تقرير المعنى ، وهو دليل لمن أثبت خلق الجنة والنار ، فخلقهما ، جل وعلا ، فـ : "تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي" ، ففي خلقهما وإعدادها من وجوه الحكمة ما لا يخفى ، فثم من يَنَالُه منهما ثوابا أو عقابا ما يُعَجَّلُ في دار البرزخ فضلا عن الآجل في دار الجزاء الأوفى ، وخلقهما ، من وجه آخر ، آكد في تقرير الوعد والوعيد معا ، والإعداد مئنة من القصد فضلا عن دلالة الاختصاص في : "لهم" فكل أولئك مما يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا ، فضلا عن تَنْكِيرِ السعير فهو مئنة من النوعية فتلك نار لا يدخلها باستقراء نصوص الوعيد إلا الكفار كفرا أكبر ، وهو ، من وجه آخر ، مئنة من التعظيم ، فهي نار عظيمة قد سعرت ، فحد الوصف حد المبالغة وإن كان صفة مشبهة إذ الفعل : "سعر" من الأفعال اللازمة فلا يحد منه اسم مبالغة يتعدى ، وإنما تحد منه صفة مشبهة تلزم ، وإن حدت في اللفظ حد المبالغة ، فهي : "سعير" بمعنى : "مسعَّر" أو : "مسعورة" ، اسم المفعول ، فذلك آكد ، كما تقدم ، في تَقْرِيرِ المعنى وتوكيده ، وهي ، من وجه آخر ، نار الجحيم ، وذلك مما أبان عنه التَّنْزِيلُ في موضع آخر ، فـ : (إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) ، فذلك شاهد آخر على اختصاصها بالكفار كفرا أكبرا فلا يدخل نار الجحيم إلا هم ، فعصاة المؤمنين لا يدخلونها وإنما أعد الله ، جل وعلا ، لهم ، في المقابل ، نار التطهير فيدخلها من أصحاب الكبائر من شاء ، جل وعلا ، أن يطهرهم بها عدلا ، ويعفو ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عمن شاء منهم فلا يدخلونها فضلا إذ حصل لهم من الحسنات الماحيات أو السيئات المكفرات .... إلخ من مكفرات الذنوب ما امتن به رب العباد ، جل وعلا ، فَأَبَانَ الكتاب الْعَزِيزُ عن إجمال السعير في هذا الموضع بالنص على الجحيم في موضع آخر فذلك جار على ما تقدم مرارا من بيان ما أجمل من التنزيل في مواضع بما بُيِّنَ منه وَفُصِّلَ في مواضع أخرى ، فذلك من تفسير آي الكتاب بآي الكتاب ، وهو أول ما يفزع إليه أهل التحقيق من أرباب التفسير ، فيفسر آي الكتاب بنظائره ، فإن لم يكن ففي أخبار السنة فإن لم يكن ففي أقوال الصحابة ، رضي الله عنهم جميعا ، فإن لم يكن ففي آثار التابعين ، رحمهم الله ، فإن لم يكن ففي اجتهاد المفسر بما يواطئ قانون اللسان الفصيح وقياس العقل الصريح فلا يفسر الكتاب العزيز إلا من له دراية باللسان بَيَانًا والأصول اسْتِنْبَاطًا .

ومن ثم زيد في الإطناب على جهة الحالية : (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) ، فذلك ، كما تقدم ، آكد في النكاية ، وهو ، من وجه آخر ، صارف إلى معنى الكفر الأكبر وما يستحق فاعله من الذم بِاللَّعْنِ المؤبد والعقوبة بعذاب الجحيم المسعَّر .

وزيد في النكاية على حد الفصل فلا وصل ، فتلك حال أخرى تَزِيدُ المعنى إطنابا ، فـ : (لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) ، فكلاهما وصف في المعنى لموصوف واحد فحسن الفصل لشبه كمال الاتصال إذ المحل الموصوف بها واحد فيجري ذلك مجرى تعدد الأخبار والمخبر عنه واحد ، فكذلك تعدد الأوصاف والأحوال ومن تقوم به من الأعيان في الخارج : واحدٌ ، فتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، مئنة من العموم ، وذلك آكد في النكاية في هذا السياق فلا يجدون مطلقا أي ولي أو نصير ، فتسلط النفي عليهما حال تنكيرهما ، مئنة من العموم ، أيضا ، فضلا عن الإطناب بِتِكْرَارِ أداة النفي فكل أولئك مما يقطع رجاءهم في مغيث أو منقذ ، فيعظم الوعيد وتعظم النكاية وكل أولئك ، كما تقدم مرارا ، مئنة من الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
18-04-2013, 04:01 PM
ومن ثم جاء النص على الظرف : (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا) ، فلا يجدون وليا ولا نصيرا حال يحتاجونه يوم تقلب وجوههم في النار ، فيكون ذلك وصلا لما مضى من الكلام فلا فاصل ، على وجه حكاه صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، أو يكون الظرف لما يَلِيهِ من القول فَيَقُولُونَ : يا ليتنا يوم تقلب وجوههم ، فتكون جملة : "يَقُولُونَ يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا" : حالا ثالثة بعد : "خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا" ، و : "لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا" ، فذلك جار على ما تقدم من الإطناب بأوصاف تزيد المعنى بَيَانًا وَتَقْرِيرًا ، أو هو جار على ما اطرد في مواضع كثيرة من الكتاب الْعَزِيزِ من النصب بعامل محذوف مقدر ، فـ : اذكر يوم تقلب ، وثم زيادة في مبنى الفعل ، بالتضعيف ، فهو من : "قلَّب" المضعف ، إمعانا في النكاية ، إِذِ الزيادة في المبنى مَئِنَّةٌ من الزيادة في المعنى ، فالتقليب أشد إيلاما من القلب وقد خص بالوجه إذ هو ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، مقر الحواس الدقيقة ، فالإيلام فيها أشد ، فتلك دلالة الحس ، فضلا عن دلالة المعنى ، إذ الوجه أشرف أعضاء البدن فإذا قلب في النار وأهين قلبت بقية الأعضاء تَبَعًا ، فيقولون حال التمني وذلك آكد في التحسر والتأسف ، يقولون : (يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا) ، فأفرد الرب ، جل وعلا ، بالطاعة فهو صاحب الشرع إذ أنزل الوحي بخبر الصدق وحكم العدل فَابْتَلَى بالتصديق والتحكيم ، فلا يتحقق الإيمان به إلا بالطاعة المطلقة ، ولا تكون طاعة ولا انقياد إلا بالتصديق المطلق فهو مناط الأصل في القلب ، وهو مئنة من صحة العلم إذ صح التصور بالاستمداد الخبري من الوحي ، فهو مناط العصمة في العلم ، فلا تجد في خبره كذبا ولا خطأ ، بل قد جاء بِرَسْمِ الصحة مطلقا في نفس الأمر ، فالأصول الخبرية ، من موارد الإثبات والنفي في الإلهيات والسمعيات والنبوات وسائر الغيبيات التي لا تدرك بالحس الظاهر فلا يناط بها تكليف الجوارح وإنما مردها إلى القلب الذي يصدق الخبر الصحيح وإن لم يحد حقيقته في الخارج فمناط الابتلاء أن يؤمن بما غاب عن الحس الظاهر وإن لم يحله العقل الباطن فالوحي الصحيح الناصح من شوب الباطل لا يأتي بما ينقض القياس الصريح الناصح من شوب الفساد فلا يَرِدُ الوحي بما يخالف القياس الصريح أبدا لا في خبر ولا حكم ، فلا يرد بمحال ينكره العقل الصريح سواء أكان في ضروري العلم فلا يأتي بمحال في باب الاسم والوصف بما استقر في البدائه من كمال وصف رَبِّنَا الخالق الرازق ، تبارك وتعالى ، فَلَهُ الكمال مطلقا ، بوصف الجلال والجمال أزلا وأبدا ، أم كان في نظريه فلا يأتي بِمَا يُفَرِّقُ بَيْنَ المتساويين ، أو يسوي بَيْنَ المختلفين ، لا سيما في موارد الأحكام معقولة المعنى ، فالقياس فيها يطرد وينعكس فيلحق النظير بنظيره طردا ، ويلحق الضد بضده عكسا ، فالقياس الصريح يطرد وينعكس ، سواء أكان ذلك في الأخبار إذ يصح القياس كما في نصوص الأسماء والأحكام ، فإناطة الذم والوعيد بوصف كفر أو عصيان يقضي بدلالة العكس بإثبات الضد من المدح والوعد لنظيره من الإيمان والطاعة ، أم في الأحكام فاطراد القياس فيها وانعكاسه أظهر إذ العلة معقولة المعنى فيها أظهر وأضبط ، فهي معنى صحيح يؤثر في وجود الحكم ، فذلك الطرد ، أو عدمه ، فذلك العكس ، فلا يوجد شيء في الشريعة خبرا أو حكما ، يخالف القياس الصريح طردا وعكسا وإن توهم ذلك من توهم فإنما أُتِيَ من قِبَلِ نفسه إذ أساء الظن بالوحي فَجَوَّزَ أن يقع فيه من التناقض ما يَنْفِي عنه وصف العصمة ، فالقياس جنس عام تَنْقَسِمُ موارده في الخارج ، فـ : "أَصْلُ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، يَدْخُلُ فِيهِ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الطَّرْدِ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الْعَكْسِ، وَهُوَ مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَوْجُودَةً فِي الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ يَمْنَعُ حُكْمَهَا، وَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ قَطُّ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، وَهُوَ: أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ فِي الشَّرْعِ، فَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ أَيْضًا لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ، وَحَيْثُ جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِاخْتِصَاصِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ بِحُكْمٍ يُفَارِقُ بِهِ نَظَائِرَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ النَّوْعُ بِوَصْفٍ يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ بِالْحُكْمِ وَيَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُ لِغَيْرِهِ، لَكِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ ذَلِكَ النَّوْعُ قَدْ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَقَدْ لَا يَظْهَرُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهُ كُلُّ أَحَدٍ.
فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ الشَّرِيعَةِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَإِنَّمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الَّذِي انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَحَيْثُ عَلِمْنَا أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِخِلَافِ قِيَاسٍ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، بِمَعْنَى أَنَّ صُورَةَ النَّصِّ امْتَازَتْ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا مِثْلُهَا بِوَصْفٍ أَوْجَبَ تَخْصِيصَ الشَّارِعِ لَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ قِيَاسًا صَحِيحًا، وَلَكِنْ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُ فَسَادَهُ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (1/280) .

فمنه ما صح واستقام على سنن العدل فهو يسوي بَيْنَ المتماثلين ، ويفرق بين المتباينين ، سواء أكان ذلك في عقد ، فـ : (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فذلك من الإنكار على من سوى في الخيرية بَيْنَ رب البرية ، جل وعلا ، والآلهة التي تُشْرَكُ بِهِ ، فذلك من أفحش القياس وأفسده ، إذ سَوَّى من سَوَّى بَيْنَ الكامل والناقص ، والقادر والعاجز ، والغني الرازق والفقير المرزوق فهو ، أبدا ، مربوب يَطْعَمُ فلا يُطْعِمُ غيره وإن كان سببا في الإطعام فلا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى الرب المنعِم المطعِم ، جل وعلا ، فـ : (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، فجاء الثناء بِالنَّفْيِ لوصف الحاجة من النقص والحاجة إلى الرزق فخلي المحل من وصف النقص على جهة الإطناب في النفي بـ : "من" فهي تفيد التنصيص على العموم ، فضلا عن تكرار أداة النفي : "ما" وما دخلت عليه من العامل : "أريد" ، فذلك آكد في التنزيه ، فعم : (مِنْ رِزْقٍ) ، ثم خص : (أَنْ يُطْعِمُونِ) ، ثم حلي المحل بوصف الإثبات على جهة التفصيل ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، فذلك الأصل في هذا الباب إذ به يعظم المدح والثناء على رب الأرض والسماء ، تبارك وتعالى ، فضلا عن دلالة التوكيد بالناسخ : "إن" ، وتعريف الجزأين ، وضمير الفصل فهو مئنة من التوكيد والحصر ، فهو ، جل وعلا ، الذي لا يفتقر إلى سبب فلا سبب وراء مشيئته فهي تَأْوِيلُ وَصْفِهِ الكامل في الخارج ، لا تأويلا كتأويل المتكلمين إذ تَأَوَّلُوا صفات الفعل بالإرادة ، فالرحمة إرادة الإحسان ، والغضب إرادة الانتقام .... إلخ ، فذلك لا يستقيم على أصول الْبَيَانِ إذ فيه إهدار لدلالات الألفاظ الأخص بردها إلى دلالات أعم ، فقد يصح ذلك على جهة اللازم ، فلازم الرحمة إرادة الإحسان بالعباد ، ولكن تفسير الرحمة بالإرادة على جهة المطابقة بحد شارح لِلَّفْظِ فيه من التسوية بَيْنَ المختلفين في الحد والمعنى ما فيه ، فلازمه نفي دلالات اللِّسَانِ ، فضلا عن مخالفة صرائح المعقول فهي تقضي بالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المعاني ، فهي المدلول المراد من اللفظ ، إذ افترقت المباني ، فهي الدليل الذي استقر في البدائه ، فتلك دلالة اللفظ المعجمية المفردة فهي دلالة مطلقة ، فلا يوجد لفظان يتطابقان في الحد مطلقا ، لا سيما على قول المحققين ، إذ امْتَنَعَ في كلامهم الترادف المطلق فإن كان ثم ترادف بَيْنَ لفظين فهو تقارب جزئي لا تماثل كلي ، إذ لا بد أن يدل كل لفظ على معنى خاص لا يشاطره غَيْرُهُ فيه وإن شاطره بعضه على جهة الاشتراك المعنوي المطلق في جنس أعم فلا بد من الاختلاف في الفرد الأخص ، فالصب والسكب ، كما تقدم في مواضع سابقة ، يشتركان في أصل واحد وهو كب الشيء وإلقاؤه ، وهما مع ذلك يختلفان في الحقيقة الأخص في الخارج ، ففي كلٍّ قدر زائد على الآخر فَتِلْكَ الدلالة الأخص في الخارج ، فالاختلاف حاصل في الدلالة العقلية إذ الدلالة المعجمية تختلف ، بل والصوتية فالمخارج تختلف ، فمن شدة الصوت أو رخاوته تَتَوَلَّدُ دلالات في المعنى ، بل ذلك يحصل في اللفظ الواحد ، فالصوت بساط حال يدل على مُرَادِ المتكلم ، رضا أو سخطا ، جدا أو هزلا .... إلخ ، فإذا ثبت ذلك واللفظ واحد فكيف والألفاظ قد اختلفت ومخارج الحروف قد تباينت فالاختلاف في الدلالة المعنوية العقلية يَثْبُتُ من باب أولى .

والشاهد أن ثم قدرا فارقا فهو داخل ، أيضا ، في حد القياس الصريح الذي يفرق بَيْنَ المتباينين ، فثم قدر فارق بين تفسير الصفة بالحد المطابق وهو المعنى المطلق في الذهن ، فمعنى الرحمة معلوم في العقل ، بداهة ، فهي جنس عام تَنْقَسِمُ موارده في الخارج كسائر الكليات الذهنية ، فتختلف الحقائق في الخارج إذ اختلفت الأعيان التي تَقُومُ بها الأوصاف ، فَقِيَاسُ العقل الصريح قاض ، كما تقدم مرارا ، في باب الخبر ، أن يَثْبُتَ المعنى المطلق فهو مما يحده العقل ، ويفوض الكيف إذ لا يدرك كنه الذات القدسية أحد فكذلك ما قام بها من الأوصاف العلية ، فذلك ، أيضا ، من القياس الصريح ، إذ الفرع يُرَدُّ إلى أصله ، فكما لا يدرك الأصل فهو مما غاب واحتجب في الغيب ، لا يدرك الفرع فهو لِلْأَصْلِ تَبَعٌ ، فما أُدْرِكَت حقيقته بالحس الظاهر أدرك وصفه في الخارج ، وما لم يدرك الحس الظاهر حقيقته فلا يدرك وصفه في الخارج وإن أدرك معناه في الذهن ، فإثبات المطلقات الكلية في الذهن لا يلزم منه تكييف أو تمثيل للمقيدات الجزئية في الخارج ، فذلك ، أيضا ، يدخل في حد القياس الصريح فلا تكاد تحصي موراده في هذه الشريعة المحكمة التي جاءت ، كما تقدم ، على وفاق العقل الصريح .

فمعنى الرحمة ، وهو المثال المتقدم ، معنى كلي في الذهن يَثْبُتُ على جهة الإطلاق ، فالذهن يجرده والعقل يدركه ضرورة فلا يكاد يحتاج حدا شارحا فهو من الْبَيَانِ بمكان ، بل إن الاشتغال بحده وتجريده فيه من التكلف ما لا يخفى ، وفيه من الإغماض ما يسد باب الفهم إذ لا يحسن كل أحد صناعة الحدود المنطقية كما يصنع أهل المقالة الفلسفية إذ يتكلفون في حد الواضح ما يصيره مشكلا ! ، فهذا المعنى مِمَّا يجرده الذهن ، فإثباته لا يُوجِبُ تكييفا أو تمثيلا في الخارج ، فإذا تكلف أهل التأويل من المتكلمين ما تكلفوا من حده بإرادة الإحسان والإنعام سدا لذريعة التكييف والتشبيه إذ الرحمة في حق البشر لا تخلو من رقة وضعف ، وذلك مِمَّا يَتَنَزَّهُ عنه الرب ، جل وعلا ، ضرورة ، فذلك تكلف ما لا يَلْزَمُ من نفي لازم لا يَلْزَمُ بل قد وقع صاحبه في التشبيه ابتداء إذ انصرف إلى الحقيقة المخلوقة التي يدركها الحس الظاهر فقاس عليها ما لا يدرك في الغيب المطلق ، فذلك ، أيضا ، من القياس الفاسد الذي يسوي فيه العقل ، كما تقدم ، بَيْنَ أعظم متباينين في باب الأخبار ، الرب الكامل والمربوب الناقص ، وقسيمه ما وقع من غلاة القياسيين في الماضي ، وطغاة المتشرعين في الحاضر ، إذ سَوَّوا ، أيضا ، بين أعظم متباينين في باب الأحكام ، الرب الشارع الحاكم بالقدرة النافذة والحكمة البالغة والعلم المحيط ، والمربوب الشارع تخرصا وظنا ، فهو يعجز عن الفعل ولا يُحْكِمُ مَنَاط الأمر في كل واقعة وإن بلغ من الذكاء ما بلغ ! ، ولا يعلم المآل القريب في هذه الدار على حد اليقين الجازم فغايته أن يبلغ حد الظن الغالب في موارد الغيب النسبي ، فضلا أن يعلم المآل البعيد في دار البرزخ بعد الموت ، ودار الجزاء بعد البعث والنشر ، فجنس التشبيه واحد في الخبر وفي الحكم ، فيفسد القياس ، كما تقدم مرارا ، إذ يسوي العقل بَيْنَ المختلفين ، بل وربما المتناقضين ، فذلك أصل في التصديق يحسم مادة التكييف والتشبيه وما يَتَوَلَّدُ منهما ضرورة من التعطيل الكلي أو التأويل الجزئي بصرف ظواهر النص الخبري عن معناها الراجح في العقل إلى آخر مرجوح لا يشهد له لسان أو قياس إلا على وجه بعيد متكلف لم يعهد في نص الوحي المبين الذي جاء بأفصح لفظ وَأَبْلَغِ معنى ، فالأصل في هذا الباب الرد إلى الوحي ، فلم يكن ثم خلاف في أصول هذا الباب الخبري ، لم يكن ثم خلاف يؤثر عن السلف المتقدم ، فأجمع الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، على إجرائها على ظواهرها ، فـ : "أَهْلُ الْإِيمَانِ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَا يَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ الْإِيمَانِ، وَقَدْ تَنَازَعَ الصَّحَابَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، وَهُمْ سَادَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَكْمَلُ الْأُمَّةِ إيمَانًا، وَلَكِنْ بِحَمْدِ اللَّه لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ كُلُّهُمْ عَلَى إثْبَاتِ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، مِنْ أَوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ، لَمْ يَسُومُوهَا تَأْوِيلًا، وَلَمْ يُحَرِّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا تَبْدِيلًا، وَلَمْ يُبْدُوا لِشَيْءٍ مِنْهَا إبْطَالًا، وَلَا ضَرَبُوا لَهَا أَمْثَالًا، وَلَمْ يَدْفَعُوا فِي صُدُورِهَا وَأَعْجَازِهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقهَا وَحَمْلِهَا عَلَى مَجَازِهَا، بَلْ تَلْقَوْهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَقَابَلُوهَا بِالْإِيمَانِ وَالتَّعْظِيمِ، وَجَعَلُوا الْأَمْرَ فِيهَا كُلِّهَا أَمْرًا وَاحِدًا، وَأَجْرَوْهَا عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ حَيْثُ جَعَلُوهَا عِضِينَ، وَأَقَرُّوا بِبَعْضِهَا وَأَنْكَرُوا بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ فُرْقَانٍ مُبِينٍ، مَعَ أَنَّ اللَّازِمَ لَهُمْ فِيمَا أَنْكَرُوهُ كَاللَّازِمِ فِيمَا أَقَرُّوا بِهِ وَأَثْبَتُوهُ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (1/42) .

فهو داخل في عموم الأمر ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فدلالة : "إن" : دلالة الندرة ، فموارد الاختلاف في الأصول المنجيات تندر فالأصل في الشريعة الاتفاق المحكم لا سيما في أصول العلم والعمل ، فالخلاف فيها شر يستطير به تختلف القلوب وَتَتَنَافَرُ ، فلا يجمعها ، عند التدبر والنظر ، إلا أن ترد أمرها إلى محكم في الخبر فهو صحيح في النقل ، محكم في الدلالة فهو صريح في العقل ، فجاء الوحي بأصول محكمة لا تشابه فيها ولا اضطراب فهي جارية على ما تقدم مرارا من التسوية حال وجبت ، والتفرقة حال وجبت ، فأحكمت آياتها الخبرية العلمية ، وآياتها الحكمية العملية ، فالأصول محكمات بها تحصل الكفاية في الواجبات ، فإن كان ثم خلاف فهو في الفروع التي يسوغ فيها الخلاف ، سواء أكان ذلك في علم أو عمل ، والحق ، مع ذلك ، واحد في جميع موارد الاختلاف ، على الراجح من أقوال أهل الأصول ، فكان الخلاف مذموما في الأصول إذ به يقع التَّفَرُّقُ شِيَعًا وَيَتَقَطَّعُ الأمر زُبُرًا ، ولا يكون ذلك إلا بالتقليد المذموم للآباء ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، فهم على الإلف للعادة في العلم والعبادة ، وإن فسد العلم بمحدثة في الخبر بإثبات أو نفي ، فالانحراف في هذا الباب لا يكون إلا بالتعدي بالزيادة أو التقصير بالنقص ، فـ : "إِنَّ السُّنَّةَ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ فَاتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ، فَإِنَّكَ لَنْ تَضِلَّ مَا أَخَذْتَ بِالْأَثَرِ" ، وإن فسد العمل بمحدثة ، أيضا ، ولكن في الحكم بإثبات أو نفي ، فالانحراف في هذا الباب ، أيضا ، لا يكون إلا بالتعدي بالزيادة أو النقص ، فثم من يزيد بتشريع ما لم يشرع الرب ، جل وعلا ، فهو داخل في عموم الإنكار في قول ذي الجلال والإكرام تبارك وتعالى : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وَثَمَّ من ينقص فهو يعطل أو ينكر ، سواء أكان ذلك في واقعة بعينها ، فذلك الكفر دون الكفر ، أم طال ذلك الأصل بالتعطيل العام وإن لم يَقْتَرِن بالجحود والإنكار ، كما قد عمت به البلوى في زَمَانِنَا ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، داخل في عموم : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فيحمل حال الإطلاق على الحقيقة المستغرقة فهو الكفر الأكبر ، ويحمل حال التعيين على أصل يطرد في باب الوعد والوعيد مناطه الامتناع حتى تقام الحجة باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، والزيادة والنقص في كلا البابين ، العلم والعمل ، عند التدبر والنظر ، يتلازمان فلا يَنْفَكُّ من أحدث بالزيادة الباطلة يعطل من الحق ما يضاهيها فذلك ، كما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق كما قد جاء في محكم التَّنْزِيل ، فـ : (لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، وكان الاختلاف ، من وجه آخر ، محمودا في الفروع إذ به تحصل السعة فَيَرْفَعُ الحرج في موارد الاختلاف السائغ ، وإن كان الحق ، كما تقدم مرارا ، واحدا فلا يجوز لمن ظهرت له أماراته ، في علم أو عمل ، في أصل أو فرع ، أن يعدل عنه إلى غَيْرِهِ ، فالحق في هذه الأمة لا يعدم ، وإن خفيت آثاره في أعصار أو أمصار ، فلا بد ، كما تقدم مرارا ، من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة بها يظهر الحق وَتَبِينُ السنة ، فـ : "الْوَاجِبُ اتِّبَاعُ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحْكِيمُهَا وَالتَّحَاكُمُ إلَيْهَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى نَسْخِ الْمَنْسُوخِ مِنْهَا، أَوْ نَجْمَعَ الْأُمَّةَ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَهَذَا الثَّانِي مُحَالٌ قَطْعًا ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ لَمْ تُجْمِعْ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِسُنَّةٍ وَاحِدَةٍ، إلَّا سُنَّةً ظَاهِرَةَ النَّسْخِ مَعْلُومٌ لِلْأُمَّةِ نَاسِخُهَا، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالنَّاسِخِ دُونَ الْمَنْسُوخِ، وَأَمَّا أَنْ تَتْرُكَ السُّنَنُ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَلَا، كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (2/154) .

فلا يسوغ التقليد في الفروع لمن استبان له وجه الحق بدليل صحيح ونظر صريح ، إن كان من أهل الاجتهاد والنظر فهو مأجور مطلقا ، أو من أهل التقليد السائغ فهو يبذل ما استطاع من جهد طلبا للحق ، فذلك داخل في عموم : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، إذ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فـ : "الْوَاجِبُ إذَا طَلَبَ الْحَقَّ، وَبَذَلَ الِاجْتِهَادَ فِي الْوُصُولِ إلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ عَلَى الْخَلْقِ تَقْوَاهُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَتَقْوَاهُ: فِعْلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَتَرْكُ مَا نَهَى عَنْهُ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْعَبْدُ مَا أُمِرَ بِهِ لِيَفْعَلَهُ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ لِيَجْتَنِبَهُ وَمَا أُبِيحَ لَهُ لِيَأْتِيَهُ. وَمَعْرِفَةُ هَذَا لَا تَكُونُ إلَّا بِنَوْعِ اجْتِهَادٍ وَطَلَبٍ وَتَحَرٍّ لِلْحَقِّ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ فَهُوَ فِي عُهْدَةِ الْأَمْرِ، وَيَلْقَى اللَّهَ وَلَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (2/157) .

وهو ، إن عجز عن درك الحق بنفسه ، فلا يَنْفَكُّ يجتهد في اختيار مفتيه فذلك حظه من الاجتهاد الواجب فلا يقلد أحدا تقليدا مطلقا فذلك لا يكون إلا في حق الرسل عليهم السلام ، وأما غَيْرُهُم فإن : "آرَاءَهُمْ لَا تَنْضَبِطُ وَلَا تَنْحَصِرُ، وَلَمْ تُضْمَنْ لَهَا الْعِصْمَةُ إلَّا إذَا اتَّفَقُوا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا؛ فَلَا يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ إلَّا حَقًّا، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُحِيلُنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى مَا لَا يَنْضَبِطُ وَلَا يَنْحَصِرُ، وَلَمْ يَضْمَنْ لَنَا عِصْمَتَهُ مِنْ الْخَطَأِ، وَلَمْ يُقِمْ لَنَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْقَائِلِينَ أَوْلَى بِأَنْ نَأْخُذَ قَوْلَهُ كُلَّهُ مِنْ الْآخَرِ، بَلْ يُتْرَكُ قَوْلُ هَذَا كُلِّهِ وَيُؤْخَذُ قَوْلُ هَذَا كُلِّهِ.
هَذَا مُحَالٌ أَنْ يَشْرَعَهُ اللَّهُ أَوْ يَرْضَى بِهِ إلَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْقَائِلِينَ رَسُولًا وَالْآخَرُ كَاذِبًا عَلَى اللَّهِ فَالْفَرْضُ حِينَئِذٍ مَا يَعْتَمِدُهُ هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدُونَ مَعَ مَتْبُوعِهِمْ وَمُخَالِفَيْهِمْ ، (إذ لازم قولهم القول بعصمة متبوعهم فهو يصيب مطلقا في كل قول أو رأي ، وغيره ، في المقابل ، يخطئ في كل ما خالف فيه إمامهم فصار قوله هو المحكم الذي يرد إليه ما تشابه من أقوال غيره وذلك بداهة لا يكون إلا للوحي كتابا وسنة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلاغا وبيانا)" . اهـ
بتصرف من : "إعلام الموقعين" ، (2/157) .

فلا يقلد أحد تقليدا مطلقا إلا الرسل ، عليهم السلام ، وإن شئت الدقة لا يُتَّبَعُ مطلقا إلا الرسل عليهم السلام إذ قولهم في نفسه دليل معصوم ، فلا يكفي في هذا الباب العقل المجرد وإن دل على الحق فدلالته في الشرع مجملة لا سيما في موارد الغيب والعقد فالأصل فيها امتناع القياس إلا ما تقدم مرارا من قياس الأولى في الإلهيات وقياس الطرد والعكس في الأسماء والأحكام ، فلا بد من دلالة نقل صحيح به يزكو العقل الصريح ، فـ : "الطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ الرِّوَايَةُ وَالنَّقْلُ. إذْ لَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْعَقْلِ. بَلْ كَمَا أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ لَا يُرَى إلَّا مَعَ ظُهُورِ نُورٍ قُدَّامَهُ فَكَذَلِكَ نُورُ الْعَقْلِ لَا يَهْتَدِي إلَّا إذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ. فَلِهَذَا كَانَ تَبْلِيغُ الدِّينِ مِنْ أَعْظَمِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ مَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَاجِبًا عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ" . اهـ
"مجموع الفتاوى" ، (1/6) .

ولا يتلقى ذلك ، بداهة ، إلا من مشكاة النبوة ، فقول أصحابها حق مطلق في باب الأخبار فلا يكون إلا صدقا ، وفي باب الأحكام فلا يكون إلا عدلا ، فـ : (تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، ومنها كلمات النُّبُوَّةِ الشرعية وليس ذلك لِغَيْرِهم وإن بلغ من العلم والاجتهاد ما بَلَغَ ، فالمستفتي لهم يبذل الجهد في درك الحق وإلا أثم إذ قصر وفرَّط ، فـ : "الْمُسْتَفْتِي إنْ هُوَ قَصَّرَ وَفَرَّطَ فِي مَعْرِفَتِهِ الْحَقَّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لَحِقَهُ الذَّمُّ وَالْوَعِيدُ، وَإِنْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِيمَا أُمِرَ بِهِ وَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ فَهُوَ مَأْجُورٌ أَيْضًا، وَإِنْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِيمَا أُمِرَ بِهِ وَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ فَهُوَ مَأْجُورٌ أَيْضًا. وَأَمَّا الْمُتَعَصِّبُ الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ مَتْبُوعِهِ عِيَارًا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ يَزِنُهَا بِهِ فَمَا وَافَقَ قَوْلَ مَتْبُوعِهِ مِنْهَا قَبِلَهُ وَمَا خَالَفَهُ رَدَّهُ، فَهَذَا إلَى الذَّمِّ وَالْعِقَابِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْأَجْرِ وَالصَّوَابِ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (2/158) .

فإن عجز انتقل إلى التقليد ، فهو مما لا يصار إليه إلا مع الضرورة فذلك المعهود من صنيع الأئمة الأعلام ، رحمهم الله ، فـ : "غَايَةُ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ التَّقْلِيدِ فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ لَمْ يَظْفَرُوا فِيهَا بِنَصٍّ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا سِوَى قَوْلِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ فَقَلَّدُوهُ، وَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ؛ فَإِنَّ التَّقْلِيدَ إنَّمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ، وَأَمَّا مَنْ عَدَلَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَعَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ إلَى التَّقْلِيدِ فَهُوَ كَمَنْ عَدَلَ إلَى الْمَيْتَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُذَكَّى؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَقْبَلَ قَوْلُ الْغَيْرِ إلَّا بِدَلِيلٍ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (2/178 ، 179) .

وهو ، كما تقدم ، لا يَنْفَكُّ يجتهد في اختيار مفتيه ، فلا تقليد مطلقا لِغَيْرِ الرسل ، عليهم السلام ، إذ لازم ذلك إثبات معصوم من إمام أو شيخ يضاهي به من يضاهي من جهلة المقلِّدة في الأصول والفروع ، يضاهي به النبيَّ المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالأصل في هذا الباب أن : "لَا يَنْتَصِرُ لِشَخْصٍ انْتِصَارًا مُطْلَقًا عَامًّا، إِلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِطَائِفَةٍ انْتِصَارًا مُطْلَقًا عَامًّا، إِلَّا لِلصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. فَإِنَّ الْهُدَى يَدُورُ مَعَ الرَّسُولِ حَيْثُ دَارَ، وَيَدُورُ مَعَ أَصْحَابِهِ دُونَ أَصْحَابِ غَيْرِهِ حَيْثُ دَارُوا ; فَإِذَا أَجْمَعُوا لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى خَطَأٍ قَطُّ، بِخِلَافِ أَصْحَابِ عَالِمٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يُجْمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ، بَلْ كُلُّ قَوْلٍ قَالُوهُ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً ; فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ لَيْسَ مُسَلَّمًا إِلَى عَالِمٍ وَاحِدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نَظِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ الرَّافِضَةِ فِي الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ" . اهـ من : "منهاج السنة"

فلم يؤثر ذلك في صنيع من تقدم من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهم الأئمة في الدين ، فلم يقلد أحدهم رجلا واحدا في جميع أقواله ، فـ : "أَمَّا هَدْيُ الصَّحَابَةِ فَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ شَخْصٌ وَاحِدٌ يُقَلِّدُ رَجُلًا وَاحِدًا فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ، وَيُخَالِفُ مَنْ عَدَاهُ مِنْ الصَّحَابَةِ بِحَيْثُ لَا يَرُدُّ مِنْ أَقْوَالِهِ شَيْئًا، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ شَيْئًا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبِدَعِ وَأَقْبَحِ الْحَوَادِثِ" . اهـ
"إعلام الموقعين" ، (2/155) .

فلا يكون التقليد ، كما تقدم مرارا ، إلا ميتة لا تباح إلا حال الاضطرار ، ولا يطلق القول بإباحتها فهي مما يقدر بقدره فلا يباح منه إلا ما يَرْفَعُ الضرورة .

والشاهد ، أن الطاعة مطلقا لا تكون إلا لله ، جل وعلا ، فذلك توحيد الإخلاص ، ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك توحيد الاتباع ، فجاء الإنشاء أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) ، وجاء الإخبار عن حال من كفر فكذب وأنكر ، وجحد واستكبر أن يطيع ، فأبى أن يتحاكم إلى الوحي في العقد أو الشرع ، في الحكم أو السياسة ..... إلخ ، ، فجاء الإخبار عن حاله فهو يتمنى ما استحال دركه فقد فات زمانه إذ انقطع التكليف في الدار الآخرة ، فـ : (يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) ، فأفردَ كُلاًّ بعامل ، كما تقدم ، إذ الطاعة المطلقة لا تكون إلا لهما ، وإن كانت طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم داخلة في طاعة الرب ، جل وعلا ، فهي الأصل المطلق ، إذ الكتاب أصل في الاحتجاج بالسنة فما ثَبَتَت حجيتها إلا بنص الكتاب إذ أَمَرَ بطاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مطلقا ، فـ : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، فهو المبلغ ، فـ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ، والمبيِّنُ ، فـ : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، و : "أل" في : "الرسول" ، من وجه آخر ، إما أن تحمل على العهد بالنظر في النبوة الخاتمة ، وإما أن تحمل على العموم الجنسي الذي يستغرق آحاد ما دخلت عليه فهي تبين الماهية التي أنيط بها حكم الطاعة مطلقا ، وتستغرق أفرادها في الخارج ، من وجه آخر ، وكلا الوجهين صحيح فلا تعارض بينهما ، فثم مناط أعم في طاعة الرسل جميعا ، فدينهم ، كما تقدم مرارا ، واحد وإن اختلفوا في الشرائع الجزئية ، وكلُّ أمة ، من وجه آخر ، يَلْزَمُهَا من طاعة رسولها خصوصا ما لا يَلْزَمُ غَيْرَهَا ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فنزلت التوراة ليهود ، فـ : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) ، ونزل الإنجيل للنصارى ، فـ : (لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) ، وَنَزَلَ الكتاب الخاتم فهو المهيمن الجامع ، فـ : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) .

وثم في المقابل مناط أخص ، وهو طاعة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك واجب الوقت على جميع الخلق إذ بعث صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِرَسْمِ العموم ، فـ : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، وبه ختمت الرسالة ، فـ : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ، فلا معصوم بعده يصدق مطلقا في الخبر ، ويطاع مطلقا في الحكم .

والله أعلى وأعلم .