المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ...)



مهاجر
10-05-2013, 07:05 AM
ومن قوله تعالى : (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) ، فدلالة اللام دلالة الاختصاص والتملك ، على جهة التصرف المطلق ، فله ، جل وعلا ، مَلْكُ الأعيان ومِلْكُ الأحوال ، فهو الخالق المدبر ، البارئ المشرع ، فَلَهُ أَمْرُ التَّكْوِينِ وَلَهُ أَمْرُ التشريع ، فله تدبير الأبدان إنعاما ، فوضع في الأرض من الأرزاق وأنزل من السماء من الماء ما به تحفظ الأبدان من التلف ، واستودع في الأصلاب من النطف ما به تحفظ الأنواع من الفناء ، فـ : (اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) ، فصدر السياق بالفاعل المعنوي المظهَر ، وَثَنَّى بِالتِّكْرَارِ لَهُ لفظيا مُسْتَتِرًا في عامله : "خلق" ، فذلك آكد في تقرير المعنى لا سيما مع دلالة العموم الْمُسْتَغْرِقِ ، فـ : "كل" : نص في العموم ، كما قَرَّرَ أهل الأصول والْبَيَانِ ، فهي مخصوصة بالإضافة ، إذ النكرة بإضافتها إلى نكرة مثلها تكتسب نَوْعَ بَيَانٍ ، يجعلها أهلا للابتداء ، كما قَرَّرَ النحاة ، فحصل البيان بالإضافة ، وَزِيدِ فِيهِ بِبَيَانٍ آخر ، فدلالة : "من" دلالة بيان للجنس ، فخلق جنس الدواب من جنس الماء ، فـ : "ماء" نكرة في سياق إثبات تفيد الإطلاق فتدل على الماهية في الذهن دون استغراق لآحادها في الخارج ، فانفرد ، جل وعلا ، بالخلق ، فَلَهُ ما في السماوات وما في الأرض ، من الأحياء والجمادات ، من الأعيان إذ قدرها في الغيب ، وصورها في الشهادة فأحسن التصوير ، إذ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، فَهَدَى كل كَائِنٍ إلى ما يلائمه ، فخلق الأعيان تقديرا وإيجادا وتصويرا فأبدع الخلائق لا على مثال سابق ، فَرَكَزَ في كل مخلوق ما يصلح أمره ، إذ أعد المحال لِقَبُولِ آثار الأسباب التي أجراها ، جَلَّ وَعَلَا ، فَبِهَا تَدْبِيرُ أمر الخلق ، بِدَوَرَانِ الأفلاك وَنُزُولِ الأرزاق .... إلخ ، فله ، جل وعلا ، خلق الأبدان وتدبير أسبابها من المطعوم الذي تحفظ به الْعَيْنُ أن تضعف أو تمرض ، والنوع أن يَفْنَى ، وله تَدْبِيرُ الأديان ابْتِلَاءً ، فَأَنْزَلَ من الأخبار والأحكام ما ابْتُلِيَ بِهِ العباد بالتصديق والامتثال ، فكما أجرى لكل نوع من الأحكام الكونية ما يلائم حاله المحسوسة ، أجرى له من الأحكام الشرعية ما يلائم حاله المعقولة ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فشرعة ومنهاج في حق المكلف بالأمر والنهي ، وفي حق الأعيان الجامدة فلا يتوجه التكليف إليها ، بداهة ، وإن عبدت الرب ، جل وعلا ، عبودية الاضطرار بالخضوع والانقياد ، بل والتسبيح بِلِسَانِ مقال لا يدركه البشر ، فـ : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) ، ولسان حال ، فهي بقدرة الرب ، جل وعلا ، وحكمته تشهد ، فـ : (سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ، فَابْتَلَى بِنِعْمَةِ الكون إذ فَاوَتَ في الأقدار وغَايَرَ في الأرزاق لتظهر آلاء حكمته في العطاء والمنع ، في القبض والبسط ، فـ : (اللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، فذلك إنما يكون بقدر محكم ، فـ : (لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، فَالْخَلْقُ فِي الصورة والرِّزْقِ والدرجة والجاه والرياسة والعقل والقوة والْحُسْنِ ..... إلخ يَتَفَاوَتُونَ ، فبهذا التفاوت بل والتضاد تظهر آثار اسم الرب الخالق ، جل وعلا ، فهو خالق الشيء وضده ، فخلق المؤمن والكافر فذلك محل الابتلاء في الدين ، فـ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وخلق الموت والحياة ، فذلك ، أيضا ، محل ابتلاء ، وخلق الغني فواجبه الشكر والصبر على أداء الحق من زكوات واجبة وصدقات زائدة بها يكمل ما نقص ، وبها تحصل الزيادة في الدرجة فهي مما وفق إليه العبد وسدد ، فـ : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، فمن دعي إلى خير فقعد فقد خذل بما أسرف وتعدى ، فلا يخلو الخذلان في هذا الباب من شُؤْمِ عِصْيَانٍ تَقَدَّمَ ، فـ : "مَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" ، فَثَمَّ مقابلة بَيْنَ شطري القسمة في هذا الباب ، فشطر : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) في الآية يقابل شطرها الثاني : (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، وشطر : "مَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ" في الخبر يقابل شطره الثاني : "وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" ، فلا تخلو الحال من خير يحمد صاحبه الرب ، جل وعلا ، أن وفقه وسدده وأعانه وأقدره ، فَلَوْ شَاءَ لأقعده وخذله بما اقترف من ذنب ، فـ : (مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، فنكر الخير في الخبر ، فـ : "مَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ" ، في سياق الشرط ، فهو مئنة من العموم ، فأي خير من عقد أو شرع ، من قول أو عمل ، أي خير يجده العبد في صحائف أعماله إذ أحصى فيها رب الخلائق ، جل وعلا ، الأقوال والأعمال ، والاعتقادات والإرادات ، فـ : (كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) ، فتلك ، أيضا ، كلية عامة تَسْتَغْرِقُ آحادها في الخارج فحصل بالإضافة ، كما تقدم ، بيان أزال الإجمال ، وزيد في التوكيد بتقدير عامل متقدم إذ اشتغل العامل المتأخر بضمير المعمول فحصل التوكيد بالتكرار بمحذوف مقدر من جنس المذكور فدل ما تأخر إذ اشتغل على ما تقدم إذ حذف ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مما اطرد في التنزيل من الإيجاز فلا تكرار معيب فما دل المذكور عليه من عامل أو معمول فهو من المحذوف إيجازا فقد أمن اللبس بورود الدليل المذكور على المقدر المحذوف ، وهو ، من وجه آخر ، خلاف الأصل ، إذ الأصل فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أن يدل المتقدم على المتأخر ، ومع ذلك صح التقدير في هذا الموضع ، إذ الاشتغال لا يكون إلا لعامل متأخر ، وإن كان ثم قول يجوز عمل المتأخر في المعمول المتقدم وضميره المتأخر معا ، فيكون عاملا لمعمولين ، أحدهما تقدم ظاهرا ، وثانيهما تأخر مُسْتَتِرًا ، وهو ، من وجه آخر ، دليل على المتقدم فمرجع الضمير حال الاشتغال ما تقدم من المعمول الْمُظْهَرِ ، فهذا القول ، وإن لم يكن الراجح إلا أنه ، من وجه آخر ، قد يجري على ما تَقَرَّرَ في لسان العرب إذ الأصل عدم الحذف وعدم التقدير فمتى حصل الْبَيَانُ بِلَا تقدير وجب المصير إليه ، فالتقدير ضرورة لا يصار إليها إلا حال تعذر الْبَيَانُ إلا بِهَا فتقدر بقدرها ، فذلك أصل في مسائل الوحي وَالْبَيَانِ جميعا ، وذلك ، من وجه ، موضع تظهر فيه آثار الكمال في وصف ذي العزة والجلال ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عِلْمًا أحصى المحسوسات من الأعيان والمعقولات من الأحوال ، فحسن إسناد الفعل إلى ضمير الجماعة في : "أَحْصَيْنَاهُ" ، فذلك ، أيضا ، مما يَزِيدُ المعنى تَقْرِيرًا وَتَوْكِيدًا ، فأحصى الرب ، جل وعلا ، ما بطن من إيمان أو كفر ، وما ظهر من قول أو فعل ، فأحصى التصورات والإرادات ، وأحصى الأقوال والأعمال ، الأفعال والتُّرُوكَ ، فهو العليم الخبير بما دق وخفي ، فـ : (إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا ، فـ : "لْيَحْمَدِ اللهَ" ، فـ : (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ، فذلك مما اقْتَرَنَ بِالْفَاءِ فدلالة الربط في لفظها تجب ، كما قرر أهل الشأن من النحاة ، فثم أمر في الآية وفي الحديث ، فكلاهما مما لا يجاب به الشرط بلا واسطة من لفظ يَرْبِط ، فالفاء رابطة ، ولا تخلو من دلالة تعقيب ، ودلالة سَبَبِيَّةٍ ، فما بعدها من الفرح في الآية ، فذلك يكون في دار الابتلاء ، ولا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بلازمه من الشكر ، بالقول والعمل ، فيكون الشكر لنعمة الدنيا بأداء حقها ، فأصحاب الأموال يجب عليهم من الشكر بالزكوات الواجبة والصدقات النافلة ما لا يجب على غَيْرِهِم ، وأصحاب الجاه يجب عليهم من الشكر بالشفاعات الصحيحة ، فـ : "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ" ، ما لا يجب على غَيْرِهِم ، ويكون الشكر لنعمة الدين بالتصديق والامتثال ، وتأويل أحكام الوحي ما خص منها وعم ، فلا يكون الفصل حال التَّنَازُعِ بَيْنَ الخلائق إلا بالرجوع إلى الوحي ، فلا يحكم أصحابه بما حدث من الشرائع والسياسات فلا يجد المرء في نفسه حاجة إليها إلا لجهل بالوحي وزهد فيه فصاحبه قد عدل عن محكمه إلى ما تشابه من الأهواء والأذواق ، فهي لا تَعْتَبِرُ إلا ما عُجِّلَ من المصالح ، فلا نظر لها فيما يَأْتِي من دور غيب لا تدرك إلا من مشكاة الوحي فهي غيب مطلق لا يدرك بالتجربة فمناطها الحس الظاهر ، وهو لا يدرك ، بداهة ، ما غاب عن مداركه من الغيب ولو نسبيا في هذه الدار فلا بد من خبر صدق ، فكيف بالغيب المطلق من أمر الآخرة وما بعد الموت من سؤال ونعيم أو عذاب ...... إلخ ، فلا يستقل العقل بدركه ، وإن أوجبه في الجملة بما ركز في الجبلة ، فهي ، كما تقدم ، تُحَسِّنُ التوحيد والعدل فتقضي بإيجابهما ولكنها مع ذلك لا تستقل بِبَيَانِهِمَا ، فلا يَكُونُ بَيَانٌ في هذا الباب إلا من قِبَلِ النُّبُوَّةِ ، فيحصل الشكر في هذه الدار ، لنعمة الدين فهي الأعظم ، فـ : (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ، فَتِلْكَ رحمة النبوة والوحي ، وما يحصل بهما من الهدى والْبَيَانِ ، ويحصل الحمد فهو يجامع الشكر في مواضع ، فكلاهما يكون بِاللِّسَان ، ويفارقه في مواضع فالحمد يكون بالقلب ، والشكر يكون بالجوارح ، فيحصل الحمد في الأولى ، حمدا مطلقا على كمال الذات والوصف ، فالرب ، جل وعلا ، قد وجب له من أجناس المحامد ما عم ، فـ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وإن لم تظهر آثارها في الكون ، فهو المحمود أزلا قبل خلق الخلق ، فكان أولا بذاته القدسية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، فـ : "اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ: صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ وُصِفَ بِصِفَةٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا، لِأَنَّ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ صِفَاتُ كَمَالٍ، وَفَقْدَهَا صِفَةُ نَقْصٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْكَمَالُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِضِدِّهِ. وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذِهِ صِفَاتُ الْفِعْلِ وَالصِّفَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَنَحْوُهَا، كَالْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ، وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ، وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَالطَّيِّ، وَالِاسْتِوَاءِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ، وَالنُّزُولِ، وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُدْرِكُ كُنْهَهُ وَحَقِيقَتَهُ الَّتِي هِيَ تَأْوِيلُهُ، وَلَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا، وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا، وَلَكِنْ أَصْلُ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ لَنَا، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] (الْأَعْرَافِ: 54) : كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ. وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ تَحْدُثُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» . لِأَنَّ هَذَا الْحُدُوثَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ الْيَوْمَ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا بِالْأَمْسِ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ حَدَثَ لَهُ الْكَلَامُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ لِآفَةٍ كَالصِّغَرِ وَالْخَرَسِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ يُقَالُ: حَدَثَ لَهُ الْكَلَامُ، فَالسَّاكِتُ لِغَيْرِ آفَةٍ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالْقُوَّةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ، وَفِي حَالِ تَكَلُّمِهِ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ الْكَاتِبُ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ هُوَ كَاتِبٌ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ كَاتِبًا فِي حَالِ عَدَمِ مُبَاشَرَتِهِ لِلْكِتَابَةِ" . اهـ
وذلك أصل في صفات الأفعال فهي قديمة النوع حادثة الآحاد ، إذ يحدث منها رب العباد ، جل وعلا ، ما شاء كيف شاء متى شاء فَتُنَاطُ بالمشيئة من هذا الوجه .

ويحصل الحمد في الآخرة ، على ما يجد العامل في صحائفه من الخير ، فما هدي إليها هداية التوفيق والإلهام إلا بفضل عظيم من رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فيدخل ، أيضا ، في عموم : (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) .

فجاء الأمر على جهة التعقيب والفور في : "فَلْيَحْمَدِ" فذلك مما يحسن حال ورود النعم ، فتلك حاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ : "كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ" ، فَدِلَالَةُ : "إِذَا" : مَئِنَّةٌ من كَثْرَةِ التكرار فتلك حال قد اطردت .

ودلالة اللام في قوله : "فَلْيَحْمَدِ اللهَ" : دلالة أمر ، فهو ، كما تقدم ، أمر إيجاب ، فلا يخلو من معنى التكليف ، وهو مما يكون في الأولى ، فمن وفق إلى الخير وسدد ، فَيَسَّرَ الرب ، جل وعلا ، له أسباب الهدى بيانا وإلهاما أن يصدق ويمتثل ، فمن وفق إلى الخير وسدد فليحمد الرب الهادي المسدِّدَ ، جل وعلا ، فهو الذي خلق ثم هدى إلى أسباب الحفظ للأبدان ، وهو الذي شَرَعَ ثم هدى إلى أسباب الحفظ للأديان ، وهو ، مِمَّا يَكُونُ في الآخرة ، فـ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، وإن كان خلاف الأصل من جهة التكليف ، فالأصل في الآخرة أنها دار جزاء فلا تكليف فيها إلا ما ورد النص به ، فيبتلى أهل الفترة بِتَقَحُّمِ النيران فـ : "أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا" ، ويبتلى أهل الموقف بالسجود : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) ، ويلهج أهل السعادة بالحمد بل ويلهج به أهل الموقف جميعا ، فـ : (قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فلم يظلم الرب ، جل وعلا ، أحدا ، فحمده المؤمن على فضله ، وحمده الكافر على عدله ، فله الحمد ، جل وعلا ، في الأولى والآخرة ، في السماء وفي الأرض ، في الخير ، وفي غيره ، فشطر القسمة الأول : "مَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ" ، شطر الفضل في وجدان الخير في الأولى ، ووجدانه في صحائف الأعمال في الآخرة ، وشطرها الثاني ، في المقابل ، فـ : "مَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" ، شطر العدل ، فأطنب بِتِكْرَارِ الشرط ، واسْتَغْرَقَ بدلالة الطباق سَلْبًا ، فلا يخلو الفعل من خير وغيره ، فكنى عن الشر فهو ضد الخير ، فيجري ذلك مجرى الْبَيَانِ بنفي الضد ، فما غَايَرَ الخير فهو الشر ، فمن وجده في الأولى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) ، أو في الآخرة ، فـ : (وُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، فالكتاب مما أجمل في هذا السياق وأبان عنه التَّنْزِيلُ في موضع آخر ، فـ : (كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) ، فيضاهي ما تقدم من دلالات الاشتغال في : "أَحْصَيْنَاهُ" والإطناب بالمذكور المتأخر والمحذوف المتقدم ، والتعظيم في إسناد الفعل إلى ضمير الجماعة في : "أَحْصَيْنَاهُ" ، أيضا ، فيضاهي ما تقدم من ذلك في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) ، فَأُجْمِلَ الكتاب هنا ، أيضا ، وأبان التنزيل عنه في آية يس هو فهو الإمام الجامع للأقدار والشرائع ، فذلك ، أيضا ، من موارد الإحصاء العام فالعموم في قوله تعالى : (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) ، عموم : "كل" فهي ، كما تقدم ، نص في العموم ، والعموم في قوله تعالى : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ، عموم نكرة : "صَغِيرَةً" و : "كَبِيرَةً" في سياق نفي ، والعموم في قول تعالى : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) : عموم الموصول ، فمن وجد في كتابه ما يسوء ، فـ : "لَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" ، فذلك نهي في سياق التهديد والوعيد ، فحسن التوكيد بالنون المثقلة إمعانا في تقرير المعنى ، فَيَجْرِي مجرى التهديد والوعيد في الأمر في نحو قوله تعالى : (قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، و : (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فهو ، أيضا ، مما عم بدلالة الوصل ، وقد ذيل بِمَا يُلَائِمُ السياق ، فالعمل مظنة الإحصاء والرصد فلا يحصيه إلا البصير ، فدلالة الاسم دلالة البصر العلمي لقرينة إناطته بالعمل ، فالبصر بالأعمال يكون بالإحصاء العلمي ، وهو ، مع ذلك ، لا يمنع دلالة الاسم على الأصل وهو البصر بالعين على الوجه اللائق بذي الجلال والإكرام ، تبارك وتعالى ، فيجري ذلك مجرى الكناية إذ عدل عن الملزوم من بصر العين إلى لازمه من بصر الإحاطة والعلم ، فلا مجاز في ذلك ولا تأويل ، إذ لا يلزم من إثبات بصر العلم نفي بصر العين ، بل هما ، عند التدبر والنظر ، مما يتلازم في الذهن وفي الخارج ، فالذهن يُثْبِتُهُ فَلَهُ وجود في الخارج بما يَلِيقُ بذات رَبِّنَا ، جل وعلا ، فلا يَلْزَمُ من إثبات الأخبار معان كانت أو أخبارا ، ذاتا كانت أو فعلا أو حكما ، إثباتا أو نفيا ، فالإثبات ، كما تقدم مرارا ، هو الأصل في هذا الباب فَيَرِدُ على جهة التفصيل ، فـ : (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، و : (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) ، و : (اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ، و : (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فذلك ، كما تقدم ، مما يجري مجرى العموم فـ : "ما" : موصول يعم جميع الأعمال ، ما بطن منها من التصور والإرادة ، وما ظهر من القول والعمل ، سواء أخص كأفعال العبادة ، أو عم كأحكام الشريعة ورسوم السياسة وآداب النفوس من الزهد والرياضة ..... إلخ ، وزد عليه تقديم ما حقه التأخير ، فهو ، كما تقدم مرارا ، مئنة من الحصر والتوكيد ، فالأصل في باب الإلهيات تفصيل الإثبات فذلك آكد في الحمد ، فيجري مجرى الْبَيَانِ المفصل لما استغرقته : "أل" في : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فهي تستغرق آحاد المحامد جميعا ، فدلالتها دلالة الْبَيَانِ للجنس والماهية ، من وجه ، ودلالة الاسْتِغْرَاقِ لآحاد المحامد ، من وجه آخر ، فذلك عموم أبانت نصوص الإلهيات عن جملة وافرة من آحاده على جهة التفصيل ، كما تقدم ، فهو الأصل في هذا الباب الجليل ، وأجمل النفي في المقابل فهو مما يحسن في المدح ، فتنفى النقائص جملة ولا يَرِدُ التفصيل إلا في مواضع فَالسِّيَاقُ قَاضٍ بذلك ، كَرَدِّ دعوى باطلة ، فيحسن التفصيل حال الجدال ، فـ : "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ" ، و : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، فهو : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

والشاهد أن المُلْكَ ، قد عم ، فَلَه : (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) ، فحسن الإطناب بجملة من الموصولات : (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) وَ : (مَا فِي الْأَرْضِ) ، وَ : (مَا بَيْنَهُمَا) ، وَ : (مَا تَحْتَ الثَّرَى) ، فعم ما ظهر وما بطن ، ما علا وما سفل ، ما عُدِنَ في الأرض من الدفائن وما خرج ونبت على وجهها ، فعم الملك على جهة الاستحقاق والاختصاص ، فذلك مما انفرد به رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، وقدم ما حقه التأخير ، على ما تقدم مرارا ، من دلالة ذلك على الحصر والتوكيد ، والعلم قد عم ، من وجه آخر ، فـ : (إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) ، فلا يخلو من دلالة التحدي المعجز ، فَيَعْلَمُ ما أَسَرَّ العبد وما أخفى ، ودلالة : "أل" دلالة استغراق فَيَعْلَمُ كل ما أَسَرَّ الْعِبَادُ فِي نُفُوسهم ، وما جهروا به من القول والعمل ، فذلك يَكُونُ من باب أولى ، فحد على جهة الشرط فذلك آكد في تقرير المعنى ، إذ التلازم بين الشرط وجزائه تلازم وثيق ، فالشرط كالسبب والعلة فَمَعُه يدور المسبَّبُ والحكم وجودا وعدما ، فضلا عن تصدير الجزاء بالمؤكد الناسخ : "إن"، ودلالة المضارعة في : "يَعْلَمُ" ، فَبِهَا تُسْتَحْضَرُ الصورة ، من وجه ، وَبِهَا يَثْبُتُ الوصف على جهة الديمومة والاستمرار فهو من وصف رَبِّنَا ، جل وعلا ، الذاتي ، بالنظر في علمه الأول ، علم التَّقْدِيرِ ، وبالنظر في معنى العلم فهو معنى يقوم بالذات ، والصفات الذاتية لا تُنَاطُ بالمشيئة الربانية فهي لا تفارق الذات ، كما تقدم ، وهو ، من وجه آخر ، من الوصف الفعلي بالنظر في إناطة علم الإحاطة بآحاد المعلومات الحادثة في الشهادة فهي تأويل ما قدر بالعلم الأول ، فيناط بها العلم الثاني ، علم الإحصاء والإحاطة لجميع ما عمل العباد من خير أو شر ، فيحدث ، جل وعلا ، من آحاد الوصف ما يناط بآحاد المعلومات فَلَمَّا تَزَلْ في الكون تَتْرَى تأويلا لمقدور رَبِّنَا الأعلى ، تبارك وتعالى ، في الأزل ، فما يقع في الشهادة هو تأويل ما قدر في الغيب ، فيعلم ، جل وعلا ، ما أسر الرجل إلى جليسه ، وما أخفى في نفسه ، كما أثر عن الحسن رحمه الله ، وثم جملة من الأقوال في تفسيرا الآية أشار إليها البغوي ، رحمه الله ، فـ : "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "السِّرُّ" مَا تُسِرُّ فِي نَفْسِكَ "وَأَخْفَى" مِنَ السِّرِّ: مَا يُلْقِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِكَ مِنْ بَعْدُ، وَلَا تَعْلَمُ أَنَّكَ سَتُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُسِرُّ بِهِ الْيَوْمَ وَلَا تَعْلَمُ مَا تُسِرُّ بِهِ غَدًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا أَسْرَرْتَ الْيَوْمَ وَمَا تُسِرُّ بِهِ غَدًا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "السِّرُّ": مَا أَسَرَّ ابْنُ آدَمَ فِي نَفْسِهِ، "وَأَخْفَى" مَا خَفِيَ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فَاعِلُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "السِّرُّ" الْعَمَلُ الَّذِي تَسِرُّونَ مِنَ النَّاسِ، "وَأَخْفَى": الْوَسْوَسَةُ.
وَقِيلَ: "السِّرُّ": هُوَ الْعَزِيمَةُ ، "وَأَخْفَى" : مَا يَخْطُرُ عَلَى الْقَلْبِ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: "يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى": أَيْ يَعْلَمُ أَسْرَارَ الْعِبَادِ، وَأَخْفَى سِرَّهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَلَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ" . اهـ
وكلها معان صحيحة فتجري مجرى البيان للعموم بضرب أمثلة من آحاده فَبِهَا يحصل البيان للعموم لا على جهة التخصيص ، فذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول ، وإنما على جهة التبيين ، فإعمالها جميعا أولى من إهدار بعضها إذ الإعمال ، كما قرر أهل الأصول ، أولى من الإهمال حال جاز الجمع بلا تعسف ولا تكلف .

والله أعلى وأعلم .