المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : هل تأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطي ؟



أ.د.خديجة إيكر
21-05-2013, 01:33 PM
لا يخفى على أحد ما تتعرض له اللغة العربية، لغة القرآن الكريم منذالقدم من هجمات و ادعاءات الغرضُ منها الانتقاص من هذه اللغة و اعتبارها لغة لاترتكز في أصلها على أسس صحيحة ، و من ثم فالكتاب الذي أُنزل بها هو كذلك - حسب زعمهم - ليس ذا قيمة لغوية .
ومن بين هذه الافتراءات الادعاءُ بأن النحو العربي ما هو إلا صورة منقولة عن منطق أرسطو منذ نشأته الأولى ، و دليل أصحاب هذه الفرية أن النحو العربي يعتمد بالدرجة الأولى على التعليل والتأويل .
ولعلنا لو أمعنا النظر سنجد أن هذه التهمة واهية ولا تقوم على أي مستند علمي و لا واقعة تاريخية ملموسة لأنه ليس هناك أي دليل تاريخي يؤكد التقاء الفكر الأرسطي بالفكر العربي في مرحلة تأسيس النحو العربي . و من ثم يبقى هذا الزعم افتراضا غير قائم على أدلة ، بل إن هناك أدلة تدحضه و تقوِّضه من أساسه :
1- هناك كتابات كثيرة تثبت عكس هذا الافتراء ككتاب ( Histoire Générale des langues Sémitiques) الذي يعترف فيه إرنِسْت رينان Ernest Renan أن العرب منذ القديم لم يكونوا ليُنكروا أي تأثير أجنبي سواء كان يونانيا أو غيره إذا كان تأثيراً حادثاً فعلاً ، و ككتاب ( الإيضاح في علل النحو) للزجاجي الذي يبيّن فيه خصوصية و تميُّز المنهج النحوي العربي القديم عن المنطق اليوناني قائلا : " غَرَضُهُم غَيرُ غَرضِنا ( أي اليونان ) ومَغزاهُم غيرُ مَغْزانا" .
2- من الناحية التاريخية يعرف الجميع أن منظِّر النحو العربي سيبويه توفي سنة 180 هـ ، بعد أنهى – طبعا -كتابة مؤلَّفه "الكتاب " الذي يعتبر مرحلة متطورة و ناضجة من مراحل التفكير النحوي العربي ، أي إن سيبويه كان مسبوقا إلى علم النحو بعلماء قبله كأبي الأسود الدؤلي ( القرن 1ه ) وأبي عمرو بن العلاء (154هـ) ويونس بن حبيب (182هـ) وأستاذه الخليل بن أحمدالفراهيدي (175هـ) الذي يشير إليه دائما في كتابه بقوله : "قال شيخنا رحمه الله "
و هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن كتاب سيبويه أُلف من الناحية التاريخية ما بين تاريخ وفاة أستاذه الخليل (175 هـ) وتاريخ وفاته هو نفسه (180هـ) ، وفي مقابل هذا لو بحثنا عن الفترة التي تمت فيها ترجمة المنطق الأرسطي إلى العربية سنجد أن حنين بن إسحاق قام بهذه الترجمة سنة 264هـ !!
وهذا يبين بما لا يدع مجالا للشك أنه لا علاقة للنحو العربي بالمنطق الأرسطي ، لسبب تاريخي بسيط جدا وهو أن جميع النحاة الذين أصَّلوا للنحو العربي ووضعوا أسسه الأولى كانوا قد توفاهم الله بما يفوق الثمانين سنة ، بل إنهم لم يعاصروا ترجمته إلى العربية ؟؟ .

محمد الجهالين
21-05-2013, 04:26 PM
وجهة نظر تؤيدها الغيرة الصادقة ، وقد يعارضها التحقيق والتوثيق الدقيق .

الراجح أن الترجمة عن اليونانية قد عرفها العرب والمسلمون قبل حنين بن إسحاق ، فهذا السكاكي في مفاتيح العلوم يقول :

الكتاب الأول من كتب أرسطاطاليس في المنطق، يسمى، قاطيغورياس، وأما إيساغوجي، فإنه لغرفوريوس، صنفه مدخلاً إلى كتب المنطق، ومعنى قاطيغورياس باليونانية، يقع على المقولات.
والمقولات عشر، وتسمى: القاطاغوريات.
إحداها: الجوهر، وهو كل ما يقوم بذاته، كالسماء والكواكب، والأرض وأجزائها، والماء، والنار، والهواء، وأصناف النبات والحيوان، وأعضاء كل واحد منها.
ويسمي عبد الله بن المقفع الجوهر عيناً، وكذلك سمى عامة المقولات وسائر ما يذكر في فصول هذا الباب بأسماء اطرحها أهل الصناعة فتركت ذكرها، وبينت ما هو مشهور فيما بينهم.
وهذا ابن أبي أصيبعة يقول في " عيون الأنباء في طبقات الأطباء" عندما تحدث عن برزويه العالم بصناعة الطب:

برزويه:
قيل إنه كان عالما بصناعة الطب موسوما بها ، متميزا في زمانه فاضلا في علوم الفرس ، والهند ، وأنه هو الذي جلب كتاب كليلة ودمنة من الهند إلى أنوشروان بن قباذ بن فيروز ملك الفرس وترجمه له من اللغة الهندية إلى الفارسية ، ثم ترجمه في الإسلام عبد الله بن المقفع الخطيب من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية ، أقول وهذا الكتاب كما قد عظمت شهرته أنه في إصلاح الأخلاق وتهذيب النفوس لا نظير له في معناه . وكان عبد الله بن المقفع الخطيب فارسيا أيضا وكان كاتب أبي جعفر المنصور وترجم أيضا من كتب أرسطوطاليس كتاب " قاطيغورياس " ، وكتاب "باريمينياس" وكتاب "أنالوطيقا" ، وترجم مع ذلك المدخل إلى كتب المنطق المعروف بأيساغوجي فرفوريوس الصوري، وعبارته في الترجمة عبارة سهلة قريبة المأخذ. ولابن المقفع أيضا تواليف حسان منها رسالته في الأدب والسياسة ومنها رسالته المعروفة باليتيمة في طاعة السلطان.

وهنا قد يطعن في الدليل التاريخي الذي يقول بأن الترجمة عن اليونانية لم تبدأ إلا بحنين. وهذا ابن المقفع المتوفى عام 142 هـ يترجم إلى العربية كتب أرسطو الثلاث في المنطق. وابن المقفع لم يكن بعيدا عن الخليل بن أحمد ، فهذا الدينوري صاحب المجالسة وجواهر العلم يقول :


اجتمع الخليل بن أَحمد وابن المقفعِ بِالمربد فَتفاوضا ، ثم تفرقَا ، فَسُئل ابن المقفعِ عن الخليل ، فَقَال : هو نهاية في العلم لا تلد النساء مثلَه أبدا في زماننا هذا ، وفِيه شيءٌ أفضلُ من علمه ، عقله أكثرُ من علمه . وسُئل الخليلُ عن ابن المقفعِ ، فَقَال : لا تلد النساء إلى ألف سنَة مثله ، غيرَ أَن فيه عيبًا . قيل له : وما هو ؟ قَال : علمه أكثرُ من عقله ، وإذا كان العلمُ أكثَرَ من العقل ، فهو مُضِرٌّ بصاحبِه .

فلنعد النظر في دليلنا التاريخي ، ولا يعني هذا أن النحو العربي ثمرة المنطق اليوناني ،كما لا يعني قولنا " أن النحو العربي ليس ثمرة المنطق اليوناني " أن النحو العربي لم يتأثر بالمنطق اليوناني.

أ.د.خديجة إيكر
21-05-2013, 05:38 PM
الأستاذ الفاضل محمد الجهالين ، جزيت خيراً على المرور و الاطلاع

ربّما يكون هناك تضارب بين المؤرخين حول تاريخ ترجمة المنطق الأرسطي ، لأن ما أوردتُه في المقال هو ما اتّفق عليه أغلبُهم ، و الله أعلم .
أما عما أسلفته من نصوص مهمة ــ تشكر عليها ــ فليس فيها نصّ يُثبت بأن النحاة العرب الأوائل قد وظّفوا أساليب المنطق الأرسطي في النحو العربي . و لا شكّ أنك قرأت عنوان المقال و هومحدّد (هل تأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطي )

دمت بخير و عافية

ياسر1985
21-05-2013, 07:26 PM
أولا: يجب تحديد معنى (التأثر بالمنطق الأرسطي).
ثانياً: التأثر بالمنطق ليس عيباً؛ لأن المنطق عبارة عن قواعد عامة في التفكير هدفها عصمة الذهن عن الخطأ عند مراعاتها، مثلاً: يقول المناطقة: (لا بد من جهة واحدة في القسمة) وعند تطبيقها نجد أنها تيسر ولا تعسر النحو؛ لأنها تفسر -مثلا- تقسيم الشيء الواحد عدة تقسيمات كل (بلحاظ) حسب تعبيرهم، ومنها قسمة العلم -أولاً- إلى: مفرد ومركب، و-ثانياً- إلى: كنية واسم ولقب، وهكذا.
ثالثاً: القول بعدم التأثر مطلقاً مكابرة ولنا ما يدحضها، فكلمات النحاة كالرضي الأسترآباذي، وركن الدين الأسترآباذي، وابن الحاجب، والصبان، وأغلب شراح الألفية، لهم تعابير مثل: (القول أعم مطلقا من الكلم)، و(بين الكلم والكلام عموم وخصوص من وجه)، و(قيام العرض بالجوهر) و(اجتماع النقيضين) و(الفصل والجنس)، و(هذا حد تام أو رسم ناقص)، و(الماهية)، وما شاكل.
أقول: لا يعد طعنا ولا فرية - كما فهمت من الدكتورة- القول بتأثر النحو -ولو في فترات متأخرة- بالمنطق وواضعِه (أرسطو)، بل هذا يعد من مفاخر علماء النحو؛ لأنهم وظفوا ما يحتاجون إليه من باقي العلوم (كالبلاغة، واللغة، والمنطق) في دراساتهم النحوية.