المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ومن قوله تعالى : (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ ..)



مهاجر
23-05-2013, 06:55 AM
مما تقرر في اللسان أن من الحال ما هو مؤكد لمعنى تقدم ، كما في قوله تعالى : (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ، ومنه ما هو مؤسس لمعنى جديد ، كالحال فِي قَوْلِ الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ، فـ : "بالحق" حال مؤسسة ، فخلق السماوات والأرض خلق محكم بكلمات حق من حق قد خرجت ، فهي حق كالوحي الذي مِنَ الرَّبِّ ، جَلَّ وَعَلَا ، قَدْ بَدَا ، فالحق تَنْقَسِمُ مَوَارِدُهُ ، فَمِنْهُ حَقُّ التَّكْوِين ، كما في خلق الكون المحكم أَجْرَامًا وأعيانا وأحوالا ، فخلق الله ، جل وعلا ، السماوات والأرض ، فدلالة : "أل" ، دلالة عُمُومٍ يَسْتَغْرِقُ ، فخلق ، جل وعلا ، السماوات فَبَعْضُهَا يَعْلُو بَعْضًا ، وهي اسم جنس لما علا ، فَيَعُمُّ السماوات المخلوقة جميعا فكل ما علا من الجهات المخلوقة فهو سماء ، فَيَعُمُّ السماوات السبع ، ويعم الكرسي فهو يَعْلُوهَا ، ويعم العرش فَهُوَ سَقْفُ المخلوقات جميعا ، فحد الفعل على جهة الماضوية ، فَقُدِّرَت فِي الأزل بعلم أول محيط ، وأوجدها ، جل وعلا ، بدعا لا على مثال سابق في عالم الشهادة ، فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فخلقها ، جل وعلا ، بالحق ، فَتِلْكَ حال إثبات ، تُكَافِئُ حال النفي في قول الرب جل وعلا : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) ، فَثَمَّ طباق سلب بَيْنَ النَّفْيِ ، فَنُفِيَ وصف النقص تخلية لِلْمَحل ، ثم جاء الإثبات ، فـ : (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، وحسن في بَيَانِ هذه الآية الكونية الآفاقية ، وهي محل إعجاز لا يخفى ، فخلقها معجز محكم ، فخلقت لا على مثال سابق ، وَأُتْقِنَ صنعها ، فَالرَّبُّ ، جل وعلا ، قد بَنَاهَا ، البناء المحكم ، فأقسم بها عَيْنًا ، وأقسم بِبُنْيَانِهَا وصفا ، فـ : (السَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) ، فَهُوَ بُنْيَانٌ محكم ، فحسن في هذا السياق إسناد الفعل إلى ضَمِيرِ الجماعة مئنة من التعظيم فذلك من خلق رَبِّنَا ، جل وعلا ، المعجز ، فجاء النفي لوصف النقص ، وَأُرْدِفَ بالإثبات لوصف الكمال ، فثم طباق إيجاب بَيْنَ اللعب المنفي والحق المثبت ، وجاء النفي في موضع آخر ، فـ : (مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) ، فجاء الإطناب في بَيَانِ المخلوق ، فخلق ، جل وعلا ، السقف والفرش ، وما بينهما من الأعيان سواء أكانت نوارنية أم نارية أم طينية ، والأحوال ، فخلق ، جل وعلا ، الأجرام والأعيان ، جميعا ، ما سكن وما تحرك ، ما حي وما مات ، والأحوال جميعا ، ما كان اختيارا من أفعال التكليف ، وما كان اضطرارا من أفعال التكوين ، فما خلقت لعبا ، فذلك مما تَنَزَّهَ عَنْهُ الرَّبُّ ، جَلَّ وَعَلَا ، ثم جاء الفرض العقلي المحض تَنَزُّلًا مع الخصم ، فـ : (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) ، وَجَاءَ الشَّطْرُ الثَّانِي من قسمة اللَّفْظِ على جهة الطباق ، كما تقدم ، فَلَعِبٌ يَنْتَفِي ، وحق يَثْبُتُ ، على جهة الإضراب انْتِقَالًا من معنى النفي ومعنى الفرض إلى معنى الإثبات فالباطل يُقْذَفُ بالحق ، فهو زاهق ، إذ لا يجتمعان ولا يرتفعان ، فـ : (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ، و : (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) ، فإذا جاء الحق زهق الباطل فَهُمَا يَتَدَافَعَانِ أبدا فَتَكُون الغلبة للباطل حينا به تمحص القلوب : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) ، وتكون للحق دوما ، فـ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، و : (لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) ، وبعد إثبات الخلق المعجز على حد الماضوية في قول رب البرية جل وعلا : (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ، جاء النص على الْعِلَّةِ : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ، فَذَيَّلَ بِهَا على جهة الفصل فلا وصل بعاطف ، إذ ثَمَّ شبه كمال اتصال بَيْنَ السبب والمسبَّبِ ، وَزِيدِ فِي تَقْرِيرِ المعنى ، بتقديم ما حقه التأخير ، فضلا عن الإشارة لِمَا انْقَضَى قَرِيبًا إِشَارَةَ الْبَعِيدِ : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ، فذلك مِمَّا وَرَدَ في اللِّسَانِ ، وَبِهِ يَكُونُ التَّنْوِيهُ بالمشار إليه فهو أمر جليل القدر بَعِيد الوصف ، وذلك ، من وجه آخر ، مما يحتمل الضد ، فقد تكون الإشارة بِالْبَعِيدِ تَعْظِيمًا ، كما في هذا الموضع ، وقد تكون على الضد فتجري مجرى التَّحْقِيرِ ، وقل مثله في إشارة القريب فهي ، أيضا ، مما تَنْقَسِمُ موارده في الخارج ، فمنه إشارة التكريم ، ومنه إشارة التَّنْقِيصِ ، فَنَوَّهَ بِتِلْكَ الآية الكونية الآفاقية ، بإشارة البعيد تعظيما ، وَزِدْ عَلَيْهِ دلالة اللام فهي اللام المزحلقة التي أُخِّرَت فِي اللَّفْظِ ، لئلا يجتمع مؤكدان لفظيان في صدر الكلام فذلك مما يقبح في لسان العرب فاجتماع لفظين لهما نَفْسُ المعنى في سياق واحد على وجه لا تحصل به فائدة ، كأن يتجاورا في موضع واحد ، فأحدهما ينوب عن الآخر ، فيحسن ، كما في هذا الموضع ، تأخير أحدهما فهو يَزِيدُ المعنى في محل تال ، فصدر بالمؤكد اللفظي في محل أول ، وأخر اللام فاتصلت بمحل تال ، وقد يَتَجَاوَرَا على جهة التوكيد اللفظي ، فَتِلْكَ فائدة تَزِيدُ ، فَيُكَرَّرُ اللفظ بعينه ، كما في قوله تعالى : (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) ، وقد يَتَعَاطَفَا على جهة الترادف ، وَلَوْ فِي أصل المعنى ، على قول من يَمْنَعُ التَّرَادُفَ الكامل ، فذلك إهدار لدلالات المباني إذ تَبَايُنُهَا في اللفظ مَئِنَّةٌ من تَبَايُنِهَا في المعنى ، ولو اشتركت في الأصل فلا بد من قدر فارق ، إذ الاختلاف في المبنى ، ولو حرفا ، مئنة من الاختلاف في المعنى بزيادة أو نقص ، كالقبص والقبض ، فالقبص قبض بِبَعْضِ الأصابع دون بعض فَلَمَّا زِيدَ الإعجام في الضاد أفاد معنى زائدا وهو القبض بجميع الأصابع .


والشاهد أن اجتماع لفظين لهما نفس المعنى في موضع واحد مما يَمْتَنِعُ في لسان العرب فهو تِكْرَارٌ بلا فائدة ، وذلك حشو تَنَزَّهَ عنه لسان العرب الفصيح في ألفاظه ، الْبَلِيغُ في أداء مَعَانِيهِ ، ولذلك امتنع تخريج : "كي" في قولك : جئت لكي أتعلم ، امتنع تخريجها على جهة التعليل إذا اتصلت بها اللام فهي مئنة من التعليل ، فلا تجتمع أداتان لهما نفس العمل في موضع واحد ، فتكون اللام تعليلية ، وتكون "كي" : مصدرية ، فتقدير الكلام : جئت للتعلم ، فـ : "كي" وما بعدها في تأويل مصدر دخلت عليه اللام مئنة من التعليل ، كما تقدم ، فأخرت اللام المؤكِّدَة ، وهو محل الشاهد ، وَزِد على ذلك تنكير الآية ، فذلك مئنة من التعظيم فهي آية معجزة ، كما تقدم ، واختصاصها بالمؤمنين في الذكر ، لا يَنْفِي عمومها لجميع المكلفين ، فذلك يجري مجرى التنويه بالمؤمنين إذ ذكروا ، وَتَعْرِيضًا بِغَيْرِهم إذ حذفوا ، فالمنطوق يُنَوِّهُ بالمؤمن إذ انتفع بهذه الآية فنظر فيها وتدبر فأورثه ذلك تصورا صحيحا في الباطن فلازمه في الباطن الخضوع التام ، فصاحبه قد استسلم وأسلم فأخلص العقد الباطن توحيدا وأخلص الإرادة ، وأتى بما لا يكون إيمان ينفع إلا به ، من الرجاء رغبة ، والخشية رهبة ، فصاحبها ، كما تقدم مرارا ، قد تَدَبَّرَ وصف الجلال فأورثه الخشية ولازمها التقوى بالكف عما يسخط ربنا ، جل وعلا ، من المقالات المحدثة في العقد ، بالزيادة أو النقص ، ومن الأحكام المبدلة في الشرع ، فصاحبها يضاهي الرب ، جل وعلا ، في وصف من أخص أوصافه ، وهو وصف التشريع ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، يندرج في ربوبية التدبير ، فمنه تدبير لأمر الأبدان بكلمات التكوين إيجادا وإعداما ، ومنه تدبير لأمر الأديان بكلمات التشريع إيجابا وتحريما ، فالكلمات تعم ، كما تقدم مرارا ، الكوني النافذ والشرعي الحاكم ، وتدبر وصف الجمال ، في المقابل ، ولازمه الجزم في إرادة الباطن فعلا لما يرضي ربنا ، جل وعلا ، فتأويله ما يكون في الخارج من القول والعمل الظاهر فذلك ، كما تقدم مرارا ، مئنة من كمال الانقياد في القول والعمل ، ما خص وما عم ، فصاحبه يحكم بالوحي في جميع شأنه فهو على جادة النُّبُوَّةِ ، جادة : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فدل اللفظ ، وهو محل الشاهد ، على المؤمن فذلك المنطوق في سياق المدح والثناء إذ تدبر أهل الإيمان في هذه الآية ، فهي من دلائل الحق على وجود الحق ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وعلى كمال ربوبيته خلقا معجزا ، فهو مئنة من اختراع لا على مثال سابق ، فذلك البدع الذي بدعه الرب ، جل وعلا ، فَبِهِ يكون الإعجاز لما سواه من آلهة يَزْعُم أصحابها أنها تَتَصَرَّفُ في الكون خلقا وَتَدْبِيرًا ، فهي تضر وَتَنْفَعُ ! ، وذلك ما نفاه الوحي فجاء الأمر على جهة التعجيز والتحدي في الخلق ، فـ : (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) ، وفي التدبير بكشف الضر : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) ، وكمال ربوبيته ، جل وعلا ، عناية ، فالسماوات والأرض معدن رحمات تترى ، فنزلت رحمات الشرع من كلمات الوحي من السماء ، فـ : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) ، وَنَزَلَت رحمات القطر من المزن فهي مما تحويه السماء وتحيطه ، وخرج من الأرض الزرع والنبت وما ركز فيها من ماء ومعدن ، فمن تدبر من أهل الإيمان هذه الآية المعجزة ، خلقا وتدبيرا ، فخلق ، جل وعلا ، السماء والأرض وما بَيْنَهُمَا جميعا بحق محكم ، فَكَلِمُ التكوين حق ، وكلم التدبير للأديان أمرا ونهيا ، والأبدان رزقا ، كل أولئك حق ، فدلالة الحال ، كما تقدم ، مؤسسة ، فَهِيَ تَنْفِي الاحتمال لما قَدْ يُتَوَهَّمُ ، فَلَازِمُهَا نفي الباطل ، وهو ما جاء النص عليه صراحة في موضع آخر ، فـ : (مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) ، فذلك آكد في تقرير المعنى ، إذ نص على الحق ، ودلالة المنطوق المثبت تدل على المفهوم المنفي لزوما فالخلق بالحق يلزم منه نفي الخلق بالباطل ، ومع ذلك جاء بالنص الصريح ، كما تقدم ، فذلك آكد في تقرير المعنى ونفي ما قد يتوهم من باطل لا يليق ، بداهة ، بجلال ربنا المعظَّمِ ، تبارك وتعالى ، فهو الحق ، وخلقه الحق ، وأمره الحق ، فـ : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) ، فهو الحق في قدره الكوني النافذ ، وهو الحق في قدره الشرعي الحاكم ، فَمَنْ تَدَبَّرَ من أهل الإيمان هذه الآية المعجزة في الخلق تقديرا ، والخلق إيجادا ، ثم الإعدام بِالزَّلْزَلَةِ ، فـ : (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) ، والانشقاق ، فـ : (إِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) ، أورثه ذلك يقينا جازما ، فهو يزداد إيمانا على إيمانه إذ تدبر ونظر في خلق السماوات والأرض ، فـ : (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) ، فلما حصل له اليقين الجازم في باب العلم والتصور ، حصل له اللازم في الخارج من الانقياد التام في القول والعمل ، فَنَوَّهَ بهم ثَنَاءً ، ولا يخلو السياق من تعريض بأضدادهم من الكافرين ، فاللفظ يخصهم من وجه ، وإن عم غيرهم ، من وجه آخر ، فيخصهم مدحا وَثَنَاءً ، ولا يلزم من ذلك تخصيصهم به وإلا بطلت دلالة التكليف لغيرهم إذ هي آية لهم وحدهم ! ، وذلك بداهة لا يكون ، إذ التكليف بالنظر والتدبر في آي الكون ، والتصديق والامتثال لآي الشرع ، كل أولئك مما يعم المؤمنين وغيرهم ، فدل على المؤمن منطوقا ، ودل على غيره بما تَقَرَّرَ من عموم التكليف بالإيمان وما يَلْزَمُ له من التدبر والنظر في آي ربنا الرحمن ، جل وعلا ، فـ : (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وما يلزم منه من الخضوع الباطن توحيدا في العقد ، في الذات والاسم والوصف والفعل ، فذلك توحيد القول العلمي الباطن ، فهو توحيد الخبر ، وتوحيدا في عمل القلب ، فهو ، أيضا ، من أمارات الخضوع الباطن ، بل ومن آكد آيه ودلائله ، فهو لازم الإقرار بالتوحيد في الاسم والوصف والفعل ، فيخلص القلب إراداته لمن أخلص له العقد فأثبت له الانفراد بالوصف الكامل والفعل القاهر ، ويخلص عبادات الباطن ، رجاء وخشية ، رغبا ورهبا .... إلخ من أعمال الباطن ، فلازم النظر في آي الكون المعجز ، ما تقدم من الخضوع الباطن ، قولا وعملا باطنا ، وما يَلْزَمُ منه من الانقياد الظاهر في قول اللِّسَانِ وعمل الأركان فكل أولئك مِمَّا يصدق ما يقوم بالجنان من عقد التوحيد وعمل الخشية والرجاء ........ إلخ ، وذلك القول الظاهر ، مِمَّا تَنْقَسِمُ موارده في الخارج ، فمنه قول الشهادة فهو أصل ، وقول الذكر والتلاوة ، فمنه ما يجب كقراءة الصلاة فهي ركن بالإجماع ، وتسبيحها فهو واجب على قول ، مستحب على آخر ، والراجح إيجابه فَتِلْكَ الدلالة الرَّئِيسَةُ للأمر في نص الشرع ، فـ : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) ، و : "لَمَّا نَزَلَتْ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» ، فَلَمَّا نَزَلَتْ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»" ، على كلام في إسناده ، فذلك جعل تشريع حد على جهة الأمر ، ومنه ما يستحب كنافلة القراءة مما زاد على القراءة الواجبة في الصلاة ، وما زاد عليها خارج الصلاة فضلا عن نافلة الذكر فيها وخارجَها أيضا ، وقل مثله في العمل الظاهر فهو مما تنقسم موارده ، فمنه واجب ومنه مندوب ، ومنه فعل وجودي ومنه ترك عدمي ، ومنه ما خص الفرد من الشعائر والعبادات ومنه ما عم الجماعة من الشرائع والسياسات ، فالإيمان ، كما تقدم مرارا ، يعم الباطن والظاهر جميعا ، فيستغرق موارد التكليف الباطن ، تصورا وإرادة ، وموارد التكليف الظاهر قولا وعملا ، فعلا وتركا ، عبادة وشريعة ، سياسة وحكما ، رياضة وزهدا ، فالإيمان قول وعمل ، فَتِلْكَ قِسْمَةٌ ثُنَائِيَّةٌ ، فقول تنقسم موارده ، فمنه قول الباطن توحيدا ، وقول الظاهر شهادة واجبة وذكرا منه ، كما تقدم ، الواجب ومنه المندوب ، وعمل منه عمل الباطن خشية ورجاء ، فهو مناط الجلال رهبة يخلى بها المحل من وصف النقص وفعل القبح الذي يسخط الجبار تبارك وتعالى ، ومناط الجمال رغبة يحلى بها المحل بوصف الكمال وفعل الحسن الذي يُرْضِي ربنا تَبَارَك وَتَعَالى ، وعمل الظاهر من ذكر اللسان وحركة الأركان فعلا وتركا ، وهو ، من وجه آخر ، اعتقاد وقول وعمل ، فتلك قسمة ثلاثية تستغرق ، أيضا ، جميع المحال التكليفية الاختيارية ، فاعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان .



والله أعلى وأعلم .