المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ترجمة لعالم العروض والعربية



باحث لغوي
15-08-2005, 03:33 PM
:::


تمهيد:

ارتبطت شهرة الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي العماني بعلم العروض، حتى إنَّ المرء عندما يذكر الشعر العربي - وهو ديوان العرب - لا بدَّ أن يتوارد إلى ذهنه هذا العبقري الفذ، الذي حيَّر من عاصره ومن جاء بعده، ولكنَّ الذي يعرفه القلَّة القليلة عن هذا العالم الجليل هو أنـَّه كانت على يده بداية علمية لا تقل أهمية عن علم العروض.

فهو أوَّل من ابتكر التأليف المعجمي، وكانت له مدرسة فيه خاصَّة[1] وهو مخترع علم النحو الذي لقّنه لتلميذه سيبويه، وهو مخترع علم الموسيقى المعرفية التي جمع فيها أصناف النَّظم، وهو الذي وضع تشكيل الحروف العربية، وقد كانت من قبله لا تشكيل واضح لها؛ فسهَّل بذلك تلاوة القرآن، فنال بذلك أجرا عظيما، حتى قيل إنَّ عصره لم يعرف أذكى منه، وأعلم وأعفَّ وأزهد.

والحقُّ إنَّ هذا العالم الذي بهر معاصريه بأخلاقه وزهده وورعه إلى جانب ذكائه وعبقريته، لم يجد العناية التي يستحقُّها من الكُتَّاب والمؤرِّخين، بل وجد منهم الإهمال والتغافل كما سنوضِّح ذلك. وإلى هذه الإشكالية يشير أحد الدارسين المتخصصين قائلا:

«ومن العجب أنَّ الخليل لم يعرف على حقيقته في مختلف العصور، على الرغم من أنَّ معاصريه ومن خلفهم قد أفادوا من عمله الشيء الكثير».[2]

ولعلَّ هذا يعود إلى أنَّ عبقرية الخليل لم تدرك بأتم معنى الكلمة إلاَّ في عصرنا هذا الذي عرف المخابر الصوتية، والحاسوب الآلي، كما عرف محاولات تطوير الإيقاع الموسيقي فيما يطلق عليه الشعر الحديث، فكلُّ تلك المحاولات رغم ادِّعائها التجديد لم تستطع الخروج عن الدوائر الخمس، التي استطاع أن يحصر في محيطها كلَّ بحور الشعر العربي المستعملة وما يمكن أيضا أن يستعمل.

إنـَّه مثل غيره من العمانيين الذين كتب الله عليهم أن ينشئوا ويتعلَّموا ويشتهروا في ديار الغربة بعيدا عن موطنهم الأصلي، وكأنَّ الأقدار كانت تهيِّئ هذا العالِم الجليل لأمر عظيم لا يكون في مستوى عُمَان وحدها، بل يتخطَّى ذلك كلَّه إلى أن يكون في مستوى الإنسانية قاطبة؛ لأنَّ في العلوم التي اخترعها أو ابتدعها ما يضفي عطاءه وخيره على الناس جميعاً، وليس على المسلمين أو العرب وحدهم.

وهو يعدُّ من هؤلاء الزمرة من مواطنيه الذين اشتهروا خارج وطنهم من أمثال جابر بن زيد، والربيع بن حبيب، والمبرد، وابن دريد وغيرهم.

ففي البصرة التي كان يطلق عليها "بصرة الأزد" نشأ وتربَّى وعاش، وليس لدينا من المعلومات ما يجعلنا نقف على تفاصيل نشأته هذه سوى ما تحكيه بعض المصادر عن ذكائه الخارق، وجرأته منذ نعومة أظفاره، فقد قيل إنَّ الفرزدق الشاعر المعروف كان مارًّا بإحدى طرق البصرة، وكان الصبية يلعبون بها، وما إن مرَّ بهم الفرزدق فوق بغلته حتى أخذوا يرمقونه بأعينهم، ويبدو أنَّ ذمامة خلقه استوقفت أنظارهم، فأراد أن يخوِّفهم فقال:

نظروا إليك بأعين محمرة

نظر التيوس إلى مُدى القصَّاب

وضغط على كلمة مدى، وكأنـَّه يريد بذلك ترويعهم، فتفرَّق الصبية مذعورين من حوله، إلاَّ صبيا واحدا وقف ينظر إليه في تحد قائلاً: «نظرنا إليك كما ينظر إلى القرد؛ لأنَّك مليح» وتضاحك الصبية، وخاف الفرزدق أن يصل خبر هذه الأحدوثة إلى أسماع جرير فيجعلها موضوعا لإحدى نقائضه، وفضّل الانصراف على الفضيحة.

هذا خبر تناقلته المصادر القديمة والمراجع الحديثة[3]، نستشهد به عادة عندما نتحدَّث عن ذكاء وعبقرية الخليل منذ صباه، وهي مفتاح هذه الشخصية العظيمة التي دلَّ ما تركته من علم وإبداع، وما اشتهر به من ورع وتقوى وانقطاع إلى العلم، على أنـَّنا أمام عبقرية نادرة، كما سنرى، ويكفي أن نورد ما قاله فيه المحدِّث المشهور سفيان بن عيينة: «من أراد أن ينظر إلى رجل من ذهب ومسك فلينظر إلى الخليل»[4]

ونودُّ قبل أن تسترسل مع هذه الشهادات العلمية المشرِّفة أن نبدأ مع الخليل بن أحمد الفراهيدي منذ البداية.

وأوَّل سؤال يتبادر إلى أذهاننا هو: من هو الخليل بن أحمد؟

إنـَّه مـمَّا يدعو إلى الأسف أنَّ كثيرا من جوانب شخصية هذا العبقري ظلَّت مجهولة، فلا نكاد نعرف عنه إلاَّ جانبا من حياته العقلية وإبداعه الفكريِّ، ولم تكتب المصادر القديمة عن هذا الجانب - بطبيعة الحال - إلاَّ يوم أن صار أستاذا من أساتذة البصرة المرموقين، وشيخا من شيوخ العلم، تجاوزت سمعتُه حدود العراق إلى خراسان، وغيرها من الأمصار الإسلامية.

وعن هذه الشهرة يقول أبو محمد التوجي: «اجتمعت بمكَّة أدباء كلِّ أفق فتذاكرنا أمر العلماء، فجعل أهل كلِّ بلد يرفعون علماءهم ويصنِّفونهم ويقدمونهم، حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلاَّ قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرفها»[5]

أقول على الرغم من هذه الشهرة الذائعة الصيت، وهذه المكانة التي اعترف بها القاصي والداني، فإنَّ تلك المصادر لم تسعفنا بشيء ذي بال عن نشأته وحياته بكلِّ التفاصيل المنتظرة، والتحاليل المتوقَّعة.

ولا نكاد نعرف عن نشأته إلاَّ أنـَّه ولد سنة مائة للهجرة على الأرجح، وتوفي سنة سبعين ومائة، أو خمس وسبعين ومائة، وإلاَّ أخبارا متفرِّقة هنا وهناك، يجمعها الدارس بعد عناء، ويصل بين أطرافها بعد تأمُّل.

وأكبر الظنِّ أنَّ هناك عوامل تظافرت فحدَّت من أن يتحدَّث الناس عن الخليل أو يكتبوا عنه، ويهتمُّوا بدقائق حياته، ومن أهم هذه العوامل:

- ما يتـَّصل بسياسة الحكم آنئذ، ومنها ما يتَّصل بالمجتمع: ففي المصادر القديمة نجد بعض الكتَّاب يتحدثون عن أنَّ الخليل «نشأ خارجيا صفريا أو إباضيا»[6]. والمعروف أنَّ الخوارج يومئذ كانوا من العناصر المناوئة للسياسة الأموية الجائرة، وقد اضطهدهم الحكَّام وتجنَّبهم الناس المناوؤون لهم: وأصبح التحدُّث عن المعارضين للحكم أمرا محظوراً، بل إنَّ الذين كانوا يكتبون كانوا في الأغلب الأعمِّ من التيار الممالئ للسلطة الأموية.

- ومن العوامل ما يتصل بالجانب الاجتماعي: فقد تعوَّد الناس أن يهتمُّوا بالأشخاص لمراكزهم الاجتماعية، مثل الجاه والنفوذ والمال، أي بما لهم فيه مصلحة، والخليل بما نشأ عليه من ورع، وزهد، وتقوى، وتعفُّف، كان أبعد الناس عن المظاهر البرَّاقة، مشتغلاً عن كلِّ ذلك بالعلم وحده، حتى صار مضرب المثل في طلب العلم والانقطاع له، وقد وصل تلامذته إلى هذه الشهرة؛ لأنـَّهم سلكوا إليها السبيل الدنيوي، وذلك ما عبَّر عنه تلميذه وصاحبه النظر بن شميل حيث يقول: «أكلت الدنيا بعلم الخليل وهو في خصٍّ لا يشعر به، وأقام بالبصرة لا يقدر على فلسين، وعلمه قد انتشر وكسب به أصحابه الأموال»[7].

ولذا لم يهتمَّ بالاتصال به إلاَّ هؤلاء الذين وجدوا ضالَّتهم في العلم عنده، وهم خلاصة الجيل، ولم يتردَّد عليه هؤلاء إلاَّ بعد أن انحدر إلى الشيخوخة، وأصبح علَما من أعلام الفكر مشهورا، وعن هؤلاء وصل إلينا من أعماله العلمية من عروض ولغة ونحو، ومن أخبار متفرقة تتصل بزهده وتواضعه وذكائه وحبه للعلم والعلماء.[8]

- ومن العوامل أيضا زهد الخليل في التحدُّث عن نفسه إلاَّ قليلا جدًّا، وهو حتى عندما يتحدَّث عن شيء يتعلَّق به لا ينسبه إلى نفسه، وإنما يشير إليه إشارة، كما نلحظ ذلك عندما يتحدَّث عن قصَّته مع الفرزدق في صباه. وسكوته عن نفسه مظهر من مظاهر زهده ولون من التواضع الذي يلازم العلماء الأصلاء، وقد كان زاهداً متواضعاً لم يداخله الزهو ولم تبهره المنـزلة العلمية التي صار مرموقا من أجلها، وبقي بعيدا عن المجتمعات الصاخبة لا يجاوز همُّه باب خُصِّه كما كان يقول، وهو إن غادره فإلى رحلة في طلب العلم أو للحجِّ.

وكان من زهده في دنيا المادة أن ابتعد عن التزلُّف لرجال الحكم، فلم يقف عند أبوابهم متملِّقاً يرجو عطاءهم، أو مادحا يتطلَّع إلى نوالهم، وكثيراً ما ردَّ بإباء ما كانوا يعرضونه عليه من عروض مغرية. ويحكى أنَّ سليمان بن علي والي المنصور العباسي على الأهواز طلب منه أن يتولَّى تعليم أولاده، وبعث إليه هدايا بها إغراءه، فما كان منه إلاَّ أن أخرج لرسول الوالي كسرة خبز يابسة قائلاً: «ما دامت هذه عندي فلا حاجة لي إلى الوالي سليمان، أبلغه عني ذلك», ولم يتهاو أمام إلحاح ابنه عبد الرحمن الذي رآها فرصة للخروج من ضيق الأخصاص إلى دنيا القصور، بل إنَّ الخليل حمَّل ذلك الرسول أبياتا تعبِّر بصدق عن هذه الخلة العظيمة التي تميز بها واشتهر:

قال الخليل:[9]

أبلغ سليمان أني عنه في سعة

وفي غنى غير أني لست ذا مال

سخيٌّ بنفسي أني لا أرى أحدا

يموت هزلا ولا يبقى على حال

الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه

ولا يزيدك فيه حول محتال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه

ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

وكان سليمان هذا قد رتَّب له راتبا فقطعه عنه انتقاما لموقف الخليل منه، فما ازداد الخليل إلاَّ إيمانا وقناعة قائلا:

إنَّ الذي شق فمي، ضامن

لي الرزق حتى يتوفاني

حرمتني مالا قليلا فما

زادك في مالك حرماني

فبلغت سليمان هذه الأبيات فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل معتذراً، وضاعف جائزته له، فقال الخليل:

وزلة يُكثر الشيطانُ إن ذكرت

منها التعجبَ جاءت من سليمانا

لا تعجبن لخير زل عن يده

فالكوكب النحس يسقي الأرض أحياناً[10]

والمرء بقدر إعجابه بموقف الخليل وتقواه وثباته لا يخفي إعجابه من صمود الخليل، وعكوفه على العلم وحده، وحسد معاصريه وتعمُّدهم إنكاره، ولعلَّ موقفه هذا وشخصيته هذه كانت سببا مباشرا في ألاَّ يجد الخليل من عناية الكتَّاب ما وجده تلامذته ومعاصروه من اهتمام وعناية.

ومن العوامل التي جنت على الخليل حسدُ اللغويين الذين جاءوا من بعده حين أنكروا عمله المعجمي العظيم: (كتاب العين)، فكان منهم المنكِر بأن يكون العين من عمل الخليل البتَّة، ومنهم الذي جعله مناصفة بينه وبين تلميذه الليث بن المظفر، ومنهم من ازدراه واستصغره، مما سنراه حين التحدُّث عن هذا العمل المعجمي الضخم، وقد تفطَّنت بعض الدراسات الحديثة، بل وبعض الدراسات القديمة، إلى هذا التحامل على الخليل فأثبتت بالحجج القاطعة نسبة العين إلى الخليل، وبيَّنت جدارة الخليل بهذا العمل واستحقاقه له، وأوضحت كيف كان الحسد وحده هو الدافع لبعض اللغويين مثل الأزهري، ومن لفَّ لفَّه ليستنقص من إبداع الخليل، على الرغم من أنهم أخذوا عنه واقتبسوا نهجه، وقلَّدوه في طريقته.[11]


حياته وثقافته:
هناك اتفاق على أنَّ اسمه هو الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، وكنيته: أبو عبد الرحمن، والفراهيدي أو الفرهودي نسبة إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك ابن مضر الأزدي العماني، ولا نجد خلافا بين المؤرِّخين في نسبته إلى عمان إلاَّ ما ذهب إليه صاحب كتاب روضات الجنان بأنـَّه الخليل ابن إبراهيم بن أحمد، وأغرب ما قاله: إنـَّه من أبناء ملوك العجم الذين انتقلوا بأمر "أنوشروان" إلى حدود اليمن؛ وهي نظرة شعوبية لا تخفى، ولا يلتفت إلى هذا الزعم، بعد أن أكَّد الخليل نفسه عن نسبه.

وقد اختلف في مكان ولادته، أهي بالبصرة؟ أم بعمان؟ على أنَّ هناك اتفاقا على وفاته بالبصرة سنة (175هـ)، والذي نذهب إليه بعد تقصِّي ما وصلنا إليه من مصادر ومراجع حول الخليل أنـَّه ولد في عُمان، وذلك ما تذهب إليه المصادر العمانية من أنـَّه من أهل ودام من الباطنة، وخرج من البصرة صغيرا مع والديه فأقام بها ونسب إليها.

ويؤيِّد هذا ما ذهب إليه صاحب نور القبس حيث يقول: «كان من أهل عُمان من قرية من قراها، وهو عربيٌّ صليبة، وأزدي من حي يقال له الفراهيد، وكانت الخارجية رأي قومه، وقد انتقل مع أهله صغيراً، وسكن في ظاهر البصرة، شبَّ وهو خارجيٌّ: إباضيٌّ أو صفريٌّ...» إلى آخر ما قاله.. و الذي يعنينا هنا هو التحقُّق من ولادته بعمان، ثم انتقاله إلى البصرة، حيث شبَّ وترعرع وتعلَّم إلى أن مات، ومن المؤكَّد أنَّ جماعات كثيرة من قبائل الأزد خرجوا إلى البصرة واستوطنوا فيها بعد أن خصَّص لهم عمر رضي الله عنه حيًّا خاصًّا بهم، وقد شاركوا في الفتوحات الإسلامية، ثم كان فيهم بعد ذلك علماء أجلاَّء ومحدِّثون مشهورون, وأدباء مرموقون، وكان من هذه القبائل جماعة من الجهضم الذين نسبت إليهم محلَّة الجهامضة وجماعة بني حراص بن شمس، وجماعة من المعاول، وجماعة من بني هناه، وجماعة من اليحمد»[12].

والواقع أنَّ قبيلة الأزد التي تنتمي إليها قبيلة الفراهيد كانت قد سيطرت منذ زمن بعيد في البصرة، وكانوا قد قدِموا إليها من عسير عُمان، فطبعوا البصرة بطابعهم حتى قيل "بصرة الأزد" تعبيرا عن انتشارهم بها، وغلبتهم عليها، وتأثيرهم في حياتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ولا بدَّ أن يكون لوجود أقارب الخليل الذين كانوا من جماعة الفراهيد محفِّزا ليهاجر مع أبيه مع من هاجر إليها من أقاربه، ونحن للأسف الشديد لا نعرف شيئا ذا بال عن والده، وعن الأسباب التي دفعته إلى الهجرة، إلاَّ ما وصلنا عن سكناه في حيٍّ من البصرة يسمى الـخُريبة، وعن بستان حصل عليه أبوه، ثم ورثه عنه فيما بعد ابنه الخليل»[13].

ولعـلَّ الظروف السياسيـة والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها عُمان في هذه الفترة كانت من أسباب الهجرة، وأنَّ هذه الأسباب دفعت العمانيين إلى الإقامة بالبصرة واتخاذها وطنا لهم، حتى اشتهر من علماء الأزد بها المئات من رواة الحديث والأدباء واللغويين والقواد والسياسيين. وهذا أمر مشهور معروف.

وتشير بعض المصادر إلى أنـَّه كان من معاصري الخليل المحدُّث الشهير: الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، صاحب كتاب الجامع الصحيح الذائع الصيت، ويذهب أحد الدَّارسين المعاصرين إلى أنـَّه ابن عمِّ الخليل مباشرة، مستندا في زعمه على النسب، فالحبيب وأحمد أخوان كما يقول؛ فالعالِمان هما الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، والمحدِّث هو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، ولا ندري مبلغ حجَّة هذا الزعم، ولم نعرفه لغيره، والذي يشكِّك في هذا الزعم أننا لم نعثر قطُّ - وهو ما يؤكِّده صاحب هذا الرأي أيضا - على أخبار تتحدَّث عن لقاء جرى بين الرجلين العالمين الذائعي الصيت؛ إذ لو كانت بينهما عمومة لالتقيا، ولو اختلفا منهجا وفكرا - كما يدَّعي صاحب هذه الدراسة.[14]

حياته العلمية:

وعندما نتحدَّث عن العوامل التي كوَّنت هذه العبقرية، تجيء بيئة البصرة في مقدِّمتها؛ ونعني ببيئة البصرة كلَّ الجوانب المكوِّنة لها: الثقافية، والاجتماعية، والطبيعية أيضا. وسنرى كيف كان لهذه الجوانب كلِّها تأثير مباشر في توجُّه الخليل نحو الإبداع في المجالات التي عُرف بها، وعلى رأسها الإبداع في المجال اللغوي والعروضي.

يقرِّر بعض الدارسين أنَّ الخليل أدركته طفولته بأحضان مدينة البصرة، ولعلَّه لم يتجاوز السادسة من عمره، كما تدلُّ على ذلك حكايته مع الفرزدق، حيث كان صبيا يلهو مع صبية البصرة في شوارعها.

ويفترض أنـَّه كان يعيش بمحلَّة الأزد عشيرته، وهي محلَّة مشهورة معروفة في المصادر الأدبية واللغوية والتاريخية، وموقعها من الشمال الغربيِّ من المدينة، إلاَّ أنـَّه قد مرَّ بنا أنـَّه كان يعيش من بستان خلَّفه أبوه في الخـُريبة، وكان لبني بكر وأهل العالية، ولبني تميم دساكر في الخريبة، ومن هنا نستخلص أنَّ الخريبة كانت منطقة بساتين وليس من المحتَّم أن يعيش فيها أصحابها، فإنـَّنا نرى هذا كثيرا في المناطق المعروفة ببساتينها، فقد يملك أو يؤجّر أحدٌ بستانا قد يكون بعيدا أو قريبا من محلِّ سكناه، وليس من الضروري أن يكون ساكنا فيه.

وكان الخليل - كما تدلُّ على ذلك أخباره - كثيرَ التردُّد على باب المربد، الذي يخرج منه إلى المربد. ويعتبر المربد مدرسة ثانية للبصريين إلى جانب الجامع والمساجد، وكان للبصرة ستة أبواب، وكانت مدينة محصَّنة؛ لأنـَّها دار هجرة تأوي الجنود الذين ينطلقون إلى الفتوحات، وقد اختطَّت حيث تنتهي عند رمال الصحراء، وفي الأرض الغنية السوداء التي تروى بالمياه الصادرة مما يكوِّنه اتحاد الفرات بنهر دجلة، وهذا ساعَدَها على أن تكون مدينة خصبٍ ورخاء وازدهار اقتصاديٍّ وتجاريٍّ وزراعيٍّ سريع، وهذا يعود ولا شك إلى طبيعة موقعها لكونها مدينة بحرية نهرية صحراوية في آن واحد، وهكذا التفَّت بها حضارة الصحراء العربية الناشئة بنمط الحياة البحرية والزراعية، وتولَّد عن هذا المزيج مزيجٌ آخر في مجتمعها المتكوِّن من العرب والأعاجم، بل من الأعراب والمتحضِّرين، وأفرز هذا التنوع مدرسة حضارية، شكَّلت الحضارة البصرية المعروفة بطابعها المتميز في كلِّ ميادين الحياة.

كانت التجارة البحرية والنهرية مزدهرة جدًّا في البصرة، وقد بلغت هذه المدينة المرتبة الثانية في الأهمية بعد بغداد، وصارت مقصد القوافل الواردة من كلِّ حدب وصوب، ومحطَّ رِحال الشرق والغرب، وحريٌّ لها أن تلقَّب بـ: قبة الإسلام، كما سماها بذلك مخطُّطها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقد عمِّرت البصرة بالأسواق الممتلئة بسلع الشرق الغنية، ونما فيها سوق المربد الذي كان في الأصل سوقا للإبل، ثم تحوَّل مع الزمن إلى سوق عظيمة للفكر والأدب، تُتخذ فيها المجالس، ويخرج إليها الناس كلَّ يوم، وتتعدَّد فيها الحلقات، ويتوسَّطها الشعراء والرجَّاز، يكفي أن تكون منطلق شعر النقائض ذي الشهرة الواسعة، ويقال إنَّ المربد صار أكبر أسواق العالم آنئذ، وهو الذي ورث سوق عكاظ في الجاهلية، فصار يعرف بـ"عكاظ الإسلام". وهكذا صارت البصرة منذ صدر الإسلام مقراًّ للعلماء والحفَّاظ والقرَّاء، ولم ينبغ شاعر أو أديب أو كاتب ولا برز عالم بارع إلاَّ وقصد البصرة مفيدا أو مستفيداً.

كانت البصرة تعجُّ في هذه الآونة من بداية القرن الثاني الهجري بمراكز العلم والمعرفة، وكان بها مركزان هامان هما: المساجد، وسوق المربد. وعَرفت لمركزيها هذين إقبالا من الفقهاء والمحدِّثين واللغوِّيين والمتكلِّمين والشعراء، وهكذا راح الخليل يختلف إلى هذه الحلقات، يدفعه إلى ذلك حبُّ العلم وتردِفه مواهبه... ذكاء خارق، وحافظة فيَّاضة، واستقامة مشهودة. وكان من أبرز أساتذته في هذه الحلقات عالمان مشهوران هما: عيسى بن عمرو الثقفي، وأبو عمرو بن العلاء.

ولعلَّ اللغة العربية جمعا وتأليفاً وضبطا استقطبت اهتماماته لعوامل اجتماعية وثقافية منها: ما أخذ يشيع من لحن في اللغة؛ لكثرة الدخيل الأجنبي الوافد مع الأعاجم وغيرهم، الذين أخذوا يدخلون الإسلام ويمتزجون بالشعوب العربية بكلِّ ما يحملونه من تقاليد، وعادات، ولغات، وأفكار، والخليل لم بنظر إلى هذه الوفادة من جانبها السلبيِّ، بل نظر إليها من جانبها الإيجابيِّ أيضا، فاحتكَّ بهذه الشعوب، وتعلَّم منها، وأخذ من مناهجها وأفكارها.

وهكذا انكبَّ على علوم هذه الشعوب المستعربة مثل العلوم الرياضية والإيقاع، ولعلَّه قرأ مترجمات للمنطق اليونانيِّ بحكم العلاقة الحميمة التي كانت بينه وبين ابن المقفع الفارسيِّ، الذي قال عنه الخليل: «رأيت رجلا عقله أكبر من علمه» وهو يعبر بذلك عن هذا العقل الجبار الذي كان يهضم كلَّ الثقافات، ثم يضيف إليها من تفكيره وبُعد نظره، فخالف بذلك الكثير من معاصريه الذين يتلقَّون هذه العلوم بدون إضافة، وهكذا وفَّر له المناخ الثقافيُّ والاجتماعيُّ البصريُّ المجالَ لينمِّي مواهبه وعلومه.

فما هي المجالات التي برز فيها هذا العالم العبقري؟

الخليل متعلِّما:

نستطيع القول إنَّ الخليل بدأ تعلُّمه بالبصرة؛ ذلك أنَّ طفولته المبكِّرة في عُمان لم تسمح له بأكثر مما يتعلَّمه الطفل عن والديه من مبادئ التربية، والأخلاق والدين، وقد بدأ بالبصرة يختلف إلى الكُتَّاب صبيا، وبدت عليه علامات الذكاء والنجابة منذ صباه، وقد استدللنا على ذلك من تفوُّقه العلميِّ، ثم من خبره مع الفرزدق حسبما مرَّ بنا، فإنَّ جواب الخليل للفرزدق، رغم شهرته، ينمُّ عن ذكاء وسرعة بداهة، وجرأة في معالجة المواقف الحرجة، ومما لا شكَّ فيه أنَّ الخليل انفتح على بيئة البصرة التي بهرته بما تضجُّ به من مراكز العلم المسجدية منها، والمربدية، والبدوية، والحضرية.

وقد كان منظر الناس متحلِّقين في المساجد حول الشيخ يعلِّمهم وينوِّرهم من المناظر التي أثَّرت في نفس الخليل منذ صباه، وحرَّكت في أعماقه الرغبة في السير في هذا الطريق، وحرَّكت في أحنائه الحبَّ والميل إلى العلم والعلماء، وقد أثَّر في نفسه - كما تدل الأخبار - منظر الحسن البصريِّ، هذا العالم الورع الجليل، حين مرَّ بحلقته وهي مكتظَّة بالمتلقِّين، فعبَّر عن هذا الإعجاب بقوله: «لا إله إلاَّ الله، لقد كاد العلماء أن يكونوا أرباباً، كلُّ عزٍّ لم يوطد بعلم فإلى الذلِّ يؤول»[15].

ويفهم من هذا النص أنَّ الخليل أدرك بعقله النيِّر أبعاد هذه المنـزلة وهو دون العاشرة؛ لأنَّ الحسن البصري توفي سنة (110هـ)، والخليل كما هو الراجح ولد سنة (100 هـ).

ولعلَّ في هذه المقولة ما يشير إلى الطريق الذي اختاره منذ صباه؛ إذ لم تبهره الجوانب المادية من حياة الناس، ولا بهرج المال وزخارفه، فقد رأى العزَّ الحقيقي في العلم، الذي ينظر الكثير إليه باستخفاف وزراية.

وأخذ الخليل يختلف إلى حلقات العمل في مساجد البصرة، ولعلَّ بداية دراسته كانت على يد أيوب السختياني الذي تلقَّى عنه الحديث والفقه، وكان السختياني من مشاهير فقهاء ومحدِّثي البصرة، وهو الذي يقول عنه الحسن البصري: «أيوب سيِّد شباب أهل البصرة»؛ لِما كان يتَّصف به من ورع وصلاح وزهد وعبادة، وكان الخليل إذ ذاك حدثاً، وقد راقه ما كان يسمعه من شيخه هذا، فاستمع إليه طويلاً، وتأثَّر بنسكه وزهده، كما أعجب من قبلُ بالحسن البصري، وكان أيوب السختياني يقول: «تعلَّموا النحو فإنَّه جمال للوضيع، وتركه هجنة للشريف».[16]

وهكذا راح الخليل يتنقَّل بين حلقات اللغة العربية وعلومها وآدابها، وشدَّه منها حلقات النحو التي كانت آهلة بالطلاَّب، فكان الخليل كغيره من الطلاَّب يتنقَّل بينها، ولعلَّ النحو كان في هذه الآونة من العلوم المستحدثة التي استقطبت الأنظار، فهي مدار العلوم كلِّها، وآية ذلك ما شاع بعد ذلك من منافسة مدرسة البصرة النحوية, ومدرسة الكوفة، وكانت بيئة البصرة بتكوُّنها الديموغرافي تدفع إلى العناية بهذا العلم.

ولم يجلس الخليل إلى أستاذ واحد، وإنـَّما كان ينتقل من شيخ لآخر، ومن حلقة في المسجد إلى أخرى في المربد، ومن معلومة يتلقاها من شيخ إلى أخرى يدوِّنها من أعرابي في البادية... وهكذا، وقد كان يعبِّر عن وجوب الحرص في تلقي العلم بقوله: «لا يعلم الإنسان خطأ معلِّمه حتى يجالس غيره».

ومن شيوخه المشهورين الذين وجَّهوه هذه الوجهة اللغوية - فيما يبدو - عيسى بن عمرو الثقفي، المقرئ النحوي الذائع الصيت في علم القراءة، وكان الخليل به معجباً، طالما أشاد بعلمه, وبكتابه "الجامع والإكمال"، كما يبدو أنَّ تأثير هذا الإمام اللغوي تجلَّى في اصطناعه القياسَ أصلا من أصول النحو، فقد كان معروفا أنَّ عيسى بن عمرو كان ممن يصطنع القياس.

وممن اشتهر في عهده أبو عمرو ابن العلاء، وهو أحد القرَّاء السبعة، ومن أعلم الناس في عصره بالقرآن مع صدق وثقة وأمانة ودين، وكانت له حلقة شهيرة في المسجد الجامع بالبصرة، يجتمع إليه فيها رجال القراءة والأدب واللغة والنحو.

وكان أوَّل اتصال للخليل بهذا العالم الجليل يوم هبط البصرة وهو يعتزم مناظرته بعد أن سمع عنه رأيا لم يوافقه عليه؛ ولعلَّ حماس الشباب كان يحدو به إلى ذلك؛ ولكنـَّه عدل عن رأيه وظلَّ يستمع إليه، فسأله بعض أصحابه عمَّا ردَّه عن عزمه فقال: «هو رئيس منذ خمسين سنة، فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد»[17].

هذا الخلق الكريم هو الصاحب الذي التزم به الخليل فلازمه، حتى بات هو الطابع الغالب على سلوك الخليل في حياته كلِّها. هذا الشعور بالتواضع هو السرُّ الذي يقف وراء الاجتهاد، الذي لم ينقطع قطُّ عن الخليل في دنيا التحصيل، فقد ظلًَّ طول حياته متعلِّما، منقطعا إلى التعلُّم الانقطاع كلَّه، لم يشتغل بدنيا، ولم ينصرف عن الكتب إلى جاه أو منصب.

فالخليل كما يقول أحد الدارسين المعاصرين متعلِّم من النوع الذي لا يؤمن بانتهاء مدَّة العلم، كما أنـَّه من أوائل الذين ابتدعوا قضية تطوير التعليم.

ومن خلال تتبُّع أخباره وأقواله وأفعاله وسيرته، نجد المقولة الرائعة عن العلم: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلَّك، ثم أنت بإعطائه إياك بعضه مع إعطائك إياه كلَّك على خطر». وقد كنَّا نسمع أو نقرأ هذا القانون العلميَّ عن العلم والتعلُّم للغزاليِّ، ولكن الأجمل من هذا أن ينتسب إلى الخليل.

ويمكن القول إنَّ الخليل من أوائل من جمعوا العلم للحياة، أو العلم من أجل العلم لا من أجل الكسب والرياء وحبِّ الظهور، ولذا قيل عنه كان من المنقطعين للعلم.([18])

ولكن هل سلم الخليل من الناس وانتقاد ما توصل إليه من نظريات علمية باهرة؟

كان طبيعيا أن يقابَل مثل الخليل بالتنقيص والإساءة؛ لأنـَّه مبدع، وكلُّ مبدع مرفوض مخذول من الناس؛ لأنَّ من طبيعتهم الرضى بالمعتاد، والسير على المنوال، وتقليد السابق، وكلُّ من حاول الخروج عن الجماعة برأي جديد أو فكر وليد، اتهموه وفسَّقوه وبدَّعوه، والتراث مليء بأقاصيص التفسيق والتكفير لكلِّ من حاول التجديد في ميدان السياسة، أو الاجتماع، أو الفكر بصفة عامة، وفي أخبار الخليل ما يشير إلى معاناته من الناس الذين لم يتقبَّلوا إبداعاته في مجال اللغة والشعر، والنحو والإيقاع، ولم يُقبلوا على آرائه واختراعاته في تشكيل الحروف وضبط الكلمات، إلاَّ بعد دهر طويل من وفاته.

لقد تعوَّد الناس أن يشكِّلوا الكلمات بالنقط حسبما توصَّل إلى ذلك أبو الأسود الدؤلي، ولكنَّ الخليل وجد أنَّ هذه النقط كثيرا ما اختلطت بالنقط في الحروف المعجمة مثل: الياء والثاء والباء، وغيرها، فلا يميز بين نقط التشكيل ونقط التعجيم إلاَّ بالألوان: اللون الأسود للتعجيم، واللون الأحمر للتشكيل، وهكذا هداه تفكيره بعد طول تأمُّل إلى الرمز للحركات بعلامات أخرى تتميز في أشكالها عن النقط، فرمز إلى حركة الضم في الكلمة بواو صغيرة (و) مكوَّنة في أعلى الحرف، وللفتحة بألف صغيرة (ا)، وبالكسر ياء صغيرة (ي)، وقد رُفضت هذه الطريقة من معاصريه خوفا أن يتغير بذلك رسم القرآن، وظلَّ رفضهم هذا دهرا بعد وفاته، ثم تعوَّد عليه الناس وقبلوه وأقبلوا على استخدامه حتى يومنا هذا.

«وتوفي وفي بلاد الإسلام من لم يرض بها، وهم أهل الأندلس، تعصُّبا أو لغير ذلك، ثم أذعنوا لحسنها، بل أذعن أصحاب القراءات لها، فأدخلوا في القرآن ذلك بعد وفاة الخليل بدهر»[19].

إنَّ نزعة التأمُّل التي وُهبها الخليل ساعدته على تعمُّق عادات الناس وطبائعهم واختلاف أخلاقهم، ومكَّنه ذلك من معرفة الطرق السلوكية التي ينبغي أن تُستخدم معهم حتى تمكِّنه معاشرتهم من استجلاب رضاهم ودفع أذاهم.

كان يَنظر إلى الناس نظرا عميقا، ويجعل موقعه منهم تبعا لصنفهم، فالمعتدي عليه لا يمكن إلاَّ أن يكون واحدا من ثلاثة: أعلى منه مقاما، أو مساويا له في الرتبة، أو دونه. وكلٌّ من هؤلاء يستحقُّ أن يسكت عن هفواته، وقد لخـَّص هذه النظرية في هذه الأبيات الحكيمة:

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب

وإن كثرت منه عليَّ الجرائم

وما الناس إلاَّ واحد من ثلاثة:

شريف، ومشروف، ومثل مقاوم

فأمَّا الذي فوقي، فأعرف فضله

وأتبع فيه الحقَّ، والحقُّ لازم

وأمَّا الذي مثلي، فإن زلَّ أو هفا

تفضَّلت، إنَّ الفضل بالعزِّ حاكم

وأمَّا الذي دوني، فإن قال صنت عن

إجابته عرضي، وإن لام لائم[20]

إنَّ التعمق في الدين وفهم العلم كلاهما ساعد الخليل ليتحسَّس أبعاد النفس الانسانية، ففهم نفسه أوَّلا ليُفهم الناس بالتبع، فلم ير لنفسه صلاحا أقوم من أن يعامل الناس كلاًّ بما يستحقُّ، على أساس أن يغمط من حقِّ نفسه، ويتسامح في مرضاتها، ويكبت رغباتها، وكيف لا يحب شخص مثل الخليل التواضع وإِلاَنةَ الجانب، ويعرف فضل من يكبره، ويعفو عن زلة من يساويه، ويترفَّع عن لؤم من تدنى عنه، إنَّ سفيان بن عيينة لم يكن مغاليا حين قال: «من أحبَّ أن ينظر إلى رجل خُلق من ذهب ومسك فلينظر غلى الخليل ابن أحمد».[21]

وروى ابن خلِّكان أنَّ الخليل كان يقطّع بيتا من الشعر فدخل عليه ولده في تلك الحال، فخرج إلى الناس وقال: إنَّ أبي قد جنَّ، فدخل الناس عليه وهو يقطّع البيت فأخبروه بما قال ابنه فقال:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني

أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتني

وعلمتُ أنَّك جاهل فعذرتكا[22]

إنَّ التأمُّل والتفكير العميق سمة لا تفارق الخليل في كلِّ مواقفه عظُم شأنها أو صغر، لا يسارع إلى الجواب إلاَّ إذا قلب السؤال فأخرج احتمالاته وأبعاده، ذلك هو منهجه الفكري الذي يقوم على التوليد والتفريع والاستنباط والاستقراء، فعل من يبني أقواله على قواعد متينة من التفكير والتدبير.

يقال إنَّ سائلا قدم عليه وهو في حلقة من حلقاته العلمية، فوجَّه إليه سؤالا بدا لسامعيه سهلا بسيطا، فأطرق الخليل يفكِّر فأطال في ذلك تفكيره، حتى ملَّ السائل موقفه ذاك، فغادر حلقته مغاضبا، وتعجَّب تلامذته من عدم إجابة شيخهم ذاك السائل عن سؤال بدا لهم سهلا ميسوراً، فقال الخليل: ما الجواب عندكم؟ قالوا كذا‍، قال: فإنـَّه يضيف أمرا جديدا لم تنتبهوا إليه، فيقول: فما يكون جوابكم؟ قالوا: يقول كذا، قال: كان يقول لكم كذا فما تجيبون؟ فنظروا في ذلك فوجدوا أنهم ضلُّوا السبيل بأجوبتهم فسكتوا وانقطعوا، فقال: لقد لمتموني على تأخري في الجواب، ولكنِّي ما أجبت بجواب قط إلاَّ وأنا أعرف آخر ما فيه من الاعتراضات والمؤاخذات، وقبيح بالمجيب إذا ابتدأ بالجواب أن يفكِّر بعد ذلك، وليس معيبا في حقه أن يؤخِّر الجواب، فليست كلُّ أمور العلم تحل في ساعتها، وما العيب إلاَّ أن يُسرع العالم في العلم ثم يتبين له خطؤه فيه، لأنـَّه إن أخطأ ظهر خطؤه وأضاع مكانته، فزلَّته يضرب بها الناس بالطبل لأكبر الحوادث»[23]

هذا هو الخليل، عظمة في التفكير، وعظمة في التصرف والسلوك، لا يستجيب لاستفزاز، ولا يشرئب إلى بريق، أو يغتر بمظهر، إنَّ العلم عنده وقار وهيبة وتدبُّر، لا يهمُّه أن يقال سكت ولم يجب، بقدر ما يهمُّه أن يقال أجاب فأخطأ، وذلك هو العقل الرياضيُّ، الذي يبحث عن الصواب، يصل إليه بخطوات ثابتة ووسائل عقلانية.

وللخليل في هذا المجال التربويِّ حكايات تدعو إلى الإعجاب والتأمل:

تطفل رجل جاهل من فزّارة على حلقته يوما، وكان رجل يسأل الخليل عن قوله تعالى: ]قال ربي أرجعوني[ فقال الخليل سألتموني: عن شيء لا أحسن ولا أعرف معناه -تهيبا منه لكلام ربِّ العالمين- فاستحسن الناس تلك الصراحة؛ ولكنَّ الفزاريّ استقبح منه هذا الجواب، وبدت على وجهه علامات الإنكار وامتهان الخليل، وعرف الخليل بذكائه الحاد ونظراته في ذلك الشخص ما يجول بخاطره فسأله:-على عادته الذكية في تربية الناس وتوجيههم- عن رأيه في تفسير الآية، فلم يجب الرجل الفزاري، وأعاد الخليل السؤال وضحك الفزاري، والتفت الخليل إلى جلسائه قائلا: الرجال أربعة: «فرجل يدري ويدري أنـَّه يدري فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنـَّه يدري فذلك غافل فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنـَّه لا يدري فذلك جاهل فعلِّموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنـَّه لا يدري فذلك مائق أحمق فارفضوه»، ونظر أهل المجلس إلى الفزاري وقد تصبب عرقا»[24].





--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ يراجع أحمد عبد الغفور عطار، مقدمة الصحاح، دار الكتاب العربي مصر، دت، ص:95.

[2] ـ الخليل بن أحمد (مقدمة) كتاب العين، دت : د/ مهدي المخزومي، د/إبراهيم السامرائي، ط‍1، إيران: 1409هــ1989م، ص:6.

[3] ـ يراجع، د/ مهدي المخزومي، عبقري من البصرة، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان: 1986م، ص:23.

[4] ـ يراجع، أبو الطيب اللغوي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، مراتب النحويين، دار الفكر العربي، القاهرة: 1394هـ ـ 1974م ص: 55 وما بعدها، وانظر: د. مهدي المخزومي، عبقري من البصرة، (مرجع سابق) ص"24.

[5] ـ يراجع: المرجعين السابقين، نفس الصفحات.

[6] ـ يراجع: زيد بن عبد المحسن، من أعلام التربية العربية الإسلامية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض: 1409هـ/1988م، ج1، ص:164. نقلا عن: ماسينيون: خطط البصرة وبغداد، ص: 18.

[7] ـ ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، ج10،ص161، / ابن عماد الحنبلي، ت: محمد الأرناؤوط، شذرات الذهب، ط: دار بن كثير، بيروت:1406هـ /1986م،ج1 ص:270.

[8] ـ د. مهدي المخزومي، الخليل بن أحمد، جار الرائد العربي، بيروت:1406هـ / 1986م،ص44.

[9] ـ يراجع ابن نباته المصري، سرح العيون، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت: 1406هـ / 1986، ص:296.

[10] ـ يراجع المرجع السابق.

[11]ـ يراجع محمد حسين آل ياسين، الدراسات اللغوية عند العرب، منشورات كدار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ص257 .

[12]ـ ينظر الشيخ السالمي: تحفة الأعيان، ت. أبو إسحاق، (ط القاهرة، مصر: 1343هـ) ج:1.

[13]ـ ينظر: د.مهدي المخزومي، الخليل بن أحمد، مرجع سابق.

[14] ـ يراجع: زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق: ص 166.

[15] ـ يراجع: زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق، ص: 178.

[16] ـ المرجع السابق.

[17] ـ زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق، ص: 179.

[18] ـ زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق، ص: 174.

[19] ـ يوسف العش، قصة عبقري، دار الفكر، دمشق:1986، ص:32.

[20] ـ المرجع السابق، ص: 34

[21] ـ ابن الأنباري، نزهة الألباء، ت: د/إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار، الأردن: 1405هـ 1985م،ص:58.

[22] ـ جمال الدين القفطي، أنباء الرواة، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة (دت)،ص 377، أيضا: معجم الأدباء، ص 75.

[23] ـ قصة عبقري، المرجع السابق، ص112.

[24] ـ بتصرف، المرجع السابق، ص: 180

______________________________________________
منقووووووووووووووول/

الدكتور محمدصالح ناصر

أستاذ بمعهد الشريعة، سلطنة عمان

وباحث متفرغ للتأليف والإبداع
____________________________________________
أقول أنا (باحث لغوي)
أني لم أجد على حد علمي واطلاعي على الشبكة العنكبوتية أوفى ولا أجمل من هذه الترجمة