المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : يُحكى أن .. " بَســـــمَة " ..



إبراهيم إدريس
06-07-2013, 12:06 PM
يُحكى أنّ حرباً نشبت بين اثنين من أعتى المحاربين، يتشاركان بسكنهما الأبدي في مرايا الوجوهِ العاكسةِ ما في القلوبِ من أحاسيس ومَشاعر، وبروز أحدهما يتضمن إلقاء الآخر في غياهب الكتمان، كُلفة ظُهورهما واحدة والقدرةُ على استدعائهما مُتكافئة، وترى البشرية تتنازع في ضم أحدهما لصفوفها.
أمّا الأول فاسمه التبسم، رغم قلة نفوذه على هذه الغبراء، إلّا أنّه يستتر في قلوب الجميع، يَسود شريحةَ الطفولة ويحظى بشعبيةٍ عاليةٍ بين قلوب الراضين المتراضين، ذو وجه حِسِنٍ مُنارٍ من رضا الرحمن. والثاني اسمه العبوس، وهو شديد النفوذ والشهرة، إذ يسيطر على معظم الحشود، تراه ينتشر كالطاعون خصوصاً بين المتباغضين، ذو طلةٍ قبيحة مكسوةٍ بنفحةٍ شيطانية مقيتة.
قد كان وبرز تحدٍ بينهما، وجموعهما كجمهورٍ حاضرين، وبدأ القتال، قتالٌ أسطوريٌّ عظيم، إذ ألقى العبوس متجهماً رماح الغضبِ، فإذا بالتبسم يتلقفها بدروعٍ من الأسنان البيض، ورَدَّ التبسم بسيف الأملِ متفائلاً، فحطمته حدة عبوس الحاجبين المتنافِرَين، هاجم العبوس بتدويراتٍ من العيون الحانقة، فطوقها التبسُّم بتدويراتٍ من العيون الباسمة فحولها كسحرٍ لفراشات سعادةٍ تحوم حول الوجوه الحاضرة.
وبعد سجال طويل كانت القوة بيد العبوس فتمكن من التبسم فدنى منه رويداً رويدا ليقتله، فقال له: ماذا تقول في نهايتك البائسة بين جمهورك البسيط الساذج السعيد؟
فقال التبسم متبسماً بلا صوت: بَسْــــــــــــــــــــمَة.
فتجلى نورها فَورَ نُطقِه لها على الأفق، وأسقطت العبوس في أسرها، فالبسمةُ وميضُ فَرحٍ يطغى على الكون، وكأنها شمسٌ مع القمر قد اتحدت، وكأنها ولادةٌ من وجوه قد احتضرت، وكأنها كنوزٌ من أرضٍ قد افتقرت.
وأتبع التبسم قائلاً: أنا عبادة أيتها الغواية، وتركه في حسرته يعمه ..
وما زال هناك وجمهوره يعمهون ..
إلى الآن ما زالوا يعمهون ..

من كتابي .. مقتطفات من الورد ..
إبراهيم إدريس ..