المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : تأملات نحوية في رحاب القرآن الكريم.



د. حجي إبراهيم الزويد
17-08-2005, 12:06 AM
لاينكر عاقل أن القرآن الكريم هو كتاب الهداية الربانية وأنه أحد مصادر التشريع واللغة العربية, وأنه يمثل أحد المصادر التي ينبغي الاحتكام إليها عند وقوع خلاف ليس في مجال التشريع الإسلامي فقط , بل وفي الجوانب اللغوية, فالقرآن هو ذلك الكتاب الذي أعيت بلاغته فصحاء العرب.

أفتح أمام القراء الأعزاء هذه النافذة للتأمل في بعض الجوانب النحوية لأي الذكر الحكيم, تنمية للذوق اللغوي, حيث أن سبر غور اللغة القرآنية والتأمل فيها بوعي يعمق من اتصال المرء بالقرآن.

لقد عبر الإمام علي عن القرآن بقوله :

" ولا تخلقه كثرةُ الردّ وولوج السمع " (1)

" ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده .. وفرقاناً لا يخمد برهانه، وتبياناً لا تهدم أركانه..." (2)

إن هدفي من هذه النافذة هو تقوية الرابطة مع القرآن الكريم.

--

(1) نهج البلاغة للإمام علي.

( 2) نهج البلاغة للإمام علي.

د. حجي إبراهيم الزويد
17-08-2005, 12:12 AM
لقد أثيرت بعض الإشكالات اللغوية حول بعض الآيات القرآنية, على أن تلك الإشكالات قد أجيب عنها بما يحفظ للقرآن سلامته من أي لحن أو خطأ, حيث وجد علماء اللغة العربية مخارج لغوية تفسر ذلك الجانب اللغوي الذي ذهب إليه القرآن الكريم, وكشفت تلك الإجابات أحد جوانب العظمة في القرآن الكريم.


في قوله تعالى :

" قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما" - طه : 63

الإشكال النحوي الذي أثير حول هذه الآية الشريفة :

كما هو معروف لغويا, فإن الاسم المثنى بعد الحرف ( إن ) يأتي منصوبا بالياء , ولذا كان الأولى مجيء الكلمة ( هذين) وليس ( هذان ) في هذه الآية.

سأعود لاحقا لإيضاح الجواب.

د. حجي إبراهيم الزويد
17-08-2005, 03:25 AM
للإجابة على الإشكال المثار حول الآية الشريفة :

اختلفت أراء النحاة حول إيجاد مخرج لمجيء ( هذان ) مرفوعا, بدل أن يكون منصوبا, غير أن الراجح من تلك الأراء هو ما يلي :

إن لغة بلحارث بن كعب ، وخثعم، وزبيد، وكنانة وبني الهجيم, وبني العنبر وعذرة ومراد ترى استعمال المثنى بالألف دائما ً ،وتقدر إعرابه بالحركات, تقول : جاء الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، قال شاعرهم :

تزوّد مـنـّا بين أذنـــاه طــعـنة
--------------------------- دعــتـه إلى هــابي التراب عـقيم

وقال الآخر :

إن أبــــــاها وأبــــــا أبــــاها
----------------------------- قد بلغا في المجد غايــتـــــاهــــا

فهذا مثال مجيء المنصوب بالألف، وذاك مثال مجيء المجرور بالألف.

لقد حدث عن هذه اللغة كبار الأئمة كالكسائي, وأبي زيد الأنصاري, وقد استخدم القرآن الكريم هذه اللغة في هذا المورد.

أبو ذكرى
17-08-2005, 05:31 AM
وما زلنا ننهل من فيض ما علمكم الرحمن

د. حجي إبراهيم الزويد
17-08-2005, 05:45 AM
الأخ العزيز أبو ذكرى :

أشكر لكم حضوركم.

هنيئا لكم ما تعيشونه من روح التواضع, رعاكم الله سالمين.

جمال حسني الشرباتي
17-08-2005, 09:17 AM
أخي الدكتور

بعض العلماء قالوا بإهمالها في مثل هذه المواضع--أي لا تعمل عملها من نصب إسمها

قال تعالى (وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) الزخرف 35

فلاحظ الضمة على " كُلُّ "

وقوله أيضا (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) الطارق 4

موسى 125
17-08-2005, 05:03 PM
حسب معرفتي بأنها مخففة من الثقيلة وبالتالي مهملة

د. حجي إبراهيم الزويد
17-08-2005, 05:33 PM
أخي الكريم جمال :

أتفق معكم فيمن قرأ ( إن ) بنون مخففة , حيث إنْ المخففة إذا دخلت على الجملة الاسمية, فإنها تهمل على الأكثر, ويرتفع ما بعدها بالابتداء.

" قالوا إنْ هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما" - طه : 63


كلامي حول من قرأ ( إنَّ ) بنون مشددّة :

" قالوا إنَّ هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما" - طه : 63

إِن المشددة حرف توكيد ونصب, تدخل على الجملة الإسمية فتنصب المبتدأ اسما لها, وترفع الخبر خبرا لها.


أسعدني حضوركم.

د. حجي إبراهيم الزويد
17-08-2005, 06:29 PM
" قالوا إن هذان لساحران" - طه : 6

اختلف القراء في قراءة هذه الآية.

قرأ المدنيون والكوفيون ( إنَّ هذان لساحران ) بتشديد النون.

وقرأ أبو عمرو ( إنّ هذين لساحران) بتشديد النون وهذين بالياء .

وقرأها ابن كثير وحفص بإن المخففة, وهذه القراءة هي أوضح القراءت لفظا ومعنى وخطا, وهي موافقة لخط المصحف.

في قراءة ابن كثير وحفص :

" قالوا إنْ هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما" - طه : 63

إن المخففة مهملة, وهذان مبتدأ مرفوع.

في القراءة الأخرى بإنَّ المشددة :

" قالوا إنَّ هذان لساحران "

في هذه القراءة سعى العلماء لإيجاد مخرج نحوي للكلمة ( هذان ), وهذا ما وددت الإشارة إليه.

جمال حسني الشرباتي
18-08-2005, 07:03 AM
أخي الدكتور

سأفتح لك أشغالا هنا---فما عليك إلا أن تنجزها--أعني لا تأكل ولا تشرب --فقط تقوم بالإجابة :)

-----------------------------
قوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)----ما تعليقك عليه؟؟

جمال حسني الشرباتي
18-08-2005, 11:03 PM
طيب

سأحدد لك ما أرمي إليه--وهو ليس قضية نحوية--ويمكن للمشرف أن يعزلها كمشاركة منفردة---

أليس من الواضح أنّ ثلاثة زائد سبعة تساوي عشرة---فلم كان التنزيل قد وضّح الواضح؟

وما هي العشرة الكاملة--هل هناك عشرة غير كاملة؟؟

د. حجي إبراهيم الزويد
18-08-2005, 11:04 PM
أخي العزيز جمال :

لم أدرك إجمالا, ما تقصده بالتعليق على هذه الآية, ولذلك نظرت إليها من ناحية نحوية بشكل عام, وإنني لسعيد بوجودك.

" فمن لم يجد فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ .. " - البقرة : 196

فصيام : رابطة لجواب الشرط.

صيام : مبتدأ مرفوع , خبره محذوف, وتقدير ذلك , أي : عليه صيام, وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط.


ثلاثة : مضاف إليه.

أيام : مضاف إلى ثلاثة مجرور.

في الحج : جار ومجرور.

الواو : للعطف.

سبعة : معطوف على ثلاثة, مجرور.

إذا : ظرف لما يستقبل من الزمن, في محل نصب.

رجعتم : فعل وفاعل, في محل جر بالإضافة.

تلك عشرة : تلك مبتدأ, و ( عشرة ) خبرها.

كاملة : صفة مرفوعة.


فائدة بلاغية :

- في الجملة ( وسبعة إذا رجعتم ) التفات من الغائب إلى المخاطب .

- في الجملة ( تلك عشرة كاملة ) إجمال بعد تفصيل.

د. حجي إبراهيم الزويد
18-08-2005, 11:06 PM
الأخ العزيز جمال :

لقد أرسلت الرد, قبل اطلاعي على مداخلتك الأخيرة.

جمال حسني الشرباتي
18-08-2005, 11:24 PM
بالعكس

من حسن حظنا أنك أجبت على النواحي النحوية

د. حجي إبراهيم الزويد
18-08-2005, 11:40 PM
أخي العزيز جمال :


(فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)

نفهم من هذا المقطع أن الثلاثة والسبعة عشرة كاملة.

في جعل السبعة مكملة للعشرة لا متممة لها إشارة إلى أن للثلاثة حكما مستقلا عن ذلك الذي للعشرة.

االثلاثة الأيام الأولى تتم في الحج.

هذه الثلاثة الأيام تعتبر عملا تاما لا تحتاج إلى شيء آخر كي تكون تامة, ولكنها متوقفة على السبعة الأيام - التي تكون بعد الحج - من إجل الكمال لا التمام.

السبعة الأيام الثانية تتم بعد الرجوع من الحج.

فالهدف الأساسي من ذكر ( عشرة كاملة ) هو معرفة أيام الصيام من ناحية العدد, كما عرفت من ناحية الكيف.

إن حرف الواو قد يأتي للجمع كما يأتي للتخيير بمعنى ( أو ) فيظن السامع أنه مخير بين الثلاثة في الحج, أو السبعة بعد رجوعه من الحج, ولذا جاء الذكر الإجمالي ( تلك عشرة كاملة ) منعا من حدوث مثل هذا الاشتباه في الفهم.

تأمل هذه الآية :

" مثنى وثلاث ورباع "

الواو هنا بمعنى أو.

جمال حسني الشرباتي
18-08-2005, 11:43 PM
أبقاك الله لنا

د. حجي إبراهيم الزويد
19-08-2005, 01:42 AM
أود أن أشير إلى حدوث خطأ كتابي في مداخلتي السابقة :

في جعل السبعة مكملة للعشرة لا متممة لها إشارة إلى أن للثلاثة حكما مستقلا عن ذلك الذي للعشرة.

والصواب :


في جعل السبعة مكملة للعشرة لا متممة لها إشارة إلى أن للثلاثة حكما مستقلا عن ذلك الذي للسبعة.


-----

أخي الحبيب جمال :

أشكر لك كلمات الدعاء, رعاكم الله سالمين.

لؤي الطيبي
19-08-2005, 05:30 AM
الأخ الفاضل الدكتور أبا طالب ..
نشكركم على إضاءاتكم الماتعة .. ولقد استوقفني في مقالتكم الكريمة ، قولكم - حفظكم الله : ( تأمل هذه الآية : " مثنى وثلاث ورباع " الواو هنا بمعنى أو ) . فهلا وضّحتم لنا المراد من قولكم : "الواو هنا بمعنى أو" ؟
ودمتم ..

د. حجي إبراهيم الزويد
19-08-2005, 04:47 PM
الأخ الكريم لؤي الطيبي :

أسعدني حضور شخصكم الكريم.

في قوله تعالى : " مثنى وثلاث ورباع "

أي كأن السياق هكذا : مثنى أو ثلاث أو رباع.

الخطاب متوجه إلى الناس, ولذا جاء القرآن بواو التفصيل بين مثنى وثلاث ورباع الدال على التخيير, ومعنى أن ذلك أن بإمكان أي مسلم أن يتخذ لنفسه زوجتين أو ثلاث, أو أربع.

لو كانت الواو للجمع, سيكون عدد الزوجات المسموح به تسع ( 2 + 3 + 4 = 9 ), وهذا غير جائز شرعا.

لؤي الطيبي
19-08-2005, 06:30 PM
أشكر أخي الدكتور أبا طالب على هذه الملاحظات القيّمة .. وليسمح لي حفظه الله بالتنبيه إلى أمور :
إذ لو أنّ القرآن الكريم استعمل في آية النساء الأعداد الأصول (اثنان وثلاثة وأربعة وخمسة وستة وسبعة) ، أي لو أنّه قال : (اثنتين وثلاثاً وأربعاً) ، لدلّ ذلك على الجمع ، وجاز الجمع بين تسع زوجات في وقت واحد ، لأنّ هذه الأعداد تقبل الجمع ، قال تعالى : ( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) [الأعراف: 142] ، وقال عزّ وجلّ : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) [البقرة: 196] .
وقد بيّنتم – حفظكم الله – في تذوّقكم الفطن ما تحمل لفظة (كاملة) في هذا السياق من حلاوة ، وكأنّ هذه العبارة تنادي بلسانها أنْ لا تحسبوا هذه العشرة هيّنة . فالحكمة من استعمال القرآن الكريم لأعداد الأصول في هاتين الآيتين ، وفي غيرهما واضح وجليّ .
ولكن لماذا لَمْ يقل في آية النساء : "اثنتين وثَلاثاً وأربعاً" ؟ بل عَدَلَ عن هذه الأعداد إلى صيغ جديدة ، فقال : ( مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) ؟
إنّ القرآن الكريم دقيق في التعبير ، وهذه الصيغ الجديدة لا تقبل الجمع أبداً ، فلا يجوز أنْ تقول صُم ثُلاثاً في الحجّ ، وسُباعاً إذا رجعت ، فتلك عشرة أيام كاملة . وإنّما تقول : صُم ثَلاثة أيام في الحجّ وسبعةً إذا رجعت ، فتلك عشرة أيام كاملة .
والدليل على أنّ هذه الصيغ العددية الجديدة لا تقبل الجمع ، وإنّما يُراد بها التنويع ، آيات القرآن العظيم ، قال تعالى في آية أخرى أوردت هذه الصيغ العددية نفسها : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء ) [فاطر: 1] . فالـ(الواو) في هذه الآية ليست بمعنى (أو) ، فهي تخبر أنّ الله تعالى خلق الملائكة أولي أجنحة ، وأنّهم ليسوا سواءً في عدد الأجنحة ، فمنهم أولو أجنحة مثنى ، ومنهم أولو أجنحة ثُلاث ، ومنهم أولو أجنحة رُباع ، ومنهم أولو أجنحة أكثر من ذلك ، والله سبحانه يزيد في الخلق ما يشاء . ولو أنّه قال في الآية : (أولي أجنحة اثنتين وثَلاث وأربع) ، لكان لكلّ مَلَك منهم تسعة أجنحة ، لأنّ هذه أعداد أصول ، والواو لمطلق الجمع .
وكذلك هو الحال في آية النساء ، إذ لا يصحّ أنْ تكون (الواو) بمعنى (أو) ، ولا يمكن أنْ يكون المعنى : انكحوا ما طاب لكم من النساء : مثنى أو ثُلاث أو رُباع . لأنّ (أو) تدلّ على التخيير الملزم ! فيكون الحكم تخييراً للرجال بين أنْ ينكحوا مثنى من النساء أو ثُلاثاً أو رُباعاً . لكن مَن اختار للزواج مثنى من النساء لا يجوز له أنْ يتزوّج ثُلاثاً بعد ذلك ! وَمَن اختار للزواج ثُلاثاً لا يجوز له أنْ يتزوّج رُباعاً بعد ذلك ، فهو إمّا أنْ يتزوّج مثنى ويتوقّف عند ذلك ، وإما أنْ يتزوّج ثُلاثاً ويتوقّف عند ذلك ، وإما أنْ يتزوّج رُباعاً !!!
والقرآن لا يقول بذلك ، فهو يبيح للرجل أنْ يتزوّج مثنى ، ويبيح له أنْ ينتقل بعد ذلك إلى رُباع . ولذلك نجد أنّ ابن هشام قد نقل من كلام أبي طاهر الأصفهاني في كتابه "الرسالة المعربة عن شرف الإعراب" : القول في آية النساء بأنّ (الواو) بمعنى (أو) عجز عن درك الحقّ .
والقول الراجح ، الذي يتّفق مع معنى الآية ، ومع رخصة تعدّد الزوجات ، ومع معاني الأعداد الثلاثة : مثنى وثُلاث ورُباع ، هو ما ذهب إليه الزمخشري ومحقّقون آخرون من البيانيّين ، قالوا : ضُمّنت (الواو) معنى (أو) ، فدلّت على معنى (أو) ، ثمّ دلّت على معناها .

(( تعريف : التضمين قد يكون في الأفعال ، وقد يكون في الحروف ، بحيث يُضمَّن الفعل المذكور معنى الفعل المقدَّر ، ويدلّ على الفعلين معاً ، ويُضمَّن الحرف المذكور معنى الحرف المقدَّر ، ويدلّ على الحرفين معاً . فهو : إشراب كلمة (أو حرف) معنى أخرى (آخر) ، بحيث تؤدّي (يؤدّي) المعنيين ، وفائدته : أنْ يؤدّي حرف (أو كلمة) مؤدَّى حرفين (أو كلمتين) ، أي أنّه جملتان في جملة واحدة . ))

نفهم الآية على معنى (أو) أولاً : فانكحوا ما طاب لكم من النساء : مثنى أو ثُلاث أو رُباع . فالآية تبيح للرجال تعدّد الزوجات ، وتخيّر الواحد منهم في أيّ عدد أراد ، بشرط العدل ، فهو إمّا أنْ يتزوّج بواحدة ، وإمّا أنْ يتزوّج باثنتين ، وإمّا أنْ يتزوّج بثلاث نساء ، وإمّا أنْ يتزوّج بأربع نساء . ومَن تزوّج مثنى من النساء يُباح له التزوّج بثُلاث ، ومن تزوّج بثُلاثٍ منهنّ يُباح له الزيادة والتزوّج برُباع . وهذا هو معنى التخيير بحرف (أو) : مثنى ، أو ثُلاث ، أو رُباع .
وعند تطبيق الرجال للرخصة التعددية في الآية ، بحسب قدراتهم وظروفهم وأحوالهم ماذا تكون النتيجة في الأمّة ؟ هنا يأتي الدور المعجز لحرف (الواو) في الآية ، لتؤدّي معناها الأساسي . فالآية تتحدّث عن أصناف الرجال بالنسبة للتعدّد ، وتبيّن أنّهم ثلاثة أصناف ، معطوف بعضها على بعض بحرف (الواو) . فهناك مَن يتزوّجون مثنى من النساء ، (و) هناك آخرون يتزوّجون ثَلاثاً من النساء ، (و) هناك آخرون يتزوّجون أربعاً من النساء . ولا يجوز الزيادة عن ذلك العدد في وقت واحد .
هذا والله تعالى أعلم ..

د. حجي إبراهيم الزويد
19-08-2005, 09:14 PM
الأخ العزيز لؤي الطيبي :

أسأل الله أن يزيدكم علما وإيمانا.

أشكركم على إضافتكم القيمة, وهي عين ما قصدت الإشارة إليه, ولكنكم أعطيتموه شرحا واسعا.

وملخص ذلك كما سبقت الإشارة إليه أن ( واو ) التفصيل بين مثنى وثلاث ورباع تدل على التخيير, وهذا التخيير ليس إلزاميا, فبإمكان الذي لديه زوجتان أن يأخذ ثالثة وهكذا.

د. حجي إبراهيم الزويد
20-08-2005, 02:01 AM
تحقيقا لرغبة الأخ الكريم الضاد1 أواصل معكم بقية البحث حول الآية الكريمة :


" قالوا إنْ هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما" - طه : 63

قلت إن (إن المخففة ) مهملة, وهذان مبتدأ مرفوع.

في القراءة الأخرى بإنَّ المشددة :

" قالوا إنَّ هذان لساحران "

في هذه القراءة سعى العلماء لإيجاد مخرج نحوي يفسر مجيء الكلمة ( هذان ) بالرفع.

أشرت فيما تقدم إلى أنه حدث حلاف بين علماء النحو حول الموقع الإعرابي للكلمة ( هذان ) التي يجب أن تكون منصوبة بإن المشددة.

قلت : إن أرجح الأراء لحل هذا الإشكال هو الاستناد إلى لغة بلحارث بن كعب ، وخثعم، وزبيد، وكنانة وبني الهجيم, وبني العنبر وعذرة ومراد, والتي ترى استعمال المثنى بالألف دائما.

سأشير إلى بقية الأراء التي حاولت أن تجد مخرجا نحويا لمجيء الكلمة (هذان) بالألف وذلك استكمالا للبحث حول الأية الآنفة الذكر, تنمية للذوق النحوي.


أولا : ما ذهب إليه المبرد والكسائي وآخرون :

يرى هؤلاء أن الكلمة "إنَّ" بمعنى نعم مثلـُهَا فيما حكي أن رجلا سأل ابن الزبير شيئا ً فلم يعطه، فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال : إنَّ وراكِـبَهَا، أي نعم ولعن الله راكبها، و"إن" التي بمعنى نـَـعَـم لا تعمل شيئا ً، كما أن نـَعَـم كذلك، فـ ( هذان) مبتدأ مرفوع بالألف، و(ساحران ) خبر لمبتدأ محذوف، أي : لهما ساحران، والجملة خبر (هذان) . (1)

وقد استشهدوا ببيت شعر اعبد الله بن قيس الرقيات :

بكرت علي عواذلي
يَلحينَني وألومهنَّهْ

ويقلن شيب قد علا
ك, وقد كبرت فقلت إنهْ (2)

وقد استحسن أبو إسحاق هذا الرأي.

ونتيجة المناقشة ألخصها فيما يلي :


- - إذا كانت (إنَّ ) بمعنى( نعم ) فإنه ما بعدها ( هذان ) يكون مرفوعا لأنه مبتدأ, وساحران خبر مرفوع, واللام لا يدخل على خبر مبتدأ إلا في الحالات الشاذة جدا كما في قول الشاعر :

أم الحُلَيس لعجوزُ شَهربَة
ترضى من اللحم بعظم الرقبة.

- حدث خلاف بين العلماء حول مجيء ( إن ) بمعنى ( نعم ) فبين مؤيد ومعارض.

- الكلمة ( إنه ) في البيت المشار إليه, تعرب الهاء فيها على إنها اسم إن, والخبر محذوف تقديره كذلك.

- أما في المقطع الذي ذكره ابن الزبير ( إن وراكبها ) فالخبر محذوف, تقديره : إن وصاحبها ملعونان.


- أشارآخرون إلى مجيء ( إنَّ ) بمعنى نعم في بعض الأبيات :

قالوا : غدرتَ فقلتُ إنَّ وربما
نال العلى وشَفى الغليل الغادرُ

هذا البيت جاء بلا نسبة في تذكرة النحاة, وجواهر الأدب, وشرح المفصل.

وقول آخر :

ليت شعري هل للمحب شفاُ
من جوى حبهنَّ إنَّ اللقاء

لقد تتبع بعض العلماء هذه البيت فلم يجدوه في مرجع لغوي يعتمد إليه.

- يوجد إشكال لغوي على التقدير الذي أيده الزجاج, وصاحب شذور الذهب : نعم هذان لهما ساحران.

-
والنتيجة النهائية :

إن تفسير (إنَّ ) في الآية الشريفة بمعنى نعم, رأي ضعيف, وقد رفضه جمع من العلماء.


---
- (1) شذور الذهب.
-(2) شرح شواهد المغني.

أتمنى أن أكون وفقت لإيضاح هذا الرأي, ولا زال البحث مستمرا حول الآية لمناقشة الأراء الأخرى :

الضاد1
20-08-2005, 10:50 PM
د. أبو طالب ، جزاك الله خير الجزاء ، لدي الأسئلة التالية :

إنّ : هل دائماً (كقواعد نحو ) تأتي أداة نصب بجانب التوكيد ؟
لأنه لربما أن تأتي (إنّ) أداة زائدة للتوكيد ...احتمال رقم 1 إن صلح تسميته
إحتمالاً

هل أستطيع أن أقدر الجملة تفسيراً ومعنىً : إنما هذان
ساحران ؟ فاستبدلت (ما) الكافة بـ(لـ) في
(لساحران) وحذف المبتدأ (هما) ؟ ....إحتمال
رقم 2 ....أيضاً إن صلح .

وبارك الله بك

د. حجي إبراهيم الزويد
21-08-2005, 12:15 AM
الأخ العزيز الضاد 1 :

أشكر لكم متابعتكم واهتمامكم.

الحرف ( إنَّ) حرف توكيد ونصب, ناسخ ( مشبه بالفعل ), تدخل على الجملة الإسمبة فتنصب المبتدأ وترفع الخبر.

لا تستعمل ( إنَّ ) مهملة أبدا, وإذا ورد ما يوحي بخلاف ذلك, فإن اسمها يكون محذوفا ضمير الشأن كقول الأخطل :

إن من يدخل الكنيسة يوما
يلقَ فيها جآذرا وظباء

إنَّ : حرف توكيد ونصب.

مَن : اسم شرط جازم, واسماء الشرط لا يعمل ما قبلها في ما بعدها, ولا يعمل فيها ما قبلها.

اسم ( إنَّ ) ضمير الشأن محذوف.

وانطلاقا من هذه النقطة أعرض الرأي الثاني الذي جاء به بعضهم لإيجاد تفسير لمجيء ( هذان ) بالرفع :

الرأي الثاني :


قالو : إن الأصل ( إنه هذان لهما ساحران ) فالهاء ضمير الشأن، وما بعدها مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع على أنها خبر "إنَّ" ثم حُـذف المبتدأ.

والرد على هذا يتلخص فيما يلي :

- إن حذف اسم إن غير جائز إلا في الضرورات الشعرية, شرط عدم مباشرتها للفعل, كما في قول الشاعر :

إن من يدخل الكنيسة يوما
يلق فيها جآذرا وظباء.

- عدم جواز دخول اللام في الخبر, حيث أن ذلك من الأمور الشاذة.

حول استفسارك :

الجملة - إنما هذان ساحران - صحيحة لفظا, ولكنها لا تعطي حلا حلا لغويا للآية التي بصدد البحث.

د. حجي إبراهيم الزويد
21-08-2005, 01:21 AM
الرأي الثالث : إن اسمها ضمير القصة وهو ( ها ) الذي قبل ( ذان )

قال بعض النحاة إن ( ها ) ضمير القصة اسم ( إنَّ ) و ذان لساحران , مبتدأ وخبر, والتقدير : إن القصة ذان لساحران.

الجواب :

أولا : لو كانت ( ها ) اسم إن لاتصلت ما, بينما نجد أنها منفصلة عنها كتابة, وكان ينبغي أن تأتي متصلة بها - على اعتبار أنها ضمير متصل - كما في قوله تعالى :

" فإنها لا تعمى الأبصار .. "

ثانيا : نفس الإشكال السابق وهو دخول حرف اللام على الخبر ( لساحران ) والذي يعتبر شاذا ,كما تقدم.

والنتيجة : هذا الرأي ضعيف لا يعتمد عليه.

الضاد1
21-08-2005, 01:13 PM
تحياتي لك أخي د.أبا طالب

هل من محصلة ذات فائدة ،عندما نقول التالي :

إنّ (هذان لساحران) يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم
المثلى

سنتساءل ونقول لماذا وجدت اللام ...(لساحران) ، ربما نستطيع أن نفسر سبب

وجودها من السياق السابق للآيات من نفس السورة أو من سور أخرى

بمعنى : أن الحوار الذي كان وارداً في الآيات السابقة الواردة في هذه المشاركة
كان بين فرعون من جهة وموسى وهارون من جهة أخرى ؛بعد ذلك انظر إلى:
قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ، فهم لم يسروا النجوى إلا عندما نبههم سيدنا موسى
قالوا إن (هذان لساحران) كما
تؤكدون وتصرون (وهي اللام في لساحران) يا فرعون
وحاشيته يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى .
فيكون إسم (إنّ) هو : (هذان لساحران) في محل نصب و خبرها : جملة
يريدان أن.... في محل رفع

والله أعلى وأعلم ........ أرجو التواصل





وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى

فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى

قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى

فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى

قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى

د. حجي إبراهيم الزويد
21-08-2005, 09:07 PM
الأخ العزيز الضاد1 :

أسعدني تواصلكم كثيرا.

تحليلكم جميل.

قلتم أخي الكريم :

اسم (إنّ) هو : (هذان لساحران) في محل نصب و خبرها : جملة يريدان أن.... في محل رفع.

أخي العزيز :

أتفق معكم أن جملة يريدان في محل رفع, واختلف معكم في سيبب هذا الرفع.

يريدان : فعل رمضارع مرفوع بثبوت النون, وفاعله ( ألف ضمير الاثنين ), والجملة الفعلية ( يريدان ) في محل رفع صفة - نعت - ساحران.


ثانيا كيف سيتم إعراب كل من الكلمة ( هذان ) و ( لساحران ) ؟

ماهو موقع هذان إعرابيا؟

ما هو موقع لساحران إعرابيا؟

الضاد1
21-08-2005, 10:36 PM
أخي الكريم أبا طالب زادك الله علماً إن شاء الله تعالى .



ثانيا كيف سيتم إعراب كل من الكلمة ( هذان ) و ( لساحران )

ماهو موقع هذان إعرابيا؟

ما هو موقع لساحران إعرابيا


هذان لساحران : يكون الإعراب والله اعلم ؛ والنحاة يصوبون الأخطاء طبعاً .
هذان : اسم إشارة في محل رفع مبتدأ مرفوعاً بالألف لأنه مثنى
لساحران : لهما ساحران : ساحران : خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هما) ؛ والجملة (لهما ساحران ) في محل رفع خبر المبتدأ الأول
والجملة المركبة من المبتدأ والخبر والمبتدأ والخبر في محل نصب إسم إنّ ، والخبر الجملة الفعلية : يريدان
ما رأيك ؟
لا تضحك عليّ !

د. حجي إبراهيم الزويد
21-08-2005, 11:24 PM
أخي في الله الضاد 1

إن الكلمات تعجز عن وصف عظيم سعادتي باستمرارية حضورك الذي ساعد في إثراء هذا البحث من خلال مداخلاتك الهادفة.

أسأل الله أن يزيدك إيمانا ونورا وقربا من ساحة قدسه سبحانه وتعالى.

دخول حرف اللام على الخبر ( ساحران ) مشكل من ناحية نحوية حيث يعتبر من الأمور الشاذة جدا, ونحن ننزهه القرآن الكريم أن يحتوي على ما هو شاذ, فالقرآن آية في البلاغة والفصاحة.

الضاد1
21-08-2005, 11:48 PM
أبا طالب مرحباً بك أخاً عزيزاً
لم أفهم مما قصدته شيئاً حول اللام ؛ هي في الظاهر تعمل عمل الحصر والتوكيد
ولكن لا أدري حقيقتها بالضبط ؛ ومن المؤكد أن القرآن معجز ببلاغة وقوة ألفاظه
وترابط الجمل ونسقها . ومن أجل ذلك جاءت الآية هذه بهذاالشكل ؛ فهي تحمل في
طياتها معانٍ بلاغيةً معجزةً ؛ فأضفت البلاغة في هذه الآية سرَّ نحوها وتصريفها .

د. حجي إبراهيم الزويد
22-08-2005, 12:13 AM
أخي العزيز الضاد1 :


تأمل هذه الجملة :

هذان ساحران.

لا يوجد أي إشكال في صحتها من ناحية نحوية.

هذان مبتدأ , ساحران خبرها.

تأمل هذه الجملة التالية :

هذان لساحران.

كلمة ( لساحران ) شاذة جدا, والسبب هو أن دخول لام الابتداء على غير خبر إن , يعتبر شاذ جدا.


تأمل هذه الجملة :

إنَّ هذان لساحران.

لا يوجد أي شذوذ في هذه الجملة, فلام الابتداء قد دخلت على خبر إن, ولا يوجد أي إشكال نحوي في هذا المطلب.


باختصار :

- يجوز دخول لام الابتداء على خبر إن.

- دخول لام الابتداء على ( غير خبر إن ) شاذ جدا.

الضاد1
22-08-2005, 12:30 AM
اخي أبا طالب ؛ كنت قد أسلفت من البداية أن الجملة جاءت بهذا الشكل من الآيات
السابقة للآية التي نحن بصددها . أريد أن أضع المعنى بالشكل التالي ؛ وحضرتك
توائم المعنى نحوياً ...
يا من أكدتم ان هذين الرجلين ساحران ؛ فإنهما يريدان أن يخرجاكم من أرضكم
بسحرهم.
بمعنى أن : (هذان لساحران) : نقلاً عن تصريحات وتأكيدات فرعون وحاشيته
أي كأن فرعون قال منذ البداية : هذان لساحران ، ولكن بلاغياً فرضت (إنّ) نفسها
على (لساحران) لتستقيم حلاوة التلاوة ....كل ما أقوله معرض للخطأ طبعاً .
فالله أعلى وأعلم ... ونسأله تعالى أن يزيدنا علماً نافعاً للدنيا والآخرة .

د. حجي إبراهيم الزويد
22-08-2005, 01:12 AM
أخي الكريم الضاد1

قد استوعبت ما ترمون الإشارة إليه من مداخلتكم السابقة, رعاكم الله بألطافه..

ولكننا هنا نركز على الجانب النحوي المثار حول الآية الكريمة لئلا يتشتت الموضوع.

الضاد1
22-08-2005, 12:47 PM
بارك الله بك ؛ أخي أبا طالب ؛ من أجل خلاصة الموضوع أي رأي من آراء العلماء هو
الأقوى؟ وجزاكم الله خيراً

د. حجي إبراهيم الزويد
23-08-2005, 02:40 AM
العزيز الضاد1 :

إن أرجح الأراء لحل هذا الإشكال هو الاستناد إلى لغة بلحارث بن كعب ، وخثعم، وزبيد، وكنانة وبني الهجيم, وبني العنبر وعذرة ومراد, والتي ترى استعمال المثنى بالألف دائما.

الضاد1
23-08-2005, 09:46 PM
جزاك الله خيراً أخي أبا طالب

بقي آخر استفسار وهو : إن هذين لساحران يريدان أن ..... ؛ هل هذه

العبارة صحيحة اللسان أم فيها شذوذ ؟ وبارك الله بك على طول نَفَسِكَ معي .

د. حجي إبراهيم الزويد
23-08-2005, 09:58 PM
العزيز الضاد :

شكرا جزيلا لحضوركم المستمر.

يسعدني حضوركم.

إن هذين لساحران يريدان أن ...

تعتبر هذه إحدى القراءات, وقد قرأ أبو عمرو ( إنّ هذين لساحران) بتشديد النون وهذين بالياء .

من ناحية نحوية صحيحة ولا يوجد فيها أي إشكال.

الضاد1
23-08-2005, 10:55 PM
زادك الله علماً وأعانك للعمل به وله

ولنا تأملات ووقفات أُخر في هذا المضمار إن شاء الله متوافقاً مع وصف الموضوع

وأتركك لحين إعداد شيء لنا إن رغبت

د. حجي إبراهيم الزويد
25-08-2005, 01:34 AM
لام الصيرورة :

جاءت لا م الصيرورة أو لام العاقبة في بعض أي الذكر الحكيم :

" وقال موسى ربنا انك اتيت فرعون وملاه زينة واموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على اموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم " يونس : 88

الشاهد في " ليضلوا عن سبيلك "

المعنى : أنك آتيتهم هذه النعم العظيمة ليشكروها, ويتبعو سبيلك, فكان عاقبة أمرهم أنهم كفروها , وضلوا عن سبيلك.

" فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً " القصص - 8

فهم لم يلتقطوه ليكون عدواً، ولكن لما آلت الأُمور إلى ذلك كانت العداوة كأَنها علة الالتقاط على المجاز.

الضاد1
25-08-2005, 11:57 PM
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ (الفرقان:26)

كيف نفسرها نحوياً ونتأملها بلاغياً ؟
جزاكم الله خيراً

الأهدل
26-08-2005, 05:06 AM
د. أبو طالب رعاك الله
---------------------------
" فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً " القصص - 8
قولك :
( فهم لم يلتقطوه ليكون عدواً، ولكن لما آلت الأُمور إلى ذلك
كانت العداوة كأَنها علة الالتقاط على المجاز ) .

يخالف رأيك صاحب أضواء البيان في جعلك علة الالتقاط على المجاز فيقول :
( اعلم أن التحقيق إن شاء الله أن اللام في قوله :
" لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً " لام التعليل المعروفة
بلام كي وذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز
وإيضاح ذلك أن قوله تعالى : { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ }
صريح في أن الله تعالى يصرف مشيئة العبد وقدرته
بمشيئته جل وعلا إلى التقاطهم موسى ليجعله لهم عدوا وحزنا
فكأنه يقول ( قدرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا ليكون لهم عدوا وحزنا
وهذا معنى واضح لا لبس فيه ولا إشكال كما ترى)
أنتهى كلامه - أضواء البيان 6 / 300

د. حجي إبراهيم الزويد
26-08-2005, 05:06 AM
العزيز عمار :

إنني سعيد بمداخلتك.


" الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ " (الفرقان:26)

الملك : مبتدأ مرفوع بالضمة.

يومئذ : يوم, ظرف زمان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتحة, وهو مضاف, و ( اذ ) اسم مبني على السكون الذي حرك بالكسر تخلصا من التقاء الساكنين, في محل جر بالإضافة.

الحق : صفة للملك.

للرحمن : جار ومجرور , متعلق بخبر المبتدأ.

اعتبر بعضهم أن يومئذ خبر للمبتدأ ( الملك ).

الجوانب البلاغية في الآية الشريفة :


الملك يومئذ فيه إشارة إلى يوم القيامة.

استخدام الرحمن فيه لمسة جمالية, حيث أضاف الملك في يوم القيامة لاسمه ‏"‏ الرحمن ‏"‏ الذي وسعت رحمته كل شيء, والجميع يتطلع إلى رحمته.

مجيء ( الحق ) لها فائدة فهي تشير إلى أن من كان لهم ملك محدود وزائل, فهم خارجون من دائرة هذا الملك, و بمعنى آخر أن الحاكمية الشاملة على كل الموجودات إنما هي لله, فكلمة ( الحق ) تفيد أن هذا الملك لا يزول ولا يتغير.

هل هناك فرق بين :

" الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ " و " الْمُلْكُ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ "

بمعنى هل مجيء ( يومئذ ) له فائدة أم لا؟

الجواب : نعم.

صحيح أن الملك الحق في سائر الأوقات – بما في ذلك الحياة الدنيا – لله, ولكن هذه الصورة تتضح بشكل أكبر يوم القيامة, حيث تزول كل أشكال الملك الصورية والمجازية التي كانت موجودة ذات يوم, فالناظر في ذلك اليوم يدرك حقيقة أنه أمام ملك حقيقي, ولذا جاءت الكلمة ( يومئذ ) لتؤكد هذه الحقيقة, داعمة للمعنى الذي تضمنته كلمة ( الحق ).

نلاحظ أنه تم الفصل بين الصفة - الحق - والموصوف – الملك – بالكلمة ( يومئذ).


التقدير : الملك الحق يومئذ للرحمن.

بصفة عامة, لا ينبغي الفصل بين الموصوف وصفته, إلا إذا كانت هناك فائدة معنوية , وهذا ما تحقق في هذه الآية الشريفة, فترتيب الكلمات إنما هو حسب أهميتها المعنوية.

د. حجي إبراهيم الزويد
26-08-2005, 05:36 AM
الأخ العزيز الأهدل :

أسعدني حضورك, رعاك الله سالما من كل مكروه.

أشكر لك مداخلتك.

" فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً " القصص - 8

واقعا, لم أشأ أن اتوسع في تلك اللام, ولكن تعقيبا على مداخلة شخصكم الكريم أفيد بما يلي.

من خلال تتبعي فإن عددا من العلماء - كالكعبري صاحب كتاب التبيان في إعراب القرآن - اعتبر هذه اللام لام العاقبة أو الصيرورة.

وقال ابن خالويه في كتاب " المبتدأ " في النحو :

فأما قوله تعالى : " فالتقطه أل فرعون ليكون ... " , فهي لام " كي" عند الكوفيين, ولام الصيرورة عند البصريين, والتقدير : فصار عاقبة أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم لم يلتقطوه لكي يكون لهم عدوا.... انتهى.


الزمخشري في الكشاف رأيه مخالف لرأي صاحب " أضواء البيان " حيث يرى أنها لام كي التي معناها التعليل, على طريق المجاز دون الحقيقة, خلافا لرأي صاحب " أضواء البيان " الذي اعتبرها لام كي على سبيل الحقيقة لا المجاز.

وقال الزمخشري : .. لأنه لم يكن دواعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا, ولكن : المحبة والتبني, غير أن ذلك لما كانت نتيجة التقاطهم له وثمرته, شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله ...(1)


(1) - الكشاف للزمخشري المجلد4

الضاد1
26-08-2005, 08:50 PM
العزيز عمار :

إنني سعيد بمداخلتك.


" الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ " (الفرقان:26)

الملك : مبتدأ مرفوع بالضمة.

يومئذ : يوم, ظرف زمان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتحة, وهو مضاف, و ( اذ ) اسم مبني على السكون الذي حرك بالكسر تخلصا من التقاء الساكنين, في محل جر بالإضافة.

الحق : صفة للملك.

للرحمن : جار ومجرور , متعلق بخبر المبتدأ.

اعتبر بعضهم أن يومئذ خبر للمبتدأ ( الملك ).

الجوانب البلاغية في الآية الشريفة :


الملك يومئذ فيه إشارة إلى يوم القيامة.

استخدام الرحمن فيه لمسة جمالية, حيث أضاف الملك في يوم القيامة لاسمه ‏"‏ الرحمن ‏"‏ الذي وسعت رحمته كل شيء, والجميع يتطلع إلى رحمته.

مجيء ( الحق ) لها فائدة فهي تشير إلى أن من كان لهم ملك محدود وزائل, فهم خارجون من دائرة هذا الملك, و بمعنى آخر أن الحاكمية الشاملة على كل الموجودات إنما هي لله, فكلمة ( الحق ) تفيد أن هذا الملك لا يزول ولا يتغير.

هل هناك فرق بين :

" الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ " و " الْمُلْكُ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ "

بمعنى هل مجيء ( يومئذ ) له فائدة أم لا؟

الجواب : نعم.

صحيح أن الملك الحق في سائر الأوقات – بما في ذلك الحياة الدنيا – لله, ولكن هذه الصورة تتضح بشكل أكبر يوم القيامة, حيث تزول كل أشكال الملك الصورية والمجازية التي كانت موجودة ذات يوم, فالناظر في ذلك اليوم يدرك حقيقة أنه أمام ملك حقيقي, ولذا جاءت الكلمة ( يومئذ ) لتؤكد هذه الحقيقة, داعمة للمعنى الذي تضمنته كلمة ( الحق ).

نلاحظ أنه تم الفصل بين الصفة - الحق - والموصوف – الملك – بالكلمة ( يومئذ).


التقدير : الملك الحق يومئذ للرحمن.

بصفة عامة, لا ينبغي الفصل بين الموصوف وصفته, إلا إذا كانت هناك فائدة معنوية , وهذا ما تحقق في هذه الآية الشريفة, فترتيب الكلمات إنما هو حسب أهميتها المعنوية.

بوركت ، وضحت الفكرة

الأهدل
27-08-2005, 04:08 AM
د/ أبو طالب : شكرا جزيلا على الفوائد القيمة
وفقك الله للصواب وسدد خطاك .

الضاد1
29-08-2005, 12:00 AM
وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
(القصص : 88)

كيف نتأمل : كل شيء هالك إلا وجهَه ....نحوياً وبلاغياً

د. حجي إبراهيم الزويد
31-08-2005, 12:44 AM
الأخ العزيز الضاد :

أشكر لكم إطلالتكم الكريمة.

" وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " القصص : 88

الواو : عاطفة.

لا : أداة نهي وجزم.

تدع : فعل مضارع مجزوم بلا, وعلامة جزمه حذف آخره, والفاعل ضمير مستتر, تقديره أنت.

مع الله : مع ظرف مكان متعلق بلا تدع منصوب يدل على الاجتماع والمصاحبة, وهو اسم بمعنى الظرف, ويجوز أن يكون حرف جر مبني على الفتح.

الله : لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالإضافة أو بحرف الجر.

إلها آخر : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.

آخر نعت منصوب.

لا إله إلا هو :

لا : نافية للجنس تعمل عمل إن, و ( إله ) اسمها مبني على الفتح في محل نصب, وخبرها محذوف وجوبا تقديره : موجود أو كائن.

إلا : أداة استثناء.

هو : مستثنى بإلا , وهو ضمير منفصل في محل رفع بدل من الضمير الموجود في خبر لا المحذوف.

كل شيء هالك : كل مبتدأ مرفوع بالضمة, و ( شيء ) مضاف إليه, و ( هالك ) خبر المبتدأ مرفوع بالضمة, و ( إلا ) : أداة استثناء.

وجهه : مستثنى بإلا منصوب وعلامة نصبه الفتحة, والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.

له الحكم : له : خبر مقدم, و الحكم : مبتدأ مؤخر مرفوع, والجملة الاسمية ( له الحكم ) في محل رفع صفة .

و إليه ترجعون : الواو حالية أو استئنافية.

إليه : جار ومجرور.

ترجعون : فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون, والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل.

النواحي البلاغية في الآية كثيرة أشير إلى جانب منها وهو المجاز المرسل في قوله تعالى :

" كل شيء هالك إلا وجهه "

د. حجي إبراهيم الزويد
02-09-2005, 10:59 AM
" ... فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك, إني كنت من الظالمين " - الأنبياء : 87

ماهو الموقع الإعرابي للكلمة ( أنت ) في هذه الآية الشريفة؟

الكلمة ( أنت ) من ضمائر الرفع المنفصلة, والتي تشمل أنا ونحن وأنت وهو وهي وهما وهن وهم.


للكلمة ( أنت وجهان ) إعرابيان :

الوجه الإعرابي الأول : أنها ضمير مبني في محل بدل من الضمير المستكن في الخبر.

الوجه الإعرابي الثاني : أنها بدل من محل لا مع اسمها, ومحله الرفع.


لقد ورد في القرآن الكريم مجيء أمثلة مشابهة من بينها :

" الله لا إله إلا هو الحي القيوم " - البقرة : 255

" لا إله إلا هو العزيز الحكيم " - آل عمران : 18

" لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " - التوبة : 31


حيث يعتبر هو أحد ضمائر الرفع المنفصلة, و هو مبني في محل رفع بدل من الضمير المستتر في خبر لا المحذوف أي لا إله موجود إلا هو, كما أنه يمكن إعرابه بدل من محل لا واسمها, ومحلهما الرفع.

" إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " - طه : 14

الضمير أنا أحد ضمائر الرفع المنفصلة, و هو مبني في محل رفع بدل من الضمير المستتر في خبر لا المحذوف أي لا إله موجود إلا أنا, كما أنه يمكن إعرابه بدل من محل لا واسمها, ومحلهما الرفع.

وددت أن أشير إلى أن ( إلا) في هذه الأمثلة أداة استثناء ملغاة لا عمل لها.

الضاد1
02-09-2005, 11:15 PM
السلام عليكم ورحمة الله

رعاك الله أخي أبا طالب ؛ وقد أفدتني بأكثر مما طلبت وبارك الله بك
ولكن الذي يسترعي انتباهي أن : كل شيء هالك إلا وجهَه : كيف سيكون مستثنىً منه والله (سبحانه وتعالى ) ليس شيئاً ؟ وبارك الله بك

--------------------------------




حيث يعتبر هو أحد ضمائر الرفع المنفصلة, و هو مبني في محل رفع بدل من الضمير المستتر في خبر لا المحذوف أي لا إله موجود إلا هو, كما أنه يمكن إعرابه بدل من محل لا واسمها, ومحلهما الرفع.


فكلمة (موجود) هي اسم مفعول ولا ينطبق اسم المفعول على الله سبحانه وتعالى إلا كلمة معبود وما وازاها ؛ أي أن الله واجد وليس( موجوداً)

وبارك الله بك وحياك الله

د. حجي إبراهيم الزويد
03-09-2005, 01:50 AM
العزيز الضاد1 :

أسعدني حضور شخصكم الكريم - رعاكم الله - كثيرا.

في قوله تعالى :

" كل شيء هالك إلا وجهَه "

استخدام " كلمة " وجهه " هي من باب المجاز وليس الحقيقة, فليس المقصود منها أن الوجه جزء منه سبحانه, فالله ليس كمثله شيء.

سأعود مرة أخرى لإعطاء تفصيل أكثر حول هذا الجانب.

---

تعقيبا على قولكم

استخدام كلمة موجود.

أتفق معكم أن الله سبحانه وتعالى, هو الواجد كما أنه - سبحانه وتعالى - الموجِد للأشياء.

غير أن استخدام كلمة ( موجود ) , لا يراد منها - دائما - معناها الخلق, وهو الوجود من العدم,واستخدامها هنا بمعنى الحضور أو الشهود على سبيل المجاز.

تأمل قوله تعالى :

" إن الله كان عليما حكيما " - النساء : 24

هل يفهم من الآية أنه كان في السابق عليما, بينما في الوقت الحالي - جل ثناؤه - ليس كذلك؟

" وكان الله سميعا عليما "

هل يفهم من الآية أنه كان في السابق سميعا, بينما في الوقت الحالي - جل ثناؤه - ليس كذلك؟

بالتأكيد لا, فالله عليم وسميع في كل الأوقات والأحوال.


نقول :

على الجميع أن يكونوا موجودين الساعة التاسعة.

لا يفهم من هذا العبارة أن يكونوا مخلوقين, بل تعني أن يكونوا حاضرين غير غائبين.


من معاني كلمة موجود :

أولا : مخلوق موجود من عدم.

ثانيا : حاضر, أي ليس بغائب, فعندما نقول : " فلان مَوْجُودٌ فِي المسجد " : أَيْ أن وُجُودُهُ فِي المسجد حَاصِلٌ. .

ثالثا : الموجود في المطلح الفلسفي, هو الثابت في الذهن وفي الخارج.

رابعا : كائن, ومثال ذلك : أنا افكر إذا أنا موجود, أي كائن.

خامسا : متوافر, فعندما نقول : الكتب موجودة في المكتبة, يعني أنها متوافرة, وليس معناها أنها أوجدت من العدم.

وعندما يقال أن الله - سبحانه وتعالى - موجود, فالمراد أنه حاضر ليس بغائب, لا يخلو منه مكان ولا زمان وليس المراد أنه مخلوق أو موجود من العدم, فللكلمة موجود معان متعددة, ويفهم المعنى المراد من سياق الجملة.

د. حجي إبراهيم الزويد
03-09-2005, 03:22 AM
إضافة :

من معاني الوجود هو العلم كما ذكر الفخر الرازي في " التفسير الكبير " والزمخشري في " الكشاف "

" ألم يجدك " من الوجود الذي بمعنى العلم. (1)

" ألم يجدك يتما فآوى. ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى " – الضحى " 6- 8

وجد : بمعنى علم, ليس بمعنى خلق, وموجود تعني في هذه الحالة معلوم.

فلو قلنا إن الله موجود, بمعنى إن الله معلوم, فلا يوجد في ذلك ما ينافي العقيدة.


فلو قلنا لا إله موجود إلا الله, بمعنى ( لا إله معلوم أو حاضر ) إلا الله, فلا يوجد خطأ في هذه الجملة من ناحية لغوية أو عقدية .


إذا ألخص معاني موجود :

- مخلوق ( من العدم) .
- معلوم.
- متوافر.
- كائن.
- حاضر, أي له وجود.
- الموجود في المطلح الفلسفي, هو الثابت في الذهن وفي الخارج.

(1) التفسير الكبير المجلد 16 ؛ الكشاف المجلد 6.

د. حجي إبراهيم الزويد
07-09-2005, 01:13 AM
عزيزي الضاد :

ردا على مداخلتكم الكريمة : كل شيء هالك إلا وجهَه : كيف سيكون مستثنىً منه والله (سبحانه وتعالى ) ليس شيئاً ؟


أقول, مستمدا من الله التوفيق والسداد.

هل الله شيء أم أنه ليس بشيء؟

ذهب علماء جمهور علماء أهل السنة إلى أن الله سبحانه وتعالى شيء, وقد استدلوا على ذلك بالآية الشريفة :

" قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ... " – الأنعام : 19

وإليك بعض الشواهد على ذلك.

قال الرازي معقبا على هذه الآية الشريفة : " ... فبين الله تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هو الله ... " (1)

ثم قال : " والجواب اللائق بقوله " أي شيء أكبر شهادة " هو أن يقال : هو الله, ثم يقال بعده " الله شهيد بيني وبينكم " وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه الآية أيضا على أنه تعالى يسمى باسم الشيء, فهذا تمام تقرير هذا الدليل. " (2)

ثم أكمل قوله :" و في المسألة دليل آخر وهو قوله تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه ) والمراد بوجهه ذاته فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من قوله ( كل شيء) والمستثنى يجب أن يكون داخلا تحت المستثنى منه, فهذا يدل على أنه تعالى يسمى باسم الشيء. ".. انتهى كلام الفخر الرازي. (3)


وقال النسقي :" " قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً } {أَيُّ * شَىْء } مبتدأ و {أَكْبَرَ } خبره و {شَهَادَةً } تمييز و «أي» كلمة يراد بها بعض ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهاماً كان جوابها مسمى باسم ما أضيفت إليه. وقوله {قُلِ ٱللَّهُ }[يونس:12] جواب أي الله أكبر شهادة فـ {ٱللَّهِ } مبتدأ والخبر محذوف فيكون دليلاً على أنه يجوز إطلاق اسم الشيء على الله تعالى، وهذا لأن الشيء اسم للموجود ولا يطلق على المعدوم والله تعالى موجود فيكون شيئاً ولذا نقول الله تعالى شيء لا كالأشياء. " (4)

وقال الألوسي : " وهل يطلق على الله تعالى أم لا؟ فيه خلاف فمذهب الجمهور أنه يطلق عليه سبحانه فقال: شيء لا كالأشياء واستدلوا على ذلك بالسؤال والجواب الواقعين في هذه الآية وبقوله سبحانه: {كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } (القصص: 88) حيث إنه استثنى من كل شيء الوجه وهو بمعنى الذات عندهم وبأنه أعم الألفاظ فيشمل الواجب والممكن." (5)

وأورد أبو حيان الأندلسي رأي الزمخشري : " الشيء : أعم العام. لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه, فيقع على القديم والجوهر والعرض, والمحال, والمستقيم, ولذلك صح أن يقال في الله عز وجل : " شيء لا كتا لأشياء, كأنك قلت : معلوم لا كسائر المعاومات, ولا يصح جسم كالأجسام وأراد ( أي أكبر أكبر شهادة) فوضع شيئا مكان شهيد ليبالغ في التعميم " (6)

ثم أورد قول ابن عطية : " وتتضمن هذه الآية أن الله عز وجل يقال عليه شيء, كما يقال عليه موجود ولكن ليس كمثله شيء " (7)

ثم عقب على ذلك بقوله : " وقال غيرهما : هنا ( شيء ) يقع على القديم والمحدث, والجوهر والعرض, والمعدوم والموجود, ولما كان هذا مقتضاه, جاز إطلاقه على الله عز وجل. واتفق الجمهور على ذلك وخالف الجهم " (8)

وقد ذهب علماء الإمامية إلى نفس ذلك, حيث وافق رأيهم رأي الأغلبية الساحقة من علماء أهل السنة, وسأورد شاهدين على ذلك :

قال العالم الإمامي الكبير الشيخ ناصر مكارم الشيرازي : " ومن هذه الآية نفهم – أيضا إن إطلاق شيء على الله جائز, إلا أنه شيء لا كالأشياء المخلوقة المحدودة, بل هو خالق ولا تحده حدود " (9)

وقال العالم الإمامي الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي : " وقوله : كل شيء هالك إلا وجهه ", الشيء مساوِ للموجود, ويطلق على كل أمر موجود حتى عليه تعالى كما يدل عليه قوله :: قل أي أكبر شهادة قل الله " ... " (10)


(1) التفسير الكبير للفخر الرازي المجلد السادس.
(2) نفس المصدر السابق.
(3) نفس المصدر السابق.
(4) تفسير النسقي.
(5) الألوسي في روح المعاني.
( 6) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي, المجلد 4
(7) نفس المصدر السابق.
(8) نفس المصدر السابق.
(9) تفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي – المجلد4
(10) الميزان في تفسير القرآن للسيد الطباطبائي, المجلد 16

د. حجي إبراهيم الزويد
09-09-2005, 02:16 AM
فائدة :

يقصد بالوجه لغة : المحيا, أو ما يواجه الإنسان من الشخص القابل, أما عندما يطلق الوجه على الله سبحانه وتعالى فيراد منه ذاته المقدسة.

وقد اعتنق علماء الإمامية وأغلبية علماء السنة هذا الرأي :

قال الألوسي : " {كُلّ شَىْء } أي موجود مطلقاً {هَالِكٌ } أي معدوم محض، والمراد كونه كالمعدوم وفي حكمه {إِلاَّ وَجْهَهُ } أي إلا ذاته عز وجل وذلك لأن وجود ما سواه سبحانه لكونه ليس ذاتياً بل هو مستند إلى الواجب تعالى في كل آن قابل للعدم وعرضة له فهو كلا وجود وهذا ما اختاره غير واحد من الأجلة، والكلام عليه من قبيل التشبيه البليغ، والوجه بمعنى الذات مجاز مرسل " (1)

وقال العالم الإمامي الشيخ ناصر الشيرازي :

" ... ولكن الوجه حين يطلق على الخالق فإنه يعني عندئذ ذاته المقدسة " (2)

وللمفسرين أراء أخرى حول المقصود من كلمة وجه, حيث فسروها بالعمل , والدين, والوجهة, ويمكن اعتبار ذلك أراء مرادفة لا مناقضة لمعنى المراد من الوجه, حيث يوجد ما يؤيد ذلك من القرآن الكريم نفسه :

- الجهة التي تنسب إليه أي الناحية التي يتوجه إليها بها, كما في قوله تعالى :

" يريدون وجهه " – الأنعام : 52

" إلا ابتغاء وجه ربك الأعلى " – الليل : 8


- الدين, ويراد من ذلك أن كل دين باطل إلا دين الله تعالى, مصداقا لقوله تعالى :
" ولا تدع مع الله إلها آخر " – القصص : 88


(1) روح المعاني للألوسي.
(2) تفسير الأمثل, المجلد 12

الضاد1
09-09-2005, 11:30 PM
شكراً لك أخي العزيز أبا طالب على هذه المعلومات والتي كنت أجهلها تماماً .

د. حجي إبراهيم الزويد
10-09-2005, 01:22 AM
العزيز الضاد1 :

أشكر لكم تواصلكم.

د. حجي إبراهيم الزويد
10-09-2005, 01:23 AM
" لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاٌّخِرِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ " – البقرة : 177

طرح المشككون بالقرآن شبهات لغوية حول هذه الآية, منها :

- مجيء الصابرين منصوبة, بدلا من كونها مرفوعة ومعطوفة على ( الموفون ).
- في قوله تعالى " ولكن البر من آمن بالله ... " حيث يرون أنه كان ينبغي أن يقول : " ولكن البر أن تؤمنوا وتؤتوا وتقيموا ... " لأن البر هو الإيمان لا المؤمن.

سنتعرض للرد على هاتين الشبهتين, و الإشارة إلى جوانب نحوية لغوية وبلاغية أخرى مرتبطة بهذه الآية الشريفة.

لماذا جاءت ( الصابرين ) منصوبة , ولم تجيء مرفوعة؟

الجواب :

لأنها منصوبة لفعل محذوف تقديره, أخص أو أمدح - أي أخص الصابرين - إشعارا بفضل الصبر وما له من مكانة عظيمة .

لاحظوا وجود القطع بين الموفون والصابرين.

قال الألوسي : " ومجي القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع في الكتاب أيضاً واستحسنه الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع " (1)

وقال الفارسي : " إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح و الذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها, ولا تجعل كلها جارية على موصوفها, لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول, فإذا خولف بإعراب الأوصاف مكان المقصود أكمل لأن الكلام عند الاختلاف يصير كأنه أنواع من الكلام, وضروب من البيان, وعند الاتحاد يكون وجها واحدا, وجملة واحدة " (2)

وللإجابة على الشبهة الثانية :

" ولكن البر من آمن بالله ... "

يوجد هنا جانب بلاغي, وهو الإيجاز بحذف المضاف , وتقدير ذلك : ولكن البر برّ من آمن.

(1) تفسير الألوسي.
(2) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي, المجلد 2

لا زلنا نسبح في جمال هذه الآية :

" لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاٌّخِرِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ " – البقرة : 177

د. حجي إبراهيم الزويد
12-09-2005, 01:03 AM
أود إعطاء مزيد من الإيضاح حول قطع التابع عن المتبوع

" لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاٌّخِرِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ " – البقرة : 177


قطع التابع عن المتبوع – كما هو واضح في هذه الآية الكريمة - يعتبر من الفنون البلاغية, فإذا ذكرت صفات للمدح أو الذم جاء الإعراب مخالفا, وفي ذلك اجتلاب للانتباه, لأن تغيير المألوف يدل على زيادة ترغيب في استماع المذكور, وإعطائه مزيدا من الأهمية.

نجد مثالا آخر على ذلك في قوله تعالى :

" سيصلى نارا ذات لهب. وامرأتُه حمالةَ الحطب " المسد 3-4

تأملوا المقطع : " وامرأتُه حمالةَ الحطب "

امرأة : مرفوعة

حمالة : منصوبة.

امرأته : معطوف على الضمير الفاعل في سيصلى – أي سيصلى هو و امرأته – مرفوعة بالضمة, والهاء ضمير متصل مبني في محل جر.

حمالة : مفعول به لفعل محذوف تقديره, أذم أو أعني .

حمالة : مؤنث حمال, صيغة مبالغة اسم الفاعل الثلاثي من الثلاثي حمل, وزنه فعالة.

د. حجي إبراهيم الزويد
13-09-2005, 01:27 AM
" لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاٌّخِرِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ " – البقرة : 177


" َءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ "

المال : مفعول به ثاني.

(ذوِى ٱلْقُرْبَىٰ ) مفعول أول لـ (أَتَىٰ ) قدم عليه مفعوله الثاني للاهتمام.

قال الجمهور بذلك, حيث أن ذوي هو الآخذ فلزم تقديمه.

" وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ "

أولئك : أولاء اسم إشارة في محل رفع مبتدأ.

هم : ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثان, أو ضمير فصل جاء للتأكيد, لا محل له من الإعراب.

المتقون : خبر المبتدأ الثاني.

جملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول., والرابط بينهما الضمير ( هم ).

في المقطع : " وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ "

جاء الخبر جملة اسمية ليفيد الاستمرار والثبات.

كذلك الحال في " الموفون " فالجملة اسمية تفيد الثبات والدوام كذلك.


الموفون خبر مبتدأ محذوف تقديره ( هم الموفون ).

ويجوز إعراب ( الموفون ) معطوف على من آمن.


" أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا "

جاء الخبر جملة فعلية ليفيد التحقق والوقوع.

" وَفِي ٱلرِّقَابِ "

يوجد في هذا المقطع فن بلاغي, ألا وهو المجاز المرسل, والعلاقة هنا جزئية, حيث ذكر الجزء وأريد الكل.

د. حجي إبراهيم الزويد
13-09-2005, 12:03 PM
إن سبب تقديم المفعول الثاني ( المال ) على المفعول الأول ( ذوي القربى ) :

أولا : تجنب الفصل بين المفعولين بكلمات كثيرا.

تأملوا لوأن سياق الآية هكذا :

" و آتى ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين و فى الرقاب المال على حبه "

سيكون هناك فاصل كبير بين ( ذوي القربى ) و ( المال ) , بينما نجد ي سياق الآية أن تقديم المفعول الثاني, أبعد وجود هذا الفصل الكبير.

ثانيا : كما يمكننا أن نستفيد أيضا أن منزلة المال لدى الإنسان وحبه له قد تكون سببا ثانيا داعما لعملية تقديم المفعول الثاني على المفعول الأول في هذه الآية.

قمر لبنان
14-09-2005, 12:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

أستاذي الكريم ( د . أبو طالب )

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكرك على ما تقدم من إشراقات جميلة في رحاب كتاب الله

استوقفتني مقالة رقم 19 ، والتي تشرح فيها قول الله تعالى " مثنى وثلاث ورباع "

" ...أي كأن السياق هكذا : مثنى أو ثلاث أو رباع " " والخطاب متوجه إلى الناس ، ولذا جاء القرآن بواو التفصيل بين وثلاث ورباع الدال على التخيير ... "

أعرف أن بعض النحاة ومنهم العكبري أول الواو بـ " أو " في الآية سابقة الذكر

لكن تقرع ذهني مجموعة أسئلة : ما دامت " الواو " بمعنى " أو ":

لماذا لم تستعمل " أو " مباشرة في الآية ؟؟ على الشكل التالي : " مثنى أو ثلاث أو رباع "

أليس من فرق في المعنى بين الواو و " أو " ؟؟

ما المعنى الذي تؤديه " الواو " ؟ وما المعنى الذي تؤديه " أو " ؟؟

وهل يصح استبدال حرف بحرف دون أن يتأثر المعنى ؟؟

آسف لأنني عدت بك إلى الوراء ، لكنني أحببت أن أنهل من علمكم

د. حجي إبراهيم الزويد
15-09-2005, 01:58 AM
الأخ العزيز قمر لبنان :

أسعدني حضوركم كثيرا, رعاكم الله.

لقد أخجلني تواضعكم.

جوابا على استفسار شخصكم الكريم :

" فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة - " النساء : 3

تأمل هذه الجملة :

" اقتسموا هذا المال درهمين درهمين , أو ثلاثة ثلاثة, أو أربعة أربعة "

تشير هذه الجملة إلى أنه على المخاطَبين أن يختاروا طريقة واحدة للقسمة فيما بينهم. ولا ينبغي لهم الجمع بين الطرق الثلاث, كأن يأخذ أناس درهمين, وآخرون ثلاثة, وآخرون أربعة.

تأمل هذه الجملة :

" اقتسموا هذا المال درهمين درهمين , و ثلاثة ثلاثة, و أربعة أربعة "

تشير هذه الجملة إلى أنه على المخاطَبين أن يختاروا أي طريقة واحدة للقسمة فيما بينهم, ويمكنهم الجمع بين الطرق الثلاث, كأن يأخذ أناس درهمين, وآخرون ثلاثة, وآخرون أربعة.

ويمكننا إعطاء الجواب نفسه للرد على اختيار ( الواو ) بدلا من ( أو ) :

استخدام حرف الواو يفيد أن يصيب كل ناكح يريد الجمع بين الزوجات ما أراد , كأن يختار فرد زوجتين و آخر ثلاث زوجات و ثالث أربع زوجات.

بينما مجيء ( أو ) يقيد اختيار الجميع في نمط معين من الجمع بين الزوجات, فإما أن يختاروا اثنتين أو ثلاث أو أربع, لا أن ينكح أناس اثنتين, وآخرون ثلاث, وآخرون أربع, لأن أو في هذه الحالة تفيد ما يسمى التخيير الإلزامي, بمعنى اختيار شكل واحد لا الجمع بين تلك الأشكال.

باختصار : الواو تفيد جواز الجمع بين الأنماط , ولو جاءت ( أو ) لذهب معنى التجويز.

أتمنى أن يكون الجواب شافيا.

د. حجي إبراهيم الزويد
15-09-2005, 04:07 AM
ما أردت إيضاحه من قولي : يقيد اختيار الجميع في نمط معين من الجمع بين الزوجات, فإما أن يختاروا اثنتين أو ثلاث أو أربع ...... .

يعني أن من اختار اثنتين لا يجوز له أن يتزوج ثالثة, ومن اختار ثلاث لا يجوز له الزواج من رابعة.

بينما وجود ( الواو ) تفيد أن ذي الزوجتين له أن يختار ثالثة, وذي الثلاث الزوجات له أن يختار رابعة.

قمر لبنان
16-09-2005, 12:07 AM
أستاذي الكريم( د. أبو طالب ) :

أعرف أنه يجوز للمسلم أن يتزوج اثنتين ، ويجوز أن يتزوج ثلاث ، ويجوز أن يتزوج أربع

ويبقى السؤال المهم الذي طرحته سابقا :

أي الحرفين ألصق بهذا المعنى ؟؟ " أو " أم " الواو "

بمعنى آخر : أي الحرفين يدل على معنى التجويز ؟

ولماذا لم تستعمل " أو " مباشرة ما داموا يؤولونها بدلا من الواو ؟؟

هل " الواو " تدل على عدم التجويز ؟؟

هل " أو " التي تدل على التخيير تدل على التجويز ؟؟

شكرا ثانية على تحمل استفساراتنا

ولك مني كل التقدير والاحترام

د. حجي إبراهيم الزويد
16-09-2005, 05:23 AM
عزيزي فصيح لبنان :

إنني سعيد بتواصلك.

" مثنى وثلاث ورباع "

واو التفصيل في الآية يدل على التخيير غير الإلزامي , أما أو فتدل على التخيير الإلزامي, ولذلك جيء بالواو فيها.

لمزيد من الإيضاح, أدعوك إلى قراءة المداخلة العشرين - في هذا الموضوع - للأخ العزيز لؤي الطيبي.

د. حجي إبراهيم الزويد
22-09-2005, 05:25 AM
ما أغنى عنه ماله وما كسب " المسد : 2

" ما أغنى "

للكلمة ( ما ) وجهان :

الأول : أن تكون نافية, بمعنى , أي لم يغن عنه ماله.

الثاني : أن تكون استفهامية, في معنى الإنكار, في محل نصب مفعول به مقدم للفعل ( أغنى ) .

" وما كسب "

للكلمة ( ما ) وجهان :

الأول : أن تكون اسما موصولا , تقديره : الذي كسبه.
الثاني : أن تكون مصدرية, وتقديره : وكسبه.

د. حجي إبراهيم الزويد
27-09-2005, 01:10 AM
من الأمور التي حاول فيها أعداء القرآن النيل من القرآن الكريم قوله تعالى :

ـ (وقطّعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ) – الأعراف : 160

والإشكال الذي طرحه أولئك هو مجيء العدد مؤنثا و المعدود جمعا.

أي لماذا لم يأت السياق القرآني بهذه الصورة : " اثني عشر سبطاً ".

إن الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء هو اعتبارهم ( أسباطا ) معدودا, وهو ليس كذلك.


الواو عاطفة.

قطعناهم : فعل وفاعل ومفعول به.

اثنتي عشر حال من مفعول قطعناهم, كذلك يجوز أن تكون مفعولا به ثانيا للفعل قطع الذي يضمن معنى صير.

أسباطا بدل من ( اثنتي عشر ), والتمييز محذوف, أي : اثنتي عشر فرقة.

أمما بدل من اثنتي عشر, فهي بدل بعد بدل.

قال الأنباري : " و أسباطا منصوب على البدل من ( اثنتي عشرة ) ولا يجوز أن تكون أسباطا منصوبا على التمييز " (1)

و قال أبو علي الفارسي : " ليس قوله ( أسباطا ) تمييزا, ولكنه بدل من قوله ( اثنتي عشر) " (2)

وقال الحوفي : " ( اثنتي عشر ) مفعول لـ ( قطعناهم ) أي : جعلنا اثنتي عشر, وتمييز اثنتي عشرة محذوف, لفهم المعنى. تقديره : اثنتي عشر فرقة ........ ويكون أسباطا نعتا لفرقة, ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه " (3)
ونظير وصف التمييز المفرد بالجمع قول عنترة :

فيها اثنتان و أربعون حلوبة
سودا كخافية الغراب الأسحم (4)

حيث قال سودا ولم يقل سوداء مراعاة للمعنى إذ المراد الجمع.


وذهب الزمخشري إلى أن ( أسباطا ) تمييز, حيث قال : فإن قلت : مميز ما عدا العشرة مفرد, فما وجه مجيئه مجموعا؟ وهلا قيل : اثني عشر سبطا؟

قلت : لو قيل ذلك لم يكن تحقيقا لأن المراد : وقطعناهم اثنتي عشر قبيلة, وكل قبيلة أسباط لا سبط, فوضع أسباطا موضع قبيلة , ونظيره :

بين رماحي مالك و نهشل " (5)

وقد اعترض أبو حيان الأندلسي على رأي الزمخشري بقوله :

" هذا ليس نظيره, لأن هذا من تثنية الجمع, وهو لا يجوز إلا في الضرورة " (6)

و قال الطبر سي : " اثنتي عشر أسباطا يعني اثنتي عشر فرقة, فحذف المميز ولذلك أنث, و أسباطا بدل من اثنتي عشر تقديره وفرقناهم أسباطا وجعلناهم أسباطا " (7)

هناك أراء أخرى ابتعدت عن ذكرها لما فيها من تكلف, حيث أن في ما ذكر كفاية .


(1) البيان للأنباري.
(2) التفسير الكبير للرازي, المجلد 8
(3) تفسير البحر المحيط للأندلسي, المجلد 4.
( 4) المصدر السابق.
(5) الكشاف للزمخشري, المجلد 3.
(6 ) تفسير البحر المحيط للأندلسي, المجلد 4.
(7) مجمع البيان للطبرسي , المجلد 4.

جمال حسني الشرباتي
27-09-2005, 08:49 PM
الاخ الدكتور المحترم

أرى أنّ الرأي القائل بأن تأنيث " إثنتي عشرة " جاء لكون المعدود لفظة "أمما" لا لفظة " أسباطا" والتي مفردها أمّة وهي مؤنث---هذا الرأي أولى من رأي الزجّاج الذي جعل المعدود لفظة مضمرة دلّ عليها المعنى وهو لفظة " فرقة " فكان تأنيث العدد " إثنتي عشرة " عنده بسبب المعنى لأن معنى السبط هو الفرقة وهي لفظ مؤنث

د. حجي إبراهيم الزويد
28-09-2005, 08:41 PM
أخي جمال :

لقد كانت هذه الآية محط اهتمام العلماء لإيجاد مخرج بفسر ما أُ شير إليه.

أنا لم أشر إلى كل الأراء, بل تناولت ما رجحه جمع لا بأس به من العلماء.

بالإضافة إلى الزجاج, وما سبق ذكره من أقوال العلماء الذين أشرتُ إلى أقوالهم, فإن الأخفش وابن الحاجب ذهبوا إلى أن التمييز هو كلمة " فرقة " المحذوفة.

بالنسبة لي أرى أن رأي هؤلاء العلماء راجح, مع احترامي لوجهة نظرك ولمن قال بخلاف ذلك.

د. حجي إبراهيم الزويد
02-10-2005, 11:06 PM
فائدة لغوية :

ذكرت معاجم كاللسان وغيره اللغة أَن الأَسْباط في ولد إِسحق بن إِبراهيم بمنزلة القبائل في ولد إِسمعيل , عليهم السلام , فولَد كلِّ ولدٍ من ولدِ إِسمعيل قبيلةٌ , وولد كلِّ ولد من ولَدِ إِسحق سِبْطٌ , وإِنما سمي هؤلاء بالأَسباط وهؤلاء بالقبائل ليُفْصَلَ بين ولد إِسمعيل وولد إِسحق.

وفي لسان العرب تعقيب جميل حول الحديث النبوي في حق الإمام الحسين : " الحسين سبط من الأسباط "

" الحسين سبط من الأسباط أي أمة من الأمم في الخير, فهو واقع على الأمة والأمة واقعة عليه " (1)

(1) - لسان العرب لابن منظور : ز- س

جمال حسني الشرباتي
03-10-2005, 06:52 PM
:;allh

د. حجي إبراهيم الزويد
06-10-2005, 02:01 PM
الأخ العزيز جمال :

إنني سعيد بتواصلك.

د. حجي إبراهيم الزويد
06-10-2005, 02:02 PM
أثار المشككون شبهة حول قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَات .... " : البقرة - 182- 183


قالوا : ينبغي أن يكون تحل الكلمة " معدودة " بدل " معدودات " لأن الكلمة معدودات تدل على القلة, بينما يشير القرآن إلى صيام شهر رمضان بأكمله والذي يدل على الكثرة.


قال الزجاج : " كل عدد قل أو كثر فهو معدود, ولكن معدودات أدل على القلة لأن كل قليل يجمع بالألف والتاء نحو دريهمات وحمامات, وقد يجوز أن تقع الألف والتاء للتكثير " (1)

في المقطع القرآني " أياما معدودات "

إن ذكر " أياما" نكرة ووصفها بالعددية يدل على تحقيرها وتقليها تخفيفا من مشقة التكليف, وهذا المقطع القرآني منسجم مع ما تقدم ذكره , وسيكون أكثر انسجاما مع روح النص من ذكر " ثلاثين يوما" على سيل المثال.


لقد وردت الكلمة " معدودات " ثلاث مرات في القرآن الكريم :

" واذكروا الله في أيام معدودات ..." : البقرة 203

" أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ... " : البقرة - 184


--------

(1): لسان العرب - المجلد التاسع - ص 77 - طبعة دار إحياء التراث العربي- 1419 هـ.

صلاح الدين يوسف
19-04-2006, 04:35 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بارك الله فيكم شيخنا الغالي و جزاكم عنا كل خير و جعله في ميزان حسناتكم يوم القيامة..
و أرجو منكم أن توضحوا الإشكالات النحوية في الآية الكريمة التالية من سورة المنافقون مع توضيح أسبابها:
"فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق و أكن من الصالحين".
ألا يجب أكن أن تكون أكون بالواو؟؟
بانتظار إفادتكم لنا على أحر من الجمر شيخنا الفاضل
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

لؤي الطيبي
19-04-2006, 06:13 PM
السلام عليكم

(وأكن) في قوله تعالى : ( وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ) [المنافقون: 10] مجزوم على أنه جواب للطلب . والمعنى : إن أخرتني أكن من الصالحين . فجاء في الآية بالمعطوف عليه على إرادة معنى السبب ، وجاء بالمعطوف على معنى الشرط ، فجمع بين معنيي السبب والشرط . فالعطف إذن ليس على إرادة معنى الفاء بل على إرادة معنى جديد .

وهذا ما يسميه النجاة بـ(العطف على المعنى) . فـ(أصدّق) منصوب بعد فاء السببية ، و(أكن) مجزوم على أنه جواب للطلب . ونحو ذلك أن تقول : هلا تدلني على بيتك أزرك ، فــ(أزرك) مجزوم بجواب الطلب والمعنى : إن تدلني على بيتك أزرك . ولو جئت بفاء السبب لنصبت ، فتقول : هلا تدلني على بيتك فأزورك . وإن أسقطت الفاء وأردت معنى الشرط جزمت .

جاء في (معاني النحو) : "عطف (أكن) المجزوم على (أصدق) المنصوب ، وهو عطف على المعنى وذلك أن المعطوف عليه يراد به السبب والمعطوف لا يراد به السبب ، فإن (أصدق) منصوب بعد فاء السبب ، وأما المعطوف فليس على تقدير الفاء . ولو أراد السبب لنصب ، ولكنه جزم لأنه جواب الطلب نظير قولنا : هل تدلني على بيتك أزرك ؟ كأنه قال : إن تدلني على بيتك أزرك . فجمع بين معنيي التعليل والشرط ، ومثل ذلك أن أقول لك : (احترم أخاك يحترمك) ، و (احترم أخاك فيحترمك) . فالأول جواب الطلب ، والثاني سبب وتعليل . وتقول في الجمع بين معنيين : أكرم صاحبك فيكرمك ويعرف لك فضلك ، وهو عطف على المعنى" .

والله أعلم

صلاح الدين يوسف
03-05-2006, 10:47 PM
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
بارك الله فيك و جزاك عني كل خير و جعله في ميزان حسناتك يوم القيامة أخي الغالي لؤي الطيبي
و عندي سؤال آخر أيضا:
في الآية الكريمة التالية : قالوا إن هذان لساحران" . الله عز و جل خالف في تنزيل هذه الآية لغة قريش (حيث أنه كما يرى بعض العلماء قبيلة بني الحارث بن كعب ترى استعمال المثني بالألف دائما عكس قبيلة قريش) ..

فهل هناك آيات أخرى في القرآن الكريم خالف بها الله عز و جل لغة قريش و أنزلها بلغة القبائل الأخرى؟؟
و أرجو إجابتي بأسرع وقت ممكن بارك الله فيكم
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

صلاح الدين يوسف
03-05-2006, 10:53 PM
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
بارك الله فيك و جزاك عني كل خير و جعله في ميزان حسناتك يوم القيامة أخي الغالي لؤي الطيبي
و عندي سؤال آخر أيضا:
في الآية الكريمة التالية : قالوا إن هذان لساحران" . الله عز و جل خالف في تنزيل هذه الآية لغة قريش (حيث أنه كما يرى بعض العلماء قبيلة بني الحارث بن كعب ترى استعمال المثني بالألف دائما عكس قبيلة قريش) ..

فهل هناك آيات أخرى في القرآن الكريم خالف بها الله عز و جل لغة قريش و أنزلها بلغة القبائل الأخرى؟؟
و أرجو إجابتي بأسرع وقت ممكن بارك الله فيكم
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

لؤي الطيبي
03-05-2006, 11:27 PM
الأخ الفاضل صلاح الدين - سلمه الله ..
قد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أقرأني جبريلُ على حرف فراجعته ثمّ لم أزل استزيده فيزيدني حتى انتهى على سبعة أحرف" . وفي حديث آخر "إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه" متفق عليه ..

وفي معنى سبعة أحرف أقوال للعلماء كثيرة ، أهمها وأقواها أنّها سبع لغات لسبع قبائل من العرب .. أي أنّ القرآن الكريم نزل بعضه بلغة قريش ، وبعضه بلغه هذيل ، وبعضه بلغة تميم ، وبعضه بلغة أزد وربيعه ، وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر وهكذا ..

ولكن العلماء متفقون على أنّه لا تجوز قراءته بأيّ لغة من تلك اللغات أو لجهة من هذه اللهجات إلا سماعاً ونقلاً لا اجتهاداً وقياساً .. ولاشكّ أنّ في تلك السبعة الأحرف توسعة وتسهيلاً ..

وبخصوص سؤالك - أخي الفاضل - فقد يفيدك ما في هذا الطرح (http://www.tafsir.org/vb/showthread.php?threadid=191) ، وإلا فعليك أنْ تتوجّه بسؤالك إلى المختصّين من أهل التفسير (http://tafsir.org/vb/forumdisplay.php?f=2) .
وفقك الله وسدد إلى الخير خطاك ..

صلاح الدين يوسف
05-05-2006, 08:00 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بارك الله فيك أخي الغالي لؤي و جزاك عنا كل خير...
وأريد أن أسأل سؤالا :

في بعض الآيات في القرآن نجد : إن الله سميع عليم.. فما العلاقة بين سميع عليم؟ و لماذا يجمع بينهما في أغلب الأحيان..

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

لؤي الطيبي
13-05-2006, 04:52 AM
السلام عليكم ..
الأخ الفاضل صلاح الدين - سلمه الله ..
القرآن كلام الله ، وقد تجلى الله تعالى فيه لعباده بصفاته ..
وإنّ الله تعالى إذا تجلى في القرآن بصفات السمع والعلم والبصر ، انبعثت من العبد قوّة الحياء ، فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره ، أو يسمع منه ما يكره ، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه ، فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع ، غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى ..

ثمّ إنّ في اقتران صفة من صفات العليّ العزيز بصفة أخرى في الكتاب العزيز ، كالسميع العليم ، والسميع والبصير ، وسميع قريب .. أظهر الدِّلالة على أنّ أسماء الربّ تعالى مشتقة من أوصاف ومعانٍ قامت به ، وأنّ كل اسم يناسب ما ذُكر معه ، واقترن به ، من فعله وأمره ..

فتأمّل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ (السَّمِيعُ العلِيم) في قوله تعالى : ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [الأعراف: 200] ، وجاءت الاستعاذة من شرّ الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ (السَّمِيعُ البَصِيرُ) في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللهِ بِغَيرِ سُلطَانٍ أَتَاهُم إِن فِى صُدُورِهِم إِلا كِبرٌ مَّاهُم بِبَالِغِيهِ فاستَعِذ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الَبصِيرُ ) [غافر:56] .

وذاك لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر، وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم ، فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم في الأعراف ، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في غافر ، في باب ما يرى بالبصر ويدرك بالرؤية .
والله أعلم .