المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : كيف توصل الخليل إلى نظريته العروضية



سليمان أبو ستة
02-08-2013, 11:21 PM
مثل معظم العروضيين الذين أجمعوا على أن الخليل وضع علم العروض وحده، واستخدموا للتعبير عن ذلك كلمة (ابتكر)، سوف امتطي هذا الفرض الجموح ، وأشرع في تتبع منهج الخليل بدءا من معرفة الساكن والمتحرك وانتهاء بقواعد الزحاف، مرورا بفكرة الدوائر وتلمس أهمية دورها المؤثر في تمييز الشعر العربي المستعمل والمقبول من غيره مما رده الخليل وطرحه.
في جميع الشعر الذي استقراه الخليل، كانت الحروف المنطوقة وحدها هي الوحدات التي رأى أنها أنسب لوزن الأبيات. فالحرف لا بد أن يكون متحركا أو ساكنا. لكن الساكن لم يكن ليتحقق بغير متحرك يسبقه ، وهذا هو بالضبط ما استطاع الخليل أن يجرد لنا منه مقطعا في صورة سبب خفيف. ثم جرد صورة أخرى تبدأ بمتحركين فساكن سماها الوتد المجموع. لكن الخليل افترض وحدتين أخريين لا تنتهيان بساكن، هما السبب الثقيل والوتد المفروق. والأول وجده في بحور كالوافر والكامل، وكان يمكن أن يعده زحافا لتفعيلتي الهزج والرجز، إلا أن الوقت يبدو مبكرا على شرح ذلك الآن.
أما الثاني وهو الوتد المفروق، فلم يكن صورة متوهمة عنده، كما يرى بعض العروضيين، وإنما له وجود حقيقي أمسك به صاحب الدوائر مسك اليد ومثل له بشاهد مما سمعه ورواه ، ولا يمكنك أن تشك به إلا إذا كنت تشك بعلم الخليل وصدق روايته، وهو ما لم أسمع أن أحدا اتهمه بالنقص في سماعه. قال الكسائي للخليل يوما وهو يجلس في حلقته بالبصره: من أين أخذت علمك هذا ؟ فقال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة. فخرج الكسائي ورجع وقد أنفذ خمس عشرة قنينة حبرا سوى ما حفظ.
وعاد الخليل إلى مخزونه من الشعر الذي سمعه في بوادي الحجاز ونجد وتهامة (والذي لم ينفذ في كتابته، ولا كتابة مؤلفه في العروض، قنينة حبر واحدة) ليعمل بعد ذلك على تجريد أبياته في صورة المتحرك والساكن (لم يكن قد سمع بالمقطع آنذاك، ولم يكن ذلك ليضيره) وهكذا وجدنا له data هائلة حفظ لنا العروضيون منها إلى اليوم زبدتها في 186 بيتا من شواهد الخليل (وفقا لما جاء في العقد الفريد).
وهنا، سوف أفترض أن الخليل كان يصيبه الملل، مثلي، من تقطيع كل بيت من تلك الأبيات التي اجتلبها لتكون حجة على صدق عروضه، فاكتفى بخمسة شواهد هي :
1- أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ××× حنانيك بعض الشر أهون من بعض
2- وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ××× وكما علمت شمائلي وتكرمي
3- دار لسلمى إذ سليمى جارة ××× قفر ترى آياتها مثل الزبر
4- إن ابن زيد لا زال مستعملا ××× بالخير يفشي في مصره العرفا
5- فأما تميم تميم بن مرٍ ××× فألفاهم القوم روبى نياما
ثم إن الخليل، كما هداه الله في اكتشافه لفكرة تقليب جذور الكلمات، في معرفة حدود ما يمكن أن يصل إليه من مستعملها ليضمنه معجمه (العين)، هداه الله أيضا إلى تحديد الأسباب والأوتاد، ثم جمع كل سبب أو سببين ووتد فيما ما سماه التفعيلة، وبعد أن تبين لها شكل هذه التفاعيل في البيت الذي يكون مؤلفا من شطر واحد (يسمى المشطور أو المنهوك) أو من شطرين سمى الأول منهما صدرا والثاني عجزا، بعد أن تبين له ذلك، قام بتدوير هذه الأبيات فتساقطت عليه منها بحور أخرى استعان بها في معرفة الصحيح من الشعر . (ولم يكن من بين هذه الأبيات بيت واحد يشبه ما اخترعه السحار، ولا البيت الذي سمي فيما بعد بلاحق خلوف، مع بعد الفارق ما بين هذين البيتين).
في الأبيات الخمسة التي ذكرناها (وبعد تدويرها) كانت تفاعيل الخليل جلية في عشرة منها، هي:
فعولن فاعلن مفاعيلن مستفعلن فاعلاتن مفعولات مستفع لن فاع لاتن مفاعلتن متفاعلن.
والتفاعيل الخمسة الأولى تبدو بوضوح في الأبيات الخمسة المذكورة، وكذلك التفعيلتان التاسعة والعاشرة (بعد إتمام عملية تدوير هذه الأبيات). أما التفاعيل السادسة والسابعة والثامنة فإن الجزم بوجودها لا يتم إلا عبر رؤية هذه البحور في حالتها من الزحاف، نحو هذا البيت الذي جاء من مزاحفات المنسرح، وهو:
منازل عفاهن بذي الأرا ××× ك كل وابل مسبل هطل
ففيه لا يمكنك إلا أن تقرأ تفاعيله على النحو التالي:
مفاعلن مفاعيل مفاعلن ××× مفاعلن مفاعيل مفتعلن
(مفاعلن هي مستفعلن المخبونة، ومفاعيل هي مفعولات المخبونة، ومفتعلن هي مستفعلن المطوية)
وفي بحر الخفيف شاهد آخر يؤكد حقيقة رؤية ذلك الوتد المفروق.
عملية التدوير التي أجراها الخليل على الأبيات الخمسة (كما افترضنا) أخرجت له خمسة عشر بيتا، سمى كلا منها بحرا، وأجرى على هذه البحور مفاهيم تسمى الجزء والشطر والنهك، فبلغت أربعا وثلاثين عروضا وثلاثة وستين ضربا، ثم تتبع زحافاتها فوجدها تربو على 186 بيتا سميت كلها شواهد الخليل ، وكانت وحدها كل ما تبقى لنا من عروض الخليل الذي تواترت روايته عنه منذ أن وضع الأخفش عروضه وحتى اليوم.
هذه مقدمة نبدأ منها في النقاش حول منهج الخليل، فهل لديك أخي العروضي، وأختي، من تعليق عليها نتناقش حوله ؟

خشان خشان
03-08-2013, 03:22 AM
سلمت أخي وأستاذي الكريم

كلام منطقي ينقصه أثر ما هو معروف عن حكاية التنعيم : ( نعم لا نعم لا لا ) وخاصة أثره على عبارتك :


ليعمل بعد ذلك على تجريد أبياته في صورة المتحرك والساكن (لم يكن قد سمع بالمقطع آنذاك، ولم يكن ذلك ليضيره

والله يرعاك.

سليمان أبو ستة
03-08-2013, 09:18 AM
أخي وأستاذي خشان
إن الأخذ برواية التنعيم، في هذه المرحلة من البحث، سيؤدي بنا إلى تغيير مسار الحديث من حديث حول استفراد الخليل بابتداع علم العروض العربي، إلى حديث يجعل منه مجرد باحث آخر ، كالجوهري والقرطاجني وخلوف وخشان، في سلسلة الباحثين، قديما وحديثا، حول علم قديم ، كان معروفا بعلم العروض العربي، ويسلب منه فرضية ابتداعه من العدم.
ثم إن هناك رواية أخرى لا تقل أهمية وقدما عن رواية التنعيم، جاء في أخبار الخليل بن أحمد في كتاب "طبقات الشعراء" للخليفة ابن المعتز المقتول سنة 296 هـ، قوله :
"حدثني إسحاق بن الصلت الأنباري قال: حدثني المعلّى بن جعفر السعدي قال: كان الخليل بن أحمد أعلم الناس بالنحو والغريب، وأكثرهم دقائق في ذلك، وهو أستاذ الناس، وواحد عصره، وأول من اخترع العروض وفتقه ، وجعله ميزانا للشعر. وكان سببه أنه مرّ في سكة القصارين [في أيامنا المنجدين] بالبصرة، فسمع من وقع الكدين [مدقات القصارين] أصواتا مختلفة، ففكر في هذا العلم وقال: لأضعن من هذا أصلا لم أسبق إليه، فعمل العروض على هذه الأصوات التي في أيدي الناس. وكان ذكيا فطنا عالما بأيام الناس وأخبارهم، وكان مع ذلك شاعرا مفلقا، وأديبا بارعا، وله أيضا في الألحان والنغم كتاب معروف، وهو صاحب كتاب العين الذي جمع فيه أصول الكلام للعرب كلها."
لاحظ أنه ليس نيوتن وحده الذي اكتشف الجاذبية عبر تأمله في تفاحة سقطت على رأسه عن الشجرة، ولكن الخليل أيضا لم يزعجه ويشتت تأملاته صخب مدقات القصارين، بل واستثمرها في اختراع علم بأكمله !

ثناء صالح
03-08-2013, 01:02 PM
أخي وأستاذي خشان
إن الأخذ برواية التنعيم، في هذه المرحلة من البحث، سيؤدي بنا إلى تغيير مسار الحديث من حديث حول استفراد الخليل بابتداع علم العروض العربي، إلى حديث يجعل منه مجرد باحث آخر ، كالجوهري والقرطاجني وخلوف وخشان، في سلسلة الباحثين، قديما وحديثا، حول علم قديم ، كان معروفا بعلم العروض العربي، ويسلب منه فرضية ابتداعه من العدم.
ثم إن هناك رواية أخرى لا تقل أهمية وقدما عن رواية التنعيم، جاء في أخبار الخليل بن أحمد في كتاب "طبقات الشعراء" للخليفة ابن المعتز المقتول سنة 296 هـ، قوله :
"حدثني إسحاق بن الصلت الأنباري قال: حدثني المعلّى بن جعفر السعدي قال: كان الخليل بن أحمد أعلم الناس بالنحو والغريب، وأكثرهم دقائق في ذلك، وهو أستاذ الناس، وواحد عصره، وأول من اخترع العروض وفتقه ، وجعله ميزانا للشعر. وكان سببه أنه مرّ في سكة القصارين [في أيامنا المنجدين] بالبصرة، فسمع من وقع الكدين [مدقات القصارين] أصواتا مختلفة، ففكر في هذا العلم وقال: لأضعن من هذا أصلا لم أسبق إليه، فعمل العروض على هذه الأصوات التي في أيدي الناس. وكان ذكيا فطنا عالما بأيام الناس وأخبارهم، وكان مع ذلك شاعرا مفلقا، وأديبا بارعا، وله أيضا في الألحان والنغم كتاب معروف، وهو صاحب كتاب العين الذي جمع فيه أصول الكلام للعرب كلها."
لاحظ أنه ليس نيوتن وحده الذي اكتشف الجاذبية عبر تأمله في تفاحة سقطت على رأسه عن الشجرة، ولكن الخليل أيضا لم يزعجه ويشتت تأملاته صخب مدقات القصارين، بل واستثمرها في اختراع علم بأكمله !



أولا : وودت أن تتوقف أستاذ سليمان عند أهمية اشتقاق الخليل للبحور المهملة مع علمه بأنها مهملة . فهل القصة مجرد تكرار روتيني لآلية معجمية مماثلة لفرز الجذور اللغوية المستعملة عن المهملة ، أم أن للقصة بعدا آخر إضافيا في ذهن الخليل ؟
ثانيا : اسمح لي أن أتحفظ على استخدام تعبير ( اخترع العلم ) لأن العلم يكتشف اكتشافا ونيوتن اكتشف قانون الجاذبية - على حد تعبيرك - ولم يخترعه . وأما ابتكار ساعة البحور كوسيلة إيضاح لنظام الإيقاع البحري فهو محكوم بقوانين الإيقاع الطبيعية التي حكمت الإيقاع قبل ظهور الخليل والتي اكتشفها الخليل اكتشافا بعد ظهوره ولم يخترعها من العدم . . .عموما ، ليس من صلاحيات الإنسان أن يخترع شيئا من العدم .
تحيتي

خشان خشان
03-08-2013, 03:24 PM
استاذتي الكريمة ثناء

لاحظي أن ما جرت الإشارة إليه منذ الخليل هو ( دوائر البحور ) . أول مرة جمعت الدوائر في ( ساعة البحور ) في الرقمي.

جديد الساعة هو تمثيلها لشمولية نهج الخليل في الكشف عن اتساق الدوائر وتواشجها وامتدادات المحاور بينها الأمر الذي يشكل دليلا إضافيا على صحة الدوائر.

لا تتسق في كل سوي إلا الأجزاء السوية . أي جزء غير سوي لا يتسق في نظام مطرد.

يرعاك الله.

سليمان أبو ستة
03-08-2013, 05:34 PM
أستاذتنا الجليلة ذات المنطق
أولا، أعتقد أن الخليل لم يشتق أيا من مهملات بحوره، فقد تركها مهملة هكذا كما أهمل الجذر لجع ولم يورده في معجمه (العين) وهو يدور مع الجذور المستعملة جعل وعجل ولعج . أما الذين اشتقوا تلك البحور المهملة وكسوها ثوبا رديئا من مما يسمى الشعر، فهم العروضيون البائسون الذين لم يفلح لهم بحر واحد منها حتى المتدارك، الذي بقي مهملا بشكله التام، كائنا من كان مستدركه.
ولذلك لا يدخل هذا المبحث في دراستي لعروض الخليل.
وثانيا، أنا معك في التحفظ على قول القائل (اخترع العروض)، ولكن بعيدا من هذا فإنه يمكنني القول بفخر أن الخوارزمي اخترع علم الجبر بمعنى أنشأه أو أسسه أو وضعه.

سليمان أبو ستة
05-08-2013, 01:06 AM
والعروض الخليلي تستولي عليه فكرة (أو هاجس) الكمال، ولذلك فلما أراد الخليل أن يعرض لنا بحر المديد، عرضه في ثوبه الكامل ذي التفعيلات الأربع ، ولما عرض لنا الهزج قدمه بثوبه الثلاثي التفاعيل ، وكذلك أيضا عرض بحور المضارع والمقتضب والمجتث، مع أنه كان يستطيع أن ينشئ ثلاثة دوائر لهذه البحور المنقوصة، ولا يذكر النقص على لسانه.
وإذا كان الخليل لم يخص تلك البحور بدوائر على قياسها فكيف تريدنا أن نطالبه بتفصيل دائرة تناسب بحر الوافر المستعمل ، وهل كان سيقبل مطلبنا لقاء سبب ناقص بالقطف ؟
إنها، إذن، فكرة الكمال التي ارتبطت هذه المرة مع الحاجة إلى الايجاز. فالبحور المنقوصة الخمسة، ومعها الوافر الوافي، يغني عنها ستة تامة، ولا حاجة للتكرار ما دام مفهوم الجزء أو العلة اللازمة متوفرين، والجزء والعلل لا تتوفر في تلك البحور المنقوصة فحسب وإنما تجدها متوفرة في بحور تامة مستعملة، كالرجز والخفيف.
هكذا صارت الدوائر عند الخليل خمسة، ولا تقل لي أنه رأى النظام الشمسي في زمانه مكونا من خمسة كواكب فأراد محاكاته، بل إن المؤكد أنه استعرض البحور المستعملة في زمانه، وما وجده منها محتاجا إلى تفعيلة لتسلك في دائرته، تطوع له بها وهو في غير حاجة إليها . ثم ، وما أدراه أن التفعيلة التي كان يحتاج إليها المضارع هي مفاعيلن وليست مستفعلن ما دامتا كلتاهما سيتم الاستغناء عنهما وجوبا ؟ .. إنها، إذن، الدائرة التي وسوست له بالاختيار الأول !
وكذلك الأمر على مستوى السبب ، خفيفا كان أو ثقيلا ، فالشكل الطبيعي للسبب الخفيف أن يكون مقطعا طويلا ، فإذا نقص منه ساكن كانت تفعيلته مزاحفة (أي تغيرت عن أصلها). والأمر نفسه في السبب الثقيل إذا نقص حركة (وليس حرفا).
إن الأخفش هو أول من اعترض على تمام السبب في بعض تفاعيل الخليل عندما قال: "وما أرى أصل مستفعلن فيه (أي في الخفيف) إلا مفاعلن ، والسين زيادة كما أن الواو في مفعولات (في المنسرح) زائدة عندي". فكأنه يرى أن السبب الأصلي يمكن أن يكون مؤلفا من مقطع قصير واحد ، وأن الآخر زحاف له .. وزحاف يا له من ثقيل!
وكما استطاع الخليل أن يوزع بحوره على أرفف دوائره، غير عابئ ببقاء بعض منها فارغا يعلوه الغبار عبر القرون الطوال، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فإنه وحده المتدارك، وبعضهم يضبطه بكسر الراء، لم يسعفه دراكه بإحراز قصب السبق، وظل يلوك شاهده المصنوع:
جاءنا عامر سالما صالحا *** بعدما كان ما كان من عامر
مع أنه لم يعدم، وهو في غمرة سباته المستديم، أن يقوم أحد الشعراء بتجربة حظه في محاولة لإيقاظه، ولا بأس إن تبّل ذلك الشاعر قصيدته عليه بشيء من توابل الخبب.
غير أن الحق يقال، لقد نفع مجزوء هذا البحر في توفير أناشيد أقامت عليها جيوشنا مارشاتها العسكرية وقت السلم، ووحده .. وحده أمل دنقل الذي فجر إمكانيات هذا البحر الكامنة في قصيدته .. لا تصالح.

ثناء صالح
05-08-2013, 08:15 AM
استاذتي الكريمة ثناء
لاحظي أن ما جرت الإشارة إليه منذ الخليل هو ) دوائر البحور ( . أول مرة جمعت الدوائر في ) ساعة البحور ( في الرقمي.
جديد الساعة هو تمثيلها لشمولية نهج الخليل في الكشف عن اتساق الدوائر وتواشجها وامتدادات المحاور بينها الأمر الذي يشكل دليلا إضافيا على صحة الدوائر.
لا تتسق في كل سوي إلا الأجزاء السوية . أي جزء غير سوي لا يتسق في نظام مطرد.
يرعاك الله.

كنت قد سهوت عن أن الساعة من إنجازات الرقمي التي يحق للأستاذ خشان أن يمنن بها الخليل كونه جمع بها ما يمكن قراءته متكاملا من الأركان المشتتة للمنهج الخليلي . . .فشكرا لهذا التنبيه أستاذي الكريم . .
في كل الأحوال إن أهم ما يلفت النظر إلى الوشائج التي تربط بين الدوائر حتى وهي منفصلة مكانيا أوشكليا هو نظام التدرج المتزايد في عدد الأسباب المتجاورة بدءا من الدائرة الصغرى وانتهاء بالدائرة الكبرى وهذا النظام المشابه للتدرج المتزايد في العدد الذري للعناصر الكيميائية في جدول مندلييف إنما يدل أولا على اتساق تفكير الخليل وتكامله .وهذا يوحي لنا بأن الخليل كان جديرا بأن يفكر باشتقاق البحور المهملة بالفعل حتى وهو يعلم بأنها مهملة وستبقى مهملة . . .لذا فأنا أستغرب أن الأستاذ سليمان ينفي أن يكون الخليل قد اشتق هذه البحور خاصة مع قوله ستة;599829]والعروض الخليلي تستولي عليه فكرة (أو هاجس) الكمال، ولذلك فلما أراد الخليل أن يعرض لنا بحر المديد، عرضه في ثوبه الكامل ذي التفعيلات الأربع ، ولما عرض لنا الهزج قدمه بثوبه الثلاثي التفاعيل ، وكذلك أيضا عرض بحور المضارع والمقتضب والمجتث، مع أنه كان يستطيع أن ينشئ ثلاثة دوائر لهذه البحور المنقوصة، ولا يذكر النقص على لسانه.‏

إنها، إذن، فكرة الكمال التي ارتبطت هذه المرة مع الحاجة إلى الايجاز.
.[/QUOTE]
يخيل إلي أن شخصا قد سيطر على تفكيره هاجس فكرة الكمال لابد أن يصل باستكمال عملياته الذهنية حتى مصافها الأخير . . فلماذا لا يكمل الخليل بنفسه عمليات التدوير التي ستدر عليه وابلا من البحور المحتملة غير المطروقة واقعيا ؟ ما المانع ؟
هل لديك دليل يا أستاذ سليمان على أن الخليل لم يفعل ذلك كي نؤيد اتهامك للعروضيين البائسين بعد الخليل بأنهم هم الفاعلون ؟

سليمان أبو ستة
05-08-2013, 09:02 PM
لكي أقرب الأمر أكثر إلى الذهن سوف أشبه عملية تدوير البحور بعملية تكرير النفط. ففي مرحلة نحصل على بنزين الطائرات وهو أنقى أنواع البنزين، وفي مرحلة أخرى نحصل على البنزين السوبر ثم العادي ثم الديزل ثم الكيروسين وهكذا حتى نصل إلى الزفت.
والبحور المهملة بمنزلة الزفت أو القار أو الأسفلت، ولم يصنع الخليل دوائره لكي يخرج لنا منها مشتقات البحور، وإنما ليعرض عليها ما استقرأه من الشعر ، فإن وجد ما يوافقها (ولو تطلب الأمر قدرا من الجزء أو النهك أو نوعا من العلة اللازمة) لم يتردد في استعمالها، وسوف نجده يختار لهذا البحر أو ذاك اسما جديدا لم يكن معروفا عند العرب من قبل كما اختار أسماء بحور المضارع والمقتضب والمجتث.
أما العروضيون (البائسون) فهم أولئك الذين تكلفوا صنع شواهد هزيلة على تلك المشتقات المهملة من البحور ، ولم يجدوا لبضاعتهم تلك من رواج.
أشكر لك أختي ثناء تفاعلك مع هذا الموضوع وأتمنى أبدى الأخرون تفاعلهم ، فبهذا وحده يغتني النقاش ويتوسع.

سليمان أبو ستة
07-08-2013, 01:53 AM
من المسائل التي لم نتعرض لها حتى الآن، والتي أدت إلى اتهام الخليل بتعقيد العروض، كثرة الزحافات. ولقد كنت أعتقد ، ولعلي لا أزال، أن الزحافات تتبع قانونا لا دخل للشاعر به، حتى نبهني أخي أبو عاصم إلى خطأ تقديري في عدم لزوم زحاف معين. بل إن الخليل نفسه لم يسلم أيضا من الزلل حين افترض في ضرب المتقارب المحذوف لزوم السبب فيه السلامة، وخالفه في ذلك الأخفش، وهو ما أعتقد أن أخي أبا صالح لا يزال يسعى إلى الوصول إلى قناعة في تركيبته المؤلف من 2 1 2 .
ما علينا ، فالخليل لم يكن في نظريته للزحاف التي تعبر عنها قوانينه الثلاثة في المعاقبة والمراقبة والمكانفة، يفرض علينا زحافات متوهمة. لا ، بل كان في عمله تجريبيا يستخدم علم الإحصاء على الأسس التي كانت متاحة له في القرن الثاني الهجري، والدليل على ذلك عشرات الأبيات الشواهد التي بقيت حية من كتابه المفقود، وما زالت تعج بقدر كبير من الزحافات التي كف الشعراء عن ارتكابها منذ العصر الجاهلي.
وفيما يلي جدولان لهذه الزحافات في العصرين الجاهلي والأسلامي حتى نهاية الدولة الأموية (اعتمدت فيهما على كتاب عروض الشعر العربي للدكتور محمد العلمي، واستخرجت الدوال الاحصائية من قوائمه المنشورة). ونلاحظ في هذين الجدولين أن أكثر زحاف كان يستعمل في الجاهلية هو زحاف القبض في مفاعيلن في حشو الطويل ، حيث نلاحظ أن أخذ في التناقص إلى أن كاد يختفي تماما في العصر العباسي. أما باقي الزحافات المستخدمة كما تلاحظ قليلة، وقد كادت تختفي في العصور التي عصر الجاهلية وأول الإسلام.
وهناك زحافات ذكرها الخليل، كالخبل في البسيط والمنسرح والنقص والعقل في الوافر وشكل فاعلاتن في الرمل وكف مستع لن في الخفيف وشكل مستفعلن في الخفيف، وكلها زحافات لا أمثلة عليها إلا قدمه الخليل من شواهد مفردة.

الظواهر الخليلية في الشعر الجاهلي
1 2 3 4 5
المتغير عدد الشعراء عدد مرات الزحاف الوسط الحسابي الانحراف المعياري

قبض مفاعيلن في حشو الطويل 54 588 10.89 14.14
كف مفاعيلن في الطويل 3 6 2 1.41
كف فاعلاتن في المديد 2 8 4 3
خبن مستفعلن الثانية في البسيط 15 34 2.27 1.12
طي مستفعلن في البسيط 30 102 3.4 3.8
خبل مستفعلن في البسيط 4 8 2 1.22
الوقص في الكامل 14 29 2.07 10.33
الخزل في الكامل 5 5 1
قبض مفاعيلن في الهزج 1 1 1
كف فاعلاتن في الرمل 1 3 3
خبن مستفعلن الثانية في السريع 1 1 1
خبل مفعولات في المنسرح 1 1 1
كف فاعلاتن في الخفيف 2 2 1



جدول رقم (1)

الظواهر الخليلية في الدواوين الإسلامية والأموية
1 2 3 4
المتغير عدد الشعراء عدد مرات الزحاف الوسط الحسابي الانحراف المعياري

قبض مفاعيلن في حشو الطويل 85 642 7.55 9.52
كف مفاعيلن في الطويل 7 10 1.43 0.73
كف فاعلاتن في المديد 2 6 3 1
خبن مستفعلن الثانية في البسيط 14 19 1.36 1.04
طي مستفعلن في البسيط 44 251 5.7 10.32
خبل مستفعلن في البسيط 4 4 1
العقل في الوافر 5 6 1.2
النقص في الوافر 5 14 2.8
الوقص في الكامل 11 21 1.91
الخزل في الكامل 7 10 1.43
قبض مفاعيلن في الهزج لا يوجد
كف فاعلاتن في الرمل 1 1 1
قبض مستفعلن الثانية في السريع 2 2 1
خبل مفعولات في المنسرح لا يوجد
كف فاعلاتن في الخفيف 1 1 1


جدول رقم (2)
(ملاحظة: سأحاول لاحقا تصحيح ترتيب الحقول المضطربة أمامكم، وعددها خمسة فيرجى ملاحظة ترتيبها الأفقي )

سليمان أبو ستة
10-08-2013, 12:31 PM
قال المعري من جواب عن كتاب رجل يعرف بابي الحسين أحمد بن عثمان النكتي البصري، وكان قد اطلع على ديوان شعر له أهداه إياه، فأعجب بتجنبه مستكره الزحاف:
.. فكيف نافى العِيّ، ولم يكفّ السباعي، وقد كفته فحول الشعراء.
.. وهبه اجتنب الكف ولم تبعثه إليه الشيمة المركبة كما اجتنبه كثير من المتقدمين فلم يوجد في أشعارهم، فكيف سلم من القبض الذي هو للكف معاقب. إن ذلك لحس ثاقب، قل ما تسلم قصيدة جاهلية بنيت على الطويل من أن يستعمل فيها قبض السباعي ...
.. ولما عمد أدام الله عزه لبناء الوافر والكامل، حاد به كرم السوس عن شناعة الوافر بعقل أو نقص، وبرّأ الكامل من الخزل والوقص، على أن العقل مفقود في شعر العرب ...
هذه بحور قليلة حمد فيها المعري لتلميذه تجنبه لبعض الزحافات، ولكن ماذا نقل عن الخليل نفسه وقد هجر ذلك النوع من الزحاف في ديوانه بأجمعه، فكيف بالذين يحتجون بأن الخليل رخص لهم تلك الزحافات لا يتبعون سنته.
غير أن الخليل أراد لكتابه في العروض أن يحيط بما تقدم من أبنية وزحافات ، ولو كان بعضها قد انقرض مثل رابع السريع ومخلع البسيط عنده، وما تأخر مما جد من أبنية وزحافات، نحو ثاني المنسرح المقطوع، وغيره من الضروب التي استدركت عليه من بعده، وهي كلها مما يستوعبها نظامه.

سليمان أبو ستة
11-08-2013, 03:16 PM
توهم كثير من مؤرخي علم العروض، إن كانوا حقا يعدون من المؤرخين، فظنوا أن الخليل وجد ساحة هذا العلم خالية من العلماء الباحثين فيه قبله. فمثلا قال ابن سلام الجمحي: "ولم يسبقه إلى مثله سابق من العلماء كلهم". كما رأى الدكتور مهدي المخزومي أن "العروض العربي لم ينشأ إلا حين دعت إليه الحاجة ، ولم تتسم هذه الحاجة بالضرورة إلا بعد أن اختلط العرب بغيرهم، وعاشوا في بيئة واحدة يتبادلون في العيش والعادات والثقافات، وإلا بعد أن أخذت تفد على المجتمعات العربية مع الوافدين الأجانب أوزان لم يكن للعرب بها عهد، وكان الخليل بن أحمد هو المتحمل لهذه التبعة، والمنقذ للتراث العربي، حين شعر بالخطر يهدده".
لكن ساحة ذلك العلم لم تكن صعيدا بلقعا ، فلقد كان علم العروض يتطور خلال عصور الجاهلية وعصور ما بعد الإسلام بشكل حثيث أسفر عن نشوء بعض الأوزان كالمجتث، وغيره من الأعاريض والضروب. وكان من الطبيعي أن يتلقى الخليل هذا العلم عن شيوخه، فلم يكن معهودا أبدا أن لا يكون للعالم من شيخ يأخذ عنه العلم ثم يزيد عليه إن شاء. والعلماء الذين سبقوا الخليل وبحثوا في هذا العلم متعددون ، ومنهم قوم في الجاهلية (جمعتهم مدارس شعرية) ومنهم شيوخ في الإسلام وبعضهم عاصره الخليل وسمع منه.
غير أن المصادر التي نقلت لنا علم العروض قبل الخليل كانت شحيحة مقتضبة، ولعل أول صورة لحال العروض القديم هي ما وجدناه في كتاب القوافي للجوهري، قال: "اعلم أن العرب قسمت جميع أشعارها أربعة أقسام جعلت كل قسم منها لمعنى، فجعلت أحدها للترنم والغناء عند الركوب، وسمت هذا القسم القصائد، وهو كل بيت تام جاء على أصله في الدائرة لم يسقط منه شيء كالطويل والبسيط التام والوافر التام والكامل التام والرجز التام. وقد قيل إنهم ربما تغنوا بالخفيف أيضا. وجعلت القسم الثاني للمذاكرات في المجالس والمفاخرات فيها وللمديح والهجاء، وسمت هذا القسم الرمل، وهو كل بيت مجزوء كمجزوء المديد ومجزوء البسيط ومجزوء الوافر ومجزوء الكامل وما أشبه ذلك. وجعلت القسم الثالث للترنم في أسواقهم في أعمالهم ولحدو الإبل وسمته الرجز، وهو كل ما كان على ثلاثة أجزاء كمشطور الرجز ومشطور المنسرح ؟
وجعلت القسم الرابع لسوق الإبل وزجرها ولترقيص الصبيان ولاستقاء الماء من الآبار، وهو كل ما جاء على جزئين كمنهوك الرجز ومنهوك المنسرح. ثم قد يستعمل كل واحد من هذه الأقسام في غير موضعه، إلا أن أصل وضعه كما ذكرنا".
وهذا النص، أو نحو منه، ذكره الأخفش في كتابه القوافي، ونسبه إلى كثير من العرب.
ونلمس في النص الذي ذكره الجوهري صورة للعروض تكاد تكون مكتملة ببحورها التامة والمجزوءة والمشطورة والمنهوكة، بل إن فيه إشارة إلى الدوائر وإن لم نعرف كنهها. ولم يذكر الخليل مشطور المنسرح ولكنه رؤي في بعض أشعار الأندلسين بعد الخليل بقرون.
وربما كان الخليل مسبوقا في تأليف كتاب العروض ، فقد علمنا أن المفضل الضبي (ت 168 هـ)، وكان كوفيا، وضع كتابا باسم العروض لم يصلنا هو الآخر. ولكن ثعلب وهو رئيس المدرسة الكوفية ذكر أيضا أن "العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول يوضع على بعض أوزان الشعر، كأنه على وزن:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
يسمون ذلك المتير ، واشتقاقه من المتر، وهو الجذب أو القطع، يقال: مترت الحبل بمعنى قطعته أو جذبته". قال الباقلاني، الذي أورد كلام ثعلب في كتابه إعجاز القرآن: ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره ، فيحتمل ما قاله.
وتبدو هذه الحكاية هي النسخة الكوفية من حكاية التنعيم التي ذكرها الخليل البصري.
وقال ابن فارس في كتابه الصاحبي : "فان قال قائل فقد تواترت الروايات بأنَّ أبا الأسود أول من وضع العربية و أنَّ الخليل أول من تكلم في العروض، قيل له: نحن لا ننكر ذلك بل نقول: إنَّ هذين العلمين قد كانا قديماً، و أتت عليهما الأيام و قَلاّ في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان.
هذا الرأي ليس لمؤرخ فقط ، وإنما لأول فيلسوف علم عربي . لكن ظاهر كلامه يدل على أنه يرجع بالقدم إلى بدايات العصر الجاهلي، وهي المدة التي قدرها الجاحظ بمائة وخمسين عاما قبل ظهور الإسلام أو مائتين على أكثر تقدر. ولكنه لو قصر كلامه على الفترة القريبة التي سبقت عصر الخليل، أو إلى ما قبل الإسلام بقليل، لوجد علما كان لا يزال حيا في صدور العلماء، مع أن الكتابة والورق بل والكتب كانت متوفرة حتى في زمن الجاهلية كما أثبت صاحب "مصادر الشعر الجاهلي".

سليمان أبو ستة
17-08-2013, 09:34 PM
لم ينكر الخليل نفسه أنه كان مسبوقا بهذا العلم ، وأن دوره فيه لم يتجاوز حد الاستدراك أو التعديل في معطيات هذا العلم الذي كان قائما قبله بقرون، وتطور عدة مرات في الجاهلية والإسلام حتى وصل إلى الخليل على نحو قريب من الصورة التي حكاها لنا في قصة تعرفه (أول مرة) على هذا العلم، قال أبو بكر محمد القضاعي في كتابه "الختام المفضوض عن خلاصة علم العروض" : "وتكاد تجزئة الخليل تكون مسموعة من العرب، فإن أبا الحسن الأخفش روى عن الحسن بن يزيد أنه قال: سـألت الخليل بن أحمد عن العروض ، فقلت له: هلا عرفت لها أصلا. قال: نعم ، مررت بالمدينة حاجا، فبينا أنا في بعض طرقاتها، إذ بصرت بشيخ على باب يعلم غلاما، وهو يقول له: قل:
نعم لا نعم لا لا نعم لا نعم نعم ××× نعم لا نعم لا لا نعم لا نعم لا لا
قال الخليل: فدنوت منه فسلمت عليه، وقلت له: أيها الشيخ، ما الذي تقوله لهذا الصبي ؟ فذكر أن هذا العلم شيء يتوارثه هؤلاء الصبية عن سلفهم، وهو علم عندهم يسمى التنعيم، لقولهم فيه نعم. قال الخليل: فحججت، ثم رجعت إلى المدينة، فأحكمتها".
وأول، وأهم ما نلاحظه في هذا النص، ورود لفظ العلم وصفا للمعلومات التي كان يلقنها الشيخ لتلاميذه. والثاني قوله (يتوارثه هؤلاء الصبية عن سلفهم) وهو ما يدل على قدم هذا العلم المتوارث. والثالث أن لهذا العلم إدارة تعليمية ومدرسة للتعليم وتلاميذ يكونون في المستقبل مجتمعا علميا، ومن هذا المجتمع العلمي كان أناس ممن نقضوا كتاب الخليل وخالفوه في عمله، وهو ما يدل على نضوج هذا المجتمع وعمق ثقافته.
من ناحية ثانية، أعتقد أن هذا الرواية تلت رواية أخرى تحدثنا عنها بأعلاه حول بدايات اكتشاف الخليل لعلم العروض واختراعه له عبر مروره في سكة القصارين بالبصرة وسماعه من وقع الكدين أصواتا مختلفة، ثم جاءت رواية التنعيم تطبيقا عمليا على ما أحس به الخليل لم يلبث أن تطورعنده إلى نظرية في السبب والوتد وما تلاهما من فكرة الدوائر.
ولعل هذا التطوير الذي أحدثه الخليل في علم العروض العربي القديم هو الذي جعل الناس يظنون أنه اخترع هذا العلم اختراعا، وفتقه فتقا .. إلى آخر تلك الأوصاف التي أسبغوها عليه تعظيما له أو جهلا بما كان عليه حال العلم قبل الخليل. بل إنا وجدنا هؤلاء المطبلين والمهللين لعمل الخليل يزعمون أنه تعلق بأستار الكعبة ودعا الله أن يهبه علما لم يسبقه أحد إليه، وبذلك وفروا لزعمهم بأسبقية الخليل غطاء ميتافيزيقيا، مع أن الخليل لخص الموضوع كله في كلمة واحدة تدحض تخرصات المتخرصين، وهي قوله في آخر روايته : فأحكمتها .. ! أي أنه وجد علما جاهزا عمل على تطويره كما نعمل نحن جميعا في كل عصر ، فننقد عمل الأولين ونطور ما شئنا من التطوير، ونحكم ما وسعنا الإحكام، في علم قائم سوي على مر القرون.

خشان خشان
18-08-2013, 01:02 AM
أخي واستاذي الكريم أبا إيهاب

العلم علمان

الأول : علم بالمعنى اللغوي بمعنى معلومات كذلك الذي يحصل عليه الإنسان من الصحف، ويمكن تحصيل كل جزئية فيه على ‏حدة دونما حاجة للربط بين الجزئيات

والثاني : علم بالمعنى الاصطلاحي الذي يعني أنه ذو منهج وتقعيد شمولي.‏

ما كان قبل الخليل لا شك أنه من النوع الأول
ما أبدعه الخليل ممثلا في منهجه ودليله دوائر بحوره هو النوع الثاني. الذي اشتق منه الخليل تفاصيل بدت للناس كأنها من النوع ‏الأول وإن كانت أكثر استيعابا وتفصيلا. ولم يدرك الناس العلاقة بين الإثنين عند الخليل فمن ذكر دوائره اعتبرها مجرد طرفه. ‏ولم يتطرق أي من كتب العروض إلى تفكير الخليل ومنهجه كما قال الأستاذ ميشيل أديب.‏

ومن انطلقوا مما قبل الخليل أو حتى مما بدا من النوع الأول عند الخليل دون فهم لمنهجه أو حتى وعي عليه جاءت أراؤهم مختلة ‏جزئية ‏

يحفظك ربي ويرعاك.‏

سليمان أبو ستة
19-08-2013, 09:12 PM
أخشى أخي خشان أن علم الخليل نفسه، بالإضافة إلى كل ما ابتدعه العرب من العلوم أو طوروه بات يعد، عند فلاسفة العلم الأوروبيين المحدثين، من النوع الأول الذي ذكرته. وعموما فهؤلاء الفلاسفة يؤرخون لبداية العلم بمفهومه الحديث بدءا من عصر النهضة الممتدة من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر حيث نبغ فيها عندهم علماء من نحو كبلر وجاليليو وديكارت وباسكال ونيوتن وغيرهم..ممن أخذوا في اتباع المنهج التجريبي في الاستقراء، هذا المنهج الذي ابتدعه العرب، وطبقه علماؤهم من نحو الحسن بن الهيثم والبيروني وجابر بن حيان وأخذه عنهم ثم بشر به الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون حتى بات ينسب إليه وحده.
وهؤلاء الفلاسفة يزعمون أن كل ما سبق عصر النهضة من العلوم يعد من مرحلة ما قبل العلم، ولا شك أنهم يعتبرون العلم العربي من بينها ، هذا إن كانوا يعترفون بوجود علم عربي. قال الفيزيائي والرياضي الفرنسي بيير دوهم، مؤسس التيار الطاقي في الفيزياء: "لا يوجد علم عربي". ويعقب مؤرخ العلوم بيير روسو على ذلك قائلا: " هذا صحيح، فنحن لسنا مدينين لبغداد بأي نظرية جديدة".
فلنحاول، أخي خشان، أن نرسم صورة أقرب إلى الواقع عن طبيعة علم العروض العربي قبل الخليل بن أحمد، فلطالما أعجبت بقول نيوتن: : "إذا كنت أنا قد رأيت أكثر مما رأى معظم الرجال، فذلك لأنني وقفت على أكتاف عمالقة". وما أظن الخليل إلا عالما أكثر من نيوتن تواضعا بحيث لا ينكر أنه وقف على أكتاف عمالقة من علمائنا عبر العصور المنسية في الجاهلية والإسلام.

خشان خشان
20-08-2013, 01:26 AM
أخشى أخي خشان أن علم الخليل نفسه، بالإضافة إلى كل ما ابتدعه العرب من العلوم أو طوروه بات يعد، عند فلاسفة العلم ‏الأوروبيين المحدثين، من النوع الأول الذي ذكرته. وعموما فهؤلاء الفلاسفة يؤرخون لبداية العلم بمفهومه الحديث بدءا من ‏عصر النهضة الممتدة من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر حيث نبغ فيها عندهم علماء من نحو كبلر ‏وجاليليو وديكارت وباسكال ونيوتن وغيرهم..ممن أخذوا في اتباع المنهج التجريبي في الاستقراء، هذا المنهج الذي ابتدعه ‏العرب، وطبقه علماؤهم من نحو الحسن بن الهيثم والبيروني وجابر بن حيان وأخذه عنهم ثم بشر به الفيلسوف الإنجليزي ‏فرانسيس بيكون حتى بات ينسب إليه وحده‎.
وهؤلاء الفلاسفة يزعمون أن كل ما سبق عصر النهضة من العلوم يعد من مرحلة ما قبل العلم، ولا شك أنهم يعتبرون العلم ‏العربي من بينها ، هذا إن كانوا يعترفون بوجود علم عربي. قال الفيزيائي والرياضي الفرنسي بيير دوهم، مؤسس التيار ‏الطاقي في الفيزياء: "لا يوجد علم عربي". ويعقب مؤرخ العلوم بيير روسو على ذلك قائلا: " هذا صحيح، فنحن لسنا مدينين ‏لبغداد بأي نظرية جديدة‎". ‎

أخي واستاذي الكريم أبا إيهاب
إضافة لما ذكرته من توضيح رأي الغربيين عموما فينا وفي علم العروض خاصة وتقييم ذلك الرأي أسوق ما قاله العالم الموضوعي ثاقب الرأي الأستاذ ‏إدوار سعيد ومن شأن معرفتنا بذلك أن لانقيم وزنا للآراء المجانفة للحقيقة حتى قال بها غربيون كبار :‏
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=78588
يقول إدوارد سعيد: "لقد كان أحد الضوابط المقيدة التي أثرت على المفكرين المسيحيين الذي حاولوا فهم الإسلام ينبع من ‏عملية قياسية: مادام المسيح هو أساس العقيدة المسيحية، فقد افترض -بطريقة خاطئة تماماً- أن محمداً كان للإسلام ما ‏كانه المسيح للمسيحية. ومن ثم إطلاق التسمية التماحكية "المحمدية" على الإسلام‎.
هذا المبدأ ينطبق بتمامه على عروض الشعر العربي الذي بدأت عملية تحديثه على أيدي المستشرقين في عشرينيات القرن ‏التاسع عشر تقريباً. فقد فوجئ المستشرقون لدى اتصالهم به، بأنه وظف فقط كآلة لقياس ضبط الأوزان، عبر مقارنتها -أي ‏الأوزان- بصور الأعاريض والضروب المحددة في كتب العروض‎.
وكان من الطبيعي أن يفترضوا أنه كعلم الأوزان الشعر، فلا بد من أن يكون أيضاً علماً للإيقاع. وليس في ذلك أية مجازفة. ‏وبدأوا من ثم يبحثون فيه عن مفهوم الإيقاع وقوانيه‎.
غير أن الفرضية الخاطئة التي وقعوا فيها، تؤكد مقولة "إدوارد سعيد"، أنهم تصوروا عروض الشعر العربي كأعاريضهم ‏الأوروبية، وتعاملوا معه بما عرفوه عن الظواهر الصوتية والإيقاعية المعروفة في لغاتهم الأوروبية‎.
وتعددت الإتجاهات والفرضيات، لكن شيئاً واحداً لم يتغير لديهم جميعاً، هو أنهم تعاملوا -كما يقول أحدهم وهو المستشرق ‏‏"جوتهلد فايل" مع موضوع غريب عنهم كلياً. وقادهم هذا لأن يقترفوا جنايات عديدة، حصرها "فايل" في "دائرة المعارف ‏الإسلامية" تحت مادة "عروض‎"‎

فلنحاول، أخي خشان، أن نرسم صورة أقرب إلى الواقع عن طبيعة علم العروض العربي قبل الخليل بن أحمد، فلطالما أعجبت ‏بقول نيوتن: : "إذا كنت أنا قد رأيت أكثر مما رأى معظم الرجال، فذلك لأنني وقفت على أكتاف عمالقة". وما أظن الخليل إلا ‏عالما أكثر من نيوتن تواضعا بحيث لا ينكر أنه وقف على أكتاف عمالقة من علمائنا عبر العصور المنسية في الجاهلية ‏والإسلام‎.‎

قول نيوتن يدل على موضوعيته وتواضعه ويبعث على احترامه
لا شك أن الخليل ذو موضوعية ومتواضع ويستحق الاحترام ولكن اتصاف كل من العالمين بنفس الصفات لا يترتب عليه ‏بالضرورة أن الخليل وقف على أكتاف عمالقة سبقوه كما وقف نيوتن. فالمنهجية التي توصل إليها الخليل سبق بها من ‏سبقوه ومن تبعوه ممن لا زالوا يجهلون تلك المنهجية حتى اليوم. وليت كثيرا من هؤلاء الذين يتنقصون الخليل واسوق من ‏هؤلاء الأستاذ محمد العياشي مثالا " .يعترفون له من المكانة - وهو العلم والنور - بما يبدو وكأننا نفرضه على الخليل ‏فرضا لعباقرة متوهمين سبقوه يقف على أكتافهم. ‏
وينطبق على الأستاذ العياشي وسواه من متنقصي الخليل ما ورد في الرابط أعلاه وأرجو أن تطلع على ذلك الرابط : "والإشكالية التي وقع بها دارسو عروض الشعر العربي من العرب، أنهم وقعوا تحت رحمة هذا التصور، واستبعد غالبيتهم أن يكون لعلم العروض منهج يذكر. أما من قال منهم عن منهجه، فقد استبعد أن يكون لمنهجه، إن وجد، قيمةٌ علمية يعتد بها. وتبدى ذلك بإكبار محاولات المستشرقين، والتقليل من شأن الخليل بطريقة منفرة."

الخليل منشئ منهجيته ومنشئ علم العروض وافتراض عباقرة سبقوه في هذا شيء يناسب تمنياتك وقد يكون جميلا جدا. ‏ولكن لي من لمْس عبقرية وأصالة منهج الخليل ومعرفة تناول من تبعوه للعروض ما يجعلني أجزم بأن الخليل غير مسبوق ‏فيه بل ولم يفهمه حق فهمه أحد بعده حتى اليوم ولله در الأستاذ ميشيل أديب القائل : ‎" ‎وأكثر ما يعيب‎ ‎كتب العروض القديمة‎ ‎والحديثة، أنها، ‏على الرغم من مظاهر العبقرية، التي لم يكشف الخليل عن أسرارها،‎ ‎لم تحاول تحليل العملية الذهنية لتي مكَّنت الخليل من ‏بلوغ هذه القمَّةالرياضية‎ ‎التي لا تتأتَّى إلاَّ للأفذاذ‎.‎‏"‏
هل لديك برهان أستاذي يخالف ما عليه اغلب الناس والروايات من تأسيس الخليل لهذاالعلم الشامل المنهجي المقعد سوى ‏ما يروى عن العرب من معرفة العرب لبعض الأوزان والتنعيم ونحو ذلك في غياب مطلق للمنهجية والشمولية.‏

كم هو جميل افتراضك وكم هو خيالي. ‏أتمنى أن أكون مخطئا فحاول أن ترسم وأن تخفف من التخيل في ذلك الرسم.

أزعم أن أهم ما تمخض عنه الرقمي هو البرهنة على رقي وشمولية منهجية الخليل رقيا غير مسبوق وغير ملحوق ولم يتضح لي ذلك بهذا الجلاء إلا في بضعة الشهور الأخيرة ومن الفضل في ذلك ما يعود إلى محاوريّ الكرام ممن تجاوزا الخليل.

والله يرعاك

سليمان أبو ستة
20-08-2013, 07:15 PM
من أهم مظاهر التحقق من وجود علم ما ، ومن الدلائل على توفر نظرية أو نموذج إرشادي (paradigm)، حسب مصطلح فيلسوف العلم توماس كون، هو توفر مجتمع علمي (scientific society) يعمل وفق ما يمليه هذا النموذج الإرشادي.
وبطبيعة الحال فإن قولنا هذا ينطبق بشكل كبير على حال العلم العروضي اليوم، فالنظرية أو النموذج الإرشادي الذي وضعه الخليل اكتسب قبول المجتمع العلمي على مر العصور. واليوم إن أردت إحصاء حجم هذا المجتمع العلمي (الذي يطلق عليهم: العروضيون) يلزمك إحصاء عدد الجامعات التي تدرس الأدب العربي في الوطن العربي والعالم بأسره وتقدير طلابها جميعا على مدى عشرات السنوات، عدا عن آحاد المجامع العلمية ومختلف المراكز الثقافية.
غير أننا نحاول تقدير حجم هذا المجتمع العلمي في الجاهلية والإسلام قبل الخليل بن أحمد، فلا تشير لنا المصادر الشحيحة إلا إلى بعض المدارس الشعرية التي كانت معروفة في الجاهلية واستمرت إلى ما بعد ظهور الإسلام. ومن أشهر هذه المدارس المدرسة الأوسية (نسبة إلى أوس بن حجر) والتي كان من أهم عمدائها زهير بن أبي سلمى (صاحب الحوليات) والحطيئة وكلاهما من عبيد الشعر لاستغراقهم زمنا طويلا في تنقيح قصائدهم.
ثم هناك الأسواق الأدبية، ومن أشهر أسواقهم في الجاهلية سوق عكاظ وسوق مِجَنّة وذي المجاز، وفي هذه الأسواق يتداول أعضاء المجتمع العلمي خبراتهم ومداولاتهم الأدبية والعلمية. ولأنه لا يتوافر في أيدينا اليوم محاضر تلك المداولات، ولا ريب أن علم العروض كان أحد موضوعاتها، فربما إذن نكتفي، كمثال لذلك، بالمشورة التي أعطاها أهل مكة للنابغة الذبياني في سبيل تعريفه على الإقواء في شعره.
والمجتمع العلمي في الجاهلية، ولا تقل لي أن الاسم يدل على الجهل بمعنى قلة العلم، كان مؤثرا وله سلطة كبيرة في اتخاذ القرارات قد لا نجد لها مثيلا في بعض مجامعنا العلمية اليوم. وفي رأيي أن أهم اختبار لسلطة المجتمع العلمي القديم ما وجدناه في التقرير الذي رفعه أحد عمداء ذلك المجتمع ، وهو الوليد بن المغيرة ، عندما نفى عن القرآن صفة الشعر بقوله: "والله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن مني. والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ،
مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته".
وهناك عضو آخر ، أو قل رئيس من رؤساء المجتمع العلمي في الجاهلية، وهو أنيس بن جنادة الغفاري ، وهو أخو الصحابي أبي ذر الغفاري، وكان أنيس أحد الشعراء، فقال منزها قول القرآن عن وصمة الشعر: "لقد سمعت قول الكهنة ، وما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقوال الشعراء فلم يلتئم على لسان أحد أنه شعر، والله إنه لصادق ، وإنهم لكاذبون".

خشان خشان
20-08-2013, 07:52 PM
من أهم مظاهر التحقق من وجود علم ما ، ومن الدلائل على توفر نظرية أو نموذج إرشادي (paradigm)، حسب مصطلح فيلسوف العلم توماس كون، هو توفر مجتمع علمي (scientific society) يعمل وفق ما يمليه هذا النموذج الإرشادي.
وبطبيعة الحال فإن قولنا هذا ينطبق بشكل كبير على حال العلم العروضي اليوم، فالنظرية أو النموذج الإرشادي الذي وضعه الخليل اكتسب قبول المجتمع العلمي على مر العصور. واليوم إن أردت إحصاء حجم هذا المجتمع العلمي (الذي يطلق عليهم: العروضيون) يلزمك إحصاء عدد الجامعات التي تدرس الأدب العربي في الوطن العربي والعالم بأسره وتقدير طلابها جميعا على مدى عشرات السنوات، عدا عن آحاد المجامع العلمية ومختلف المراكز الثقافية.
غير أننا نحاول تقدير حجم هذا المجتمع العلمي في الجاهلية والإسلام قبل الخليل بن أحمد، فلا تشير لنا المصادر الشحيحة إلا إلى بعض المدارس الشعرية التي كانت معروفة في الجاهلية واستمرت إلى ما بعد ظهور الإسلام. ومن أشهر هذه المدارس المدرسة الأوسية (نسبة إلى أوس بن حجر) والتي كان من أهم عمدائها زهير بن أبي سلمى (صاحب الحوليات) والحطيئة وكلاهما من عبيد الشعر لاستغراقهم زمنا طويلا في تنقيح قصائدهم.
ثم هناك الأسواق الأدبية، ومن أشهر أسواقهم في الجاهلية سوق عكاظ وسوق مِجَنّة وذي المجاز، وفي هذه الأسواق يتداول أعضاء المجتمع العلمي خبراتهم ومداولاتهم الأدبية والعلمية. ولأنه لا يتوافر في أيدينا اليوم محاضر تلك المداولات، ولا ريب أن علم العروض كان أحد موضوعاتها، فربما إذن نكتفي، كمثال لذلك، بالمشورة التي أعطاها أهل مكة للنابغة الذبياني في سبيل تعريفه على الإقواء في شعره.
والمجتمع العلمي في الجاهلية، ولا تقل لي أن الاسم يدل على الجهل بمعنى قلة العلم، كان مؤثرا وله سلطة كبيرة في اتخاذ القرارات قد لا نجد لها مثيلا في بعض مجامعنا العلمية اليوم. وفي رأيي أن أهم اختبار لسلطة المجتمع العلمي القديم ما وجدناه في التقرير الذي رفعه أحد عمداء ذلك المجتمع ، وهو الوليد بن المغيرة ، عندما نفى عن القرآن صفة الشعر بقوله: "والله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن مني. والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ،
مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته".
وهناك عضو آخر ، أو قل رئيس من رؤساء المجتمع العلمي في الجاهلية، وهو أنيس بن جنادة الغفاري ، وهو أخو الصحابي أبي ذر الغفاري، وكان أنيس أحد الشعراء، فقال منزها قول القرآن عن وصمة الشعر: "لقد سمعت قول الكهنة ، وما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقوال الشعراء فلم يلتئم على لسان أحد أنه شعر، والله إنه لصادق ، وإنهم لكاذبون".

توسيع إطار وصف قضية ما أو تضييقه لخدمة نتيجةٍ مسبقة أمرٌ معروف.

تذكرت القضية إياها التي صارت كما تعلم.

عندما أميز بين العروض وعلم العروض وأراك تستعرض مجموعة مكونة من الـ ( العلم والأدب والشعر والعروض وعلم العروض ) وكأن الأمر حزمة واحدة على نفس المستوى بكل فروعه لا أملك إلا أن أقول: لعمْ لعمْ. فالفرق بيننا حول الموضوع كبير.

وكم يغري الاستمرار في المقارنة الأمر الذي لا يتسع له المجال. وأتمنى أن يتاح لنا لقاء قريب أستكمل فيه تلك المقارنة.

يرعاك ربي.

خشان خشان
21-08-2013, 08:40 PM
1434/10/14 هـ
http://www.alfaseeh.com/vb/showthrea...l=1#post337882

http://sh.rewayat2.com/gwame3e/Web/31862/045.htm

يقول أستاذي سليمان ابو ستة :

كان في إمكان الخليل أن يكتفي بقائمة الضروب التي أنفق في سبيل إعدادها أياما طويلة من التأمل في آلاف القصائد والأبيات المتفرقة لمختلف الشعراء في العصرين الجاهلي والإسلامي. وبها تمكن من حصر أنساق تلك القصائد في ثلاثة وستين نسقا مستعملا (سميت فيما بعد ضروبا)، وكل نسق منها أو ضرب يشكل وزن قصيدة (متحدة الوزن والقافية). هذا المسلك الذي اتبعه الخليل يسمى في مناهج البحث اللغوي الحديث بالمنهج الوصفي، وهو المنهج الذي اتبعه المستشرق إيوالد و الدكتور إبراهيم أنيس في كتابيهما اللذين أشرت إليهما إلا أن الأول منهما أضاف إلى منهجه الوصفي منهجا مقارنا، ولذلك لم يكن من الغريب أن ينتقل الخليل إلى منهج آخر يكمل بواسطته درس طبيعة عناصر الوزن ومكوناته ويحاول من خلاله تفسير مختلف ظواهره الإيقاعية، هذا المنهج الذي سبب بعض التعقيد في فهم قواعده عند الناس يسمى المنهج المعياري، وفي مناهج البحث اللغوي الغربي الحديث يعد إرهاصا للمنهج التوليدي التحويلي الذي وضعه تشومسكي Chomsky في خمسينيات القرن الماضي وطبقه هاله Halle ومن بعده تلميذته Maling على عروض الشعر العربي.

المكونات الإيقاعية:
لقد نظر الخليل في المقاطع اللغوية وهي تتعاقب في أنساق الوزن فوجد بعضها ثابتا في كل أبيات القصيدة وبعضها الآخر متغيرا، فحينا يكون المقطع قصيرا وحينا آخر طويلا، ولا تكاد الغريزة تحس بذلك الانتقال بين نوعي المقطع مما يوحي بأن وراءهما عنصرا واحدا يجعل المتلقي لا يشعر باختلاف المظهر اللغوي للمقطع، الأمر الذي أدى به إلى عزل هذا العنصر وتسميته باسم يتردد في الحياة البدوية التي كان يحياها العربي قديما وهو السبب أي الحبل الذي يشد بيت الشَعر. وقد يتساءل المرء لم اختار اسم السبب ليعبر به عن حالتين من حركة المقاطع، حالة يتراوح فيها المقطع بين القصر والطول، وحالة تتبادل فيها المقاطع الطويلة والقصيرة الموضع ذاته بحيث يحل فيه محل كل مقطع طويل مقطعان قصيران. للإجابة عن ذلك علينا أن نتذكر أن الخليل كان عالما في الموسيقى وله كتاب اسمه الإيقاع. ولذلك استعمل من مصطلحات علم الإيقاع مصطلحين اثنين هما الخفة والثقل. ولكن ما هي الصلة بين السبب من جهة وبين الخفة والثقل من جهة أخرى؟ من المعروف أن السبب إذا ابتل بالمطر ثقل وارتخى، وهو إن جف الجو صار أخف وأمكن شده. هاتان إذن حالتان من البيئة الصحراوية استعارهما الخليل لوضع مصطلح يفيد بإمكانية التغير في المقطع بين القصر والطول، ومن ناحية أخرى يفيد بإمكانية ارتخاء المقطع ليبلغ في زمنه زمن مقطعين قصيرين.
وكذلك وجد الخليل نوعين من المقاطع يتعاقبان دائما بنفس الترتيب: مقطع قصير فآخر طويل، أو العكس، مقطع طويل فآخر قصير. ولم يلاحظ أي تغيير في هذا الشكل من التعاقب في منطقة الحشو من الوزن. فأراد أن يعبر عن الثبات في هذه الحالة فلم يجد أقرب شيء يوازيها في معمار بيت الشعر إلا الوتد لأنه أثبت ما فيه، وجعل من هذا الوتد نوعين سمى الأول مجموعا لأن متحركي مقطعيه يجتمعان بلا فاصل يفصل بينهما، وسمى الثاني مفروقا لأن الساكن يفرق بين متحركيهما.
وهكذا صار لدى الخليل أربع مكونات يصف بها الوزن الشعري وصفا عروضيا إيقاعيا بدلا من الوصف السابق المقتصر على مجرد المتحرك والساكن من الحروف أو ما يمكن ترجمته إلى المقاطع اللغوية الثلاثة، وهذه الوحدات هي: 1 - السبب الخفيف 2 - السبب الثقيل 3 - الوتد المجموع 4 - الوتد المفروق

سليمان أبو ستة
22-08-2013, 09:13 PM
من الواضح أن الفترة التي شهدت ظهور علم العروض الخليلي كانت تعج بمدارس مختلفة سبق ظهورها علم الخليل، وقد أشرنا إلى ثلاث منها حيث بدت لنا الأخيرة أقرب إلى علم الخليل. وأما الأولى فقد ورد فيها نماذج لأبحر تامة وأخرى مشطورة مما يوحي بمعرفة أصحابها بنظام الدائرة. ومع أن الثالثة استخدمت تعبير المتير، الذي يعني من جملة ما يعنيه الجذب والقطع (التقطيع العروضي)، إلا أنه يحتمل اتحاد تلك المدرسة بتلك المدرسة الأولى التي اطلع الخليل على بعض نظامها.
وإذا افترضنا أن تلك كانت ثلاث مدارس متنافسة، فهل نشأت أزمة فيما بينها جعلت الخليل يحسم الأمر من جانبه بإعلان نموذجه الإرشادي بديلا عنها. أم أنها كانت متعايشة بشكل سلمي في ظل علم عادي استمرت سيادته منذ زمن غير معروف في العصر الجاهلي إلى العصر الذي ظهر فيه الخليل. وقد شهدت هذه الفترة أيضا ظهور أوزان وزوالها من غير أن تكون للخليل يد في نشأتها أو مواتها. وهنا لا بد أن نذكر رابع السريع، ذلك الوزن الذي ربما بدأ بقصيدة المرقش:
النشر مسك والوجوه دنانير ××× وأطراف البنان عنمْ
فهذا الوزن كان قد توقف العمل به قبل الخليل، فلم يجد له شاهدا في عصره.
ثم هناك الوزن الذي أسماه مجزوء البسيط بضروبه الثلاثة، ويبدو أنه ظهر كشهاب ثم احترق قبل أن تنظم عليه قصيدة واحدة. وأما المخلع من هذا المجزوء فقد رأى بعض العروضيين القدامى نسبته إلى المنسرح.
فإذا افترضنا أيضا أنه كانت في الأفق بوادر أزمة استدعت عزم الخليل على حلها، الأمر الذي يمكن أن نتصوره في تأجيل الخليل هذا الحل إلى ما بعد عودته من رحلة الحج ومن ثم إحكامه لمسببات هذه الأزمة. وربما كانت هذه الأزمة لا تعدو كونها في عقل الخليل وحده، شأن العلماء الذين ينشعلون في محاولة حل مشكلة علمية. فقد روي أن الخليل لما أراد أن يضع العروض خلا في بيت ووضع بين يديه طستا أو ما أشبه ذلك، وجعل يقرعه بعود ويقول: فاعلن مستفعلن فعولن، فسمعه أخوه فخرج إلى المسجد وقال: إن أخي قد أصابه جنون، وأدخلهم عليه وهو يضرب الطست. فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما لك أأصابك شيء؟ أتحب أن نعالجك؟ فقال: وما ذاك !!؟ فقالوا: أخوك يزعم أنك خولطت ، فقال:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ××× أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ××× وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
وفي رواية أخرى أن الذي دخل عليه في تلك الحالة وهو يضرب الطست هو ابنه عبد الرحمن، وأنه الذي قال فيه هذين البيتين.
ومنذ ذلك التاريخ عرف أن للخليل علما يسمى العروض، وقد ساد هذا العلم حتى طغى على كل شيء سبقه ، كما سنبين فيما يلي.

سليمان أبو ستة
23-08-2013, 06:01 PM
عادة ما تأخذ أي نظرية جديدة وقتا، قد يطول أو يقصر، قبل أن يتقبلها المجتمع العلمي ويقرر العمل بها. ويعتمد هذا الوقت على مدى الشعور بالأزمة التي أدت إلى اكتشاف بديل للنظرية القديمة. يقول توماس كون: "لنفترض إذن أن الأزمات شرط أولي ضروري لانبثاق نظريات جديدة، ولنسأل أنفسنا بعد ذلك كيف يستجيب العلماء لهذه الأزمات عند حدوثها. إن جانبا من الإجابة هام وواضح في آن واحد، يمكن اكتشافه إذا ما لاحظنا أولا ما لا يفعله العلماء عندما تواجههم حالات شذوذ حتى وإن كانت شديدة وطويلة الأمد. فعلى الرغم من أنهم قد يبدؤون في التخلي عن ثقتهم التامة، ومن ثم التفكير في نظريات بديلة، إلا أنهم لا يتخلون عن النموذج الإرشادي الذي أفضى بهم إلى الأزمة".
ولنا في تاريخ علمنا العروضي مثال لتهيب الناس من العلم الجديد، فقد "لقي محمدٌ بن عبد الوهاب ابنَ مناذر الشاعرَ[تلميذ الخليل] في مسجد البصرة ومعه دفتر فيه كتاب العروض بدوائره، ولم يكن محمد بن عبد الوهاب يعرف العروض، فجعل يلحظ الكتاب ويقرأه فلا يفهمه، وابن مناذر متغافل عن فعله، ثم قال له: ما في كتابك هذا ؟ فخبأه في كمه، وقال: وأي شيء عليك مما فيه؟
فتعلق به ولببه، فقال له ابن مناذر: يا أبا الصلت، الله الله في دمي ! فطمع فيه وصاح: يا زنديق في كمك الزندقة، فاجتمع الناس إليه فأخرج الكتاب من كمه وأراهم إياه ، فعرفوا براءته مما قذفه به ، ووثبوا على محمد بن عبد الوهاب واستخفوا به فانصرفوا، ووثب يجري".
ومع أن الأخفش ذكر في كتابه العروض عددا من الإشارات في كتاب الخليل سمعها من بعض تلاميذه، إلا أن عمله هو بكل ما استدركه فيه على الخليل ظلّ المصدر الوحيد لتلقي هذا العلم بعد اختفاء كتاب الخليل وكتب تلاميذه من أمثال ابن مناذر.
ولنا أن نقول إن الأخفش كان الوحيد الذي نقل لنا علم الخليل ونموذجه الإرشادي على أتم وجه ، وأنه ساعد بعمله هذا على توسيع قبول المجتمع العلمي لهذا النموذج الجديد. فلقد رأينا أثر كتاب العروض للأخفش يمتد إلى الزجاج ومن بعده إلى تلميذه أبي الحسن العروضي في القرن الرابع الهجري.
ومع ذلك فقد استمر رفض العروضيين لنموذج الخليل إلى القرن الرابع أيضا. وقد حفظت لنا كتب الأعلام بضعة أسماء لعروضيين عارضوا كتابه ، أولهم المفضل بن محمد الضبي (ت 168 هـ) صاحب المفضليات وله كتاب العروض ، ولا نعلم صلته بكتاب الخليل ولا المنهج الذي اتبعه فيه، هذا إذا لم يكن من تلك الكتب التي نقضت كتاب العروض للخليل.
والثاني معاصره برزخ بن محمد العروضي الكوفي وهو الذي صنف كتابا في العروض، نقض فيه العروض ـ في زعمه ـ على الخليل ، وأبطل الدوائر والألقاب، والعلل التي وضعها ونسبها إلى قبائل العرب كما قال ابن درستويه.
وله غير ذلك من الكتب:
- كتاب العروض.
- كتاب معاني العروض على حروف المعجم.
- كتاب الأوسط في العروض.
وثالثهم أبو الحسن علي بن هارون بن علي بن يحيى، من آل المنجم، قال ابن النديم في الفهرست: رأيناه وسمعنا منه وكان راوية للشعر أديبا ظريفا متكلما حبرا، نادم جماعة من الخلفاء ... توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وله من الكتب: كتاب الرد على الخليل في العروض.
ورابعهم الصاحب بن عباد (ت 385 هـ) وقد ذكرت له كتب التراجم كتابا بعنوان كتاب نقض العروض، وأمر هذا الكتاب غريب حين نعلم أن للصاحب كتابا مشهورا بعنوان الإقناع في العروض، وهو أحد المصادر المهمة التي حفظت علم الخليل.
وعلى العموم، فإن جميع تلك الكتب التي يبدو أن أصحابها حاولوا الدفاع عن النموذج الذي ورثوه عن أسلافهم، ولكن لم تسهم جهودهم في إزاحة هذه النظرية البديلة ويبدو أنها بعد قرن أو قرنين من وفاة الخليل سلمت بأنه نموذجه الإرشادي هو النموذج الأوحد الذي ظل محافظا على مكانته عبر القرون الطويلة بالرغم من الهزات التي تعرض لها، والتي سنحاول عرضها فيما يلي.

خشان خشان
23-08-2013, 07:47 PM
شكرا لك استاذي الكريم

متابع باهتمام آملا أن أجد فيما ستعرضه لبعض الناقدين أو الناقضين لمنهج الخليل منهجا متكاملا بديلا

والله يرعاك

ثناء صالح
24-08-2013, 01:19 AM
أخشى أخي خشان أن علم الخليل نفسه، بالإضافة إلى كل ما ابتدعه العرب من العلوم أو طوروه بات يعد، عند فلاسفة العلم الأوروبيين المحدثين، من النوع الأول الذي ذكرته. وعموما فهؤلاء الفلاسفة يؤرخون لبداية العلم بمفهومه الحديث بدءا من عصر النهضة الممتدة من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر حيث نبغ فيها عندهم علماء من نحو كبلر وجاليليو وديكارت وباسكال ونيوتن وغيرهم..ممن أخذوا في اتباع المنهج التجريبي في الاستقراء، هذا المنهج الذي ابتدعه العرب، وطبقه علماؤهم من نحو الحسن بن الهيثم والبيروني وجابر بن حيان وأخذه عنهم ثم بشر به الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون حتى بات ينسب إليه وحده.
وهؤلاء الفلاسفة يزعمون أن كل ما سبق عصر النهضة من العلوم يعد من مرحلة ما قبل العلم، ولا شك أنهم يعتبرون العلم العربي من بينها ، هذا إن كانوا يعترفون بوجود علم عربي. قال الفيزيائي والرياضي الفرنسي بيير دوهم، مؤسس التيار الطاقي في الفيزياء: "لا يوجد علم عربي". ويعقب مؤرخ العلوم بيير روسو على ذلك قائلا: " هذا صحيح، فنحن لسنا مدينين لبغداد بأي نظرية جديدة".
فلنحاول، أخي خشان، أن نرسم صورة أقرب إلى الواقع عن طبيعة علم العروض العربي قبل الخليل بن أحمد، فلطالما أعجبت بقول نيوتن: : "إذا كنت أنا قد رأيت أكثر مما رأى معظم الرجال، فذلك لأنني وقفت على أكتاف عمالقة". وما أظن الخليل إلا عالما أكثر من نيوتن تواضعا بحيث لا ينكر أنه وقف على أكتاف عمالقة من علمائنا عبر العصور المنسية في الجاهلية والإسلام.

يبدو أننا نحتاج إلى تقييم منصف لعلم الخليل من وجهة نظر المفهوم الحديث للعلم .
لنتوقف عند المفهوم العام لكلمة ( علم ) في سياق التطور التاريخي الذي مر به مفهوم هذه الكلمة في اللغة العربية .
فالعلم بالمفهوم القديم هو الإدراك العقلي لكل معطى واقعي كما هو عليه في الواقع . فكل ما يمكن وعيه من معلومات جزئية واقعية يسمى علما وفقا لهذا المفهوم .
ووفقا لهذا المفهوم يحق للأستاذ سليمان أن يرى أن علم العروض كان متوفرا في الجاهلية وقبل ظهور الخليل في القرن الأول للتأريخ الإسلامي . فالعروض كان في الواقع مادة بناء لقالب الشعر فكيف يبنى شعر دون أن يعلم البناؤون بنماذج مادة البناء ( الإيقاعات البحرية ) ومواضع وأشكال الرخص المتاح إلحاقها بتلك النماذج ( الزحافات ) ؟
لقد كانوا في الجاهلية يعرفون المعلومات العروضية كجزئيات غير مترابطة .
فما التسمية الملائمة لمجموع تلك المعلومات وفق المفهوم الحديث للعلم ؟
لقد عزل هذا المفهوم المعلومات التي يتم التعامل معها (كمواد للبحث )تحتى مسمى أو مصطلح علمي جديد هو مصطلح ( البيانات ) ويعني المعلومات الأساسية غير المترابطة والتي تتم معالجتها معا للربط بينها بالاستقراء للتوصل إلى القوانين العلمية الشاملة المكثفة والتي تعبر عن جميع ما تضمنته من جزئيات معلومة .
لذا فإن كل المعلومات العروضية قبل الخليل - وإن كانت بالمفهوم القديم تسمى علما - فهي مع تطور المفهوم ليست سوى البيانات التي عمل الخليل على استقرائها ليستنبط منها القوانين العلمية الشاملة التي تمثل علم العروض وفق المفهوم المتطور لكلمة علم . وبالتالي فإن قوانين الخليل العامة هي من النوع الثاني للعلم وعلم الخليل ينتمي للمفهوم الحديث .

تحياتي

ثناء صالح
24-08-2013, 01:24 AM
أخشى أخي خشان أن علم الخليل نفسه، بالإضافة إلى كل ما ابتدعه العرب من العلوم أو طوروه بات يعد، عند فلاسفة العلم الأوروبيين المحدثين، من النوع الأول الذي ذكرته. وعموما فهؤلاء الفلاسفة يؤرخون لبداية العلم بمفهومه الحديث بدءا من عصر النهضة الممتدة من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر حيث نبغ فيها عندهم علماء من نحو كبلر وجاليليو وديكارت وباسكال ونيوتن وغيرهم..ممن أخذوا في اتباع المنهج التجريبي في الاستقراء، هذا المنهج الذي ابتدعه العرب، وطبقه علماؤهم من نحو الحسن بن الهيثم والبيروني وجابر بن حيان وأخذه عنهم ثم بشر به الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون حتى بات ينسب إليه وحده.
وهؤلاء الفلاسفة يزعمون أن كل ما سبق عصر النهضة من العلوم يعد من مرحلة ما قبل العلم، ولا شك أنهم يعتبرون العلم العربي من بينها ، هذا إن كانوا يعترفون بوجود علم عربي. قال الفيزيائي والرياضي الفرنسي بيير دوهم، مؤسس التيار الطاقي في الفيزياء: "لا يوجد علم عربي". ويعقب مؤرخ العلوم بيير روسو على ذلك قائلا: " هذا صحيح، فنحن لسنا مدينين لبغداد بأي نظرية جديدة".
فلنحاول، أخي خشان، أن نرسم صورة أقرب إلى الواقع عن طبيعة علم العروض العربي قبل الخليل بن أحمد، فلطالما أعجبت بقول نيوتن: : "إذا كنت أنا قد رأيت أكثر مما رأى معظم الرجال، فذلك لأنني وقفت على أكتاف عمالقة". وما أظن الخليل إلا عالما أكثر من نيوتن تواضعا بحيث لا ينكر أنه وقف على أكتاف عمالقة من علمائنا عبر العصور المنسية في الجاهلية والإسلام.

يبدو أننا نحتاج إلى تقييم منصف لعلم الخليل من وجهة نظر المفهوم الحديث للعلم .
لنتوقف عند المفهوم العام لكلمة ( علم ) في سياق التطور التاريخي الذي مر به مفهوم هذه الكلمة في اللغة العربية .
فالعلم بالمفهوم القديم هو الإدراك العقلي لكل معطى واقعي كما هو عليه في الواقع . فكل ما يمكن وعيه من معلومات جزئية واقعية يسمى علما وفقا لهذا المفهوم .
ووفقا لهذا المفهوم يحق للأستاذ سليمان أن يرى أن علم العروض كان متوفرا في الجاهلية وقبل ظهور الخليل في القرن الأول للتأريخ الإسلامي . فالعروض كان في الواقع مادة بناء لقالب الشعر فكيف يبنى شعر دون أن يعلم البناؤون بنماذج مادة البناء ( الإيقاعات البحرية ) ومواضع وأشكال الرخص المتاح إلحاقها بتلك النماذج ( الزحافات ) ؟
لقد كانوا في الجاهلية يعرفون المعلومات العروضية كجزئيات غير مترابطة .
فما التسمية الملائمة لمجموع تلك المعلومات وفق المفهوم الحديث للعلم ؟
لقد عزل هذا المفهوم المعلومات التي يتم التعامل معها (كمواد للبحث )تحتى مسمى أو مصطلح علمي جديد هو مصطلح ( البيانات ) ويعني المعلومات الأساسية غير المترابطة والتي تتم معالجتها معا للربط بينها بالاستقراء للتوصل إلى القوانين العلمية الشاملة المكثفة والتي تعبر عن جميع ما تضمنته من جزئيات معلومة .
لذا فإن كل المعلومات العروضية قبل الخليل - وإن كانت بالمفهوم القديم تسمى علما - فهي مع تطور المفهوم ليست سوى البيانات التي عمل الخليل على استقرائها ليستنبط منها القوانين العلمية الشاملة التي تمثل علم العروض وفق المفهوم المتطور لكلمة علم . وبالتالي فإن قوانين الخليل العامة هي من النوع الثاني للعلم وعلم الخليل ينتمي للمفهوم الحديث .

تحياتي

خشان خشان
24-08-2013, 01:34 PM
يبدو أننا نحتاج إلى تقييم منصف لعلم الخليل من وجهة نظر المفهوم الحديث للعلم .
لنتوقف عند المفهوم العام لكلمة ( علم ) في سياق التطور التاريخي الذي مر به مفهوم هذه الكلمة في اللغة العربية .
فالعلم بالمفهوم القديم هو الإدراك العقلي لكل معطى واقعي كما هو عليه في الواقع . فكل ما يمكن وعيه من معلومات جزئية واقعية يسمى علما وفقا لهذا المفهوم .
ووفقا لهذا المفهوم يحق للأستاذ سليمان أن يرى أن علم العروض كان متوفرا في الجاهلية وقبل ظهور الخليل في القرن الأول للتأريخ الإسلامي . فالعروض كان في الواقع مادة بناء لقالب الشعر فكيف يبنى شعر دون أن يعلم البناؤون بنماذج مادة البناء ( الإيقاعات البحرية ) ومواضع وأشكال الرخص المتاح إلحاقها بتلك النماذج ( الزحافات ) ؟
لقد كانوا في الجاهلية يعرفون المعلومات العروضية كجزئيات غير مترابطة .
فما التسمية الملائمة لمجموع تلك المعلومات وفق المفهوم الحديث للعلم ؟
لقد عزل هذا المفهوم المعلومات التي يتم التعامل معها (كمواد للبحث )تحتى مسمى أو مصطلح علمي جديد هو مصطلح ( البيانات ) ويعني المعلومات الأساسية غير المترابطة والتي تتم معالجتها معا للربط بينها بالاستقراء للتوصل إلى القوانين العلمية الشاملة المكثفة والتي تعبر عن جميع ما تضمنته من جزئيات معلومة .
لذا فإن كل المعلومات العروضية قبل الخليل - وإن كانت بالمفهوم القديم تسمى علما - فهي مع تطور المفهوم ليست سوى البيانات التي عمل الخليل على استقرائها ليستنبط منها القوانين العلمية الشاملة التي تمثل علم العروض وفق المفهوم المتطور لكلمة علم . وبالتالي فإن قوانين الخليل العامة هي من النوع الثاني للعلم وعلم الخليل ينتمي للمفهوم الحديث .

تحياتي

راقت لي كثيرا فكرة البيانات المؤدية بالبحث إلى العلم.
وأتوقع إن لم تضيق الفجوة في الآراء أن تبلورها.
سلمت أستاذتي.

خشان خشان
24-08-2013, 01:35 PM
يبدو أننا نحتاج إلى تقييم منصف لعلم الخليل من وجهة نظر المفهوم الحديث للعلم .
لنتوقف عند المفهوم العام لكلمة ( علم ) في سياق التطور التاريخي الذي مر به مفهوم هذه الكلمة في اللغة العربية .
فالعلم بالمفهوم القديم هو الإدراك العقلي لكل معطى واقعي كما هو عليه في الواقع . فكل ما يمكن وعيه من معلومات جزئية واقعية يسمى علما وفقا لهذا المفهوم .
ووفقا لهذا المفهوم يحق للأستاذ سليمان أن يرى أن علم العروض كان متوفرا في الجاهلية وقبل ظهور الخليل في القرن الأول للتأريخ الإسلامي . فالعروض كان في الواقع مادة بناء لقالب الشعر فكيف يبنى شعر دون أن يعلم البناؤون بنماذج مادة البناء ( الإيقاعات البحرية ) ومواضع وأشكال الرخص المتاح إلحاقها بتلك النماذج ( الزحافات ) ؟
لقد كانوا في الجاهلية يعرفون المعلومات العروضية كجزئيات غير مترابطة .
فما التسمية الملائمة لمجموع تلك المعلومات وفق المفهوم الحديث للعلم ؟
لقد عزل هذا المفهوم المعلومات التي يتم التعامل معها (كمواد للبحث )تحتى مسمى أو مصطلح علمي جديد هو مصطلح ( البيانات ) ويعني المعلومات الأساسية غير المترابطة والتي تتم معالجتها معا للربط بينها بالاستقراء للتوصل إلى القوانين العلمية الشاملة المكثفة والتي تعبر عن جميع ما تضمنته من جزئيات معلومة .
لذا فإن كل المعلومات العروضية قبل الخليل - وإن كانت بالمفهوم القديم تسمى علما - فهي مع تطور المفهوم ليست سوى البيانات التي عمل الخليل على استقرائها ليستنبط منها القوانين العلمية الشاملة التي تمثل علم العروض وفق المفهوم المتطور لكلمة علم . وبالتالي فإن قوانين الخليل العامة هي من النوع الثاني للعلم وعلم الخليل ينتمي للمفهوم الحديث .

تحياتي

راقت لي كثيرا فكرة البيانات المؤدية بالبحث والمعالجة والاستقراء إلى العلم.
وأتوقع إن لم تضيق الفجوة في الآراء أن تبلورها.
سلمت أستاذتي.

سليمان أبو ستة
25-08-2013, 08:57 PM
من الصعب الآن العثور على منهج متكامل في العروض سابق لمنهج الخليل، إذ يبدو أننا وصلنا متأخرين عن تحقيق هذا الهدف اثني قرنا من الزمان، يوم كنا نستطيع سؤال المجتمع العلمي في بوادي الحجاز ونجد ونناقشهم في مناهجهم لوزن الشعر العربي. وما ذكرناه من أسماء الذين نقضوا عروض الخليل يبدو أنهم كان لديهم الجواب الوافي على هذا التساؤل. لكن يدا خفية عملت على إتلاف كتبهم التي حفظ لنا أصحاب التراجم عنواينها .. ليس هذا فحسب بل لقد عملت تلك اليد على إزالة كل ما ألفه أعوان النظام الخليلي وجهدوا فيه من الرد على هؤلاء ؛ لأن في ذلك الرد توضيحا لما كان يسير عليه منهجهم القديم.
لا شك أن عمل الخليل كان ثورة علمية بالمعنى الكوني (نسبة إلى توماس كون)، وهذه الثورة وجدت لها فريقا علميا ضخما أخذ يتعهدها بالنصرة والتأييد جيلا بعد جيل. والثورات العلمية كما قال كون شبيهة بالثورات السياسية .. ألا تجد كيف أن الفريق الذي ينقلب على السلطة يحاول بكل الوسائل طمس أي فضيلة للنظام السابق، بل صار بعضهم يفضل الإشارة إلى ذلك النظام بوصف العهد البائد.
إن النص الذي نقلناه من كتاب القوافي للجوهري، وهو ما أثبته تقريبا الأخفش في كتابه القوافي، يذكر أن من البحور الكاملة البسيط التام والوافر التام والكامل التام والرجز التام. ومن البحور المجزوءة مجزوء المديد ومجزوء البسيط ومجزوء الوافر ومجزوء الكامل. ومن المشطورة مشطور الرجز ومشطور المنسرح الذي لم يذكره الخليل. وأخيرا فإن من البحور المنهوكة ما جاء على جزئين كمنهوك الرجز ومنهوك المنسرح. وهذه المصطلحات كلها نتيجة لمعرفة علمية منظمة وليست مجرد معلومات متناثرة مشتتة.
ونحن إزاء هذا النص يمكن لنا أن نستنتج منه معرفة العرب قبل الخليل بالأجزاء (التفاعيل) وإن كنا لا نعلم عددها وما إذا كانت (مفعولات) من بينها. أما الوحدات التي تتألف منها هذه الأجزاء فقد رأينا في الرواية التي حكاها الخليل عن التنعيم وحدتين منها، وفي تقديري أنها كانت كافية لتعبر عن جميع الأوزان الشعرية التي استخدمها العرب في الجاهلية. ولم يبق إلا نظام الدوائر الذي لم نسمع أحدا قبل الخليل ذكره، فلعل هذا النظام أن يكون هو الإسهام أو الإضافة الحقيقية للخليل على نظرية العروض العربي.
وعودة إلى مداخلة الأخت العالمة ثناء صالح حول وجود نوعين من العلم العروضي الأول سبق عصر الخليل وهي تلخصه في مجرد بيانات غير معالجة والثاني هو البيانات ذاتها ولكن بعد معالجتها معالجة علمية. وفي رأيي أن هذا التحليل صادق، ولكنه يعبر عن المعرفة العروضية في أزمان مبكرة من الجاهلية. أما العلم الخليلي فقد كان تطورا تراكميا للعلم الذي سبقه وهو في تقديري بدأ تشكله قبل الإسلام بقليل حيث بلغ الشعر العربي قمة تطوره، ونبغ لنا فيه شعراء عظام لا نزال ندرس شعرهم حتى اليوم.
لذلك فإن كل محاولاتي في هذا الصدد لا تتجاوز إعادة تشكيل صورة ممزقة ، أوعلى نحو قريب من علماء الأحياء الذين صنعوا نماذج لكائنات انقرضت منذ آلاف السنين اعتمادا على ما وجدوه في بعض الأحافير، نحاول أن ننحو نحوهم فنعيد تشكيل صورة صادقة للعروض قبل الخليل.
غير أني كنت آمل لو أن جهد عالمتنا ثناء انصب على الجواب عن السؤال التالي: هل العروض علم يمكن أن يقف في مصاف العلوم الطبيعية، من فيزياء وكيمياء، أم أنه ينتمي إلى تلك العلوم التطبيقية المصنفة ضمن فروع الإنسانيات، كعلم الاجتماع وعلم اللغة والنحو والتاريخ وغيرها. لقد سأل أحد علماء البيولوجيا، وهو إرنست ماير، سؤالا قريبا من هذا فقال: يمكننا الرجوع إلى المعايير الثمانية التي وضعها جون مور (1993) كمسوغات للاعتراف بأي نشاط فكري كعلم ، وهي:
1- أن يكون أساسه بيانات ميدانية أو معملية كانت حصيلة مشاهدة أو تجربة.
2- أن يستهدف جمع البيانات الإجابة عن أسئلة ، وأن تستهدف المشاهدات إزالة الشك.
3- الالتزام بالموضوعية في المنهج والوسائل.
4- أن تمشي الفروض مع المشاهدات، وانسجامها مع فكرة البحث.
5- صلاحية جميع الفروض والاحتمالات، وتمحيص المتداخل منها بالمقارنة والمفاضلة.
6- صلاحية التعميمات للتطبيق على كل الموضوعات المتداخلة في نطاق العلم محل الدراسة، وأن تكون الظواهر الشاذة قابلة للتفسير من دون تبريرات غيبية.
7- عدم التسليم بأي اكتشاف كحقيقة إلا بعد تأكيده من عدة مصادر خارجية.
8- القدرة على تقديم حلول للمشاكل المحيرة، وإحلال نظريات صحيحة محل نظريات معيبة أو ناقصة، مما يؤدي إلى التحسين المتنامي للمعرفة.
ويعقب ماير بالقول: بناء على هذه المعايير يغلب الرأي القائل بوجوب الاعتراف بالبيولوجيا كعلم مثل الفيزياء والكيمياء.
ونحن بدورنا نقول إنه بناء على هذه المعايير اكتسب علم العروض اسمه منذ اليوم الذي وضع فيه الخليل كتابه في تفصيل أحكامه.
فبالنسبة للمعيار الأول: يعتبر أساس بيانات الخليل كلها ميدانية (الشواهد الشعرية). وبالنسبة للثاني: تستهدف هذه المشاهدات (وهي شواهد الخليل) الإجابة عن أسئلة وإزالة الشك.
وبالنسبة للثالث: يلتزم كتابه كله بالموضوعية في المنهج والوسائل.
وهكذا لو تأملنا في كل معيار من المعايير الباقية فإننا سنجد أنها تنطبق على عمل الخليل العلمي، وإلى حد كبير أيضا، على العلم الذي مهد للخليل استنباط نظريته.

سليمان أبو ستة
27-08-2013, 10:02 PM
والآن، وعلى الرغم من ندرة المصادر التي تعرضت لتاريخ العروض العربي، يمكننا أن نقدم صورة تقريبية لما كان عليه هذا العلم قبل الخليل. وأول أجزاء هذه الصورة وأهمها هي الوحدات الصغرى التي قطّع (أو مَتَرَ) بها العروضي القديم أبيات الشعر. ولم تكن هذه الوحدات الإيقاعية إلا كلمتين استعان بهما ذلك العروضي في صنع صورة تجريدية للوزن، ذلك أنه لم يلجأ لفكرة المقاطع اللغوية التي عرفها اليونان القدامى لأنها كانت أكثر تجريدا من وحداته، ويحتمل أن الفكر العربي في تلك المرحلة لم يكن قد بلغ ذلك المستوى من التجريد، ولكن من الواضح أنه بلغ غايته منه في عقل الخليل الفذ بعد ذلك بابتداعه لفكرة المتحرك والساكن اللذين رمز لهما بالخطوط والحلق.
ويشير وجود رمزين اثنين فقط (أو كلمتين)، للتعبير عن الوحدات العروضية الصغرى، إلى ما عرف بعد ذلك عند الخليل بالوتد المجموع (نعم) والسبب الخفيف (لا). وأما الوحدة التي سماها الخليل باسم السبب الثقيل فلم تكن تعني للعروضي والشاعر القديم أكثر من نوع من الزحاف. ولذلك وجدنا بعض الشعراء يخلط في قصيدته بين السببين الخفيف والثقيل كما في قصيدة المرقش على البحر السريع، وفيها:
ما ذنبنا في أن غزا ملك ××× من آل جفنة حازم مرغم
وقد خرجت إلى بحر الكامل بسبب من هذا الزحاف الذي لم يكن معهودا في السبب الخفيف، وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن بحري الوافر والكامل قد تطورا عن بحري الهزج والرجز بسبب اعتمادهما للسبب الثقيل الذي ربما بدا في البداية كنوع جديد من الزحاف غير المعهود في الهزج والرجز، ثم أحس الشعراء أن القصائد التي يرد فيها هذا (الزحاف) لا بد لها أن تستقل عن قصائد هذين البحرين، وهكذا نشأ الوافر والكامل، اللذان ظلا محتفظين ببقية من أصل السبب الخفيف في زحافات سميت النقص والعقل في الوافر، والوقص والخزل في الكامل. وهذه الزحافات الأربعة الأخيرة هي الحلقات المفقودة في تأكيد تطور الوافر والكامل من الهزج والرجز.
وأخيرا فقد ابتدع الخليل فكرة الوتد المفروق، هذه الفكرة التي تبدو من قبيل الترف الفكري العروضي ، حيث استثمرها الخليل في جعل تفاعيله لا تتجاوز نوعين هما الخماسي والسباعي، ومع ذلك فقد اضطر العروضي الخليلي إلى فصل التفعيلة السباعية عنده إلى كلمتين غريبتين هما (مستفع لن ) و (فاع لاتن ) وذلك ليظهر الوتد المفروق فيهما.
ولقد حاول الدكتور محمد العلمي أن يقدم لنا تصورا لبحور الشعر الستة عشر باستخدام وحدات التنعيم القديمة. وقد أحسن حين لم يضع وحدة تعبر عن الوتد المفروق الذي لم يعرفه القدماء، وعوض عن وجوده بالسبب الخفيف (لا). غير أنه ابتكر وحدة جديدة للسبب الثقيل في الوافر والكامل وهي (لنعم)، وهذه الوحدة ليست إلا تفعيلة خماسية كتفعيلة العروض في البسيط، وليست جماع وحدتين كان يمكن أن يشير لهما بالرمز (لَلَ) ولو شاء أن يدرجها في الفاصلة الصغرى جعلها على الصورة (لللا).

ثناء صالح
28-08-2013, 09:27 AM
من الصعب الآن العثور على منهج متكامل في العروض سابق لمنهج الخليل، إذ يبدو أننا وصلنا متأخرين عن تحقيق هذا الهدف اثني قرنا من الزمان، يوم كنا نستطيع سؤال المجتمع العلمي في بوادي الحجاز ونجد ونناقشهم في مناهجهم لوزن الشعر العربي. وما ذكرناه من أسماء الذين نقضوا عروض الخليل يبدو أنهم كان لديهم الجواب الوافي على هذا التساؤل. لكن يدا خفية عملت على إتلاف كتبهم التي حفظ لنا أصحاب التراجم عنواينها .. ليس هذا فحسب بل لقد عملت تلك اليد على إزالة كل ما ألفه أعوان النظام الخليلي وجهدوا فيه من الرد على هؤلاء ؛ لأن في ذلك الرد توضيحا لما كان يسير عليه منهجهم القديم.
لا شك أن عمل الخليل كان ثورة علمية بالمعنى الكوني (نسبة إلى توماس كون)، وهذه الثورة وجدت لها فريقا علميا ضخما أخذ يتعهدها بالنصرة والتأييد جيلا بعد جيل. والثورات العلمية كما قال كون شبيهة بالثورات السياسية .. ألا تجد كيف أن الفريق الذي ينقلب على السلطة يحاول بكل الوسائل طمس أي فضيلة للنظام السابق، بل صار بعضهم يفضل الإشارة إلى ذلك النظام بوصف العهد البائد.
إن النص الذي نقلناه من كتاب القوافي للجوهري، وهو ما أثبته تقريبا الأخفش في كتابه القوافي، يذكر أن من البحور الكاملة البسيط التام والوافر التام والكامل التام والرجز التام. ومن البحور المجزوءة مجزوء المديد ومجزوء البسيط ومجزوء الوافر ومجزوء الكامل. ومن المشطورة مشطور الرجز ومشطور المنسرح الذي لم يذكره الخليل. وأخيرا فإن من البحور المنهوكة ما جاء على جزئين كمنهوك الرجز ومنهوك المنسرح. وهذه المصطلحات كلها نتيجة لمعرفة علمية منظمة وليست مجرد معلومات متناثرة مشتتة.
ونحن إزاء هذا النص يمكن لنا أن نستنتج منه معرفة العرب قبل الخليل بالأجزاء (التفاعيل) وإن كنا لا نعلم عددها وما إذا كانت (مفعولات) من بينها. أما الوحدات التي تتألف منها هذه الأجزاء فقد رأينا في الرواية التي حكاها الخليل عن التنعيم وحدتين منها، وفي تقديري أنها كانت كافية لتعبر عن جميع الأوزان الشعرية التي استخدمها العرب في الجاهلية. ولم يبق إلا نظام الدوائر الذي لم نسمع أحدا قبل الخليل ذكره، فلعل هذا النظام أن يكون هو الإسهام أو الإضافة الحقيقية للخليل على نظرية العروض العربي.
وعودة إلى مداخلة الأخت العالمة ثناء صالح حول وجود نوعين من العلم العروضي الأول سبق عصر الخليل وهي تلخصه في مجرد بيانات غير معالجة والثاني هو البيانات ذاتها ولكن بعد معالجتها معالجة علمية. وفي رأيي أن هذا التحليل صادق، ولكنه يعبر عن المعرفة العروضية في أزمان مبكرة من الجاهلية. أما العلم الخليلي فقد كان تطورا تراكميا للعلم الذي سبقه وهو في تقديري بدأ تشكله قبل الإسلام بقليل حيث بلغ الشعر العربي قمة تطوره، ونبغ لنا فيه شعراء عظام لا نزال ندرس شعرهم حتى اليوم.
لذلك فإن كل محاولاتي في هذا الصدد لا تتجاوز إعادة تشكيل صورة ممزقة ، أوعلى نحو قريب من علماء الأحياء الذين صنعوا نماذج لكائنات انقرضت منذ آلاف السنين اعتمادا على ما وجدوه في بعض الأحافير، نحاول أن ننحو نحوهم فنعيد تشكيل صورة صادقة للعروض قبل الخليل.
غير أني كنت آمل لو أن جهد عالمتنا ثناء انصب على الجواب عن السؤال التالي: هل العروض علم يمكن أن يقف في مصاف العلوم الطبيعية، من فيزياء وكيمياء، أم أنه ينتمي إلى تلك العلوم التطبيقية المصنفة ضمن فروع الإنسانيات، كعلم الاجتماع وعلم اللغة والنحو والتاريخ وغيرها. لقد سأل أحد علماء البيولوجيا، وهو إرنست ماير، سؤالا قريبا من هذا فقال: يمكننا الرجوع إلى المعايير الثمانية التي وضعها جون مور (1993) كمسوغات للاعتراف بأي نشاط فكري كعلم ، وهي:
1- أن يكون أساسه بيانات ميدانية أو معملية كانت حصيلة مشاهدة أو تجربة.
2- أن يستهدف جمع البيانات الإجابة عن أسئلة ، وأن تستهدف المشاهدات إزالة الشك.
3- الالتزام بالموضوعية في المنهج والوسائل.
4- أن تمشي الفروض مع المشاهدات، وانسجامها مع فكرة البحث.
5- صلاحية جميع الفروض والاحتمالات، وتمحيص المتداخل منها بالمقارنة والمفاضلة.
6- صلاحية التعميمات للتطبيق على كل الموضوعات المتداخلة في نطاق العلم محل الدراسة، وأن تكون الظواهر الشاذة قابلة للتفسير من دون تبريرات غيبية.
7- عدم التسليم بأي اكتشاف كحقيقة إلا بعد تأكيده من عدة مصادر خارجية.
8- القدرة على تقديم حلول للمشاكل المحيرة، وإحلال نظريات صحيحة محل نظريات معيبة أو ناقصة، مما يؤدي إلى التحسين المتنامي للمعرفة.
ويعقب ماير بالقول: بناء على هذه المعايير يغلب الرأي القائل بوجوب الاعتراف بالبيولوجيا كعلم مثل الفيزياء والكيمياء.
ونحن بدورنا نقول إنه بناء على هذه المعايير اكتسب علم العروض اسمه منذ اليوم الذي وضع فيه الخليل كتابه في تفصيل أحكامه.
فبالنسبة للمعيار الأول: يعتبر أساس بيانات الخليل كلها ميدانية (الشواهد الشعرية). وبالنسبة للثاني: تستهدف هذه المشاهدات (وهي شواهد الخليل) الإجابة عن أسئلة وإزالة الشك.
وبالنسبة للثالث: يلتزم كتابه كله بالموضوعية في المنهج والوسائل.
وهكذا لو تأملنا في كل معيار من المعايير الباقية فإننا سنجد أنها تنطبق على عمل الخليل العلمي، وإلى حد كبير أيضا، على العلم الذي مهد للخليل استنباط نظريته.
شكرا أستاذ سليمان فقد كان شرحك بما فيه من استشهاد ممتعا للغاية !
نحن أيضا نقول : إن العمل بالجزء والشطر والنهك بما يستلزمه من تمثل وحدة كمية للإيقاع بمقدار التفعيلة كان معروفا قبل الخليل . ولا بد أن التراكم العلمي قد وصل قبيل الإسلام إلى مستوى من الترابط أعلى من أن يوصف بمجرد معلومات متناثرة مشتتة . لكن مع ذلك فإن هذا المستوى من الترابط كان هو ما يحتاجه الخليل للعمل عليه كبيانات غير مترابطة بقوانين محددة تلك القوانين التي كان على الخليل أن يكتشفها كقوانين طبيعية تحكم بها الذائقة الشعرية الإيقاع الشعري من حيث الاستساغة وهي قوانين المراقبة والمعاقبة والمكانفة .
إن وصف البيانات بكونها (معلومات غير مترابطة ) يتم من المستوى المعرفي الأعلى الذي يأتي بعد استقرائها

خشان خشان
28-08-2013, 01:38 PM
أستاذي الكريمين

سليمان أبو ستة
ثناء صالح

قرن حديثيكما عن التراكم المعرفي والبيانات قبل الخليل يذكرني بموضوع الخليل وماندلييف. فلا شك أن التراكم المعرفي قبل مندلييف شمل العناصر وهو الذي وضعها في الجدول الدوري. ( والعبارة أصلا في مجال العروض لأستاذي أبي إيهاب)

https://sites.google.com/site/alarood/r3/Home/mendeleev

لعل في المقارنة فائدة.

يرعاكما الله.

سليمان أبو ستة
29-08-2013, 05:15 PM
لكي نحكم المقارنة بين نظام الدوائر الخليلي وبين الجدول الدوري للعناصر علينا أولا أن نضيف إلى الاستخدام المباشر لهذه الدوائر كما تظهر في أشكالها الخمسة، عددا من المفاهيم التي تساعد على الإحاطة بكل البحور الممكنة ، مستعملة كانت أو مهملة. وهذه المفاهيم هي:
1- مفهوم الزحافات والعلل وهي تغييرات تمس التفعيلة الأخيرة في النسق الدائري نحو علة الحذف في نسق الوافر الدائري ليصبح موافقا للضرب الأول منه. وبذلك يكون الشكل الدائري المباشر لبحر الكامل مهملا والشكل المعتل بعلة الحذف مستعملا.
لكن هذا المفهوم لا يساعد على التنبؤ سلفا بوجود ضرب من الوافر يكون معتلا بعلة القطف، إذ أنه يتطلب إدراج كل احتمالات الزحاف والعلة الممكنة ومنها علة القطف هذه، وهو ما يبدو إسرافا في التخمين. لذلك نقول إن استخدام هذا المفهوم مع الشكل الدائري المباشر يعمل على تبرير صلة المقارنة بينه وبين الجدول الدوري، ويصعب التنبؤ بما سيكون ممكنا.
ومن هذا الإسراف في التخمين ما فعله الجوهري من افتراض زحاف وعلة في التفعيلة الأخيرة لمجزوء البسيط ، هما القطع والطي ، وذلك ليبرر صلة البحر الذي عده القرطاجني بحر مستقلا هو (مستفعلن فاعلن فاعلن). والشيق هنا أن هذين العروضيين لا يؤمنان بفكرة الدوائر الخليلية.
2- مفهوم الجزء والنهك وهو حذف تفعيلة واحدة من النسق الدائري الكامل ليعد ما يتبقى من النسق منبئا باحتمال وجود بحر يوافقه، وذلك كما هو الحال في بحور المضارع والمقتضب والمجتث مثلا. كذلك الأمر بالنسبة للنهك، وإن تم ذلك بشكل محدود.
ولأن الخليل لم يفرد مصطلحا خاصا للتعبير عن حذف تفعيلتين من بعض الأشطر الرباعية التفاعيل كالطويل والمديد والبسيط، فقد أغفل الإشارة إلى وجود أبحر أو أضرب على نحو (مستفعلن فاعلن) أو (فاعلاتن فاعلن).
ومع ذلك كله، فلم يستطع الخليل، ولا أي عروضي بعده، إيجاد دائرة تعبر عن نسق البحر الذي سمي بعدة أسماء منها الغريب والشقيق ودق الناقوس والخبب.

خشان خشان
07-03-2019, 12:58 PM
عندما يكون الموضوع نتاجا لحوار قامتين سامقتين أستاذي سليمان أبو ستة وأستاذتي ثناء صالح فلا شك
أنه سيكون ثريا مفيدا. وهذه الصفحة من أفضل ما قرأت في بابها.
وفي هذا المجال أنقل وصف جوان مالنج لمنهج الخليل بأنه "يقدم الأساس الوحيد للتوصيف العروضي الكامل للشعر العربي"

https://sites.google.com/site/alarood/joan-maling-theory

https://sites.google.com/site/alarood/_/rsrc/1489205643718/joan-maling-theory/%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D8%AC%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AC.gif