المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : دِرَاسَاتٌ عَروضِيَّةٌ رَائِدَة- كمال أبو ديب



د.عمر خلوف
21-10-2013, 08:45 AM
وللدكتور كمال أبو ديب "محاولة لطرح بديل جذري لعمل الخليل" أكد فيها على استخدام المتحرك والساكن أساسًا لفهم إيقاع الشعر العربي، وحاول جاهدًا أن يصف البحور باستخدام الوحدتين الإيقاعيتين (فعولن/فاعلن) ومتحوِّلاتهما، أو النواتين الإيقاعيتين اللتين تشكّلانهما معًا (فا/علن)، أي السبب والوتد.
حيث رأى أن كلَّ أنماط الإيقاع في الشعر العربي تنبع من علاقة هاتين النواتين التتابعية، وأن تغيّر الإيقاع يعتمد على ظاهرة رياضية هي حدوث عدد (أو آخر) من النواة (فا) في سياق النواة (علن)!
ولذلك اقترح أبو ديب ثلاثة مصطلحاتٍ جديدة هي:
1. النواة الإيقاعية؛ وتقابل السبب أو الوتد (فا / علن).
2. الوحدة الإيقاعية؛ وتقابل التشكل الناتج من تركيبهما (فاعلن/فعولن).
3. التشكّل الإيقاعي؛ وهو التشكل الناتج من تكرار الوحدات أو تركيبها (ويقصد البحور).
معتبرًا "هذه المصطلحات أدقّ، وألْصق بحركية الإيقاع من مصطلحات الخليل: السبب والوتد والتفعيلة والبحر"( ).
[لا شك أن مصطلحات الخليل أكثر دقّة من مصطلحاته المطّاطة على الرغم من دلالتها، لأن مصطلح السبب لدى الخليل يدل على شيءٍ واحد، بينما تدل النواة الإيقاعية على شيئين مختلفين أو ثلاثة.]

يقول أبو ديب: إنّ "تحليل البحور إلى النواتين (فا/علن) يُظهر أنّ لها نموذجاً نظريّاً مطلَقاً، يكاد يتصف بالكمال، ويتشكل من (12) نواة إيقاعية، تتناوب فيها (فا) و(علن) تناوباً منتظماً في الاتجاهين (فا --علن) و(علن -- فا).
وهذا يعني أن لدينا مجموعتين فقط من البحور، لا خمسة:
1. فا علن فا علن فا علن فا علن فا علن فا علن
2. علن فا علن فا علن فا علن فا علن فا علن فا
..... 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12

وتتشكل البحور المختلفة بفقدان عدد من النوى الموجودة أصلاً في النموذج النظري( ).
* فالبسيط مثلاً يساوي:
فا فا علن فا علن فا فا علن فا علن
1 3 4 5 6 7 9 10 11 12
(بسقوط النواتين: 2 ، 8).
* والطويل يساوي:
علن فا علن فا فا علن فا علن فا فا
1 2 3 4 6 7 8 9 10 12
(بفقدان النواتين 5 و 11).
* بينما يساوي الهزج مثلاً:
علن فا فا علن فا فا
1 2 4 5 6 8
(بفقدان الأنوية 3 و 7 و 9 و 10 و 11 و 12)!!.

ونظرًا لمحاولته هنا عدم استخدام النواة (///ه)، يضطر أبو ديب إلى تحليل بحري الكامل والوافر بصورةٍ خاصّة مختلفة عن تحليله السابق (انظر الجدولين (l2 ; l1 ) ص56-57.).
إلاّ أن أبو ديب يعود فيرفض ربط الانتظام الإيقاعي للشعر بمثالٍ نظريٍّ أعلى!! خوفاً -كما يقول- من تجمّد (البحور) ضمن حدود نظرية مطلقة لا يمكن أن نتعداها، مع اعترافه بوجود مثل هذه الحدود في سياق الشعر العربي التناظري!. ويبرر رفضه هذا بوجود إيقاعات شعرية ـ تراثية ـ عديدة، حاولت الخروج من الإطار العنيد المفروض على الشعر!! وكذلك بسبب ميلاد الشعر الأحادي الجديد (الحر)!!.

د.عمر خلوف
21-10-2013, 08:54 AM
ولوَصْف الإيقاع بطريقةٍ تلغي الحدود النظرية، وتسمح بتجاوزها (!) يعود أبو ديب إلى التشكلين الأساسيين (المتقارب والمتدارك) الناتجين من تكرار (علن-فا) أو (فا-علن) أربع مرات، فيلاحظ أن (علن) هي النواة الجذرية الثابتة، وأن (فا) هي المتغير الذي يُعمَد إليه في تطوير التشكّلات الإيقاعية كلّها. وتأتي إضافة (فا) في مواضع معينة من التشكل الأساس، يسهل معها تحديد قيمتها الرياضية المرتبية.
ولا شك أن ثمّة إمكانات رياضية لا نهائية لإضافة (فا) إلى هذين التشكلين، "إلاّ أن الفاعلية الشعرية العربية نمّت عددًا قليلاً منها"( ).

* ففي الاتجاه (علن - فا)، وباتخاذ وحدتين فقط نواة جذرية، ثمة ثلاثة إيقاعات هي:
1. الطويل = علن فا علن فا فا ( × 2 ).
2. المضارع= علن فا فا فا علن فا
3. الهزج = علن فا فا علن فا فا

* وفي الاتجاه (فا - علن):
4. البسيط = فا فا علن فا علن ( × 2 )
5. المقتضب= فا فا فا علن فا علن
6. المديد = فا علن فا فا علن فا علن فا
7. الرمل = فا علن فا فا علن فا فا علن فا
8. الخفيف = فا علن فا فا فا علن فا علن فا
9. السريع = فا فا علن فا فا علن فا علن فْ ( )
10. الرجز = فا فا علن فا فا علن فا فا علن
11. المنسرح = فا فا علن فا فا فا علن فا علن

ولكنه يصطدم مرةً أخرى بعقبة البحر الكامل والوافر، فيضطر إلى اعتبارهما:
12. الوافر = علن علتن علن علتن علن علتن
13. الكامل = علتن علن علتن علن علتن علن

ومع ذلك يُصرّ على إخضاعهما لنظامه ، فيقترح تحليل الفاصلة إلى (فَ عِلن ـ/ ـ ـ ه)! ثمّ إلى (فَ فَ فا ـ/ ـ/ ـ ه)، وثالثًا إلى (فا + 1 فا ـ ـ/ ـ ه)!!

د.عمر خلوف
23-10-2013, 01:04 AM
ولإظهار الانتظام الرياضي للبحور أعطى أبو ديب النواة (فا) القيمة (1) و (علن) القيمة (2) و(علتن) القيمة (3). ثم رتب البحور على ذلك الأساس في جدولين:
أ‌. ما يبدأ بالنواة ( علن ) :
1- المتقارب = ..2 1........ 2 1
2- الطويل = ....2 1 ........ 2 1 1
3- الهزج = .....2 1 1 ..... 2 1 1
4- المضارع = .2 1 1 1 .. 2 1
ب‌. ما يبدأ بالنواة ( فا ) :
1- المتدارك = ....1 2 ........1 2
2- البسيط = ......1 1 2 ..... 1 2
3- المجتث = .... 1 1 2 ..... 1 2 1
4- المقتضب = ...1 1 1 2 .. 1 2
5- المديد = .......1 2 ......1 1 2 ...1 2 1
6- الرمل =........ 1 2 ..... 1 1 2 ..1 1 2 1
7- الخفيف = ......1 2 1 ...1 1 2 .. 1 2 1
8- السريع =.......1 1 2 .. 1 1 2 .. 1 2
9- الرجز = .......1 1 2 .. 1 1 2 1 1 2
10- المنسرح = 1 1 2 ...1 1 1 2 ... 1 2

ومرّة أخرى يمثّل للوافر والكامل بأربع طرق مختلفة أفضلها:
11- الوافر = ..2 3 .. 2 3 .. 2 1
12- الكامل = ..3 2 .. 3 2 .. 3 2

د.عمر خلوف
24-10-2013, 02:27 AM
ويرفض أبو ديب مفهومَ الزحاف عند الخليل، لارتباطه (بالنموذج الكامل)، واعتباره التحولات الإيقاعية الأخرى "ناقصة"( ). ويرى أن مفهومَ "البديل" "هو الفاعل الحقيقي في هذه التحولات"، والذي يقوم على اعتبار التحولات الممكنة لوحدةٍ ما بدائلَ إيقاعية متماثلة، ليس في أحدها زيادة أو نقصان، وأن مثل هذه التحولات بين البدائل كانت تتم في حس الشاعر المرهف بعفوية وفطرية( ).
ففي حس الشاعر المرهف قيمة رياضية محددة لكل نواة إيقاعية، تمثل عدد المتحركات في كل منها، وبالتالي فإن قيمة الوحدة الإيقاعية (التفعيلة) تساوي مجموع قيم النوى الداخلة في تركيبها، وأن قيمة التشكيل الإيقاعي (البحر) تساوي مجموع قيم الوحدات المكونة له.
فإذا كانت قيمة النواة (/ه) تساوي (1) والنواة (//ه) تساوي (2) والنواة (///ه) تساوي (3)، كانت القيم الرياضية لمجموعتي البحور هي:
المجموعة الأولى:
المتقارب* .....3 3 / 3 3
الطويل ........3 4 / 3 4
الهزج** ......4 4
المضارع*** .5 3
الوافر .........5 5 3
المجموعة الثانية :
المتدارك* ......3 3 / 3 3
البسيط .........4 3 / 4 3
المجتث** .....4 4
المقتضب*** .5 3
المديد ..........3 4 4
الرمل ..........3 4 5
الخفيف ........3 5 4
السريع ........4 4 3/0
الرجز ..........4 4 4
المنسرح .......4 5 3
الكامل ..........5 5 5

هذا الانتظام الرياضي المدهش هو سر الإيقاع العربي كما يقول. فلكل بحر قيمته الرياضية المتميزة، على الرغم من التماثل العددي بين المتقارب والمتدارك، والهزج والمجتث، والمضارع والمقتضب، فكل بحر منهما يقع في فئة، أي أن أحدهما يبدأ بِـ(علن) والآخر بِـ(فا).

وقد لاحظ أبو ديب أن البدائل الممكنة لأي وحدة تحتفظ دائمًا بقيمةٍ عدديةٍ واحدة؛ فقيمة (/ه///ه) هي (1 + 3)، وهي نفس قيمة (/ه/ه//ه) التي تساوي (1 + 1 + 2).
إلاّ أن ثمة شرط ثانٍ لاتحاد دوريهما الإيقاعيين، هو تناظر موقِعَيْ النواة (//ه) فيهما. ولذلك يتحد مثلاً دَوْرا (/ه///ه) و(/ه/ه//ه)، ولا يتحد معهما دور (/ه//ه/ه) على الرغم من تساوي قيمها العددية.
ذلك هو المبدأ الذي يحكم نظرية التحولات في الوحدات الإيقاعية للبحور، "وهو مبدأ رياضي تركيبي بسيط"، "يلغي نظرية الزحافات كلها، ويحيل تحليل بيت شعري إلى مكوناته الإيقاعية عملاً على درجة كبيرة من البساطة"( ).
ويكفي في هذه النظرية معرفة القيمة الرياضية لوحدات البيت كما يقول، وغض الطرف عمّا يكون "زحافًا" وما لا يكون، "مع التنبيـه إلى موقع النّـواة (//ه) من الوحدة الإيقاعية".

د.عمر خلوف
27-10-2013, 08:29 AM
وللتطبيق العملي، يضع أبو ديب المبادئ اللازمة لتحليل أي بيت من الشعر لمعرفة بحره:

1. إعطاء البيت رموزه (من الحركات والسكنات)، ثم تقسيمه إلى أنويته الإيقاعية، وتحديد قيمها العددية.
2. تحديد الوحدات (التفاعيل) المكونة للبيت بأخذ الوتد (علن) ومعه كل سبب (فا) يتلوه أو يسبقه.
والشرط فيما يبدأ بِـ(علن) أن تكون (علن) فيه هي بداية (كل) وحدة.
3. تحديد القيم العددية لكل وحدة .
4. تحديد البحر وفقًا لوحداته الناتجة.

ويلاحظ أنه لا توجد وحدة تتألف من تكرار الوتد أكثر من مرتين. أو من جمع أكثر من فاصلة واحدة إلى الوتد. كما لا توجد وحدة تتألف من جمع سبب (فا) إلى فاصلة إلا إذا كانت (فا) سابقة!!. وأن كل فاصلة لها القيمة (1+3)، فإذا تلاها وتد تعطى القيمة (3).

الجلالي
09-11-2013, 10:38 AM
للمتمرسين فقط: ما اعراب قول الرسول"ص "بشكل مفصل أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم". وانا اعتذر لان الكلام ليس في محلة دكتور

د.عمر خلوف
10-11-2013, 12:35 AM
لا شك أن محاولة أبي ديب هي من المحاولات الرائدة في دراسة إيقاع الشعر العربي، وذلك لتسلُّلِها إلى عمق هذا الإيقاع، بحثاً وكشفاً عن بعض أسراره. إلا أنها ليست بحال "بديلاً جذريّاً لعروض الخليل" كما أراد لها واضعُها( )، ولا نظامه أوسع من نظامه كما يدّعي( ). فلقد كان أبو ديب متّكئاً بكل ثقله على نظرية الخليل، باتخاذه الحركة أساساً جذريّاً لفهم الإيقاع، واستعماله أربعاً من الأنوية الإيقاعية الخليلية هي: (/ه ، //ه ، ///ه ، ////ه) دون أسمائها، واستعماله سبعةً من وحداته الإيقاعية أيضًا دون أسمائها، واستعماله كذلك كلَّ أسماء البحور الخليلية.
ومن العجب حقًّا أن يصف أبو ديب نظامه بأنه يحتضن صورةً حيويةً للعالم (والخالق!!)، بينما يحتضن نظام الخليل صورةً جامدةً للعالم، وأن الفرق بين النظامين هو الفرق بين النظام التقليدي لعلوم الطبيعة والكيمياء، وبين النظام النووي الحديث( )!!

وقد تركّز خروجه على نظرية الخليل، بإهمال السبب الثقيل (//) والوتد المفروق (/ه/)، وإهمال (مفعولاتُ)، واتخاذه عددًا من التفاعيل الجديدة (/ه/ه/ه//ه ، //ه/ه/ه/ه ، /ه/ه//ه/ه )، وإعادة النظر في طريقة تفعيل بعض البحور (كالمديد والرمل).
ووفقاً للمبدأ الذي أقام عليه نظريته، كان على أبي ديب أن لايحيد عن استعمال النوى الإيقاعية. لكنه اضطر إلى استخدام الوحدات الإيقاعية (التفاعيل)، معتبرًا "أهمّ شيء في تمييز التشكلات الإيقاعية [البحور] .. هو تمييز القيم الرياضية لوحداتها مستقلةً منفصلةً"( )!! وأن تمييز الوحدات هو أهم خطوة ينبغي أن نقوم بها( ).

وكما ذكرنا يستخدم أبو ديب معظم التفاعيل الخليلية، ولكن باستخدام الأرقام بدل الأسماء. وفي ذلك خلطٌ واضح بين التفاعيل. ففي المجموعة الأولى؛ تختلف طبعًا تفعيلة المضارع عن تفعيلة الوافر، ومع ذلك فإن لهما الرقم (5)، وهو ذاته في البحرين. وفي المجموعة الثانية؛ يشير الرقم (4) إلى كلٍّ من (مستفعلن /ه/ه//ه) و(فاعلاتن /ه//ه/ه). وأسوأ من ذلك أن تجتمع التفعيلتان في كلٍّ من المجتث والمديد! وأما الرقم (5) فيشير في الرمل إلى (/ه/ه//ه/ه) وفي المقتضب والخفيف والمنسرح إلى (/ه/ه/ه//ه)، وفي الكامل إلى (///ه//ه)، وتقع كل هذه البحور في فئةٍ واحدة.
و(فاعلاتن /ه//ه/ه) عنده، لا يتركب منها أي بحر، فهي لا توجد إلا في ضروب بعض البحور (المجتث والمديد والخفيف)، شأنها في ذلك شأن (مستفعلاتن /ه/ه//ه/ه) في ضرب الرمل.

د.عمر خلوف
13-11-2013, 07:52 AM
وعلى الرغم من رفضه أكثر من مرّة اتخاذ مثالٍ نظريٍّ للبحور -كما رأينا- فإنه يضطر في تحليله للبحور إلى استخدام المثال في كلٍّ من المضارع والبسيط والمقتضب والمنسرح:

1. فالمضارع يساوي عنده: (علن فا فا فا علن فا) أي: (مفاعيلن فاعلاتن).
....ولا يرد المضارع إلاّ بالشكل (مفاعيلُ فاعلاتن) كما هو معروف.

2. والبسيط يساوي عنده: ( فا فا علن فا علن فا فا علن فا علن).
....ولا ترد (فاعلن) الأخيرة في البسيط إلاّ على (فعِلن أو فعْلن).

3. والمقتضب يساوي عنده: (فا فا فا علن فا علن).
....ولا ترد (فاعلن) الأخيرة إلاّ على (فعِلن).

4. والمنسرح يساوي عنده: (فا فا علن فا فا فا علن فا علن)،
....ولا ترد (فاعلن) الأخيرة إلاّ على (فعِلن أو فعْلن) كذلك.

ويضطر أبو ديب في أكثر من موضع إلى اتخاذ المثال النظري كذلك.

فعند تحليله ـ مثلاً ـ لبيت المتنبي:

بَناها فأعْلى والقَنا تقرعُ القَنا ** وموجُ المنايا حولها متلاطِمُ

يصف النوى في الشطر الأول بالكمال، لتوفّر القرار الموسيقي فيها كلها، بينما "ينقطع الكمال النووي للحركة" في الشطر الثاني -كما يقول- لسقوط ساكن أحد الأنوية فيه!

د.عمر خلوف
21-11-2013, 11:44 PM
وإذ حاول أبو ديب منذ البداية أن يصف البحور باستخدام النواتين الإيقاعيتين (علن/فا) فقط، مستميتًا في الوصول بها إلى الانتظام الرياضي المطلق، فقد كان الوافر والكامل يعملان دائمًا على عرقلة هذه المحاولة، لأنهما تَشكُّلان مختلفان لا يخضعان لذلك الوصف، لما فيهما من الفواصل.
لذلك، وبعد محاولات عديدة لقسرهما على الخضوع لذلك الوصف، يضطر أبو ديب إلى الاعتراف بوجود نواةٍ إيقاعيةٍ ثالثة هي: (علتن)، تلعب دورًا حيويًّا في تكوين هذين البحرين، ويضطر بالتالي إلى "إعادة صياغة الأساس النظري المطروح لتقرير: أن الإيقاع في الشعر العربي ينبع من الحدوث التتابعي لاثنتن من ثلاث نوى مكوِّنة هي: ( ـ ـ ـ ه) و (ـ ـ ه) و (ـ ه )"( ).
ومع ذلك، ربّما لتصوّرٍ ذهنيّ مسبق لديه، فقد سيطرت عليه فكرة استخدام نواتين إيقاعيتين لا ثلاثة، فحاول قسر الوافر والكامل على تقبّل فكرته بأكثر من طريقة واحدة.

ففي الوافر والكامل؛ تنقص القيمة العددية للوحدات المكونة لهما بمقدار (1)، فتتحول بذلك الوحدة (5) إلى (4)، مما يعني نقصان القيمة العددية لشطر الكامل بمقدار (3)، مع بقاء الإيقاع منسجمًا. وقد تنقص قيمة الشطر الواحد في الخبب بمقدار (4)، بل إنها هنا قد تزيد أيضًا، ويبقى إيقاع الخبب منسجمًا.

د.عمر خلوف
21-11-2013, 11:50 PM
وإذ يدخل أبو ديب مجالَ التطبيق العملي، ينعى على الخليل طريقته في تحليل بيت من الشعر لمعرفة بحره. لأن المبتدئ بحاجة إلى معرفة طريقة التمثيل العروضي لوضع رموز البيت من حركة وسكون ثمّ هو بحاجةٍ إلى معرفة التفاعيل المكونة لكل بحر، ومعرفة بدائل (أو زحافات) كل تفعيلة.

ومن الطبيعي -في كل العلوم- أن يتعلم المبتدئ أوّلاً أساسيات هذا العلم. وأساسيات العروض معرفةُ المتحرك والساكن، ثم المقاطع والتفاعيل وبدائلها. ويظن أبو ديب أن المبتدئ -في طريقته- ليس في حاجةٍ إلى مثل ذلك.
إلاّ أنه يُقرّ منذ البداية أن الخطوة الأولى الضرورية هي معرفة طريقة التمثيل العروضي، لتحليل البيت إلى مكوناته الأولية من الحركات والسكنات( ).
وكيف للمبتدئ أن يعرف هذه الطريقة دون معرفةٍ بأساسياتها؟؟
ثم أليس على المبتدئ -في طريقته- أن يعرف كنْهَ الأنوية (المقاطع) المكونة لكل إيقاع، وقيمها العددية؟؟
ثم أليس عليه أيضًا أن يعرفَ (أو يتذكر) الوحدات الإيقاعية (التفاعيل) المكونة لكل بحر، وقيمها العددية؟
وأخيرًا أليس على المبتدئ -في طريقته- أن (يتذكر) أسماء البحور؟ إذ لا بدّ من ذلك لتمييز إيقاعٍ من آخر على الأقل.

وفي أكثر من موضع، يؤكد أبو ديب على وجود فكرة مسبقة في أذهان العروضيين، مفادها أن الزحاف نقص!. ولم نجد أحدًا من العروضيين قال ذلك، مالم يكن الزحاف ذاته قبيحاً أو غير مقبول. بل لقد أشار العروضيون إلى أن "الزحافَ جائزٌ كالأصل" بل "ربّما كان الزحاف في الذوق أطيب من الأصل"( ). أي ربما كان الزحافُ "زيادةً لا نقصًا" كما يحب أبو ديب أن يقول( ).

محمد العريان
22-11-2013, 05:04 PM
محاولة جميلة . ولكن ما الجديد في هذا إذا علمنا أن العرب كانت تستخدم (نعم /لا) لتعليم أبنائها إنشاد الشعر .

خالد خالد خالد
23-11-2013, 12:18 AM
مشكوريا دكتورعمر

د.عمر خلوف
08-12-2013, 12:32 AM
ومن تناقضات أبي ديب العديدة قوله: إن الأخفش قد رفض بحرين من بحور الخليل (المضارع والمقتضب) على أساس منهجية أصيلة في الدراسة، ذلك أنهما لم يُستعملا بنسبةٍ تسمح بتقبلهما من قبل العرب أنفسهم. ولكنه -وبعد سطرين فقط- يقرر أن الأخفش قد اكتشفَ -بحيويةٍ فكريةٍ كذلك- تشكُّلاً إيقاعيًّا لم يتنبّه إليه الخليل! هو المتدارك. فأين منهجية الأخفش الأصيلة، والتي رفضت بحرين ضئيلي الاستخدام، ثم قبلت -بحيوية فكرية!- بحرًا لم توجد عليه أية شواهد حقيقية؟

ومن الناحية التعليمية؛ فإن من المهم للمتعلم أن يعرف ما يحدث داخل البيت من تحوّلات. ولذلك فإن القول بوجود النموذج ثم البدائل الإيقاعية للوحدة يُعين على مثل هذه المعرفة. وأما أن يعرفَ المتعلمُ أن البيتَ منسجمٌ فقط بسبب تناظر القيم الإيقاعية للوحدات فيه فإننا لم نقدم له شيئًا ذا بال، خاصة وأن بعض الوحدات متّحدة القيم الرياضية حتى في البحر الواحد مثل (مستفعلن وفاعلاتن) في المجتث والمديد. ولو كانت معرفة الانسجام من عدمه كافيةً، كان الاعتماد على الحس المرهف كافيًا إلى حدٍّ ما.

ومع إيمانه شبه الأكيد بأن اتحاد الدور الإيقاعي لوحدتين إيقاعيتين مشروطٌ بتوحّد القيمة العددية لهما من جهة، وتناظر موقعَيْ النواة (علن //ه) فيهما من جهة أخرى، وتأسيسه نظريته على ذلك، فإنه لا يلبث أن يهدمَ شرطه الثاني، ليقبل ما لم يقبله أحدٌ قبلَه من قصائدَ مختلّة الإيقاع (كقصيدة عبيد بن الأبرص المشهورة)، وبعض أنماط الشعر الأحادي (الحر). والأغرب من ذلك أن يعد مثل هذه الأنماط "تستجيب للأسس الإيقاعية عند العرب" لأنها -فقط- "تنبع من الحدوث التتابعي للنوى الإيقاعية الجزرية ذاتها" كما يقول. ولعلّ أيّ حدوثٍ تتابعي لهذه النوى الثلاث، سوفَ يعتبر -فيما بعد- مستجيبًا للأسس الإيقاعية ذاتها!!

د.عمر خلوف
16-12-2013, 07:40 AM
إنّ أشدّ ما ينتقده أبو ديب على محمد طارق الكاتب، تأكيده على أهمية التساوي في عدد المتحركات بين التفعيلتين، دون تنبيهه على موقع النواة فيهما، مما يجعل (فاعلاتن /ه//ه/ه) تساوي (مستفعلن /ه/ه//ه و مفاعيلن //ه/ه/ه)، "وهذا مناقضٌ لروح الإيقاع في الشعر العربي" كما يقول أبو ديب( ).

ومع ذلك؛ ينقض أبو ديب في آخر الدراسة كلَّ ما تبنّاه، فهدم الأساسَ الذي بنى عليه بحثه الشائق، فأعطى الشاعرَ الحريّة المطلقةَ "لأَنْ يُبدعَ إيقاعَه الذاتي".
والغريب أنه يشترط عليه استخدامَ النواتين (1 و 2) أو (2 ، 3)، لأنّ "أيّ حدوثٍ للنواتين هو شكلٌ من أشكال الإيقاع العربي" كما يقول.

د.عمر خلوف
19-12-2013, 08:08 PM
ويُلاحظ أنّ في ذهن أبي ديب دائمًا إعطاء (الشعر الأحادي) مبررًا لوجوده.
ففي تحليله لأبيات من مجمهرة عبيد بن الأبرص، والتي أجمعَ النقاد على ما فيها من خلل إيقاعي، فإنه يعتبرها "أول قصيدة من الشعر الحرّ في الشعر العربي"!! لأنها "تستغلّ الإمكانيات الإيقاعية الممكنة في التشكل 4/4 و 3/4" إذْ "لا يهمّ كثيرًا أن نسمّي البحر، الأهمّ أن نرى هذه القدرة العجيبة على خلق إيقاع مرهف، تتشابك فيه عناصر إيقاعية أساسية، ذات قيم مختلفة بعض الشيء، لكنها تسهم في إغناء البنية الإيقاعية". "وما فعله أدونيس وصلاح عبد الصبور ... فعله عبيد ببراعة فائقة وتنويعٍ مدهش" (كذا)!!

ولا ريبَ أن قصيدة عبيد بن الأبرص من (الشعر التناظري)، وتستجيب معظم شطورها -مفردةً- لإيقاع الشعر العربي، إلاّ أنّ ما فيها من خلل يعود إلى استعمال أكثر من بحر واحد، وإلى وجود بعض الأبيات المختلة أصلاً.
ويدل على ما فيها من تنافر؛ ما استشهد به أبو ديب نفسه من أبيات:
 فشطرٌ يساوي 4 4 4 (وهو من الرجز).
 وآخر يساوي 4 3 4 (وهو من مجزوء البسيط).
 وغيره يساوي 4 3 3 (وهو من المخلع)
 وغيره يساوي 4 4 2 (وهو مختل)

سليمان أبو ستة
20-12-2013, 11:04 AM
أذكر أن لأخي خشان خشان تحليلا لأبيات هذه القصيدة محكما من حيث اختار لنا من روايات الأبيات ما لا أثر فيه للاختلاط ببحر آخر كالرجز، ولا لأي شكل من أشكال الاختلال الأخرى التي يستخدمها البعض من النقاد، بحسن نية أو بسوئها، في عملية النيل من صاحبها مع أنه نظم على ثلاثة أخماس البحور الخليلية ولم يذكر أنه أخل فيه من قريب أو بعيد. قراءة خشان التي اعتمد فيها على روايات صحيحة تبدو لي أنسب القراءات ، ويجب اعتمادها كما تعتمد القراءات الصحيحة عادة ، حتى نطوي صفحة هذا الهجوم المزمن على معلقة من أقدم قصائد الشعر العربي، منذ المعري الذي تجنى على عبيد في قوله:
وقد يخطئ الرأي امرؤ وهو حازم * كما اختل في نظم القريض عبيد

خشان خشان
20-12-2013, 11:35 AM
أذكر أن لأخي خشان خشان تحليلا لأبيات هذه القصيدة محكما من حيث اختار لنا من روايات الأبيات ما لا أثر فيه للاختلاط ببحر آخر كالرجز، ولا لأي شكل من أشكال الاختلال الأخرى التي يستخدمها البعض من النقاد، بحسن نية أو بسوئها، في عملية النيل من صاحبها مع أنه نظم على ثلاثة أخماس البحور الخليلية ولم يذكر أنه أخل فيه من قريب أو بعيد. قراءة خشان التي اعتمد فيها على روايات صحيحة تبدو لي أنسب القراءات ، ويجب اعتمادها كما تعتمد القراءات الصحيحة عادة ، حتى نطوي صفحة هذا الهجوم المزمن على معلقة من أقدم قصائد الشعر العربي، منذ المعري الذي تجنى على عبيد في قوله:
وقد يخطئ الرأي امرؤ وهو حازم * كما اختل في نظم القريض عبيد

سلمت أخي وأستاذي الكريم أبا إيهاب.

رابط الموضوع الذي تفضلت بذكره :

https://sites.google.com/site/alarood/r3/Home/obaid-bin-alabras

يرعاك الله.

د.عمر خلوف
25-12-2013, 08:18 AM
ولكي يؤكد أبو ديب أن نظامه الجديد قادر على الإحاطة بكل تشكّل جديد، عمَدَ إلى نموذجٍ مكسور للدوبيت، فقطّعه إلى وحداتٍ، كانت قيَمُها في الشطر الأول هي: (5 3 4) وفي الثاني (5 4 4).
ومع أن قيم الوحدات هذه تشير إلى ذلك الكسر -كما هو واضح- فإن الكاتب لم يعلّق عليه بأكثر من اعتباره تشكّلاً جديدًا لا يمكن أن يُعاد إلى أي بحرٍ خليلي.
ولا ندري كيف قبل ورود (3) مكان (4)، مع أنهما في الحشو.
والدوبيت شعرٌ تناظري لا يقبل مثل هذا الكسر. كما أنه قد يرد على أشكال مختلفة جدًا عما مثّل به الكاتب.
فهل يعني بقبوله قبولَ أي تشكّل ما دامَ تتابعًا عشوائيًّا للأسباب والأوتاد؟!

والشعرَ العربي لم يقبل إيقاعًا مثل (مستفعلن مفاعيلن) على قربه الشديد من الرجز.

إن النموذج الأول الذي أورده الكاتب لأدونيس، يستجيب حقًّا للأسس الإيقاعية للشعر العربي، على الرغم من استخدامه تفعيلتي (فعولن و فاعلن) في الضرب. ذلك أن النموذج يعتمد على إيقاعي الرجز والسريع معًا، وليس على السريع فقط.
أي أن أدونيس لم يخرج فيه على الأسس الإيقاعية للشعر العربي، لكنه فقط حاول العزفَ على إيقاعين متقاربين.
ومثل هذا التنويع يقبله الشعر الحر، لأنه (شعرٌ حر) لايلتزم بعدد واحدٍ للتفاعيل، ولا يلتزم بقافية واحدة.
بينما لا يقبل الشعر التناظري ذلك، لأنه (شعرٌ تناظري) موحّد التفاعيل والقوافي ..
ويستطيع العروض الخليلي -طبعًا- أن يصفَ بسهولة مثل هذا النموذج وغيره، كما استطاع نظام أبي ديب أن يصفه.

د.عمر خلوف
17-01-2014, 01:16 AM
هكذا.. وبعد قوله إن نظامه المقترح "لايُحاول أن يرسم ما يجب أن يكون عليه إيقاع الشعر، وإنما يحاول أن يصف ما هو عليه .."، ينتهي إلى وصف هذا النظام بأنه "تطلُّعٌ إلى ما سيكون، بقدر ما هو وصفٌ لما هو كائن"!!، وأنه "طريقة في اكتشاف الطاقات الإيقاعية"!! وأنه "تجاوزٌ للحدود"!! وبالتالي فإن الشاعر "يمتلك حريةً مطلقةً لأن يبدعَ إيقاعه الذاتي"!!، "بتشكيل التتابعات التي ترضيه"!!، "وأنه ليس هناك حدود لما يمكن أن يتركب من تتابعات وعلاقات لا كميّاً ولا كيفيّاً "!!، وأن أي تغيّر في علاقات هذه النوى يصبح إيقاعًا جديدًا متميزًا!!!.

وهكذا يعود أبو ديب، فيحاول إضفاء الشرعية على كل ما جاء على لسان شعراء اليوم، والذي لا يعدو أن يكون تتابعًا للأنوية الجذرية في الشعر العربي، بغض النظر عن كيفية هذا التتابع، أو كميته، بل إنه بذلك يضفي الشرعية على ما يسمّى "قصيدة النثر". بل لعلّ النثر ذاته ينطبق على هذه المقولة.

لاحظ معي المكونات الإيقاعية لهذا القولٌ النثري لأبي ديب ذاته:

الشـاعرُ هـكذا يمتلكُ حريّةً مطلقةً لأنْ يُبدعَ إيقاعه الذاتي
/ه/ه ///ه //ه /ه ////ه /ه //ه /ه ///ه //ه /ه///ه /ه //ه /ه /ه

أليس ذلك شعرٌ؟‍ أو شكلٌ من أشكال الإيقاع الشعري العربي؟‍
بلى .. ولكن على طريقة أبي ديب وليس على طريقة الخليل!.

زهرة متفائلة
19-01-2014, 04:31 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

نفع الله بعلمكم ، وكتب الله لكم الأجر

والله الموفق

د.عمر خلوف
20-01-2014, 05:19 PM
جزاك الله خيرا
ومرحباً بتفاؤلك