المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : تناقض أحداث الزمان والمكان



فريد البيدق
25-10-2013, 07:41 AM
تناقض أحداث الزمان والمكان الخارجيين في قصة "علي مبارك" المقررة على السادس الابتدائي
(1)
بعد أن طالت وقفتي النقدية لقصة "علي مبارك" اعتقدت أنني لم أعد متأهبا لجديد فيها لو أعدت قراءتها.
كيف؟
قلت لنفسي: لقد كتبت فيها ست مقالات نقدية شملت الجوانب الفنية الأدبية والفكرية والدينية، فماذا يكون هناك بعد ذلك حتى تظهره قراءة جديدة؟
لقد كتبت "تلويث القيم في المخرج التعليمي للقصص التربوي"، و"ظهور إخوة علي مبارك المفاجئ دليل خلل حبكة قصته التعليمية"، و"المبالغة في رسم شخصية علي مبارك زمن طفولته"، و"العقدة المصطنعة في قصة علي مبارك"، و"عندما يكون الكاتب تابعا لشخصيته الأدبية"، و"العلمانية في قصة علي مبارك"- فماذا بعد ذلك؟
تصالحت مع نفسي على ذلك، وبدأت قراءة جديدة وليس في خاطري أنني سأعثر على فكرة جديدة تستحق الكتابة والإشارة، لكنني ما إن مضيت في صفحات الفصل الأول الذي لا يتعدى ست صفحات في طبعة 2012/2013 حتى فوجئت أن هناك جديدا صارخا كان يجدر بي قبل ذلك الانتباه إليه لكنني لم أنتبه إليه قبلا لاحتمال كثرة الفِكَر آنئذ، فلما انتهى زحامها ظهر هذا التناقض الزماني المكاني في هذا الحيز الورقي الضيق الذي لا يتسع إلا لست صفحات كلماتها حجمها كبير وفراغاتها كثيرة.
ما هذا التناقض؟
إنه عدم الاهتمام بإبراز تناسق خط الزمن الصاعد للأحداث.
لماذا؟
قد يكون أن ذلك حدث لأن الفصل الأول المعنون بـ"عائلة المشايخ" الممتد من ص7 حتى ص14
فصل تمهيدي للأحداث يعرفنا الشخصيات الرئيسة وبيئتها وأحوالها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية والإنسائية.
كيف كان ذلك؟
(2)
بدأ الفصل ص7 بهذا النص "في عهد محمد علي الكبير كان الحكام يفرضون الضرائب الباهظة على الفلاحين، ومن يتأخر عن تسديد هذه الضرائب يجلد ويهان ويلقى به في السجن".
لماذا هذه البداية؟
حتى يوضح لنا أن أسرة الشيخ "مبارك" والد "علي" بطل القصة عانت من ذلك فتركت بلدها مرتين في هجرة داخلية لم تنته.
كيف؟
نتيجة هذا الظلم السياسي نما الحدث الدرامي الواقعي في ص9 كما قال المؤلف: "وفي قرية من قرى مديرية الدقهلية تسمى "برنبال الجديدة" استقرت فيها أسرة الشيخ "علي مبارك" بعد فرارها من قريتها الأولى "الكوم والخليج" على بحر طناح.
وبعد صفحتين ونصف طوف بنا فيهما الكاتب في بيان تصاريف القدر مع عائلة "علي مبارك" صعودا قبل ولادة "علي مبارك" وهبوطا بعدها، قال ص13: "وأمام هذا العذاب الذي ينزل بمن لا يسددون أو يتأخرون عن السداد اضطر الشيخ مبارك أن يبيع كل ما يملك حتى أثاث المنزل، لكن ذلك كله لم يف بالضرائب ... فلم يبق أمام الشيخ الكبير إلا أن يصنع ما صنع أجداده حين فروا من قرية الكوم والخليج".
كان السياق ناميا نموا طبيعيا فنيا وواقعيا حتى جاءت كلمة "أجداده"، فجعلت المؤشر ينحرف، وجعل التناقض يصرخ.
كيف؟
كانت هجرة هؤلاء الأجداد في زمن "محمد علي الكبير" كما جاء في جملة مفتتح الفصل، ومعلوم أن محمد علي ولي مصر 1805م، ومعلوم أن هجرة الشيخ "مبارك" والد "علي" كانت 1829م؛ لأن عمر "علي مبارك" لحظتها كان ست سنوات كما أبان الكاتب نهاية ص13، وقد نص المؤلف ص10 أن "علي مبارك" ولد 1823م الموافق 1239هـ.
وبعملية طرح يسيرة نجد أن الزمن بين بدء "محمد علي الكبير" والهجرة الثانية 25 سنة فقط، وهذه الخمس والعشرون لا تسمح بأن يكون المهاجرون الأوائل أجدادا للشيخ "مبارك" إلا إن كانت هذه الهجرة قد تمت قبل زمن "محمد علي الكبير" بزمن طويل.
لماذا؟
لأن الكاتب قال ص9 ما يوحي بأن الإقامة في "برنبال الجديدة" كانت طويلة.
ماذا قال؟
قال: "وقد طابت الحياة لأسرة علي مبارك في مقرها الجديد، وكثر عددها حتى قاربوا المائتين، وعرفوا باسم عائلة المشايخ؛ فقد كان فيهم المشايخ ... وكان منهم القضاة ... والأئمة".
(3)
وليس هذا هو التناقض الوحيد في هذه الصفحات القليلة.
ماذا أيضا؟
هناك تناقض في المكان أيضا؟
كيف؟
قال الكاتب في ص7: "كان الفلاحون الفقراء العاجزون عن دفع الضرائب يفرون من بلدهم تاركين أرضهم خوفا من الجلد والسجن، ويذهبون إلى بلد لا يعرفهم فيها أحد، ولا تصل إليهم يد الحاكم الظالم".
هكذا يقولها بكل اطمئنان: "ولا تصل إليهم يد الحاكم الظالم"، وكأن هؤلاء الفلاحون العاجزون قد هاجروا من دولة ظالمة حكومتها إلى دولة أخرى مختلفة، والحقيقة أنهم تركوا قرية في المديرية ليذهبوا إلى قرية أخرى في المديرية ذاتها، فكيف يكون الإقليم الواحد محكوم بنظامين إداريين مختلفين؟
لكنه لا يفتأ أن يقرر ص12 وحدة النظام عندما قال: "لكن هذه الفرحة لم تدم طويلا فقد زادت الحكومة الضرائب زيادة كبيرة، وضج الناس وعجزوا عن الدفع ... ولم تنج أسرة الشيخ مبارك من هذه الضرائب ...".
هكذا تجبهنا الحقيقة التي تؤكدها الجغرافيا والسياسة، فلماذا هذا التناقض الظاهر؟ أيكون ذلك للظن بأن هذه قصة تعليمية تقرر من مستوى وظيفي أعلى فلا يعبأ الكاتب بالاهتمام بالصنعة الأدبية؟
لا أدري، ولعلني أدري يوما ما!