المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من دلائل الإعجاز: الجناس .



أ.د.خديجة إيكر
02-02-2014, 08:59 PM
لقد اهتم القرآن الكريم بالمناسبة بين المقال والمقام والسياق، لما لذلك من تأثير في نفس المتلَقِّين من العرب الفصحاء فوقفوا مشدوهين أمامه لا يؤمنون به ، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون إنكار روعته وجــلاله . و قد استخدم البيان القرآني بدائع بليغة كثيرة ، أعجزتْ مَن عاصروه عن أن يأتوا و لو بأقصر سورة من مثله وأعجزتْ مَن بعدهم و لا زالت تُعجزُ كل عالم بأسرار اللغة إلى يومنا هذا .
و من بين هذه البدائع و الدلائل الإعجازية الجناسُ الذي وظَّفه القرآن الكريم لتحقيق التوازن الصوتي ، و لملاءمة السياق والمقام ، و كذلك مراعاةً لقوة المعاني والمقاصد التي يهدِف إليها كتاب الله و يروم تبليغها ، و ليس لأجل التكلُّف كما يفعل الشعراء عادةً حين يستعملون المحسِّنات اللفظية .
و قد استعمل البيان القرآني هذه الآلية البديعية لِما فيها من جمعٍ بين كلمتين متماثلتين لفظًا ، مختلفتين معنًى ، مما يُحدثُ من الناحية الصوتية تكرارا منتظما للأصوات ، موافقاً لتوقعات المتلقي، وفي الوقت نفسه متضمِّناً لمعانٍ جديدة . مما يفسح مجالا رحبا للتأمل والنظر، فيحقق بذلك متعتين : متعة السماع بالتلذذ بما يُحدثه التجانس الصوتي عن طريق استعمال الجناس ، ومتعة العقل بما يفتحه ذلك التعبيربالجناس من آفاق للتفكر.
كما يعتبر الجناس من الوسائل التداولية الفعّالة، بحَمْلها و تشويقِها المتلقي إلى الإصغاء والانتباه وإعمال الفكر في هذا المتشابِه صوتيا، المختلِف دلاليا.
وقد وردتْ هذه الآلية البديعية بجميع أنواعها في كتاب الله العزيز، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ثلاثة أنواع :
الجناس التام المفرد: وهو ما اتفق لفظاه في نوع الحروف وعددها وترتيبها وهيئتها ( أي حركاتها و سكناتها ) : ومنه قوله تعالى : ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلّب الليل و النهارإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) . النور : 43 / 44 ، حيث وردت كلمة " الأبصار" الأولى للدلالة على جمع (بصر) وهو الحاسة المعروفة، بينما عَنى لفظ الأبصار الثاني جمع (بصيرة) . و قوله : ( و يوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) . الروم / 55 ، فلفظ "الساعة " الأول يقصد بها يوم القيامة، بينما تعني الثانية القطعة من الزمن أو مفرد "ساعات" ، ذلك أنها تعبر أدق تعبير عن إحساس المجرمين، فهم يحسون أنهم قضوا في حياتهم الدنيا وقتاً وجيزاً هو ساعة من الزمن .
و قوله عز و جل : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد ) . الإخلاص : من 1 إلى 4. فلفظ " أحد " الثاني غير الأول فالأول بمعنى الواحد أو المتوحد، خاص بالله ، لا يطلق على غيره... وأحد الثاني بمعنى الجمع وهو من الألفاظ التي تستعمل في النفي ، نحو : "ما جاءني أحدٌ".
الجناس المغاير: وهو ما تشابه لفظاه في الحروف و اختَلفا في الحركات ، كقوله جل و علا : ( و الجار الجُنُب و الصاحب بالجَنْب) النساء / 36 . فكلمة " الجُنُب " تعني الذي يقرُب منك و يكون إلى جانبك ، و الصاحب " بالجَنْب" هو كلّ من صحبَك و كان إلى جانبك إما في السفر، أو بالجوار ، أو في العلم ، أو في مجلس معيّن ، أو في المسجد ، فكلّ هؤلاء لهم حق الجوار . و كقوله سبحانه : ( و لقد أرسلنا فيهم مُنذِرين فانظر كيف كان عاقبة المُنْذَرين ) . الصافات / 72 . حيث دلت كلمة " المنذِرين " على اسم الفاعل الجمع من أَنذَرَ ، بينما دلت "المنذَرين "على اسم المفعول الجمع من الفعل نفسه .
الجناس الناقص : وهو الذي يختلف رُكناه في عدد الحروف ، سواء :
* كان الحرف المزيد في أول الكلمة ، كقوله عز و جل: ( و التفَّت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق ). القيامة : 29 / 30 . حيث يتجلى الجناس بين لفظي الساق ، و هي ساق القدَم ، و المساق الذي زيد ت في أوله ميم المصدر ، فهو مصدر ميمي من ساقَ / يسوق / سوْقاً و سِياقاً .
*أم كان الحرف المزيد في وسطها ، أم في آخرها كقوله سبحانه : ( ثم كُلي من كلّ الثمرات ). النحل / 69 .
إن ما ذكر إن هو إلا غيضٌ من فيضٍ من أنواع الجناس الواردة في القرآن الكريم و هي كثيرةٌ كما أسلفنا منها : الجناس المصَحَّف ، و المَرْفُوّ، و المُذَيَّل ، والمضارع، واللاحق ، و اللفظي، وتجنيس القلب، وتجنيس الاشتقاق، وتجنيس الإطلاق .