المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الإرهاب النحوي



مبروكة بوحفص
11-02-2014, 12:56 PM
:::::::::::::::::::::::::::إن من الفواقر المهلكة، أن يَرزَأ ألسنَتَنا جُدَرِيُّ اللحن، فتصبح مُشرقات الفُصحى تَطرُق مسامعنا كأنّها طِلِّسماتٌ عويصة المغزى، ورموزا سحيقة الغور مُظلمة المعنى، نرى في تحصيل قواعدها كدًّا نكدًا، ونزعم أنّ فن نحوها لايدرك أبدًا، حتى دبَّ إلينا الخَوَر، وتولّى أكثرنا يهذي بقولهم: "النّحو صعب"! و"النحو رياضيّات العربية"ّ.
وليعلم القارئ الفطن أنّ النحو علم علق به مالأجله استكرهته النفوس، وشابه ما أسبَل على واضحه سُدول الظلمة، ورعى دَرسَه أو تدريسَه من ساقه مساق الإبهام والنُّفرة، فمَعقد بلائه لإمّا من مدرّس قاصر مقصِّر، أو كتاب عسر منفّر، فإن لم يكن فالعيب في فتور همّة طالبه وتوانيه، أو جهله بسُبُل دَركه وتحرّيه.
هل هناك أسباب تبعث على استصعاب علم النحو؟
لقد تعالت شكاوى طلاّب النّحو من النحو، وأطلقوا زفرات متنوعة، تجهَر بالرّهَق بدعوى كثرة القواعد النحوية، وصعوبة العبارة، مع تداخل التعاريف، وتشابه الشروط والأركان...
والذي يجب أن لايغيب عن مدركاتنا أن النّحو كغيره من العلوم، له أصول ومسائل تستدعي من طالبها جهدا معتبرا، لايتجاوز قدراتنا العادية، وأنّ كثرة هذه الضوابط والقواعد، لم تصل إلى حدِّ يتعذر معه تحصيلها، والإحاطة بعلمها، بل هي في حدود الوُسع الذي نُمَكَّن منه، إذا أوفينا مَطلَبَنا حقَّه من الجهد والمصابرة على الطلب، ومانزعمه من الصعوبة في النحو، لايتجاوز مرحلة البداية، وسيزول تدريجيا ويتلاشى شيئا بعد شيء، عند التزام السُّبل النَّاجعة، لإدراك فصوله وتحصيل أبوابه، وكما قال العلاّمة ابن العثيمين رحمه الله: "إنّ النّحو بابه من حديد ودهاليزه قصب! يعني أنّه شديد وصعب عند أوّل الدّخول فيه، ولكنّه إذا انفتح الباب لطالبه، سهل عليه الباقي بكلَّ يسر، وصار سهلا عليه..." 1 .
وبعض المشايخ يقول: "إنَّك ترى النَّحو أسدا! فإذا دخلته وجدته خروفا!!".
ولوتأمّل النَّاظر في النَّحو عن كثب، لانكشفت له الأستار، وألفى أنّ النّحوـ باختصارـ:
قاعدة في متناول الفهم، نحاول أن نحفظها ونُدرك معنَاها، ثمّ نقوم بتطبيقها على عدد من الأمثلة، والنَّتيجة؛ تكون قد خطَوت خطوة مهمّة في تعلم مبادئ النحو، وإنَّما هو خطوات آخرها أسهل من أولها، فإذا تكرر منك هذا العمل، بثبات في الفهم وتواصل في المحاولات بدأت تتربَّى لديك ـ بتوفيق الله ـ المَلَكة النَّحويَّة.
وهل النَّحو إلاَّ هذا ؟!
*عبرة للألمعي من قصَّة إمامٍ نحويّ:
جاء في "أخبار العلماء" لأبي الحسن القفطي، أن الإمام يحي النَّحوي كان ملاّحا يعبر النَّاس في سفينته، وكان يحب العلم كثيرا، فإذا عبر معه قوم من دار العلم والدَّرس التي كانت بجزيرة الإسكندرية، يتحاورون فيما مضى لهم من النَّظر ويتفاوضونه، يسمعه فتهشُّ نفسه للعلم، فلمّا قوي رأيه في طلب العلم فكَّر في نفسه وقال: "قد بلغت نيِّفًا وأربعين سنة وماارتضت بشيء! ولاعرفت غير صناعة الملاحة! فكيف يمكنني أن أتعرَّض لشيء من العلوم؟".
وفيما هو يفكر إذ رأى نملة قد حملت نواة ثمرة وهي دائبة تصعد بِها فوقعت منها، فعادت وأخذتها ولم تزل تجاهد مرارا حتّى بلغت بالمجاهدة غرضها فقال: "إذا كان هذا الحيوان الضّعيف بلغ غرضه بالمجاهدة والمناصبة فبالحريِّ أم أبلغ غرضي بالمجاهدة".
فخرج من وقته وباع سفينته ولزم دار العلم، وبدأ يتعلّم النّحو واللّغة والمنطق، فبرع في هذه الأمور، ووضع كتبًا كثيرة..." 2.
معالم منهجيَّة في طريق تعلُّم النَّحو
الإخلاص أولا:
من أَمَّ لغة القرآن يريد نُحور حُورها، واقتناء درر بحورها، فليَعقِد عَزمتَه على تعبُّد الله بإحراز نفائس أصولها، وليسترضي ربّه بالرِّباط مع حرَّاسها، فإنَّ الله لايؤخِّر فضله وتوفيقه على من كان الإخلاص صديقَه، والتقوى رفيقَه، وهو سبحانه باسطٌ فضلَه لمن يسعى ليرعى كتابه الكريم، وسنة نبيه العظيم  .
رُوي عن ابن عباس أنه قال: "إنّما يحفظ الرّجل على قدر نيته"، وقال غيره: "إنَّما يُعطى النَّاس على قدر نيَّاتهم3" .
أسلوب التدّرج:
آفة المبتدئين في النَّحو المللُ والسَّآمة؛ جرّاء الشُّعور بعدم التَّحصيل، مع شدَّة الجهد المبذول، وهذا مردُّه إلى هجر أسلوب التَّدرُّج والمرحليَّة، فإنّ مجاوزة انتهاجه عند الكثير من الطَّلبة؛ هو من أسباب إعاقتهم والحيلولة بينهم وبين النَّحو، ممَّا قذف في نفوسهم كراهية مُزاولَتِه، وانقطاع الأمل في تحقيق مباحثه، وعليه كان لزاما في تعلُّم النَّحو التزام جادَّة العلم، واصطحاب الرِّفق، بالتَّدرُّج في سبيل التَّرقِّي شيئاً فشيئًا.
كيف تتدرج في علم النَّحو؟
ينبغي للمبتدئ في تفهُّم النَّحو أن يكون اهتمامه الأكبر منصبًّا على معرفة المسائل والأبواب، وإحكام تصوُّرها إجمالاً، وحفظ أهمِّ القواعد الواضحة، ولايضيرك عجزك عن تفهُّم بعض ما حفظته، أو تعرَّفت عليه ـ كمرحلة أوَّليَّة ـ، فتبدَأ تطوف على مهمَّات المسائل والمصطلحات، وتطالع مثلا في كتاب مختصر: أقسام الكلمة، وعلامات كلِّ قسم، ثمّ ماهية الإعراب والبناء، وأنواع الأفعال ودراسة النَّواصب، والجوازم،... كل ذلك على وجه الإجمال ـ دون التفات إلى كثرة التَّفاصيل ـ، وبحسب ماتجود به قدرتك، في مُدَدٍ لا تجلب لك الملل 4، ثمَّ بالطَّريقة نفسها تمرُّ على جميع أبواب النَّحو وفصوله، حتَّى تختمها.
والمقصود من هذه المرحلة التَّمهيدية، هو الإلمام المجمل بالنَّحو، لإزاحة الإستصعاب بعد مباشرة مسائل النَّحو وقواعده، وتهيئة النَّفس وإعدادها لفهم أعمق، وتحصيل أوفر، في المرحلة الموالية، الَّتي ستُدرك فيها سهولة المسائل، وتتذوَّق عمليًّا سلاستها، ممَّا يدفعلك إلى المواصلة والاستمرار، في مراحل قادمة ـ بإذن الله ـ.
ولسلوك التَّدرُّج لابد من: حفظ متن مختصر:
لأنَّ المتون النَّحوية، تختصر لك مسائل النَّحو، في مبادئه وأصوله، وتقرِّب لك غامضه بعبارة وجيزة، ولفظ ميسور، كما توفِّر عليك الزّمن والجهد، ومن فوائدها أنَّ الابتداء بحفظها ومدارستها، يهيِّئ لك الارتقاء بفهمك من ضبط القواعد الواضحة، والأصول الكُّلِّية، إلى إتقان المشائل والفروع التَّفصيليَّة التي قد استقرَّت مآخذها في ذهنك.
ومن مشهور أقوال العلم: " من حفظ المتون حاز الفنون"، ويقولون: "من حرم الأصول حرم الوصول".
من المتون النَّحوية التي نالت استحسان النُّحاة وحُلِّيَت بثناء العلماء الثِّقات "متن الآجرُّومية"، ولاأدلَّ على ذلك، من تَوارد أهل العلم على نظمه وشرحه، وتهذيبه وتقريبه، تأصيلا وتفصيلا، وحتّى صار كأجود ما يعكف عليه المبتدئون، وأدنى ما إليه يرجعون.
ترشيد لمن تعذَر عليك الحفظ؟
أسُّ الحفظ وعمودُه تكرارُ المحفُوظ، ومعاودة إمراره وترديده، تعقُّلا بالقلب، ونطقا باللِّسان، فإنَّ "ماتكرر على اللِّسان ترسََّخ في الجنان"، والنَّاس في ذلك على مراتب ودرجات، أمَّا من ركَّ حفظه دون إتمام الإتقان، فليربط قلبه بالصبر على مداومة النَّظر فيها، وكثرة القراءة، وعليه أن يلاطف نفسه، وليخفِّف من مقدار محفُوظه، قال الإمام البُخاري رحمه الله: "لاأعلمُ شيئًا أنفَع للحفظ من نهمة الرَّجل، ومداومة النَّظر5" .
وقال أبو اسحاق الشِّيرازي رحمه الله: "كُنت أعيد كلَّ درس ائة مرّة6" .
كيف تستفيد من شروح "متن الآجروُّميَّة"؟
إذا كنت ممَّن لم يتيسَّر له شيخ متقن مأمون، يلقِّنك علم النَّحو، فاعمد إلى [الشرائط] السَّمعيَّة أو البصريَّة، واستعن بالله على الاستفادة منها، فإنَّ فيها ما تفضُل به على الكتب ـ خاصة للمبتدئ ـ فهي تُثير تفاعلك معها وتشعرُك بجوِّ الحضور بين يدي الشيخ، ممَّا يرفع مستوى فهمك، ويجذب تركيزك، وهي تتيح لك أن تُعيد يماع مالم تستوعبه كتابةً أو فهمًا، ولك أن تطرِّرها بالقدر الَّذي تريد، ولاشكَّ أن الأفضل هو الجمع بين المكتوب والمسموع، فإنَّ التَّنوُّع في سُبُل أخذ العلم واكتسابه وتناوله من مختلف وسائل تقريبه ذريعةٌ إلى بلوغ الفهم، وحسن الاستيعاب، ومراجعة ماتمَّ تعلُّمه مع التَّعمُّق فيه أكثر، فالَّذي يتعذر عليك فهمُه أو حفظه من المتن، أخذته من الشَّرح المكتُوب، والأخير إن تعسَّر عليك شيءٌ منه حفظًا أو فهمًا، استدركته من الشَّرح المسموع، وكما قيل: "ماتكرَّر تقرَّر".
العناية بضبط الألقاب والمصطلحات النَّحويَّة:
تُعنى كتب النَّحو بالحدود والتَّعاريف النَّحويَّة، لكنَّ كثيرا ماتصاغ تلك التّعاريف النّحوية بألفاظ ومصطلحات، يستبهمها المبتدئ ولايستسيغها ذهنه!، مع أنّ الأولى أن تُفكَّك جمع مفردات المصطلحات النَّحوية، وتوضَّح بلغة في متناول فهم المبتدئ، كما ينبغي أن يفصح عن سبب تواضع علماء النَّحو على ذلك المصطلح المعيَّن، ووجه الاتصال بينه وبين المعنى اللُّغوي، حتَّى يهون على المتعلِّم فهم تلك المصطلحات والألقاب النَّحويَّة وتعلُّقها؛ لأنَّه عندما يأخذ المبتدئ قاعدة ما، وهو خبير بمعاني ألفاظها، فسترسخ في ذهنه أكثر عندما يفهم ـ زيادة على تعريفها ـ لماذا سمِّي ذلك المصطلح كذلك، أو ماهي علَّة إطلاق ذلك اللَّقب عليه.
مثال ذلك إذا مرَّ عليه قولهم: " والفاعل ضمير مستتر تقديره هو"، أو قولهم: "مَنَع من ظهوره اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة".
فليراجع تفسير مايقرِّبُ له معنى "ضمير"، ومعنى "مستَتِر"، ومعنى "تقديره"، أو معنى "حركة المناسبة"، ولماذا سمِّي المبتدأ مبتدأً؟ وما الفرق بينه وبين الثِّقل؟
فلو تعلّم المبتدئ في كل خطوة تسير به في طلب النَّحو معنى لمصطلح أو لقب أو قاعدة ما، لأجدَاه ذلك جودةً في الاستيعاب، ومُتعةً في الطّلب، وأفاده إدراك هذه المعاني ارتقاءً في سلَّم اكتساب ملكةٍ تمكِّنه من الاستحواذ على مبادئ النَّحو، وتسعفه بالتَّعرُّف على الحكم الإعرابي لكلِّ كلمة تستجدُّ عليه، من غير كبير عناء.
العناية بالأمثلة والشواهد وأثرها في ترسيخ القاعدة واستحضارها:
في علم النَّحو من القواعد ما تحتوي جملةً من المفردات، ومنها ما تتبعها شروط معيَّنة، وأخرى تلحقها بعض الاستثناءات، ممَّا يجعلها سهلة التَّفلُّت من ذهن الطَّالب! وهذا يعصمنا الله تعالى منه بحفظ أو كثرة التَّرداد لمتنٍ مختصر ـ كما سبق ـ وشيء آخر هو: حفظ نُصوص الشواهد والأمثلة والعناية بها، والاطِّلاع على الكثير منها، فإنَّ لحفظها وإدراكها جملة من الفوائد منها:
ـ فهم القاعدة واستيعابها جيِّدًا.
ـ القدرة على تطبيق القاعدة.
ـ تثبيت القاعدة وتيسير استحضارها، مع استرجاع شروطها واستثناءاتها.
توضيح بمثال:
في الأسماء الخمسة ـ مثلا ـ القاعدة فيها أنَّها تُعرب بالحروف نيابةً عن الحركات، تُرفع بالوا، وتنصب بالألف، وتُّجرُّ بالياء، وهذه الأسماء محدودة بعدد، ولابدَّ أن تجتمع فيها شروط معيَّنة، فحتَّى تستوعب باب الأسماء الخمسة فهمًا وتطبيقا لابدَّ أن تحفظها، وتحفظ شروطها، وتتفهَّم تطبيقاتها على الأمثلة، فكيف تختصر الطَّريق إلى تعلُّمها؟
في "متن الآجرُّومية" تجد الأسماء الخمسـة بالنَّصِّ الآتي: أَبُوكَ، وأَخوكَ، وحَمُوك، وفُوك، وذومال.
ـ أوَّلا: لأنَّك قد كرَّرت أو حفظت المتن، فتعداد الأسماء الخمسة مستقِّرٌ في ذاكرتك.
ـ ثانيا: حفظك لهذه الأسماء بهذا السِّياق، يوفِّر عليك حفظ شروطها السِّتَّة؛ لأنّ المؤلِّف قد ضمَّنها في سياقه للأسماء الخمسة بهذه الألفاظ7 ، فستجد هذه الأسماء قد ساقها المؤلِّف "مُكبَّرةً" فلم يقل: أُبَيُّك، أُخَيُّك،... وهذا شرطها الأول، وكلُّها كما تلاحظ "مفردة" غير مثنَّاة ولامجموعة، وهذا شرطها الثاني، وكلُّها "مضافة" وهذا شرطها الثالث، وكلُّها "مضافة إلى غير ياء المتكلِّم" وهذا شرطها الرابع، وتجد الاسم "فُوك" في لفظ المؤلِّف "خاليا من الميم"، وهذا شرط خاص بهذا الاسم، كما يختصُّ اسم "ذُو" بشرطيَّة "أن يكون بمعنى صاحب "، كما مثَّل المؤلِّف فقال: "ذو مالٍ"، فالشُّروط ستَّة: أربعة مشتركة، واثنين خاصّتين، ولايعزُّ عليك حفظها واسترجاعها، وأنت قد حفظت لفظ المتن، وانتبهت إلى أن لفظ المؤلِّف يشير إليها.
ـ ثالثا: ستجد النُّحاة يمثِّلون لأحوال إعرابها ككالآتي:
ـ مثال رفعها بالواو قوله تعالى:  مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ  [يوسف: 68].
ـ مثال نصبها بالألف قوله تعالى: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ¬(15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) [سورة البلد].
ـ مثال جرِّها بالياء قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ 34 وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) [سورة عبس]،... إلى باقي الأمثلة.
فإذا حفظت لفظ المتن، واجتهدت في فهمه، والانتباه ‘لى الشُّروط المضمَّنة فيه، واستعنت على ترسيخ ذلك بأمثلة وافسَة لهذه الأسماء، في حال الرَّفع، والنَّصب، والجرِّ، كفاك لفظ مثال المؤلِّف الوجيز، استرجاع كلِّ الشروط دون عناء بإذن  تعالى.
الأخذ بالأيسر في الخلاف:
ممَّا يريح ذهنك، ويخفِّف كاهلك في مسلك تعلُّم النَّحو، أن تتحرَّى من مذاهب الخلاف في مسائله أسهلها، وأقربها إلى قريحتك، وأن لاتتعنَّى من الصّعب فيكِدَّ فؤادُك، وتتعثَّر أفكارُك، فإذا اعترضك خلاف بين النُّحاة ـ كالكوفيين والبصريِّين مثلا ـ أن لا تتردد في اختيار السهل منه، والمضيِّ قُدمًا إلى مسائل أخرى، حتَّى إذا ماآنست من نفسك نضجا، وصلابةً في علمك، عدتَ ـ إن شئت ـ إلى كلِّ خلاف من أجل تحريره، واستبصار الصَّواب فيه.
"والخُلفُ إن كان فخُذ بالأَسهّل
في النَّحو لا في غيره في الأفضَل8"
العناية بالضوابط النَّحوية:
تصادفك في كتب النَّحو بعض الضَّوابط الشِّعرية والنَّثرية، التي صاغها العلماء، إعانة لعقل الطّالب على إتقان المسائل النَّحوية، وتقريبًا له لما ندَّ عنه منها، فيجمعون بتلك الضَّوابط ماتشتَّت على الذِّهن بلفظٍ سلسٍ يسيرٍ حفظُه، كما جمع النَّاظم العلل المانعة من الصَّرف في قوله:
اجمع وزِنْ عادلاً أنّثْ بمعرفَةٍ
ركّب وزِدْ عُجْمةً فالوَصْفُ قد كَمُلا
وقاعدة أنَّ "فاء السَّببيَّة" و"واو المعيَّة" ينثبان الفعل المضارع، إذا وقعتا جوابًا لأحد أمور تسعة، جمعها النَّاظم في قوله:
مُرْوانْه وَادْعُ وسَلْ واعْرِضْ لِحَضِّهِمُ
تمنَّ وارْجُ كذَلك النَّفي قَد كَمُلا
وغيرها من الضَّوابط المنظومة...
فحقيق بك طالبًا لعلم النَّحو أن تغتنم مثل هذه الضوابط بالحفظ والرِّعاية، لتستعين بها على تقليص نصيب الحفظ، وضبط المسائل المتفرِّقة، معَ سرعة استحضارها وقتَ الحاجة إليها.
وإذا كان كذلك، فلاتغفل أيضًا عن حفظ الضَّوابط الَّتي تعينك أكثر، في التَّعرُّف على محلِّ الكلمة المشتَبَه حكم إعرابها مع غيرها، كما فعل النُّحاة في ضبط بعض "منصوبات الأسماء" بقولهم: المفعول من أجله يصحُّ أن يقع جواب "لماذا"، التَّمييز جواب "ماذا" غالبًا9 .
التدرُّب والتَّمرُّن على التَّّّّّّطبيقات:
إنّنا نجازف كثيرا عندما نكتفي بشذرات من قواعد النَّحو، دون تمرُّن على تطبيقاتها!! ثم إذا استعصى علينا شيء من الإعراب، رمينا بالتُّهمة شريعًا على النَّحو وتعسُّر مسائله!!
فإذا رُمتَ إتقان النَّحو، واكتساب مَلَكة نحويَّة، من سبيل ميسور مختصر، برئ من المشقَّة والتَّكلُّف فعليك كلَّما خلصت من قاعدة نحويَّة ـ حصَّلت مسائلها، وجُلت في امثالها وشواهدها ـ أن تستَحثَّ نفسك على التَّدرُّب على تطبيقها، وتكثير التمارين عليها، ولاتقفز من قاعدة إلى أخرى، إلاَّ وقد قتلتها فهمًا وتطبيقا، بكثرة التَّدريبات، ومباشرة التَّمارين، حتى تستسهل الإعراب وتتمكَّن من التَّعوُّد عليه.
واعلم أنَّك ـ وأنت تمارس الإعراب ـ ستصادف من الكلمات والجمل، مايُجدِّد عهدَك بما حفظت ودَرست من القواعد، ممّا يزيدها استقرارا في ذهنك، ثمّ إنّ ممارستك للإعراب والتَّعوُّد عليه، يُذهب ماتَستوعره منه، ويرسِّخه في ملكتك، فإنَّ "كثرة المزاولات تعطي الملكات".
وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.


ـــــــــــــــــــــــــــ
1 "كتاب العلم" لابن عثيمين: (91)
2 "أخبار العلماء بأخيار الحكماء" أبو الحسن القفطي (1/153) بتصرُّف.
3 "الأذكار" الإمام النَّووي (24).
4 ومسألة الزَّمن هنا مهمَّة جدًّا للمبتدئ، وهي محلُّ مراعاة عند حذَّاق المعلِّمين، كما روى أنّ الكسائي لمّا استخلف الأحمر ـ شيخ العربيَّة ـ على أولاد الرّشيد قال له الأحمر: "لعلِّي لاأفي بما يحتاجون إليه!" فقال الكسائي: "إنَّما يحتاجون كلّ يوم إلى مسألتين في النَّحو، وبيتين من معاني الشِّعر، وأحرف من اللُّغة، وأنا ألقِّنك كل يوم قبل أن تأتيهم فتحفظه وتعلِّمهم"، فقال: "نعم". "بغية الوعاة" (2/158).
5 "سير أعلام النُّبلاء" للإمام الذَهبي : (12/406).
6 "تهذيب الأسماء" للإمام النَّووي (1/738).
7 أشار إلى هذا العلاّمة ابن عثيمين: في شرحه الماتع على "متن الآجرُّوميَّة" (52).
8 "شرح متن الآجرُّوميَّة" (150).
9 مثل هذه الضَّوابط وأشباهها تجدها مبثوثةً مبسوطة في كتب النّحو، وقد قام الشيخ عبد العزيز الحربي بجمع مائة قاعدة وضابط نحوي صدَّر بها كتابه: "الشرح الميسَّر على ألفيَّة ابن مالك" (13).

ممتازمحل
24-02-2014, 01:25 AM
بارك الله فيك