المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : حكايتي مع المخلّع



الطائي
16-09-2005, 07:39 PM
البحر المسمى (مخلّع البسيط) بحرٌ يستهويني الترنم به وإنشاده ، لسببٍ لا أعلمه ، ولمن لا يعرف هذا البحر أقول :
هو بحرٌ استُخرج من بحر البسيط ، وتفعيلات البسيط هي :
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
أما تفعيلات مخلّع البسيط فهي :
مستفعلن فاعلن فعولن

وكنت ولا أزال أتغنّى ببيت نُسج على هذا البحر ، وهو :
من يسأل الناس يحرموه***وسائل الله لا يخيبُ
وكذلك بيت راوية الشاعر بشار بن برد المسمى سَلْماً الخاسر :
من راقب الناس مات هما *** وفاز باللذة الجَسورُ

وقد سوّلَت لي نفسي الإبحار في لجج هذا البحر، إلا أنني هِبْتُه مذ علمتُ أنّ الشاعر الجاهليّ عبيد بن الأبرص رام الإبحار فيه فغرق ، وذلك في قصيدته المعروفة التي مطلعها :
أقفر من أهله ملحوبُ *** فالقطّبياتُ فالذنوبُ

وتمرّ الأيام وأنا مضمرٌ العشق لهذا البحر ، أهشّ له حيث أجده ، فأغنّيه وأدندنه . وذات يوم صادفت قصيدة لأحد شعراء الشبكة العالمية رمز لنفسه باسم (جرير الصغير) ، ولمّا رأيته (صغيراً) سوّلَتْ لي نفسي الأمّارة بالسوء أن أستعرض عضلاتي العروضية على هذا الأخ ، وليتني لم أفعل ؛ فقد فضحتُ جهلي .

قرأتُ قصيدة الأخ جرير الصغير ، وأدركت للوهلة الأولى أنّها من البحر المحبّب لدي (مخلّع البسيط) ، وغنيتها وترنّمتُ بها ، فما أباها الذوق ولا مجّتها الأذن ؛ ولكنني عندما حاولت أن أقطّعها لأتأكد أنها سارت على تفعيلات البحر ولم تخرج عنها ؛ فوجئتُ بها - في معظم أبياتها - تتمرّد على تفعيلات بحري الحبيب ، فجنّ جنوني ، وتملّكتني الحيرة ، وما زاد في حيرتي هو أنّ القصيدة تتمرّد على تفعيلات البحر بانتظام عجيب ، هكذا :
تفعيلات المخلّع : مستفعلن فاعلن فعولن
تفعيلات القصيدة :- في معظم أبياتها - : مستفعلن (مستفعلْ) فعولن
فتلبّستني غيرةٌ على علم العروض الأثير لديّ وبطشتُ بالشاعر واصماً إياه بمجانبة الصواب ، ورحتُ أُعْمِلُ قلماً رداؤه الجهل وإزاره التسرّع حتى أتيتُ على معظم الأبيات تحطيماً وتقويماً - بزعمي - ولكن ؛ عندما انتصفتُ في عملي الطفوليّ هذا ، عاد إليّ رشدي ، وهدأت حدّة نَزَقي ، واستعذتُ بالله من الشيطان الرجيم . ورُحتُ أبحثُ في الشبكة عمّا يقمع جهلي المعربد ، فوجدتُ أنني ظلمتُ الرجل ، وتجنّيتُ عليه ، وفي الوقت ذاته حمدتُ الله أن جعل من هذا الذي حدث سبباً لأتعلّم جديداً ، وقد تعلّمت وعلمت .

علمتُ أنّ في أبحر الشعر بحراً تجري تفعيلاته هكذا :
((مستفعلاتن مستفعلاتن)) ، ويجوز في مستفعلاتن أن تكون (متفعلاتن) ، وعدتُ إلى قصيدة جرير (الكبير) فوجدتُها تستقيم على هذا البحر تماماً دون الحاجة للمخلّع ، وإن كان المخلّع يتّفق مع هذا البحر إذا التزمنا (متفعلاتن) في التفعيلة الثانية .

غير أنّ هناك أمراً حيّرني ، فبعض المراجع تزعم أنّه بحر خليليّ صرف استُخرج من بحر البسيط ، ومراجع أخرى تزعم أنه من ابتكار عالمٍ يدعى حازماً القرطاجنّي ، ولا أعلم من أي العصور هو ، وله كتاب اسمه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) ، ومراجع أخرى تزعم أن الشاعرة (نازك الملائكة) هي مبتكرة هذا البحر !!!

أرجو من الإخوة والأخوات إغاثتي ، وإفادتي ، وأن يشاركوني حيرتي ، فإما أن نحتار سوياً ، أو أن نهتدي سوياً ...

وإني معتذرٌ من الأخ جرير الكبير ، وشاكره شكراً جزيلاً فقد كان سبباً في إفادتي علماً جديداً ...

للجميع صادق ودّي ...

أبو بدر
17-09-2005, 03:33 PM
أخي الطائي الكريم

ذكرتني بهذا الرابط الذي يتناول هذا الموضوع فبحثت عنه لك ووجدته ولله الحمد

http://www.geocities.com/khashan_kh/47-mokhallaan.html

أرجو أن تجده مفيدا

الطائي
20-09-2005, 05:38 AM
وبعد أن أهلكتُ خيولي الهزيلة ، راكضاً الهيذبى في مضمار العروض الفسيح ، وبعد أن استنفدت ما تبقى لي من قوة في معالجة ذاكرة أصابها الصدأ ، وسليقة علاها الغبار ، وبعد أن عدتُ لممارسة دور التلميذ ، أطّلع وأنقب ، وأبحث ؛ بعد هذا كله خرجتُ بما يلي :

- هناك من ادّعى بأن هذا البحر بحر مخترع ، وقد أشرتُ إلى ذلك في بداية الموضوع .
- هناك من سمى هذا البحر بـ (اللاحق) وإن كان الدكتور عمر خلوف قد أورد بحراً آخر وأسماه اللاحق أيضاً ، وتفعيلاته (مستفعلن فاعلن فاعلن) وهنا إشكال !!
- هناك من سمى البحر بـ (مخلّع المنسرح) ولا أدري لماذا يسمى مخلعاً مع أنه يجري على المنسرح دون تخليع وإنما الحذذ فحسب ، كما سأوضح لاحقاً .
- في أحد المنتديات أوحى لي أخٌ كريم رمز لنفسه باسم (الصمصام) بأنّه يميل إلى أن يكون هذا البحر من المنسرح مع إصابته بعلة الحذذ وذلك بحذف الوتد المجموع من آخره ، وقد قمع رأي الأستاذ الصمصام كلّ التساؤلات ، فأنختُ ركابي عنده ورضيت بما جاء به كلَّ الرضا ؛ لنرَ :

المنسرح المحذوذ : مستفعلن / مفعولاتُ/ مستف = /ْ/ْ//ْ - /ْ/ْ/ْ/ - /ْ/ْ = 4 3 - 6 1 - 4 أي (4 3 6 3 2)
البحر المزعوم : مستفعلاتن/مستفعلاتن = /ْ/ْ//ْ/ْ - /ْ/ْ//ْ/ْ = 4 3 2 - 4 3 2 أي (4 3 6 3 2)

فما الذي يُلْجِئُنا إلى القول بأنه بحر مخترع ، أو أنه أحد صور البسيط ، مع اعتساف التفعيلات وليّ أعناقها ، وهو مع المنسرح لا يصيبه إلا علة واحدة ؟!!

وبعد ، فلا يفوتني أن أشكر الأخ الكريم (أبو بدر) الذي أحالني إلى موضوعٍ في الشبكة كان له كبير الأثر في إنارة بصيرتي المعتمة ...

كما أدعو الإخوة والأخوات في (الفصيح) الحبيب أن يدلوا بدلوهم مؤيدين أو معارضين إلى ما ذهبتُ إليه ...

وللجميع صادق ودّي ...

زهير أحمد ظاظا
25-02-2006, 08:08 PM
بدا لي مؤخرا أن (مخلع البسيط) وتفعيلته (مستفعلن فاعلن فعولن) يختلف عن (اللاحق) الذي ابتكره حازم، وقد ورد ذكر تفعيلات مخلع البسيط في قصيدة لابن الرومي (القصيدة 1548 ج 5 ص2004) وفيها قوله : (مستفعلن فاعلن فعولن) أما اللاحق الذي ابتكره حازم القرطاجني (ت 684هـ) وجعل تفعيلته: (مستفعلاتن) أربع مرات. فهو بحر يختلف بأوتاده عن أوتاد المخلع كلها، لأن (مستف) في التفعيلة الثانية تقابل (علن) التي هي وتد التفعيلة الثانية في المخلع، عند أتباع الخليل، وقد عثرت على قصائد كثيرة في ديوان مهيار مزج بها بين اللاحق والمخلع كالقصيدة: (يا دار ما أبقت الليالي) وهي (69) بيتا، ورد منها على الوزن (اللاحق) الأبيات التالية:
ما أنتِ يا أذرع المطايا * إلا المنايا تحت الرحالِ
ولا نساءٌ راحت بفَلْجٍ * إلا بلاءٌ على الرجالِ
وفي الغبيطِ المومَى إليه * بدرُ دجى من بني هلالِ
تمسح بالأرض ذا قرونٍ * تضلّ فيه أيدي الفوالي
فلست أدري أداءُ قلبي * أضوى بجسمي أم داء حالي
لي من بقايا الكرام مرعىً * يسمَنُ فيه عِرضي ومالي
بيتٌ هو المجدُ كلّ مجدٍ * من يدعيه مجدُ انتحالِ
كلّ كريم الوجهين يرمي سؤدُدَ عمٍّ بمجد خالِ
حدَّثَ عنه والبدرُ تُنبي * عن نوره عزّةُ الهلالِ
عبلُ الحجا واسعُ العطايا * جعدُ المساعي سبطُ الجلالِ
فمن أراد البُقيا عليه * فليكفِه جانبَ السؤالِ
وربَّ منع والعذرُ فيه * ممثَّلٌ قائمٌ حيالي
فلا تجشّمْ ثقل احتشامي * ولا تحف قلّة احتمالي
فالمالُ عندي ما دمتمُ لي * باقينَ يا أيُّها المَوالي
رأيكُمُ لي كَنزٌ وأنتم * صفقةُ ربحي ورأسُ مالي
يلبس منها النيروزُ عِقداً * فُصِّلَ بالسحر لا اللآلي

لذلك أحببت أن أقدم بهذه المقدمة وأعترف بأنني قد أخطأت في كتابي (موسوعة البحور) حيث قلت فيه حرفيا:
@ مخلَّع البسيط
وهو الذي زعم حازم القرطاجني أنه اخترعه وسماه " اللاحق "
وأكبر الظن أن الذي ابتكر هذه التسمية: (مخلع البسيط) هو الإمام الجوهري ، ويرجح هذا الظن أن كل الذين سبقوه من أئمة العروض لم يستعملوا هذا المصطلح كصاحب العقد الفريد = ت 328 = فإنه لما أتى في الفصل الذي تناول فيه العروض على وزن المخلع سماه
المجزوء المقطوع ، ولكن العجب أن أبا العلاء أيضاً = وفي لزومياته سبعة وعشرون مخلعاً = لم تصله هذه التسمية كما يظهر ذلك في معالجته لوزن المخلع وهو الذي لم تفته في العروض فائتة ، حتى ما كان منها في كتب قدامة بن جعفر وننتهز الفرصة هنا لعرض نماذج من ملاحظاته العروضية التي ضمنها سخرياته في اللزوميات والسقط.
من ذلك قوله :
وإن ألق شكوي ألقه تحت خفية # كجزء بسيط أولٍّ مسَّ بالخَبنِ
وقوله :
قصرت أن تدرك العلياء في شرف # إن القصائد لم يلحق بها الرجز
وقوله :
بقائي الطويل وغيي البسيط # وأصبحت مضطرباً كالرجز
وقوله :
فلو كنت شعراً كنت أحسن منشد # سليم القوافي لا زحافٌ ولا خرم
وقوله :
تقلبنا الأيام في كل وجهة # كتقليب وزن في فلوك الدوائر
وقوله :
لو نطق الدهر هجا أهله # كأنه الرومي أو دِعبلُ
وفاعلاتن ومفاعيلها # تكفُّ في الوزن ولا تخبلُ

وقوله :
كصحيحة الأوزان زادتها القوى # حرفاً فبان لسامع نكراؤها
وقوله :
بنيت على الإيطاء سالمة من إل # إقواء والإكفاء والإصراف
وقوله :
ودادي لكم لم ينقسم وهو كامل # كمشطور وزن ليس بالمتصرِّع
وقوله :
تغشى النوائب حلي وهي رازحة # كالشعر يلقى زحافاً بعدما نُهكا
وقوله :
والسيف إن قال أبدى نبأةً عجباً # في وزن حرفين لم يكثر ولم يطل
أي قال : قب ، وهو صوت السيف عند وقوعه على الرأس كما ذكر الجاحظ في البيان والتبيين.
وقوله :
غدوتُ أسيراً في الزمان كأنني # عروض طويلٍ قبضها ليس يبسط
ويريد الإشارة إلى أن " مفاعيلن " التي تقع في آخر الصدر لا يصح أن تأتي إلا بحذف الياء = وهو القبض عند العروضيين =
وقوله :
وأسباب المنى أسباب شعر # كففن بعلم ربك أو قبضنه
أراد أن يقول : لقد تقطعت كل أسباب المنى لأن " الكف " سقوط النون من مفاعيلن
و "القبض " سقوط الياء وهما ساكنا السببين من مفاعيلن
وقوله :
شر الحياة بسيطة مذمومة # عمدت لها بالسوء كف الغالث
وسلامة كسلامة الجزء الذي # بالضرب لُزَّ من الطويل الثالث
والمعروف أن للطويل عدة أوزان تعرف باختلاف ضروبها =أي آخر تفعيلة في البيت= وضرب الطويل الثالث " فعول " فأيُّ زحافٍ يطرأ عليها يخرب بيتها ..
وأراد بذلك أنها أضعف السلامة
وقوله :
إذا المنهوك فهتَ به انتصاراً # له من غيره فضل الطويلا
وأنت فكاك دائرتَيْ عروضٍ # وهندسة حللت بها الشُكولا
والمنهوك أقصر الأوزان
وقوله :
وقد يخطئ الرأي الفتى وهو حازمٌ # كما اختلَّ في نظم القريض عَبيد
وأراد بذلك بائية عبيد بن الأبرص التي سيأتي الكلام عليها
وقد أشار إلى قصيدة عبيد مرة أخرى بقوله :
ويصبح منثور البلى كنظيمة # بناها عبيد لا يقيم لها وزنا
وقوله :
فإن الطويل نجيب البحور # أخوه المديد ولم ينجبِ
وهي أقدم ملاحظة سجلت على وحشة البحر المديد، فيما بين أيدينا من كتب العروض
= انظر تفصيل ذلك في الكلام على البحر المديد =
وقوله :
عش يا ابن آدم عدة الوزن الذي # يُدعى الطويل ولا تجوز ذلكا
فإذا بلغت وأربعين ثمانياً # فحياة مثلك أن يوسد هالكا
وقوله في شكوى الحياة :
وقد طوتني كأني ضرب منسرحٍ # فيا لطيٍّ لطيٍّ غير منتشر
وأراد بذلك ما اتفق عليه العروضيون من وجوب طي ( مستفعلن ) الأخيرة
في المنسرح = أي حذف الفاء منها = انظر تفصيل ذلك في مقدمة المنسرح
وقوله:
أخو الحرب كالوافر الدائريِّ # أَعْضَبُ في الخطب أو أعقصُ
يري كامل سلمه كاملاً # فيخزل في الدهر أو يُوقصُ
وإنك مقتضبٌ الشعر لا # يزاد بحالٍ ولا يُنقصُ
والأبيات بحاجة إلى تفسير مملّ ، فقد أراد في البيت الأول والثاني تشبيه حالة الإنسان المحارب الذي قضى معظم حياته في الحرب بأحوال هذين البحرين فإنه لابد من أن يكون قد فقد شيئاً من أطرافه ، وشأنه شأن البحر الوافر ، ربما جاء أعضب بل ربما جاء أعقص.
والعضب سقوط الحرف الأول من مفاعلتن
والعقص اجتماع العضب والنقص فيها
والنقص اجتماع العصب والكف
والعصب تسكين الخامس
والكف حذف السابع
ليبقى بعد كل هذا " فاعلْت "
وكذلك الكامل فإنه يتعرض في بعض أحوال للخزل والوقص
والخزل : اجتماع الإضمار والطي فيبقى مفتعلن
والوقص : سقوط الحرف الثاني فيبقى مفاعلن
وأراد بالبيت الثالث تشبيه حالة الرجل المسالم بأنه أشبه بالبحر المقتضب
ذلك أن العروضيين أوجبوا فيه قاعدة لا يشاركه فيها غيره فقالوا : إن عدة حروفه
أربعة وعشرون لا تزيد ولا تنقص
وقد كرر أبو العلاء الصورة السابقة في الصاهل والشاحج فقال : ( على أن ابن آدم
قد يخالف اللفظ في هذه الرتبة فيجتمع فيه من العلل الكثيرة ، ومثله في ذلك مثل البيت من الموزون يجوز أن يجتمع فيه زحاف وخرم وحذف ملازم وضرورة شعر ، وقد روي أن عطاء بن أبي رباح المكي كان أعور أشلّ أعرج ، ثم عمي وأقعد )
وقوله :
مغانيه محيلات المعاني # كبيت الشعر قطع بالعروض
ويريد ما اعتاده الشعراء من وصف رسوم أحبتهم وأطلالهم بأنها أصبحت منكرة
قد تغير كل شيء فيها كما يتغير بيت الشعر إذا أجريت عليه التقطيع العروضي
فكيف تقرأ البيت الآتي
سقللا هربعيأم معمرن وإنعفت # مغاني هما سححن منلوب لهططالا
إنه البيت :
سقى الله ربعَيْ أمِّ عمروٍ وإن عفت # مغانيهما سحّاً من الوبل هطّالا
وقوله :
تولَّى الخليلُ إلى ربِّه # وخلّى العروضَ لأربابها
وأراد بذلك أنه لم يقل الكلمة الفصل في بعض مواضيع العروض كالمتدارك
وترك العروض لمن لا يجيد القول فيه ، ويلمح أبو العلاء بهذا إلى قوله :
مضى قَيْلُ مصر إلى ربه # وخلّى السياسة للخائل
ستصغي إلى المين أسماعنا # ونصبو إلى زخرف القائل
هذه بعض آراء أبي العلاء في العروض ، بل هي بعض مفاكهاته لأننا لم نتطرق فيها
إلا لما ورد منها في شعره ولو رجعنا إلى كتبه النثرية لتطلّب ذلك عشرات الصفحات
وفي كل هذا ما يدل أن عدم استخدام أبي العلاء لمصطلح " المخلع " في صدد حديثه
عن وزنه دليل على أن هذه التسمية لم تصله ولم يسمع بها.
قال مؤلف " المدارس العروضية " في حديثه عن البحر اللاحق ص 563 : (وهو وزن من أوزان الشعر المستحدثة ، استحدثه حازم القرطاجني ويضارع مخلع البسيط ويتألف من أربعة أجزاء ساذجة تساعية ،وهي
مستفعلاتن مستفعلاتن # مستفعلاتن مستفعلاتن
)
أنكر حازم أن يأتي البسيط والطويل مجزوأين ، وردَّ مجزوآت البسيط إلى المجتث
وهي
مستفعلن فاعلن مستفعلن # مستفعلن فاعلن مستفعلن
مستفعلن فاعلن مستفعلن # مستفعلن فاعلن مستفعلان
مستفعلن فاعلن مستفعلن # مستفعلن فاعلن مفعولن
مستفعلن فاعلن مفعولن # مستفعلن فاعلن مفعولن
وأما المخلع وهو عند العامة
مستفعلن فاعلن فعولن # مستفعلن فاعلن فعولن
فقد جعله قائماً بنفسه وجعل تفعيلاته
مستفعلاتن مستفعلاتن # مستفعلاتن مستفعلاتن
وسماه اللاحق
وهو ذات البحر الذي وقعت نازك الملائكة في شباكه عندما زعمت أيضاً أنها اكتشفت
بحراً جديداً وشرعت تكتب على عروضه وتدعو الناس للكتابة فيه ونشرت قصة
اكتشافها للبحر في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " أعلنت فيه أنها وقفت عام 1974 م
على ابتكار وزن صاف جديد هو
مستفعلاتن مستفعلاتن # مستفعلاتن مستفعلاتن
حتى همدت الزوبعة عندما قام من أخبرها أن واحداً من رجال القرن السابع الهجري
يقال له حازم القرطاجني قد سبقها إلى ذلك وكان هو أيضاً مسبوقاً ، لا بقصيدة
وقصيدتين ، بل بما لا يحصى من الشعر وحسبك أن تعلم أن الحصري المتوفى عام
488هـ له ديوان سماه " اقتراح القريح " وقد جعله برمته على المخلع مرتباً على
حروف المعجم
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النقاد عثروا على هذا الوزن في قصيدة عبيد بن الأبرص
البائية المشهورة باختلال أوزانها والتي وصفها السكاكي في " مفتاح العلوم " بقوله :
( وهي عندي من عجائب الدنيا في اختلافها في الوزن ، والأولى أن تلحق بالخطب كما
هو رأي كثير من الفضلاء )
وبائية عبيد هذه هي المعلقة العاشرة عندهم .
قال صاحب الجديد في العروض ص 29 : ولا ندري كيف عدت كذلك إذ أن هذه
القصيدة لم يكن لها أي اعتبار فني ، ثم إنها مخالفة للعروض فمن العروضيين من
جعلها من مخلع البسيط كقوله :
فراكس فثعيلبات # فذات فرقين فالقليب
ولكن القصيدة لم تستمر على هذا الشكل ، بل كانت تتغير إلى أن تصل إلى أبيات لا
يمكن أن تعد من مخلع البسيط ، ولكن جاء رأي من رأى على أن هذه القصيدة من
مخلع البسيط هو لحيرته في أمرها
قال : وهناك طريقة أخرى وهي طريقة الآلات الحاسبة التي اكتشفها الدكتور محمد
طارق الكاتب ، حيث استعمل أوزان الشعر العربي بالأرقام الثنائية ، وله أثر في
الكشف عن وزن قصيدة عبيد ولو أن رأيه لم يكن واضحاً كل الوضوح
حيث ذهب إلى أن ابن الأبرص كتب القصيدة بحسابه عدد الأحرف والتزامه بها في
بعض الأبيات .

أضف إلى ذلك أن في شعر أبي نواس وأبي العتاهية وابن الرومي وطبقتهما الكثير من
المخلع .، منها مخلع سعيد بن وهب
رئمان جاءا فحكَّماني # لا حكم قاضٍ ولا أمير
ومنها في ديوان ابن الرومي القصيدة 1548 ج 5 ص2004
وفيها قوله : مستفعلن فاعلن فعولن
وفي هذا ما يحسم الجدل في أن هذا الوزن كان معروفاً وبنفس هذه
التقطيع قبل عصر ابن الرومي
ومسألة الخلاف حول المخلع مبنية على التفعيلة الثالثة : هل هي
مفعولن أم فعولن
فقد ذهب الشيخ جلال إلى نصرة المذهب القائل أن المخلع الصافي
هو مفعولن ورد " فعولن " إلى المنسرح
قال في صدد حديثه عن المنسرح الخامس ص 471: ( وهو ما أطلق عليه العروضيون
لقب " مخلع البسيط " كما سموه المكبول والوجيز وقال الحفناوي في : وقد أولع به
المولدون كثيراً لعذوبته وسلاسته . وبعضهم عده من أقسام البسيط ونماذجه ولكنا نراه
من المنسرح لا غير وإن صلته بالمنسرح ظاهرة الوضوح وقد أبى الذوق الأدبي
الشعري السليم إلا أن يجر كلاًّ من الدكتور صفاء خلوصي الشاعر والمؤلف العروضي
إلى أن يعد قول أبي العتاهية = لا عذر لي قد أتى المشيب = من المنسرح
والدكتور إبراهيم أنيس مؤلف " موسيقى الشعر " إلى عد قول أبي العتاهية
= الله أعلى يداً واكبر = من المنسرح
وقد أنكر عليهما الأستاذ عبد الحميد الراضي مستبعداً الشقة بين المنسرح والمخلع
= شرح تحفة الخليل 240 =
ولكن عند إدراك أن البسيط منتزع من المنسرح لا يكون هناك ما يدعو إلى الارتياب
في علاقة المنسرح بالمخلع والمخلع بالمنسرح
قال : ونريد بالمخلع هذا النمط من الوزن لا غير
أما النمط الآخر فقد أبقيناه على تسميته وانتسابه ، وهو ما مثل له العروضيون بالبيت
التالي
ما هيج الشوق من أطلال # أضحت قفاراً كوحي الواحي )
ونعلق على قول الشيخ جلال بقولنا :
إن رد " مستفعلن فاعلن فعولن " إلى المنسرح لا غبار عليه من جهة الوزن
وأما اصطلاحاً : فالمعتمد في كتب العروض والأدب تسميته بمخلع البسيط وهو الوزن
الذي اختاره أبو العلاء في " الصاهل والشاحج "
قال : ( والضروب الثلاثة الأخيرة من البسيط فيهن انكسار وضعف وركاكة ، وهذه
الأوزان الثلاثة لا يستعملها المحدثون إلا أن يخبنوا الثالث منها في العروض والضرب
وإذا قدم عهد الشاعر كان ديوانه مظنة لمثل هذه الأوزان النادرة وما أفلح وزن منها قط
ولا يجيء حسناً في السمع إلا أن يلحقه بعض التغيير عما هو في الأصل
فمن ذلك قول عبيد :
تصبو وأنى لها التصابي # أنى وقد راعك المشيبُ
من يسأل الناس يحرموه # وسائل الله لا يخيبُ
فهذان البيتان إنما حسنا في الوزن لأجل شيء سقط منهما ، فقبلتهما الغريزة الخالصة
ألا ترى قوله :
والمرء ما عاش في تكذيب # طول الحياة له تعذيبُ
كيف هو مخالف لهذين البيتين )
ووزن هذا البيت الذي استثقله أبو العلاء هو نفسه الوزن الذي سماه الشيخ جلال
وآخرون المخلع الصافي
وقد نص الدماميني على أن " فعولن " من ضروب المخلع بقوله في " العيون الفاخرة "
معلقاً على البيت
أصبحتُ والشيب قد علاني # أدعو حثيثاً إلى الخضاب
: وهذا هو المسمى عندهم بالمخلع . والمولدون التزموا الخبن في هذه العروض
وضربها لحسن ذوقه ، وهو من لزوم ما لا يلزم
أما قول الدماميني :( وقد جاء في مخلع البسيط " مفعولن " مكان " فعولن " وهو شاذ )
فهو كلام مختل لأنه استشهد لذلك بالبيت
فسر بودٍّ وسر بكرهٍ # ما سارت الذلل السراعُ
انظر العيون الفاخرة طبعة البابي الحلبي ص 56
وقد جاءت عبارته في طبعة الخانجي ( وقد جاء في المخلع مفعولن مكان فاعلن . . .
الخ ) وهي أيضاً عبارة مضطربة
وتقطيع البيت يقتضي أن يكون الكلام :
وقد جاء في المخلع " فعلن " مكان " فاعلن "
وقد نص الجوهري على أن خبن مفعولن إلى فعولن من جوازات المخلع قال : (
والتخليع : قطع مستفعلن في العروض والضرب جميعاً فينقلان إلى مفعولن فيسمى
البيت مخلعاً وبيته
ما هيج الشوق من أطلال # أضحت قفاراً كوحي الواحي
ويجوز خبن مفعولن . . لتبقى فعولن )
قال في التاج : والمخلع من الشعر مفعولن في الضرب السادس من البسيط وسمي بذلك
لأنه خلعت أوتاده في ضروبه وعروضه إلا أن اسم التخليع لحقه بقطع نون " مستفعلن "
لأنها من البيت كاليدين فكأنهما يداه خلعتا منه
ويذكر هنا أن السكاكي في " مفتاح العلوم " سمى كل مجازيء البسيط مخلعات
ومما تجدر الإشارة إليه في المخلعات أن معظم مخلعات ابن فركون جاءت أعجازها
" مستفعلاتن متفعلن "
وهو ما عده الشيخ جلال من البسيط التاسع وقطعه
" مستفعلن فاعلن فعلْ"
إلا أن صدورها " مستفعلاتن مستفعلاتن "
وهو نمط لم يذكره الشيخ جلال وقد فاته أيضاً أن يعد في مجازيء البسيط مجزوء حسن حسني الطويراني وهو ( مستفعلن فاعلن فاعلن )
وله على هذا الوزن قطعتان ، الأولى قوله :
إن جئت أرض الصعيد احترز# من مائها بل ومن تربها
والثانية قوله :
لما خلونا وطاب اللقا # والقرب عنا أبان النوى
وهو أقرب ما يكون إلى ما عده جلال من البسيط الثامن
وننبه أيضاً إلى أن " مستفعلن فاعلن فعيل " الذي عده الخفاجي في
أوزان الموشحات في كتابه " القصيدة العربية " ص 86 هو نفسه مخلع البسيط وقد مثَّل
له بالبيت
يا جيرة الأبرق اليمان # هل لي إلى وصلكم سبيل
ولاستجلاء أوزان المخلع ننوه إلى العلاقة بينه وبين مجزوء الدوبيت فليس بينهما إلا أن
تحذف الألف من مستفعلاتن الأولى التي في المخلع لتبقى
" مستفعلتن متفعلاتن " وهو مجزوء الدوبيت
وفي ديوان شرف الدين الأنصاري " ابن قاضي حماة "
نماذج من هذا الدوبيت
وهكذا أيضاً تستطيع تحويل الكثير من مجازيء الخفيف إلى
مخلع بإضافة حرف إلى أوله أو إلى أوله وآخره
ومثال ذلك قول أحمد تقي الدين
دمت يا موطني المفدى # موطن المجد والعلا
نحن نمشى فداك جندا # نحن أبناؤك الأولى
ومن المخلعات المشهورة أغنية " النهر الخالد "
وهي من شعر محمود حسن إسماعيل وألحان محمد عبد الوهاب
وأغنية " أغار من نسمة الجنوب "
وهي من شعر أحمد رامي وألحان السنباطي وغناء أم كلثوم
ومن نوادر المخلعات مخلع للكوكباني وهو القطعة السادسة في ديوانه
وأوله ( يا مخجل البدر في التمام )
وقد مزج فيه العامي بالفصيح فمن ذلك قوله
سفرت عن غرتك فأغنت # بالليل عن غرة الصباح
والكوكباني من رواد الشعر الممزوج " بين العامي والفصيح "

أبو بدر
26-02-2006, 12:28 AM
أخي الطائي

بل لك الشكر والتقدير.

أخي زهير أحمد ظاظا

شكرا لهذا المفيد من بحر علمك.

وفي الإشارة إلى بعض الأوزان التي وردت بودي أن أشير إلى هذا الفصل الذي لا يخلو من مشترك معها ومن فائدة، وهو من منتدى أستاذنا خشان وفيه حوار مفيد بينه وبين الدكتور عمر خلوف.
http://www.arood.com/vb/showthread.php?s=&threadid=426

صابر ربحي راشد ابو سنينة
26-02-2006, 02:31 PM
اخي الطائي
لاأرى الا ما ترى ولك التحية0