المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : دروس في فقه اللغة ( عبد العزيز المفلح )



الأحمر
01-04-2014, 08:30 PM
السلام عليكم
سيكون هذا الموضوع خاصا بحلقات الشيخ عبد العزيز المفلح التي أوردها في مجموعة ( لغتنا هويتنا )

الحمد لله وحده وبعد :
من فقه اللغة - الحلقة الأولى
[أصل اللغة لدى الإنسان ]
اللغة هي كلام البشر المنطوق والمكتوب وهي أقوى وسيلة للاتصال بينهم منذ أن علم الله الإنسان النطق والبيان قال تعالى :
الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان
علمه البيان.... فكيف بدأت اللغة؟
وكيف نطق الإنسان؟
لقد خاض العلماء في نشأة اللغة لدى الإنسان وخلصوا إلى أربع
نظريات هي :
الأولى : أن اللغة توقيفية أي وحي وإلهام علمه الله الإنسان كما قال سبحانه : وعلم آدم الأسماء كلها..وأكثر علماء المسلمين على هذا الرأي كاابن فارس وهو رأي لبعض فلاسفة اليونان كأفلاطون الذي عاش في القرن الخامس قبل
الميلاد حيث قال : إن اللغة ظاهرة
طبيعية لاشأن للإنسان في وجودها
الثانية : نظرية المحاكاة والتقليد وهي أن الإنسان في نشأته الأولى
حاكى أصوات الطبيعة وما حوله كما قال ابن جني : أصل اللغات من الأصوات المسموعة كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء...
الثالثة : نظرية التواضع والاصطلاح أي اتفاق بين البشر وضعها الإنسان لحاجته إليها وقد نسب هذا القول لأرسطو...
الرابعة : نظرية الغريزة الكلامية أي أن الإنسان مزود بغريزة كلامية تحمله على التعبير عن كل مدرك
حسي أومعنوي..
أقول : هل يمكن التوفيق بين تلك
النظريات الأربع؟
لقد علم الله آدم النطق والأسماء ثم تطورت لغة الإنسان الأول فصارت مجموعة كلمات غير مركبة
(كحالة الطفل في مرحلة التقليد والمحاكاة ) إذ كانت لغة الإنسان في مبدأ أمرها محدودة الألفاظ قليلة التنوع قريبة الشبه بالأصوات الطبيعية قاصرة الدلالة على المقصود فاضطر الإنسان لما يساعد لغته من الإشارات اليدوية
والجسمية... وبما أن الكلام غريزة مفطور عليها الإنسان أخذ في التوسع اللغوي وهو ما يسمى بنظرية الوضع والاصطلاح والارتقاء
بمدلول اللغة ومفرداتها شيئا فشيئا.. وسارت اللغة في سبيل الرقي تبعا لارتقاء العقلية الإنسانية وتعدد حاجات الإنسان واتساع نطاق الحياة الاجتماعية
ثم تطورت لغة الإنسان مع الزمن
حتى تشعبت فصارت عدة لغات كما هو واقع اللغات السامية التي
انبثقت وتفرعت منها لغة العرب ...(نشأة العربية السبت القادم بإذن الله )

الأحمر
01-04-2014, 08:32 PM
من فقه اللغة.. الحلقة ٢
[ نشأة اللغة العربية ]
اللغة العربية هي إحدى اللغات السامية نشأت على أرض الجزيرة العربية موطن الساميين الأول [نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام] وهي أقرب اللغات السامية إلى اللغة الأم.. نسبت إلى أهلها[العرب] والعرب نسبة إلى يعرب بن قحطان قيل إنه أول من تكلم بالعربية
(قاله الجوهري في الصحاح)
وأشار ابن سعد في طبقاته أن أول من تكلم بالعربية هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام..وقيل أول من تكلم بها آدم.... وعلى أي حال لانستطيع أن نحدد بدقة تاريخ نشوء العربية لأن اللغة أي لغة إنما تنشأ وتتكون مفرداتها في عقود من الزمن ولاتولد فجأة.. واللغات بشكل عام يؤثر بعضها على بعض في المفردات والقواعد والأساليب وتتطور دلالاتها مع الزمن فتتفرع اللغة إلى لغات.... وأقدم نص أثري وجدت به كلمة [العرب]هو اللوح المسماري للملك الآشوري في القرن التاسع قبل الميلاد.. ووجد نقش آخر بقرية الفاو الكندية [بكسرالكاف]كتب بالخط المسند [الجنوبي] يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد...كما عثر على نقش النمارة كتب بالخط النبطي على قبر امرئ القيس المنذري ثاني ملوك الحيرة بالعراق عام 328 م.....
وحينما نشأت اللغة العربية مع أخواتها قبل الميلاد بقرون تفرعت مع الزمن إلى عربية بائدة وعربية جنوبية يمنية كتبت بالخط المسند حقبة من الزمن وعربية شمالية كتبت بالخط المسماري ثم النبطي حقبة من الزمن أيضا.. أما أقدم شعر وصل إلينا فهو شعر امرئ القيس الكندي الشاعر المشهور المتوفى عام 542 م تقريبا
وشعر خاله المهلهل بن ربيعة التغلبي... وقد نشأت قبل الإسلام بزمن طويل لهجات عربية شمالية وجنوببة لكل قوم أو قبيلة لهجة.. إلا أن العربية الأم ظلت مشتركة بين العرب في جزيرتهم....
وظل الحال على تلك اللهجات إلى أن نزل القرآن الكريم [ على سبعة أحرف] بلغة العرب الشمالية فنالت شرف القداسة والمجد وفي مقدمتها لغة قريش وانحسرت اللهجات الأخرى وانقرض بعضها وظل بعضها قائما مما كان عاملا قويا في اختلاف القراءات القرآنية مما سأبينه لاحقا.. والله أعلم.

الأحمر
01-04-2014, 08:33 PM
من فقه اللغة [الحلقة ٣ ]
(من خصائص لغة العرب)
اللغة العربية من أعرق اللغات وأكثرها انتشاراً في العالم وأقواها أصالة وأكثرها نمواً وأوسعها تعبيراً.
وقد تميزت بعدة خصائص يضيق المجال عن حصرها وسأكتفي ببعض منها :
١-أن الله شرفها بشرف القرآن الكريم حينما أنزله بلسان عربي مبين كما أكرمها إذ جعلها لغة الإسلام فبقيت لغة حية خالدة نامية على مر العصور.
٢-اتسمت بغزارة مادتها ووفرة مفرداتها وكثرة ألفاظها.. فهي لغة ثرية من أغنى اللغات في أصول الكلمات والمفردات.. ومعاجمها شاهدة على ذلك..
٣-اتساع معجمها يجعلها قابلة للتطور لتستوعب النمو السريع في مختلف العلوم والفنون.. وتكمن عبقريتها في توالدها وتجددها وحيويتها وقدرتها على مسايرة التطور الإنساني واستيعابها لكل الأفكار والمصطلحات..وما أتى من نقص فهو من أهلها لا من جوهرها..
٤-من ميّزاتها قدرتها على التنوع في الأساليب والتفنن في المعاني والأخيلة وعذوبة منطقها وتنوع الدلالات والتراكيب من تقديم وتأخير و زيادة وحذف وإيجاز وإطناب..
٥-نموها المطّرد.. ومن أهم وسائل نموها[ الترادف اللفظي ] وهو ما اختلف لفظه واتفق معناه.. والمشترك اللفظي وهو :اللفظ الواحد له أكثر من معنى.. وكذا الاشتقاق والتعريب والتوليد والتضاد والنحت....
٦-هي لغة خلاّقة مبدعة تميزت بمرونة وطواعية فائقة في ألفاظها ومعانيها..
٧-هي لغة دقيقة ففيها التعبير عن أدق الأوصاف والحركات والمشاعر والأحاسيس بألفاظ متعددة.
٨-التوليد.. فطريقة توليد الألفاظ بعضها من بعض يجعل اللغة جسماً حيا تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض بأواصر قوية واضحة
٩-خصائصها الصوتية حيث تمتلك العربية أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات فحروفها تتوزع من الشفتين إلى أقصى الحلق مما يؤدي إلى وضوح مخارجها والتوازن والانسجام بين أصواتها...
١٠- الخط العربي.. يحتل الخط في العربية مكانة فريدة بين خطوط اللغات الأخرى من حيث جماله الفني وتنوع أشكاله...
١١-تميزها بالإعراب وبناء الكلمة وتصريفها والمجاز بأنواعه.. والإيجاز.. وضبط الكلمة بالشكل..فكلمة [علم] مثلا تستطيع أن تضبطها على سبعة أشكال فتأخذ منها أبعاداً ومعانيَ أخر... وسنواصل الحديث السبت القادم بإذن الله...

الأحمر
01-04-2014, 08:34 PM
من فقه اللغة. الحلقة ٤
القرآءات ولهجات العرب
تعددت لهجات العرب قبل الإسلام واختلفت في أبنية المصادر والتصحيح والإعلال
والمد والقصر والإظهار والإدغام والتحقيق والتسهيل والإمالة والفتح والكسر أو الفتح والضم.. كما اختلفت في معاني بعض المفردات مابين اللهجات الحجازية واليمنية والنجدية.. وكلها تؤدي إلى كثرة المعاني و وفرتها لاتضادها...
ولما نزل القرآن الكريم قرأه الصحابة على عدة وجوه وكلها مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوه بالتلقي والعرض والحفظ ولم يكتبوه بادئ الأمر(بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) إذ لم تكن الكتابة متوافرة إلى أن جمع في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان رضي الله عنهما
ولما تعددت وجوه القراءة شق على الصحابة ذلك التعدد فسألوا رسول الله فقال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ماتيسر منه... وقد اختلف العلماء في تحديد الأحرف السبعة المذكورة في الحديث وذكر السيوطي أربعين قولا المرجّح منها أنها لهجات العرب المختلفة.
قال ابن الجزري : وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتّى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها أو من حرف إلى آخر.. (إلى أن قال) فلو كُلّفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع )
وقد حاول السجستاني أن يذكر تلك اللغات حين قال :
نزل القرآن بلغة قريش وهذيل وتميم والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر....
وقد ظن البعض أن الأحرف السبعة هي القرآءات السبع محصورة فيها وليس الأمر كذلك فليست كل قراءة حرفاً بعينه وإنما القرآءات امتداد للهجات العربية إذ أن الصحابة قرأ كل منهم بما توافق مع لهجته بحرف من أحرف القرآن السبعة وظلت تُروى إلى أن وصلت إلى أئمة القرآءات....
وكل قراءة وافقت أحد أوجه اللغة العربية وصح سندها واتفقت مع رسم المصحف العثماني فهي من الأحرف السبعة التي بها نزل القرآن وإن لم تكن من القرآءات السبع التي اجتهد علماء التابعين ومن بعدهم في ذكرها و روايتها. والله أعلم.

الأحمر
01-04-2014, 08:34 PM
من دروس اللغة. الحلقة ٥
[قدسية اللغة العربية ]
اللغة العربية هي إحدى اللغات المقدسة تكلّم بها ربنا سبحانه وأعزها واختارها لتكون لغة دينه وكتابه وسمّاها لسانا فقال عن القرآن(بلسانٍ عربي مبين) وقال(قرآنا عربيا غير ذي عوج ) وقال( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) وقال( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) أي لعلكم تعقلون هذا القرآن..ولايمكن أن نعقله إلا بفهم لغته التي اكتسبت قدسيتها منه..وبه حُفظت قرونا من الزمن وستظل بإذن الله....
وقد تواصى علماء الأمة بلغة القرآن يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(تعلموا العربية فإنها من دينكم) ويقول الشافعي رحمه الله : لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا..ويقول ابن تيمية رحمه الله : اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون...
ويقول : اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولايفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب...
وقد اشترط العلماء - فيما اشترطوا - في مفسر القرآن أن يكون ملمّا بلغة العرب حتى لايقول في كتاب الله بغير علم...
وإذا كان العرب( عرب جنس وعرب لسان ) فإن اللسان العربي هو وعاء الإسلام والشرع والقرآن ولذا خدم العربية علماء عظماء من غير أصول عربية كسيبويه
والكسائي والفرّاء والأخفش وثعلب وقطرب وابن جنّي وابن فارس وعبدالقاهر الجرجاني والفيروز أبادي وغيرهم كثير... فالعربية إذن ليست للعرب وحدهم بل للعرب والمسلمين جميعا مما زادها رسوخا وتمكنا وأعطاها اتساعا وانتشارا على مر العصور... والله أعلم.

الأحمر
01-04-2014, 08:47 PM
من دروس اللغة. الحلقة ٦
[قالوا في اللغة ]
قال لي صاحبي : إن لغتنا العربية لغة مقدسة عظيمة في تأريخها إلا أنها لم تعد مواكبة لهذا العصر عصر العلم والتقنية فهي عاجزة عن التطور والنمو....
عجبت مما قال وذكرت له ما قاله علماء اللغة السابقون واللاحقون في شموخ لغتنا وسعتها ومرونتها وتطورها..
وإذا كان هناك عجز فليس في ذات اللغة بل في أهلها
(كما قال شاعر النيل)..
وقد ذكر ابن خلدون أن المغلوب مولع بتقليد الغالب حتى في لغته.. وإذا كنت -صاحبي - من المفتونين بالغرب فسأسوق لك إشادة عشرة مستشرقين بلغتنا الخالدة...
١-قال المستشرق الألماني كارل بروكلمان(بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدىً لاتكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات الدنيا. والمسلمون جميعا مؤمنون بأن العربية وحدها اللسان الذي أُحلّ لهم أن يستعملوه في صلاتهم )
٢-وقال جورج سارتون( وهب الله اللغة العربية مرونةً جعلتها قادرة على أن تدوّن الوحي أحسن تدوين بجميع دقائق معانيه وأن تعبر عنه بعبارات عليها طلاوة وفيها متانة )
٣-أشار ماريوبل صاحب كتاب قصة اللغات بأن اللغة العربية هي اللغة العالمية في حضارات العصور الوسطى وكانت رافدا عظيما للانجليزية في نهضتها....
ثم ذكر أن العديد من اللغات الأوربية قد اقتبست مفردات كثيرة من العربية كالأسبانية والفرنسية والايطالية واليونانية....
٤-قال المستشرق الفرنسي ماسينون( استطاعت العربية أن تبرز طاقة الساميين في معالجة التعبير عن أدق خلجات الفكر في الاكتشافات العلمية والحسابية أو وصف المشاهدات وخيالات النفس وأسرارها )
٥-قال هايوود[عالم اللغات] وهو يتحدث عن المعجم العربي( إن العرب في مجال المعجم يحتلون مكان المركز في الزمان والمكان في القديم والحديث في الشرق والغرب.. )
٦-قال المستشرق ميليه(لم تبق لغة أوربية واحدة لم يصلها شيء من اللسان العربي المبين حتى اللغة اللاتينية الأم فقد صارت وعاءً لنقل المفردات العربية إلى بناتها )
٧-وقال الفرنسي جاك بيرك
(إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية بل العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات )
٨-وقالت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه(كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة[تعني العربية] ومنطقها السليم وسحرها الفريد... فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة )
٩-قال الألماني نولدله( إن اللغة العربية لم تصِر حقا عالمية إلا بفضل القرآن والإسلام...)
١٠-وقال المستشرق ألفريد غيوم( ويسهل على المرء أن يدرك مدى استيعاب اللغة العربية واتساعها للتعبير عن جميع المصطلحات العلمية للعالم القديم بكل يسر وسهولة بوجود التعدد في تغيير دلالة استعمال الفعل والاسم ...)
وإلى مقال في الأسبوع القادم إن شاء الله........

الأحمر
01-04-2014, 09:17 PM
من دروس اللغة. الحلقة ٧
[الاشتقاق في اللغة ]
اللغة العربية لغة اشتقاقية توليدية إثرائية
والاشتقاق(مصدر اشتق) هو : أخذ كلمة من أخرى..ويُعد أهم وسيلة لتنمية الثروة اللفظية وتوسيع المعجم العربي..وثمرته الكبرى : توسيع اللغة وإنمائها وإثرائها بالمفردات ومعرفة دلالات الألفاظ وارتباط بعضها ببعض وتلبية الحاجة اللغوية لما يستجد لدى الإنسان.....
وقد قسم العلماء الاشتقاق إلى أربعة أنواع هي :
[النوع الأول] الاشتقاق الصرفي وهو أخذ كلمة من أخرى بتغيير في الصيغة مع تناسبهما في المعنى واتفاق في حروف المادة الأصلية وترتيبها... وقيل هو تقليب تصاريف الكلمة مع اتفاق دلالات الألفاظ في جذرها مثل [ضرب تضارب يضرب اضرب ضرْب ضارب مضروب مضراب مضرب ضريبة.... ]
ويدخل فيه المشتقات الثمانية(اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وصيغ المبالغة واسم المكان واسم الزمان واسم التفضيل واسم الآلة ) ومنه الاشتقاق من أسماء الزمان كقولهم : أصبح إذا دخل في الصبح وأمسى إذا دخل في المساء وشتوا وصافوا إذا حلوا بالشتاء والصيف.. والاشتقاق من أسماء المكان كقولهم : أنجد وأتهم وأشأم إذا دخل نجدا وتهامة والشام..ومنه مادلّ على حرفة أو نُسب إليها كنجارة ونجّار وحدادة وحدّاد..ومنه المصدر الصناعي كالجاهلية والإسلامية والفروسية والحرية والوطنية والقومية...
[النوع الثاني] ما يعرف بالقلب أوالتقليب وهو أن يكون بين الكلمتين تناسب في المعنى واتفاق في حروف المادة الأصلية دون ترتيب مثل جذب وجبذ. وحمد ومدح.وعميق ومعيق والفقر والقفر....
[النوع الثالث ] اشتقاق الإبدال وهو أن يكون بين الكلمتين تناسب في المعنى واتفاق في بعض الحروف الأصلية مثل : ثلب وثلم..وهديل وهدير..وكد وكدح.. وهتن وهتل وهطل..
[النوع الرابع ] مايعرف بالنحت كقول العرب : بسمل إذا قال بسم الله..وسبحل إذا قال سبحان الله..وحيعل إذا قال حي على الصلاة...
وحمدل إذا قال الحمدلله...
وحوقل إذا قال لاحول ولاقوة إلا بالله...ويلحق بهذا النوع المركّب من كلمتين كقولهم : برمائي ورأسمالي.....
أما أصل الاشتقاق فيرى البصريون أن المصدر أصل المشتقات لدلالته على الحدث وصدور الفعل عنه..
ويرى الكوفيون أن الفعل هو الأصل... ويرى غيرهم أن أصل الاشتقاق ليس واحدا فقد اشتقت العرب من الأسماء والأفعال والحروف..
وخلاصة القول : إن اللغة بالاشتقاق صارت جسما حيّا تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض في انسجام لغوي وصرفي وصوتي تام وبه يُعرف أصيلها من دخيلها...
ورحم الله ابن جنّي فهو من أعظم وأقدم من توسع في الاشتقاق من علماء العربية..

الأحمر
01-04-2014, 09:18 PM
من دروس اللغة.الحلقة ٨
(رواية اللغة ورواتها )
عُني العرب برواية لغتهم بالحفظ والمشافهة قبل عصر التدوين وبلغوا شأواً عظيماً من حيث الدقة والضبط والإحكام....
ولاعجب فهم أمة تجيد فنون القول كالخطابة والحكم والأمثال ويُعلون من شأن (الكلمة) ويطربون للحسن من القول ويحفظونه وينفرون من سيئه....
كما عُنوا بجمع الشعر ونقده وتمحيصه وسمّوه (ديوان العرب) لما سجلوا فيه من وقائع وأحداث.. بل صار لكل شاعر راوية ينقل عنه أشعاره فكان أول مانقلته العرب شعر امرئ القيس الكندي وشعر خاله المهلهل بن ربيعة التغلبي......
وحين ظهر الإسلام ونزل القرآن على سبعة أحرف حرص الصحابة وتسابقوا على إقرائه وروايته ثم جمعه من السعف والرقاق والرقاع لعظمته وعظمة من تكلم به سبحانه..قال الراغب الأصفهاني (ألفاظ القرآن هي لُب كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم وإليه مفزع حُذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرههم ) كما اهتم الصحابة برواية الحديث - متناً وسنداً - وحفظه وتعديل رجاله....
ولما دخل غير العرب في الإسلام واختلط العرب بالأعاجم كالفرس والروم والأحباش وتفشّى اللحن في المدن والحواضر هبّ العلماء والغيورون يروون اللغة من أفواه الأعراب الفصحاء الأقحاح.. ورحل بعضهم إلى البادية وأقام بها لتلقّي اللغة من الأعراب الخُلّص..
وممن رحلوا : أبوزيد الأنصاري وأبو عمرو بن العلاء والأصمعي والكسائي..
ومن لم يستطع الرحلة فإنه يتلقى وفود الأعراب ليأخذ عنهم اللغة الخالصة وكان أهل الحواضر يحتكمون إلى الأعراب في اللغة كما في المناظرة التي بين سيبويه والكسائي حينما رضيا أن يحتكما فيها إلى أعرابي فاحتكما فحاد الأعرابي مع الثاني منهما وعجز أن ينطق الخطأ واكتفى بقوله : (الصواب مع الكسائي ) ...
وفي عصر التدوين اهتم علماء اللغة بتأليف المعاجم فكان أولهم الخليل بن أحمد وكتابه(العين )....
وقد ازدهرت الحياة العلمية واللغوية في مدينتي البصرة والكوفة فنشطت فيهما رواية اللغة والشعر فعُرف أهل البصرة بالتشدّد والتوثق في الرواية والتدقيق فيها.... ومن أبرز رواة البصرة : أبوعمرو بن العلاء وعبدالملك الأصمعي وأبوزيد الأنصاري وأبوسعيد السكري وخلف الأحمر الذي اتهم بالانتحال أما إمام النحاة بها فهو سيبويه...
أما أهل الكوفة فعُرف عنهم التوسع والتساهل والتسامح في الرواية من غير إخلال بالقواعد اللغوية العامة
ومن أبرز رواتهم : ابن الأعرابي وأبوعمرو الشيباني والمفضل الضبّي وحماد الراوية وقد اتهم بالانتحال
أما إمام النحاة بها فهو الكسائي....
وقد جعل رواة اللغة والنحاة كلام العرب على قسمين :
الأول : مطّرد حسب أوجه اللغة الخالصة مما اتفق عليه العرب الأقحاح فيحتج به ويقاس عليه فاستخلصوا منه قواعد النحو والإعراب
الثاني :موقوف على السماع أو قليل أو نادر أو شاذ يحفظ ولايقاس عليه. وهو موضع الاختلاف بين مدرستي البصرة والكوفة....
كما قسّم الرواة والنقّاد الشعراء إلى أربع طبقات :
فأما الطبقة الأولى والثانية والثالثة فيحتج بشعرهم وهم الجاهليون والمخضرمون والإسلاميون وأما الطبقة الرابعة فلايحتج بشيئ من شعرهم وهم المولدون والمحدثون..
وجعلوا منتصف القرن الهجري الثاني هو نهاية عصر الاحتجاج بكلام العرب شعرهم ونثرهم.

الأحمر
01-04-2014, 09:53 PM
من دروس اللغة..الحلقة ٩
[الإعراب واللغة ]
الإعراب هو أحد الخصائص والمزايا الكبرى للغتنا الشامخة وهو ظاهرة لغوية اتسمت بها العربية منذ نشأتها..به ينكشف المعنى ويُفهم مدلول الجملة العربية ذلك أن معناه الإفصاح والإبانة تقول : أعرب فلان عما في نفسه أي: أفصح وأبان ، وفي الاصطلاح هو : تغيير أواخر الكلمة حسب موقعها في الجملة والعوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً....
قال ابن قتيبة [ ولها- يعني العرب- الإعراب الذي جعله الله وشياً لكلامها وحلية لنظامها وفارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول لايفرّق بينهما إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكل واحد منهما إلا بالإعراب ]...
وقال ابن فارس(فأما الإعراب فبه تُميّز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين... )
وقال المستشرق يوهان فك : لقد احتفظت العربية الفصحى في ظاهرة التصرف الإعرابي بسمةٍ من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية - باستثناء البابلية القديمة- قبل عصر نموها وازدهارها الأدبي...)
والإعراب في اللغة ليس استنباطاً كنحوها وصرفها بل هو عنصر أساس من عناصر العربية وسليقة نطق به العرب الأوائل بفصاحة و وضوح بطبعهم وسجيّتهم....والرسم القرآني الذي نُقل إلينا متواتراً يؤكد في كثير من جوانبه وجود الإعراب في لغة العرب قبل قواعد النحو والصرف المستنبطة من كلامهم....
وبالإعراب ينكشف المعنى...
وبالمعنى يتضح الإعراب..
فهما متلازمان..فإذا أردت المعنى فقف مع الآعراب وإذا أردت الإعراب فقف عند المعنى كقولك : أكل الكمّثرى موسى.. أو قول الله تعالى( وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه) فالمبتلي - بكسراللام- هوالله سبحانه والمبتلى- بفتح اللام- هو إبراهيم عليه السلام..... ومما يوضح أهمية الإعراب في الجملة العربية قولك في النفي :
ما أحسنَ زيدٌ..وفي الاستفهام: ما أحسنُ زيدٍ؟
وفي التعجب : ما أحسنَ زيداً


وهكذا بالإعراب يُعرف مدلول الكلام وتفهم الجملة على مراد المتكلم مما يؤكد أهميته وضرورته وأنه عنصر أساس في لغة العرب وكلامهم...والله أعلم.

الأحمر
01-04-2014, 09:55 PM
من دروس اللغة.. الحلقة ١٠
[جماليات اللغة ]
لغتنا هي لغة الجمال والروعة والبيان في حروفها وأصواتها وتعبيراتها وتراكيبها مما يمكِّن المتحدث البارع بها من سبك عباراته بتناغم وانسجام بأروع بيان وأجمل إيقاع وأبلغ لفظ.......
ولغتنا العربية جُلُّها لغة قريش التي حافظت على شخصيتها اللغوية حينما اختارت من الكلام العربي أبينه واعتمدت أصفاه وأوثقه.... ولولا جمال العربية وسحرها الأخّاذ لما اختارها الله لغةً لكتابه العزيز.. فهي لغة ساحرة جاذبة تسحر القلوب والأسماع ببيانها العذب وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال : إنّ من البيان لسحرا.......
يقول شوقي ضيف :(العربية قهرت بعذوبة لسانها وبيانها جميعَ اللغات التي التقت بها...) ويقول المستشرق رينان( العربية فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها... ) ويقول زيغرد هونكه( جيران العرب أنفسهم سقطوا صرعى أمام سحر تلك اللغة...)
ولما سمع الوليد بن المغيرة كلام الله سبحانه قال( والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمورق....)
ومن تتبع اللغات الأخرى لايجد لغة تضاهي العربية في جمال أصواتها وانسجام حروفها وغنى مفرداتها وتناغم ألفاظها....ففي العربية جماليات فائقة في الحذف والزيادة والتكرار والإيجاز والمجاز والتقدير والإضمار والمد والإدغام وجماليات الأصوات والإيقاع والجرس والنظم والسبك والخط......
فمن جماليات العربية :
أن أصواتها موزّعة في أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات يبدأ من الشفتين إلى أقصى الحلق...قال د.محمد المبارك : ( إن أول مايبدو من صفات الحروف العربية توزعها في أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات وذلك بين الشفتين وأقصى الحلق وهذا التوزيع يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات......
ومن جماليات اللغة(الحذف) للخفة واللطافة كما في حذف الياء حيث أفاد انسجاما صوتيا في قوله تعالى (الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين )
ومن جماليات اللغة حذف نون الجمع والمثنى عند الإضافة كما في قول الحق : تبّت يدا أبي لهب وتب...
وحذف الضمير في الفواصل القرآنية كقوله تعالى ( ما ودّعك ربك وما قلا ) أي وما قلاك... ومن جماليات الحذف حذف الصفة أوحذف الموصوف للعلم به أو حذف المخصوص بالذم أو المدح لدلالة الكلام عليه كما في قوله تعالى( إنا وجدناه صابراً نعم العبد)
أي نعم العبد أيّوبُ....
ومن جماليات اللغة(الزيادة ) كزيادة الالف للتناسب في كلمتي ( الرسولا - السبيلا )
قال تعالى ( ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا.وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا)


ومن جماليات اللغة : ميزانها الصرفي إذ يعتمد الخفّة والرشاقة بانتقاء الأصوات المنسجمة والتخلّي عن الثقيل منها كما في الإعلال والإبدال...ففي وزن افتعل تُقلب التاءُ طاءً إذا سُبقت بالضاد أو الظاء أو الصاد وذلك لثقل التاء بعد هذه الحروف فتقول : اضطر واضطلم واصطحب واصطرخ ومنه قول الله ( وهم يصطرخون فيها )...
وفي وزن مفعول تحذف الواو من معتل العين فتقول في (مقوول ) مقول. وفي(مبيوع) مبيع لتكون الكلمة أخفَّ وأرق.....


ومن جماليات اللغة (التكرار)
كما في تكرار قوله تعالى : فبأي آلاء ربكما تكذبان..
حيث أضفى التكرار على السورة جمالا و رونقا وإيقاعا وجرسا عذبا جميلا....


ومن جماليات اللغة جمال النظم والإيقاع كما في قول الله في سورة المرسلات( فإذا النجوم طُمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت وإذا الرسل أُقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين )..
ومن الإيقاع العذب قول الشاعر عمر بهاء الدين الأميري :
فجّر اللهم في عزميَ من نورك نورا
واصطنعني لغد الإنسان في الآفاق صورا
فأنا للحق كالبرهان لايترك زورا
وعلى الباطل كالبركان ويلاً وثبورا


ومن جماليات اللغة :
الإدغام والتشديد...فقد يشدد الحرف لتقوية المعنى كما في قول الله تعالى ( اثّاقلتم إلى الأرض)
وفي إدغام الدال بعداً عن تكرار الحرف كما في قولك :
شدّ و عدّ وما إليها.........

الأحمر
01-04-2014, 10:10 PM
من دروس اللغة. الحلقة ١١


الترادف في اللغة


الترادف ظاهرة لغوية أسهمت في نمو اللغة وإثرائها وسعتها وكثرة مفرداتها مما أعطى العربي مجالا رحبا في سلوك طرق الفصاحة وأساليب البلاغة وربط المعاني بالألفاظ ذلك أن الترادف ألفاظ متعددة لمعنى واحد[ ما اتحد معناه واختلف لفظه ] مثل :
(قعد وجلس) و(نام ورقد ) و(قرأ وتلا ) و( أقسم وحلف) وقد تكون الألفاظ أسماء كالجود والكرم... والعسل والشهد...والأسى والحزن...
واللب والعقل... والأسد والليث والضرغام...والسيف والمهند والحسام.........
والترادف لايعني التطابق التام المطلق في معنى لفظتين أو أكثر وإنما التقارب الكبير في المعنى...


نشأ الترادف حينما نزع العرب الأوائل لتوضيح المعاني أو تأكيدها بألفاظ متقاربة مثل [ حضر، جاء ، أتى ، قدم ، أقبل... ]
كما كان للهجات العربية قبل نزول القرآن وبعده أثر في إثراء اللغة بالمترادفات بالألفاظ المتعددة لمعنى واحد...


وقد اختلف علماء اللغة في الترادف فقد كان يراه سيبويه والأصمعي وابن خالويه وأنكره آخرون كثعلب وابن فارس وأبي علي الفارسي وأبي هلال العسكري الذي ألف كتابه [الفروق في اللغة ] ليرد على من قال بالترادف فقد كان يرى أن كل لفظةٍ لها معنى خاص بها في سياقها فيرى أن ثمت فرقا بين [ الريب والشك ]
[والضحك والتبسم ] و[الأسى والحزن ] و[ذهب وانطلق ومضى و راح و غادر ]..
كما كان يرى أن القسم أبلغ من الحلف وأن المعرفة أخص من العلم وأن الجحود أخص من الإنكار...وأن السيف له اسم واحد والباقي صفات [ الحسام ، المهند ، الصارم ، الصمصام ، الصقيل ، البتار ، المشرفي ، الهندي ، اليماني... ]


وسبب الخلاف كما قال ابن جماعة [ أن من جعلها- أي الألفاظ- مترادفةً نظر إلى اتحاد دلالتها على الذات ومن منع (الترادف) نظر إلى اختصاص بعضها بمزيد معنى ]


ونفى بعض العلماء أن يكون في القرآن الكريم ترادف وإنما هي ألفاظ متقاربة أو متشابهة وليست مترادفة تحمل نفس المعنى..
وحجتهم أن ذلك من الحشو والزيادة والقرآن منزّه عن ذلك ، قال ابن تيمية :
(فإن الترادف في اللغة قليل وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم و قلّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه بل يكون فيه تقريب لمعناه...)

الأحمر
01-04-2014, 10:10 PM
من دروس اللغة. الحلقة ١٢


[التطور الدلالي للألفاظ]


اهتم علماء اللغة بالتطور الدلالي للألفاظ العربية فبحثوا وألفوا عن عوامل وأسباب تغيّر الدلالة وأشكاله وصوره وأدركوا أن التطور الدلالي اللفظي إما أن يكون بتخصيص لفظ عام أو تعميم لفظ خاص وقد ترقى دلالة اللفظ أو تنحط أو يتغير استعمالها ومجالها......
فالتغير الدلالي ظاهرة طبعية في كل اللغات حيث تتغير ألفاظ اللغات للتطور والتغيير ويختلف هذا التطور من زمن إلى زمن ومن لغة إلى لغة ومن مكان إلى آخر.....
والتطور الدلالي أحد جوانب التطور اللغوي له عوامل وأسباب مختلفة :
منها ما مصدره حياة الناس وتحولاتهم...ومنها ما هو مرتبط باللغة نفسها وصيغها وتراكيبها واستعمالاتها.....


ومن أهم أسبابه :
١- الحاجة إلى كلمات جديدة تعبّر عن معاني جديدة...
٢- التطور الاجتماعي والثقافي والحضاري لدى المجتمعات إذ أن تطور الحياة يؤثر على اللغة تأثيراً مباشراً.....
٣- التطور في اللغة نفسها من ناحية الصيغ والأساليب
٤- إحياء بعض الألفاظ القديمة و وضع دلالات جديدة لها...مثل كلمة سيارة كانت في القديم: الجماعة السائرة (فجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ) فأضيفت لها دلالة أخرى وهي وسيلة النقل (المركبة المعروفة)....
٥- كثرة الاستعمال أو غموض معنى كلمة أو تطور صوتها فتطورت دلالتها تبعا لذلك....


واللغة هي الوسيلة التي يتواصل بها الناس ويعبّرون بها عن شؤون حياتهم وهي انعكاس للمجتمع بكل مكوناته وعناصره كما أن المجتمع يؤثر على اللغة تأثيراً مباشراً سلباً أو إيجاباً


[يكون التغير والتطور الدلالي بعدة طرق أهمها ] :
١- تخصيص الدلالة وتضييق المعنى : فكلمة الصلاة هي في اللغة : الدعاء ثم خصص معناها بالعبادة المعروفة....
وكلمة : حج هي في اللغة : القصد ثم استقر معناها في القصد إلى مكة لأداء فريضة الحج...ومثلها كلمة : الصوم هي في اللغة: الإمساك عن الكلام [ إني نذرت للرحمن صوما ] ثم خصصت بشعيرة الصوم...
ومثلها كلمة : يقطين كان يراد بها كل شجر ينبسط على الأرض ثم خصص اللفظ لشجرة القرع. وهكذا....


٢- تعميم الدلالة وتوسيع المعنى....
تتوسع دلالة بعض الألفاظ فكلمة : أستاذ أي معلم الصناعة أو رئيس الصنعة ثم صارت تطلق على كل معلم....وكلمة : سمسار هي في الأصل الذي يبيع البُر للناس ثم توسعت فصارت تطلق على من يعمل وسيطاً بين البائع والمشتري.....
وكلمة : الظعينة هي المرأة في الهودج ثم صارت تطلق على المرأة عامة أو على مجموعة النساء :
إذا سايرت أسماء يوماً ظعينة...فأسماء من تلك الظعينة أملح...


٣- رقي الدلالة :
ترتقي دلالة بعض الألفاظ مثل كلمة : رسول.. كانت تطلق على كل مرسل -فقط-
ثم شرُف معناها وارتقى لتدل على من أرسله الله...
ومثل كلمة : العفش كانت تطلق على سقط المتاع ثم تطورت دلالتها فصارت تطلق على النفيس وغير النفيس من الأثاث....
وكلمة : شاطر هو المؤذي لأهله ثم استعملت للمتفوق والمتقن.....


٤- انحطاط الدلالة :
فكلمة بهلول كانت تعني في العربية : الرجل الشجاع أو كريم الصفات..فانحطت دلالتها فصارت تطلق على الرجل المعتوه.....
ومثل كلمة : جرثومة. معناها : الأصل..قال أبوتمام
خليفة الله جازى الله سعيك عن....جرثومة الدين والأخلاق والحسب..
فانحطت دلالتها حينما تساق في مجال الذم إذ تطلق الآن على كائنات مجهرية دقيقة ضارة تؤثر على الأحياء...يقول المحقق الكبير عبدالسلام هارون [ ومن الكلمات التي وئدت في العصور الحديثة كلمة جراثيم إذ تغير مدلولها الواسع وانحرف إلى مجرى هو غاية في الضيق انحرافا من الجمال إلى نهاية القبح والشناعة )..وكلمة : نسوان جمع امرأة من غير لفظها هي اليوم مستهجنة عند البعض في الأسلوب الأدبي


٥- النقل والتغير في دلالة الألفاظ....
ربما أضيفت دلالات جديدة إلى ألفاظ قديمة أو تحول معناها إلى معنى آخر...
فكلمة : نصل.. هو حديدة السهم ثم أطلقت على السهم نفسه...والخف خف البعير ثم أطلقت على البعير نفسه...ومثلها حافر الفرس ثم أطلقت على الفرس كما جاء في الحديث عن هذه الألفاظ : ( لاسبق إلا في نصل أو خف أو حافر)


ولفظة الغائط تعني المكان المنخفض وقد جاءت في القرآن كناية عن قضاء الحاجة( أو جاء أحد منكم من الغائط )...
وكلمة : الفشل تعني الضعف والجبن ( ولاتنازعوا فتفشلوا ) ثم أضيف لها معنى الإخفاق وتوسعوا فيه
ومن الألفاظ التي تطورت دلالتها : القهوة..فقد كانت تطلق على الخمر وغيره ثم أطلقت على مشروب البن المعروف جاء في القاموس المحيط(باب الواو فصل القاف) القهوة : الخمر والشبعة المحكمة واللبن المحض....


وفي خاتمة القول لابد أن نشير إلى أنه ليس كل تغيير لمعنى لفظ أو تعميم أو تخصيص يُعد تطوراً دلالياً مقبولا فقد يكون من قبيل اللحن ولربما غيّر معنى لفظة أو حولت تحريفا لا وضعاً ولا اصطلاحاً علمياً إذ للتطور الدلالي علماؤه وطرقه وأساليبه......

الأحمر
01-04-2014, 10:11 PM
من دروس اللغة. الحلقة 12


[التطور الدلالي للألفاظ]


اهتم علماء اللغة بالتطور الدلالي للألفاظ العربية فبحثوا وألفوا عن عوامل وأسباب تغيّر الدلالة وأشكاله وصوره وأدركوا أن التطور الدلالي اللفظي إما أن يكون بتخصيص لفظ عام أو تعميم لفظ خاص وقد ترقى دلالة اللفظ أو تنحط أو يتغير استعمالها ومجالها......
فالتغير الدلالي ظاهرة طبعية في كل اللغات حيث تتغير ألفاظ اللغات للتطور والتغيير ويختلف هذا التطور من زمن إلى زمن ومن لغة إلى لغة ومن مكان إلى آخر.....
والتطور الدلالي أحد جوانب التطور اللغوي له عوامل وأسباب مختلفة :
منها ما مصدره حياة الناس وتحولاتهم...ومنها ما هو مرتبط باللغة نفسها وصيغها وتراكيبها واستعمالاتها.....


ومن أهم أسبابه :
1- الحاجة إلى كلمات جديدة تعبّر عن معاني جديدة...
2- التطور الاجتماعي والثقافي والحضاري لدى المجتمعات إذ أن تطور الحياة يؤثر على اللغة تأثيراً مباشراً.....
3- التطور في اللغة نفسها من ناحية الصيغ والأساليب
4- إحياء بعض الألفاظ القديمة و وضع دلالات جديدة لها...مثل كلمة سيارة كانت في القديم: الجماعة السائرة (فجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ) فأضيفت لها دلالة أخرى وهي وسيلة النقل (المركبة المعروفة)....
5- كثرة الاستعمال أو غموض معنى كلمة أو تطور صوتها فتطورت دلالتها تبعا لذلك....


واللغة هي الوسيلة التي يتواصل بها الناس ويعبّرون بها عن شؤون حياتهم وهي انعكاس للمجتمع بكل مكوناته وعناصره كما أن المجتمع يؤثر على اللغة تأثيراً مباشراً سلباً أو إيجاباً


[يكون التغير والتطور الدلالي بعدة طرق أهمها ] :
1- تخصيص الدلالة وتضييق المعنى : فكلمة الصلاة هي في اللغة : الدعاء ثم خصص معناها بالعبادة المعروفة....
وكلمة : حج هي في اللغة : القصد ثم استقر معناها في القصد إلى مكة لأداء فريضة الحج...ومثلها كلمة : الصوم هي في اللغة: الإمساك عن الكلام [ إني نذرت للرحمن صوما ] ثم خصصت بشعيرة الصوم...
ومثلها كلمة : يقطين كان يراد بها كل شجر ينبسط على الأرض ثم خصص اللفظ لشجرة القرع. وهكذا....


2- تعميم الدلالة وتوسيع المعنى....
تتوسع دلالة بعض الألفاظ فكلمة : أستاذ أي معلم الصناعة أو رئيس الصنعة ثم صارت تطلق على كل معلم....وكلمة : سمسار هي في الأصل الذي يبيع البُر للناس ثم توسعت فصارت تطلق على من يعمل وسيطاً بين البائع والمشتري.....
وكلمة : الظعينة هي المرأة في الهودج ثم صارت تطلق على المرأة عامة أو على مجموعة النساء :
إذا سايرت أسماء يوماً ظعينة...فأسماء من تلك الظعينة أملح...


3- رقي الدلالة :
ترتقي دلالة بعض الألفاظ مثل كلمة : رسول.. كانت تطلق على كل مرسل -فقط-
ثم شرُف معناها وارتقى لتدل على من أرسله الله...
ومثل كلمة : العفش كانت تطلق على سقط المتاع ثم تطورت دلالتها فصارت تطلق على النفيس وغير النفيس من الأثاث....
وكلمة : شاطر هو المؤذي لأهله ثم استعملت للمتفوق والمتقن.....


4- انحطاط الدلالة :
فكلمة بهلول كانت تعني في العربية : الرجل الشجاع أو كريم الصفات..فانحطت دلالتها فصارت تطلق على الرجل المعتوه.....
ومثل كلمة : جرثومة. معناها : الأصل..قال أبوتمام
خليفة الله جازى الله سعيك عن....جرثومة الدين والأخلاق والحسب..
فانحطت دلالتها حينما تساق في مجال الذم إذ تطلق الآن على كائنات مجهرية دقيقة ضارة تؤثر على الأحياء...يقول المحقق الكبير عبدالسلام هارون [ ومن الكلمات التي وئدت في العصور الحديثة كلمة جراثيم إذ تغير مدلولها الواسع وانحرف إلى مجرى هو غاية في الضيق انحرافا من الجمال إلى نهاية القبح والشناعة )..وكلمة : نسوان جمع امرأة من غير لفظها هي اليوم مستهجنة عند البعض في الأسلوب الأدبي


5- النقل والتغير في دلالة الألفاظ....
ربما أضيفت دلالات جديدة إلى ألفاظ قديمة أو تحول معناها إلى معنى آخر...
فكلمة : نصل.. هو حديدة السهم ثم أطلقت على السهم نفسه...والخف خف البعير ثم أطلقت على البعير نفسه...ومثلها حافر الفرس ثم أطلقت على الفرس كما جاء في الحديث عن هذه الألفاظ : ( لاسبق إلا في نصل أو خف أو حافر)


ولفظة الغائط تعني المكان المنخفض وقد جاءت في القرآن كناية عن قضاء الحاجة( أو جاء أحد منكم من الغائط )...
وكلمة : الفشل تعني الضعف والجبن ( ولاتنازعوا فتفشلوا ) ثم أضيف لها معنى الإخفاق وتوسعوا فيه
ومن الألفاظ التي تطورت دلالتها : القهوة..فقد كانت تطلق على الخمر وغيره ثم أطلقت على مشروب البن المعروف جاء في القاموس المحيط(باب الواو فصل القاف) القهوة : الخمر والشبعة المحكمة واللبن المحض....


وفي خاتمة القول لابد أن نشير إلى أنه ليس كل تغيير لمعنى لفظ أو تعميم أو تخصيص يُعد تطوراً دلالياً مقبولا فقد يكون من قبيل اللحن ولربما غيّر معنى لفظة أو حولت تحريفا لا وضعاً ولا اصطلاحاً علمياً إذ للتطور الدلالي علماؤه وطرقه وأساليبه......

الأحمر
01-04-2014, 10:12 PM
من دروس اللغة. الحلقة ١٣


[ علم الدلالة ]


الدلالة في اللغة : مصدر الفعل دلّ أي أرشد إلى الشيء وعرّف به ، وفي الحديث : الدال على الخير كفاعله ، ودلّه على الطريق أي سدده إليه....
وقد توسّع مدلول اللفظة من معناها الحسّي( الدلالة على الطريق) إلى معنى عقلي مجرد وهو دلالة الألفاظ على المعاني.....


وعلم الدَِّلالة (بفتح الدال وكسرها) يُعرّفه العلماء بأنه (العلم الذي يدرس المعنى)
ودلالة الألفاظ هي :
(ماينصرف إليه اللفظ في الذهن من معنى مدرك أو محسوس) فهو علم يبحث عن معاني الألفاظ ودلالاتها ، والجمل والتراكيب اللغوية في سياقاتها المختلفة......


وقد بدأه علماء اليونان كأفلاطون الذي يرى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى طبعية وأن في كل لفظ معنى لازماً متصلا بطبيعته يُعبّر عنه بينما كان أرسطو يرى أن للألفاظ معنى اصطلاحيا ناجما عن اتفاق وتراضٍ بين البشر.....


وقد اهتم علماء العربية بهذا العلم وتوسعوا فيه فالعالم اللغوي أحمد بن فارس(ت ٣٩٥) قد عُني في كتابه معجم مقاييس اللغة بالكشف عن الصِّلات بين الألفاظ والمعاني وأشار إلى تقلبات جذور الكلمات في الدلالة على المعاني وهو يُعَد من الأوائل الذين اهتموا بإيجاد صلة بين المدلولات المختلفة للكلمة الواحدة....ولربما دلّت كلمة واحدة على معانٍ مختلفة تربطها علاقة دلالية وهو مايسمّى بالمشترك اللفظي
(اتحاد في اللفظ واختلاف في المعنى) فكلمة [عين] من معانيها [ العين الباصرة وعين الماء وعين الشمس وعين البئر وعين الحاسد والجاسوس وذات الشيء عينه وفم القربة والنقرة في الركبة...] كما أن بين المترادفات وهي اختلاف في اللفظ واتحاد في المعنى دلالات لفظية ومعنوية تقترب من وجهٍ وتبتعد من وجهٍ آخر مثل [ جاء و قدم وحضر وأتى وأقبل ]...


وقد أشار علماء الدلالة إلى صعوبة تحديد المعنى يتضح ذلك جلياً في تحديد الفروق بين المترادفات مثل
[ذهب. ولّى. راح. أدبر. غادر] لأن المعنى الذي تُدونه المعاجم ليس هو كل شيئ في إدراك معنى الكلام فاللغة حمّالة أوجه وهناك عناصر وعوامل أخرى تجعل المعنى واضحا أو غير واضح بعيد المنال منها : تركيب الكلام والحذف والإيجاز وتعدد المعنى وتباين الفهم كما في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم( لايصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فبعضهم حمل النص على ظاهره فلم يُصل العصر حتى وصل بني قريظة وبعضهم فهم أن المراد هو الإسراع فصلاها على الطريق ولما نُقل الفعلان للنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أحد منهما....
وصعوبة تحديد المعنى هي التي كثيرا ما تُثير الإختلاف والفتن كما حصل في مسألة التأويل لدى الفرق الإسلامية لأن الألفاظ أو النصوص قد تُؤول من قبل المتلقي إلى معان غير التي أرادها المتكلم لذا حرص علماء التفسير على تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة ليتطابق المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي المراد ومنعاً لتأويل دلالات الألفاظ لمعان غير مُرادة أو لاتحتملها ألفاظها


وقد خدم علماء الدلالة والمعاني هذا العلم للحفاظ على سلامة المعنى و وضوحه وضبطه على قواعد لغة العرب وفهمه على مراد المتكلم وربما للنص منطوق ومفهوم وربما صُرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر إذا كان لايمكن حمله على الظاهر كقولهم : محمد أسد
كما خدموا النحو والصرف وعلم البيان والمعاني والبديع و وضعوا القواعد الأصولية واللغوية لضبط مراد المتكلم ولتكون دلالة الألفاظ على المعاني دلالة دقيقة سليمة واضحة وفق القواعد العربية المتينة....

الأحمر
01-04-2014, 10:12 PM
من دروس اللغة. الحلقة 13


[ علم الدلالة ]


الدلالة في اللغة : مصدر الفعل دلّ أي أرشد إلى الشيء وعرّف به ، وفي الحديث : الدال على الخير كفاعله ، ودلّه على الطريق أي سدده إليه....
وقد توسّع مدلول اللفظة من معناها الحسّي( الدلالة على الطريق) إلى معنى عقلي مجرد وهو دلالة الألفاظ على المعاني.....


وعلم الدَِّلالة (بفتح الدال وكسرها) يُعرّفه العلماء بأنه (العلم الذي يدرس المعنى)
ودلالة الألفاظ هي :
(ماينصرف إليه اللفظ في الذهن من معنى مدرك أو محسوس) فهو علم يبحث عن معاني الألفاظ ودلالاتها ، والجمل والتراكيب اللغوية في سياقاتها المختلفة......


وقد بدأه علماء اليونان كأفلاطون الذي يرى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى طبعية وأن في كل لفظ معنى لازماً متصلا بطبيعته يُعبّر عنه بينما كان أرسطو يرى أن للألفاظ معنى اصطلاحيا ناجما عن اتفاق وتراضٍ بين البشر.....


وقد اهتم علماء العربية بهذا العلم وتوسعوا فيه فالعالم اللغوي أحمد بن فارس(ت 395) قد عُني في كتابه معجم مقاييس اللغة بالكشف عن الصِّلات بين الألفاظ والمعاني وأشار إلى تقلبات جذور الكلمات في الدلالة على المعاني وهو يُعَد من الأوائل الذين اهتموا بإيجاد صلة بين المدلولات المختلفة للكلمة الواحدة....ولربما دلّت كلمة واحدة على معانٍ مختلفة تربطها علاقة دلالية وهو مايسمّى بالمشترك اللفظي
(اتحاد في اللفظ واختلاف في المعنى) فكلمة [عين] من معانيها [ العين الباصرة وعين الماء وعين الشمس وعين البئر وعين الحاسد والجاسوس وذات الشيء عينه وفم القربة والنقرة في الركبة...] كما أن بين المترادفات وهي اختلاف في اللفظ واتحاد في المعنى دلالات لفظية ومعنوية تقترب من وجهٍ وتبتعد من وجهٍ آخر مثل [ جاء و قدم وحضر وأتى وأقبل ]...


وقد أشار علماء الدلالة إلى صعوبة تحديد المعنى يتضح ذلك جلياً في تحديد الفروق بين المترادفات مثل
[ذهب. ولّى. راح. أدبر. غادر] لأن المعنى الذي تُدونه المعاجم ليس هو كل شيئ في إدراك معنى الكلام فاللغة حمّالة أوجه وهناك عناصر وعوامل أخرى تجعل المعنى واضحا أو غير واضح بعيد المنال منها : تركيب الكلام والحذف والإيجاز وتعدد المعنى وتباين الفهم كما في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم( لايصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فبعضهم حمل النص على ظاهره فلم يُصل العصر حتى وصل بني قريظة وبعضهم فهم أن المراد هو الإسراع فصلاها على الطريق ولما نُقل الفعلان للنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أحد منهما....
وصعوبة تحديد المعنى هي التي كثيرا ما تُثير الإختلاف والفتن كما حصل في مسألة التأويل لدى الفرق الإسلامية لأن الألفاظ أو النصوص قد تُؤول من قبل المتلقي إلى معان غير التي أرادها المتكلم لذا حرص علماء التفسير على تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة ليتطابق المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي المراد ومنعاً لتأويل دلالات الألفاظ لمعان غير مُرادة أو لاتحتملها ألفاظها


وقد خدم علماء الدلالة والمعاني هذا العلم للحفاظ على سلامة المعنى و وضوحه وضبطه على قواعد لغة العرب وفهمه على مراد المتكلم وربما للنص منطوق ومفهوم وربما صُرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر إذا كان لايمكن حمله على الظاهر كقولهم : محمد أسد
كما خدموا النحو والصرف وعلم البيان والمعاني والبديع و وضعوا القواعد الأصولية واللغوية لضبط مراد المتكلم ولتكون دلالة الألفاظ على المعاني دلالة دقيقة سليمة واضحة وفق القواعد العربية المتينة....

الأحمر
01-04-2014, 10:13 PM
من دروس اللغة.. الحلقة ١٤


من علماء الدلالة


خاض كثير من اللغويين والبلاغيين والفلاسفة في دلالة الألفاظ وعلاقة اللفظ( الدال ) بالمعنى (المدلول) ذلك أن تفسير معاني الألفاظ ودلالاتها هي المحور والأساس في اللغة والدين فآيات القرآن الكريم ونصوص الأحكام الشرعية والقانونية ونصوص التراث والنصوص الأدبية من نثر وشعر متوقفة على تفسير المعاني ودلالات الألفاظ.....


وقد تسابق العلماء وتبارى الفقهاء والأدباء في الكشف عن دلالات الألفاظ فنظّروا لها وقعّدوا وفصّلوا القول ومنهم [الرازيان ] أبوحاتم الرازي المتوفى عام ٣٢٢ وفخر الدين الرازي المتوفى عام ٦٠٦ وسأذكر نتفاً وإشارات لهما في دلالات الألفاظ ومعانيها........
ومع أن الأصل في اللغة أن يكون اللفظ الواحد لمعنى واحد إلا أنه قد يوجد لفظان فأكثر لمعنى واحد أو معنيان فأكثر للفظ واحد
[كما مثلنا في حلقة سابقة]


يقول أبوحاتم الرازي في كتابه [الزينة] هذا كتاب فيه معاني أسماء واشتقاقات ألفاظ وعبارات عن كلمات عربية يحتاج الفقهاء إلى معرفتها ولايستغني الأدباء عنها وفي تعلمها نفع كبير وزينة عظيمة لكل ذي دين ومروءة...
ويستطرد الرازي مفسرا لمعاني كلمات تطورت دلالتها مستشهداً بالقرآن والحديث والشعر ثم قال :
إن الأسماء التي هي مشتقة من ألفاظ العرب ولم تُعرف قبل ذلك مثل : المسلم والمؤمن والمنافق والكافر ولم تكن العرب تعرفها لأن الإسلام والإيمان والنفاق والكفر ظهر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كانت العرب تعرف الكافر كافر النعمة لاتعرفه من معنى الكفر بالله....أما المنافق فإنه لاذكرله في كلام العرب ] وقال [ فالإسلام هو اسم لم يكن قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أسماء كثيرة مثل : الأذان والصلاة والركوع والسجود....ثم ذكر تراكيب لم تكن معروفة قبل الإسلام مثل بسم الله الرحمن الرحيم ، ولاحول ولاقوة إلابالله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، و إنا لله وإنا إليه راجعون.......
ثم قال: فهذه الكلمات كلها ظهرت في الإسلام على لسان محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين ولم تكن لسائر الأمم على هذا النظم العجيب والاختصار الحسن فلما وردت عليهم اضطروا إلى قبولها وتدوينها والاقرار بفضلها... ] وياليته قال (تم قبولها) بدل(اضطروا إلى قبولها)
ثم ذكر ألفاظا تطورت دلالتها غير ما ورد في القرآن والحديث........


أما فخر الدين الرازي فيرى أن دلالات الألفاظ تتغير باختلاف الزمان والمكان لأسباب اجتماعية أوتاريخية ثم يربط الألفاظ بما في الأذهان من معاني مستحضرة فيقول : إن للألفاظ دلالات على مافي الأذهان لامافي الأعيان ولهذا السبب يقال: الألفاظ تدل على المعاني لأن المعاني هي التي عناها العاني وهي أمور ذهنية والدليل على ما ذكرناه أنا إذا رأينا جسما من البعد وظنناه صخرة قلنا : إنه صخرة فإذا قربنا منه وشاهدنا حركته وظنناه طيرا قلنا : إنه طير فإذا ازداد القرب علمنا أنه إنسان فقلنا : إنه إنسان......
فاختلاف الأسماء عند اختلاف التصورات الذهنية يدل على أن مدلول الألفاظ هي الصورة الذهنية لا الأعيان الخارجة.......]


ويقول ابن فارس في كتابه الصاحبي ( كان العرب في جاهليتهم على إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم فلما جاء الله جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأُبطلت أمور ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت وشرائع شرعت وشرائط شرطت فعفى الآخر الأول........ ]

الأحمر
01-04-2014, 10:50 PM
من دروس اللغة.الحلقة ١٥


الدّخِيْلُ في الألفاظ العربية
ظلّت اللغة العربية طيلة عصورها مرنةً في التعامل مع اللغات الأخرى ، تؤثر وتتأثر ، وتقترض مفردات وألفاظاً من غيرها ذلك أن الاقتراض اللفظي ظاهرة لغوية لتداخل الأمم والشعوب والحضارات في قديم الزمان وحديثه فدخل اللغةَ العربية عدد كبير من الألفاظ فيما سمّاه اللغويون بعدُ بالدّخيل....
وهو حسنة لغوية إذا عُرِّب ولم يؤثر على الألفاظ الأصيلة أو يطغى على اللغة الأم واللسان العربي.......
والدخيل هو : ما دخل اللغةَ العربيةَ من مفردات وألفاظٍ من لغات أخرى منذ تكوّن العربية إلى عصرنا الحديث
حيث بدأ الدخيل يتسرب إلى لغتنا منذ العصور القديمة لاحتكاك العرب بالآراميين ثم دخلت مفردات سريانية وفارسية ورومانية لاتصال العرب بجيرانهم بمملكتي الغساسنة بالشام والمناذرة بالعراق قبل الإسلام......


ولما جاء الإسلام واتسعت الفتوحات امتزج العرب المسلمون بغيرهم وقوي احتكاكهم الاقتصادي والثقافي والسياسي بالشعوب الأخرى وكثرت الألفاظ الدخيلة على لغتهم كاليونانية والتركية ثم الإسبانية زمن الأندلسيين إلى أن جاء العصر الحديث فاتسعت الألفاظ الدخيلة الأوربية - ولاسيما الانجليزية والفرنسية والإيطالية - التي غزت اللغة العربية بمفرداتها في الطب والهندسة والفيزياء وفي أسماء البلدان والآلات والنباتات والحيوانات والملابس وغيرها......
وليس كل دخيل دعت الحاجة إليه ولكنه دخل بسبب الانبهار بحضارة الغرب وهيمنتها على العرب
ولم يعُد التعريب قادراً على احتواء هذه الألفاظ والمفردات لكثرتها وسعة انتشارها مما يُعَدُّ غزواً لغوياً للغتنا الخالدة........


وقد وضع اللغويون قواعد تُعرف بها الكلمات الدخيلة منها :
١-خروج الكلمة عن الأوزان العربية مثل : ابريسم وتلفزيون..
٢-لاتجتمع الباء والسين والتاء في كلمة عربية مثل : بستان
٣-لاتجتمع الراء بعد النون في كلمة عربية مثل :نرجس
٤-لاتجتمع الجيم والصاد في كلمة عربية مثل : جص ، صاج ، صولجان
٥- لاتجتمع الجيم والقاف في كلمة عربية مثل : منجنيق.....


ومن الدخيل ما دخله التعريب فتعرّب بنزول القرآن به ، أو بعد استعمال العرب له في عصر الاحتجاج ، أو عرّبته المجامع العربية الحديثه بنقص أو زيادة أو قلب أو أبقته على وضعه....مع عجزها الكبير عن تعريب الألفاظ الدخيلة كلها...


ولعل من المناسب أن أذكر لك بعضاً من الكلمات التي عُرِّب قليلها وبقي كثيرها دخيلا أعجميا غير معرّب منها :
[بنك. أرشيف. بطاقة. كرت. صيدلية. ديكور. برنامج. نموذج. قرطاس. مهرجان. ديوان. بروفه. فولاذ. تاج. اتيكيت. سيناريو. ستديو. كنسل. درهم. قانون. فانوس. ياقوت. نافورة. كروان. بندر. فيلا ]
[فاكس. كمبيوتر. فيزا. باص. اوتوبيس. روتين. اكسجين ] [ قصدير. ميدالية. استبنه. زئبق. دينمو. ][اسفنج. قميص. ديباج. استبرق. سندس. جاكيت. بالطو ]
[دكتوراه. ماجستير. بكالوريوس. أستاذ ]
[قرنفل. باذنجان. ياسمين. زنجبيل. بوفيه ]
[ريجيم. برستيج. دهليز ] وغيرها كثير.........


وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث عن المعرّب والتعريب بإذنه تعالى......

الأحمر
01-04-2014, 10:51 PM
من دروس اللغة.الحلقة ١٦


[المعرّب وضوابط التعريب)


المعرّب هو اللفظ الدخيل الذي أخضعه العرب وطوّعوه لقواعد العربية بزيادةٍ أو نقص أو تغيير يتفق مع اللسان العربي في الأصوات والأوزان...كما قال الجوهري (تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوّه به العرب على منهاجها ) وقال السيوطي : هو ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعانٍ في غير لغتها...ويقول الفرّاء
(يُبنى الاسم الفارسي أيّ بناء كان إذا لم يخرج عن أبنية العرب...) وقال ابن جنّي في الخصائص : ما قِيس على كلام العرب فهو من كلام العرب... )


والتعريب أسلوب من أساليب تنمية اللغة منذ نشأتها ، ودلالة على مرونتها واستيعابها فقد كان للتعريب دور كبير في توسيع المعجم العربي منذ بدأ احتكاك العرب بالأمم المجاورة قبل الإسلام بقرون وإلى عصرنا هذا...فما لم يجد له العرب اسماً في العربية يُعرّبونه بنطقه ويُطوّعونه باستعماله وإخضاعه للسان العربي ومخارج حروفه وأصواته ويُسمّونه(المعرّب)


يقول د.محمد أحمد حماد عن القائم بالتعريب : يُحاول عادةً أن يشكّل ذلك اللفظ حتى يصبح على نسج لغته أو قريب الشبه بألفاظها سواء من ناحية الأصوات أو من ناحية الصيغ....) ويقول : وكانت الكلمة الأعجمية التي يشيع استعمالها لدى العرب القدماء تأخذ النسج العربي فيُقتص من أطرافها وتُبدّل بعض حروفها ويُغيّر موضع النبر منها حتى تصبح على صورة شبيهة بالكلمات العربية...) وقال : ولعل الأعشى هو أشهر من عُرف بين شعراء الجاهلية باقتباس الكثير من تلك الألفاظ الأعجمية في شعره )
ومانقلته العرب إلى لغتهم في عصر الاحتجاج اللغوي أولى مما نُقل بعد ذلك لأن الألفاظ تتعرب بالنطق والاستعمال ولاسيما في عصر الاحتجاج باللغة الذي حدّد اللغويون نهايته بمنتصف القرن الثاني للهجرة النبوية......


ولسائل أن يقول : ما دوافع التعريب وضوابطه؟
من أهم دوافعه : الحاجة والضرورة..... وربما عُرّب اللفظ الأعجمي للإعجاب به أو لخفته أحيانا أو للمباهاة والتعالم بمعرفة لغة غير العربية...........
وقد وضع أهل اللغة للتعريب شرطين هما :
١-أن يكون اللفظ المراد تعريبه مما يحتاج إليه العرب تمام الاحتياج ولايوجد ما يقابله في العربية......
٢-أن يتم إخضاعه وتطويعه لمقاييس العرب وقواعد العربية من الناحية الصوتية والصرفية......


قال د.توفيق شاهين ( والمعتدلون هم الذين يجيزون الاستعانة بالتعريب لسد حاجة العربية إلى المفردات بشرط أن لا يُفسد هذا المعرّب أصلا من أصول اللغة أو يخرج بها عن طريقها المألوف....... )
والمعرب نوع من الدخيل كما قال السيوطي : ويطلق على المعرب دخيل......
فكل معرّب دخيل وليس كل دخيل معرّباً فهناك آلاف الكلمات الوافدة التي تحتاج إلى تعريب أو ترجمة دقيقة لها.....


واللغة الحية لاتكف عن النمو واستيعاب الألفاظ الجديدة والمصطلحات لاسيما في هذا العصر[التقني ] المتسارع
إلا أن هناك (أزمة ) في التعريب سأتناولها في حلقة قادمة عند ذكر المجامع العربية........


وهذه أمثلة على كلمات وألفاظ معرّبة :
أولا : كلمات عربت قديما
[أباريق ، سندس ، أرائك ، استبرق ، أسفار ، قرطاس ، كافور ، أثير ، تنور..... ]
ثانيا : كلمات عربت حديثا
[هاتف بدل تليفون
حافلة بدل باص
شاحنة بدل لوري
تأشيرة بدل فيزا
ناسوخ بدل فاكس
حاسوب بدل كمبيوتر]
كما عربوا ( استمارة - بستان - بندر - شنطة - فهرس - فستان - كنب - فندق - دولاب - برنامج - ديكور - أرشيف..... وغيرها )

الأحمر
08-04-2014, 09:26 PM
من دروس اللغة. الحلقة ١٧


[المعرّب في القرآن الكريم ]


لامرية في أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين لقول الحق سبحانه ( قرآنا عربيا غير ذي عوج ) وقوله ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا ) وأنه في غاية الفصاحة والبلاغة والبيان ولذا تحدّى الله الإنس والجن - ولو اجتمعوا - أن يأتوا بمثله [ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ]...


وقد اختلف اللغويون والمفسرون في وقوع المعرّب في القرآن الكريم على ثلاثة أقوال :
القول الأول : المانعون
يقول الإمام الشافعي رحمه الله : القرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيئ إلا بلسان العرب وأنه كله عربي مبين لقوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه... ) وقال أبوعبيدة :
القرآن إنما أنزل بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول...
وقد وافقهما ابن فارس وابن جنّي والفخرالرازي وابن جرير الطبري وأن ما قيل من المعرّبات في القرآن إنما هو توافق وتوارد بين اللغات وانتشر بالنقل...يقول ابن جرير : ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من تفسير ألفاظ القرآن بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيه توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد.....
وقد ذكر الثعالبي بعضاً مما اتفقت عليه العرب والفرس مثل [ دينار - درهم - تنور ]


القول الثاني : المجيزون
من العلماء من يجيز وقوع المعرّب في القرآن كابن عباس ومجاهد وعكرمة ويرون أن الكلمات القليلة لاتخرجه عن كونه عربياً وقد أشار السيوطي في المزهر إلى قولهم :
أن من السريانية في القرآن[ اليم والطور وطه ] ومن الرومية [ الصراط والقسطاس والفردوس ] ومن الحبشية[ مشكاة وكفلين ] ومن الحورانية [هيت لك ]


القول الثالث : الموفِّقون بين القولين :-
يرى بعض العلماء : أن أصل هذه المعرّبات بغير العربية ثم لفظت بها العرب بلسانها قبل نزول القرآن بها وطوّعتها وعرّبتها باستعمالها...يقول الجواليقي في كتابه [ المعرّب ] : ثم لفظت به العرب بألسنتها فعرّبته فصار عربيا بتعريبها ، فهي عربية في الحال أعجمية الأصل ، فهذا القول يُصدّق الفريقين جميعاً.....
وقال أبوعبيد القاسم بن سلاّم : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعرّبتها بألسنتها وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب فمن قال : إنها عربية فهو صادق ، ومن قال : أعجمية فصادق... ) ومال إلى هذا الرأي ابن الجوزي وغيره....


يقول د.محمد الحمد:
( ولعل هذا الرأي هو الأقرب للصواب فمن قال في كلمة سرادق - على سبيل المثال- إنها فارسية بمعنى أنها انحدرت إلى العرب من الفرس فهو مصيب ، ومن قال : إنها عربية بمعنى أن العرب كانت تعرفها وتستعملها قبل نزول القرآن - والقرآن نزل بلغة تفهمها العرب - فهو مصيب كذلك )


ومن الألفاظ ذات الأصل الأعجمي وتعرّبت قبل نزول القرآن بها ثم زادها القرآن تعريباً ما يلي :
[سندس. القسطاس. أرائك. أسفار. أباريق. اليم. كفلين. الصراط. ملكوت. تسنيم. طوبى. سجّيل. زنجبيل . مشكاة. سرادق. قراطيس. تنور. سلسبيل. الجبت. دينار. قنطار. الفردوس. إبراهيم. إسماعيل. إسحاق. يوسف. يعقوب.....وغيرها ]

الأحمر
16-04-2014, 10:46 PM
من دروس اللغة. الحلقة ١٨


[إطلالة على اللهجات العربية]- ١ -


اللغة واللهجة في كلام العرب تعني ( اللسان) تقول العرب : فصيح اللهجة أي فصيح اللسان ، وفي القرآن: [واختلاف ألسنتكم] أي : لغاتكم ، وبين اللفظتين عموم وخصوص وربما سُمّيت اللهجة : لغةً فيقال لغة قريش أي : لهجتها...


نشأت اللهجات العربية قبل الإسلام بزمن بعيد ولا أحد يستطيع أن يحدّد زمن ميلادها كلهجة قريش وتميم وبني أسد وطي وبني سعد وقيس وبكر وهذيل وهوازن وبني سُليم وقبائل اليمن....وغيرها..


ومن فضل الله سبحانه أن نزل القرآن بالعربية فاجتمع أمر اللغة الأم - التي تكوّنت من عدة لهجات أبرزها لهجة قريش - ولو طال الأمد باللهجات لتحوّلت إلى لغات مختلفة.....


وقد كان إنزال القرآن على سبعة أحرف حسب لهجات العرب لتسهيل تلاوته وفهمه فقرئ بالتحقيق والتسهيل والإبدال كما قال سيبويه(اعلم أن الهمزة تكون فيها ثلاثة أشياء :
التحقيق والتخفيف والبدل)
وقد نُسب التحقيق إلى التميميين والتسهيل إلى الحجازيين....وربما اختلفت قراءة الكلمة الواحدة بين المد والقصر أو الإظهار والإدغام أو الفتح والكسر أوالفتح والضم...وربما اختلف معناها من لهجة إلى أخرى..وهذا من عظمة اللغة وإعجاز القرآن....


وقد كان للهجات العربية دور كبير في إثراء اللغة ونمو مفرداتها وتنوّع ألفاظها
وظلت السيادة والريادة على تلك اللهجات للهجة قريش
يقول ابن فارس [ أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم أن قريشا أفصح العرب ألسنةً وأصفاهم لغةً.....) إلى أن قال : (وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغتها ورقة لسانها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع ماتخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طُبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب.....)
ونقل السيوطي عن الفارابي قوله [ كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعا وأبينها إبانة عما في النفس..... )
وقال الفرّاء[ كانت العرب تحضر الموسم في كل عام تحج البيت في الجاهلية وقريش يسمعون لغات العرب فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به فصاروا أفصح العرب وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ....)


أما أسباب نشوء تلك اللهجات فكثيرة منها [ العامل الجغرافي ] فحينما تتباعد المسافات بين أصحاب اللغة الواحدة تأخذ اللغة في التحوّل والتغيّر شيئا فشيئا مع الزمن حتى يسلك أصحابها مسلكا لغويا مختلفا


وهناك عوامل أخرى كالعامل الاجتماعي واختلاف البيئات وتنوّع الأحوال والأحداث والظروف على مر العصور.....


ولعلي في الحلقة القادمة أذكر طرفا من تلك اللهجات بإذن الله.....

الأحمر
22-04-2014, 07:26 PM
من دروس اللغة. الحلقة ١٩


إطلالة على اللهجات العربية - ٢ -


نزل القرآن الكريم بلهجات عربية متعددة - أشهرها لهجة قريش - وقد كانت متباينة في وجوه الأداء ، مختلفة في مُسمّيات الأشياء ومعانيها.....


ومن حكمة المولى سبحانه ورحمته أن أنزل القرآن على سبعة أحرف توسعة للأمة فحوى العديدَ من الألفاظ التي تعددت معانيها واختلفت قراءتها وأداؤها حسب تلك اللهجات ، فقرأ كل صحابي حسب لسانه وما اعتادت عليه سليقته وسجيّته في النطق ، وهذا وجه من وجوه الإعجاز اللغوي في كتاب الله العزيز يقول ابن قتيبة(المتوفّى ٢٧٦ ) : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله - من تيسيره - أن يقرأ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم.....)


وقد كتب أبوعبيد القاسم بن سلاّم(المتوفى ٢٢٤ ) رسالة أسماها :
ما ورد في القرآن من لغات القبائل..
كما خَصّص السيوطي (المتوفى ٩١١) بابا في كتابه الإتقان أسماه : فيما وقع فيه(أي في القرآن) بغير لغة أهل الحجاز.....


وسأورد هنا بعضا من تلك الكلمات القرآنية وتفسيرها عند بعض اللهجات العربية


أولاً : معاني بعض الكلمات في لهجة كنانة :
١- في الكهف [لاأبرح] أي لاأزال
٢- في الكهف [موئلا ] أي ملجأ
٣-في الصافات [دُحورا]أي طردا
٤-في الذاريات [ الخرّاصون] أي الكذّابون
٥- في الجمعة[أسفاراً] أي كتبا
٦-في المرسلات [ أقّتت] أي جُمعت
٧-في العاديات[لكنود] أي لكفور


ثانيا: معاني بعض الكلمات في لهجة جُرهم :
١-في الإسراء[محسورا] أي منقطعاً
٢-في الشعراء[لَشِرذِمة] أي عصابة
٣-في سبأ[القِطر] أي النحاس
٤-في الصافات [لشوْباً] أي مزجا
٥-في ص [محشورة] أي مجموعة
٦-في الذاريات[الحُبُك] أي الطرائق


ثالثا: معاني بعض الكلمات في لهجة هُذيل :
١-في البقرة[صَلْداً] أي نقيا
٢-في النساء[ العنت]الإثم
٣-في التوبة[ولِيجة] أي بطانة
٤-في التوبة[عَيْلة] أي فاقة
٥-في يونس[غُمّة] أي شبهة
٦-في الإسراء[فجاسوا] أي طافوا و داروا..


رابعا: معاني بعض الكلمات في لهجة حِمير اليمنية:
١-في الحجر[مسنون] أي مُنتن
٢-في طه[مآرب] أي حاجات
٣-في الفرقان[تبّرنا] أي أهلكنا
٤-في النمل[الصرح]أي البيت
٥-في محمد[لن يتِركم] أي لن يُنقصكم
٦-في النجم[سامدون] السمود هو الغناء
٧-في الواقعة[غير مدينين] أي : غير محاسبين


خامسا: معاني بعض الكلمات في لهجة أزد عُمان :
١-في آل عمران[خَبَالا] أي غيّا
٢-في الأنعام[نفقا] أي سربا
٣-في يوسف[ أعصر خمرا] أي عِنبا
٤-في الفرقان[قوما بورا] أي هلكى


سادسا : معاني بعض الكلمات في لهجة مَذْحِج :
١-في النساء[ مُقيتا] أي مقتدرا
٢-في الكهف[ الوصيد] أي الفِناء
٣-في الكهف[حُقُبا] أي دهرا
٤-في القلم[الخرطوم] أي الأنف....
(وإلى حلقة قادمة بإذن الله).........

الأحمر
29-04-2014, 09:56 PM
من دروس اللغة. الحلقة ٢٠


إطلالة على اللهجات العربية - ٣ -


تعدّدت وجوهُ الأداء والنطق في كثير من الألفاظ العربية بسبب تعدّد اللهجات واختلافها ، وقد دوّن علماء اللغة والقراءات كثيراً من ذلك التنوّع الذي أثرى اللغة العربية وأثبت سعتها وحيويتها.......


وسنقف في هذه الإطلالة على إشاراتٍ منها :


١-أهل الحجاز يقولون (أجاء) لغة في (جاء) ومنه قوله تعالى [ فأجاءها المخاض ]


٢-أهل الحجاز يقولون(جدث)
للقبر ومنه قوله تعالى(يوم يخرجون من الأجداث) و ورد عن بني تميم قولهم(جدف) بالفاء لا بالثاء.....


٣-أهل الحجاز يقولون(براء) وقد وردت في القرآن مرة واحدة في قوله [إنني براء مما تعبدون ] وأما [بريئ ] فهي لغة أهل نجد وقد وردت في القرآن إحدى عشرة مرة منها قوله [ إني بريئ مما تشركون ]


٤- أهل الحجاز يمدون(سناء) في قوله [يكاد سنا برقه] وتميم يقصرونها(سنا) وبالقصر قرأ عاصم....


٥-(هلمّ) عند الحجازيين اسم فعل يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع ، أما بنوتميم فيرون أنه فعل فيصرّفونه مع الضمير فيقولون[ هلما وهلموا و هلممن ]


٦-أهل الحجاز يُعملون ما النافية عمل ليس(بشروط) قال تعالى : ماهذا بشراً....
وقال : ماهنّ أمهاتِهم.... وبنوتميم يُهملونها......


٧-جاء عند طيئ وأزد شنوءة التطابق بين الفعل وفاعله فيقولون : ضربوني قومُك...
ويقولون: قاما الزيدان وقاموا الزيدون وقمن الهندات.....وقد وردت تلك اللغة في القرآن مرتين.. قال تعالى [ ثم عموا وصموا كثير منهم ] وقال [ وأسروا النجوى الذين ظلموا.....]


٨-أهل الحجاز يضمون الهاء في الغائب...قال السيوطي : أما الحجازيون فلغتهم ضم الغائب مطلقا .... وبه قرأ حفص في قوله [ وما أنسانيهُ ] وقوله [ بما عاهد عليهُ الله ] بضم الهاء فيهما
٩-بنو سُليم يكسرون الميم في [ منذ ] وذهب الفرّاء أن أصلها [ من ذو ] مِن الجارّة و ذو الطائية.....


١٠-وبنو سُليم يفتحون الظاء في [ظَلْت ] وأصلها ظَلَلت وقد نزل بها قوله تعالى :
ظَلْتَ عليه عاكفا....وقوله :
فظَلْتم تفكّهون.....


١١-أهل الحجاز يضمون الضاد فيقولون [ضُعف ] بالضم قرأ كثيرون منهم ابن كثير ونافع في قول الله :
الله الذي خلقكم من ضعف)
وبنوتميم يفتحون الضاد وهي إحدى روايات حفص عن عاصم وبها نقرأ......


١٢-أهل الحجاز لغتهم فتح النون في [ نَستعين ] وبه قرأ الجمهور ، وبالكسر لغة تميم وقيس وأسد وربيعة وهذيل وبه قرأ الليثي وغيره.....


١٣-أهل الحجاز يُسكّنون الشين في [عشْرة ] وبنوتميم يكسرونها فيقولون : إحدى عشِرة......


١٤-[ذلك ] باللام حجازية...
و [ ذاك ] بدون لام تميمية وقيسية.......


١٥-طيئ و تميم يقولون :
هذي فلانة (بالياء)
والجمهور هذه بالهاء..


١٦-طيئ تكسر الهمزة في قولهم [ إخالك ] أي أحسبك
ويقفون بالتاء فيقولون :
طلحتْ وأمّتْ أي : طلحة وأمة..... وبعضهم يقول في الأفعى [ الأفعأ والأفعو ]


١٧-أهل الحجاز يقولون [الوَتر ] بفتح الواو وبه قرأ عاصم ، وتميم يكسرونها وبه قرأ حمزة والكسائي..


١٨-أهل الحجاز يُسهّلون الهمزة ولاينبرونها إلا إذا اضطروا نبروا....والإمالة عندهم قليلة.....
ونسب سيبويه الإمالة إلى تميم وقوم من قيس وأسد
والإمالة : أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة وبالألف نحو الياء كقوله [ والضحى ] وقوله : بسم الله مجريها...


١٩-الإدغام ظاهرة لهجية تميل إليها القبائل التي تتميّز بسرعة النطق مثل :
تميم وطيئ وأسد وبكر وتغلب....وأما الإظهار فيكثر في لهجة قريش وثقيف وكنانة وهذيل..... ومثالهما أي الإظهار والإدغام قوله تعالى [ ما سلككم في سقر ]

الأحمر
07-05-2014, 09:52 AM
من دروس اللغة. الحلقة ٢١


[من غريب اللهجات العربية]


لدراسة اللهجات العربية القديمة أهمية كبرى في الدراسات اللغوية ، فبها يُعرف التعدّد في تنوّع النطق و وجوه الأداء وتطور دلالات الألفاظ واختلاف معاني المفردات تبعاً لاختلاف بيئاتها.....


وقد ذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين أن معاوية رضي الله عنه قال يوما لأصحابه : مَن أفصح الناس؟
فقال قائل : قوم ارتفعوا عن لخلخانية الفرات وتيامنوا عن عنعنة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر وليست لهم غمغمة قضاعة ولاطمطمانية حمير.....
قال : من هم؟ قال : قريش
قال : ممن أنت؟ قال : مِن جَرم.....


ولعلي هنا في هذه الحلقة أُشير إلى بعض الغريب في تلك اللهجات....
وحينما ينسب اللغويون أداء لفظةٍ أو تغيير حرفٍ أو معنى كلمة إلى قبيلة ما من قبائل العرب فليس من لازم القول أن كل القبيلة مجمعون على ذلك.....


ومن تلك اللهجات :
١-العنعنة : وهي إبدالهم الهمزة عينا فيقولون :
أشهد عنّك رسول الله...أي أنّك....ونُسبت العنعنة إلى بني تميم وأسد....


٢-الكشكشة والشنشنة :
وكلاهما إبدال الكاف شيناً...
وقد نسبتا إلى قبائل يمنية وتغلب وقيس والأزد وربيعة.....
فأما الكشكشة فخاصة بخطاب المؤنث فيقولون في : أعطيتُكِ ورأيتُكِ : أعطيتش ورأيتش.....
ويقولون في : أبوكِ وأمكِ :
أبوش وأمش... وأنشدوا للمجنون :
فعيناش عيناها وجيدش جيدها... ولكن عظم الساق منش دقيق....
وأما الشنشنة فهي إبدال الكاف شيناً مطلقا - قاله السيوطي - كقولهم في لبيك اللهم لبيك : لبيش اللهم لبيش...
وفي (كيف : شيف ) وغيرها


٣-الكسكسة : وهي إبدال الكاف سيناً وربما زيدت السين بعد كاف المخاطبة فيقولون في : عليكِ : عليس وعليكس... [سين مُشمّة بالكاف ] وفي : أبوكِ وأمكِ : أبوس وأمس ... وتْنسب إلى بكر....


٤- الطمطمانية : وهي إبدال لام التعريف ميماً وهي عند طيئ وحمير والأزد فيقولون في : طاب الهواء [ طاب امهواء ] وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل من امبر امصيام في امسفر؟ فأجابه الرسول بلهجته فقال : ليس من امبر امصيام في امسفر......


٥-الاستنطاء : وهو جعل العين نوناً إذا جاورت الطاء فيقولون في أعطاك وأعطاني : أنطاك وأنطاني...
وقد قرئ شذوذا [ إنا أنطيناك الكوثر ] ونسبت هذه اللهجة إلى هذيل والأزد وقيس وبني سعد بن بكر وغيرهم.....


٦-الفحفحة : وهي قلب الحاء عينا فيقولون في [حتى : عتّى.. وفي حين : عين... ونسبت إلى هذيل


٧- التلتلة : وهي كسر حروف المضارعة عند قبيلة ( بهراء ) فيقولون في : يَعلم وتَعلم ونَعلم :
يِعلم وتِعلم ونِعلم... وقد قرأ كثيرون بكسر النون في :
[نستعين ]


٨-العجعجة : وهي جعل الياء المشددة جيما فيقولون في : تميمي : تميمج.. وفي الراعي : الراعج... ومنه قول شاعرهم :
خالي عويف وأبوعلج
المطعمان اللحم بالعشج
ونسبت تلك اللهجة إلى قضاعة.....
و ورد عكس هذه اللهجة وهو إبدال الجيم ياء عند بني تميم فيقولون : شَيَرة في : شجرة... ومسيد في : مسجد


٩- الغمغمة : وهي أصوات لاتظهر حروفها ولايتبين الكلام فيها....ونسبت إلى بعض قبائل قضاعة....


١٠-اللخلخانية : قال الثعالبي : وهي تعرض في أعراب الشحْر وعُمان كقولهم : مشا الله كان [بدون همز]
أي : ما شاء الله كان


١١-الوَتْم : وهي قلب السين تاء لدى بعض أهل اليمن كقولهم في : الناس : النات


١٢-الوَكْم : وهي كسر كاف الخطاب في الجمع كقولهم في [عليكُم وبكُم ] عليكِم وبكِم بكسر الكاف فيهما


هذه بعض اللهجات الغريبة الملقّبة المنسوبة وهي خلاف اللغة الأم وبعضها من مستبشع القول....وهناك لهجات غير منسوبة ولاملقّبة وردت في ألفاظ كثيرة إما بحذف أو إضافة أو مدٍ أو تغيير في حركات لاتتفق مع قواعد العربية العامة......
وإلى حلقة قادمة بإذن الله

الأحمر
21-05-2014, 06:22 AM
من دروس اللغة. الحلقة ٢٢


[ التضاد و الأضداد ]


التضاد ظاهرة لغوية أسهمت في إثراء اللغة العربية واتساعها وهو : اللفظ الواحد يكون له معنيان متباينان متضادان وأمثلة ذلك في اللغة كثيرة متواترة حينما يُطلق اللفظ على المعنى وضده.....


فكلمة (السُّدفة ) تأتي بمعنى الظلمة وتأتي بمعنى الضوء....
وكلمة (الظن)تأتي بمعنى الشك وبمعنى اليقين...
وكلمة ( وراء ) بمعنى خلف وبمعنى أمام ومنه قوله تعالى ( وكان وراءهم ملك )
أي أمامهم...وقوله : من ورائهم برزخ...وقوله : من ورائهم جهنم.. أي قدّامهم


وكلمة[ عسعس الليل ] بمعنى أدبر وبمعنى أقبل
وكلمة[الناهل ] للعطشان والريّان...
وكلمة الصريم لليل والنهار
وكلمة جلل للأمر العظيم والصغير....والغريم للدائن والمدين....
وكلمة جون للسحاب الأسود والأبيض...قال ابن فارس :
( ومن سنن العرب في الأسماء أن يُسمّوا المتضادين باسم واحد نحو : الجون للأسود والجون للأبيض.....)
وكلمة [ يشرون ] تأتي بمعنى الشراء وبمعنى البيع ومنه قوله تعالى : (الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) أي يبيعون...
وكلمة [القَرء ] فُسّرت بمعنى الطهر وبمعنى الحيض في قوله تعالى :
يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء.....


ومن الأضداد قول العرب :
أسررت الشيئ...أي : أخفيته وأعلنته....ومنه قوله تعالى:
( وأسروا الندامة لمّا رأوا العذاب ) أي : أظهروها....
وقوله تعالى : إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتُجزى كل نفس بما تسعى ) أُخفيها أي : أُظهرها.......


وكل تضاد فهو من المشترك اللفظي لا العكس....لأن التضاد - كما مر - هو أن يُطلق اللفظ على المعنى وضده.....أما المشترك فهو اللفظ يكون له معنيان مختلفان لا متضادان....
فكلمة[عين ] لها عدة معان منها ( عين الماء وعين الإنسان والجاسوس....) فأُطلق على هذا النوع مشتركا لفظيا.....
وعند التضاد يُعرف المعنى المراد من خلال السياق....


ولابن الأنباري كلام جميل في معاني الكلام وارتباطه ببعضه وبيان المتضاد قال في كتابه الأضداد :
[كلام العرب يُصحّح بعضه بعضا ويَرتبط أولُه بآخره ولايُعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر ولايُراد به في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحدا.....]


والتضاد نوع من الإعجاز اللغوي في العربية.....


ولنشأته عوامل وأسباب من أهمها :
التطور الدلالي للفظة الواحدة...أو نقل الدلالة من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي... أو تداخل اللهجات العربية وتعددها واختلافها في معاني الألفاظ وتقدير الدلالة اللغوية....
قال ابن الأنباري [إذا وقع الحرف (أي الكلمة ) على معنيين متضادين فالأصل لمعنى واحد ثم تداخل الاثنان على جهة الاتساع
(ثم قال ) ولكن أحد المعنيين لحي من العرب والمعنى الآخر لحي آخر ثم سَمع بعضُهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء..... ]


وإلى حلقة لغوية قادمة...

الأحمر
28-05-2014, 10:53 PM
من دروس اللغة. الحلقة ٢٣


[ تناغم حروف العربية لمعانيها ]


ليست الحروف العربية مناسبة لمعانيها فحسب بل متناغمة معها مترابطة بتوافقٍ وتجانسٍ وانسجام... ذلك أن الحروف صور سمعية وأصوات معبّرة عن معان لها


وقد أدرك العلماء مناسبة حروف العربية لمعانيها كما لمحوا مافي الحرف العربي من إيحاء وإيقاع وقيمة تعبيرية.....
يقول ابن جنّي ( كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها....)
ويقول د.حاتم الضامن ( والكلمة العربية مركّبة من هذه المادة الصوتية التي يمكن حل أجزائها إلى مجموعة من الأحرف المعبّرة ذات الدلالة... فكل حرف منها يستقل ببيان معنى خاص... وكل حرف له جرس وإيقاع...)
وتقول د.هدى السعيد( إن الأصوات في اللغة العربية هي مادة الألفاظ وأساس الكلام المركب والعمدة في تلوين الأداء وإعطائه رنيناً إضافيا يزيد من وضوح التعبير....)
ولكل حرف إيقاعه وجرسه ودلالته ومخرجه.....
فحرف السين مثلا :
فيه معنى شعور داخلي :
(نفس. حس. همس. لمس. أُنس.. )
وحرف الغين فيه :
معنى الاختفاء أوالبعد :
نحو : غاب. غائب. غموض. غريب. غيم....


وإذا تأمّلنا كلمتي [حجر و هواء ] فالحجر صلب فجاءت حروفه حاء ثم جيم...أما هواء فهو رقيق ناعم يناسبه حرف الهاء والواو...


وكلمتا [ خضم وقضم ]
صوت الخاء يناسب الأشياء الرطبة فيُسمّى صوت أكلها خضما...أما القضم فهو للصلب اليابس فيقولون :
قضمت الدابة شعيرها..
قال الكسائي : القضم للفرس والخضم للإنسان..


وكلمتا (صعد وسعد)
جاءت الصاد معبّرة عما هو مشاهد وهو الصعود على مرتفع أو نحوه...بينما جاءت السين لرقتها لأمر داخلي معنوي....


وكلمتا[ النضح والنضخ ]
فالحاء رقيقة تناسب نضح الماء اليسير...أما النضخ فهو أقوى قال تعالى( فيهما عينان نضّاختان ) أي عينا ماء فوّارتان..والفوران يناسبه الخاء لا الحاء.....


والزيادة في المبنى زيادة في المعنى فمثلا :
السماع غير الاستماع
فالأول : استقبال الصوت دون قصد الانتباه والتفهم
أما الثاني : استقبال الصوت بقصدٍ وانتباهٍ لفهمه واستيعابه... ولذا قال تعالى عن القرآن [ فاستمعوا له وأنصتوا...]..
وفي تضعيف الكلمة قوة في المعنى مثل : بشّر وكلّم وفهّم.....


وما جاء على فَعَلان فهو غالبا يدل على الاضطراب والحركة نحو :
الغليان والغثيان والفوران
وجاء في فقه اللغة للثعالبي
النقش في الحائط والرقش في القرطاس والوشم في اليد والوسم في الجلد والوشي على الثوب.....


وقد عقد ابن جنّي بابا سمّاه [ باب في قوة اللفظ لقوة المعنى ] ومثّل بقولهم : خشن واخشوشن فمعنى خشن دون معنى اخشوشن لما فيه من تكرير عين الكلمة وزيادة الواو....
وكذلك قولهم : أعشب المكان دون اعشوشب... ومثله : حلا واحلولى....


يقول د. حاتم الضامن :
( وليست الكلمات سواءً في دلالتها على المعنى.. فمن الكلمات ما هي أصدق في وصف الشيئ من كلمات أخرى وألصق بالمعنى أو أكثر تمثيلا له أمام العيون
والألفاظ تتفاوت فيما بينها جمالا و قبحا من حيث دلالتها على المعنى.....
ويجب أن تُختار لتلائم موقعها في الجُمل....
فعلاقة اللفظ وما يطرأ عليه من تغيير صوتي بالمعنى من خصائص اللغة العربية التي نالت عناية كثير من علماء اللغة القدماء والمحدثين....)

الأحمر
03-06-2014, 04:48 PM
من دروس اللغة. الحلقة 24


( النحت في لغة العرب )


النحت في اللغة هو : النشر والقشر والبري والقطع....
وكثيراً ما يُطلق على نشر الأشجار وبري الأخشاب وقطع الحجارة وتسويتها...
وقد جاء في سورة الشعراء [ وتنحِتون من الجبال بيوتا فارهين ] وفي سورة الصافات [ قال أتعبدون ماتنحِتون ]


أما النحت اللغوي فقد عرّفه ابن فارس بقوله : أن تُؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ....) فهو توليد كلمة واحدة جديدة تُنتزع حروفُها من كلمتين أو جملة...وقيل هو : بناء كلمة وتأليفها من كلمتين أو أكثر لتؤدي مؤداها وتُفيد مدلولها بغرض الاختصار والإيجاز وتكون في تلك الكلمة الجديدة المؤلّفة دلالة على الجملة التي أُخذت منها....قال د. عبدالله أمين ( النحت أخذ كلمة من كلمتين أو أكثر مع المناسبة بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى... )


وقد عدّه بعض اللغويين من الاشتقاق وهو عامل من عوامل نمو اللغة وإثرائها لفظا ومعنى وأول من ذكره الخليل بن أحمد ثم طوّره ابن فارس عليهما رحمة الله


ومن أمثلة النحت في لغة العرب ما يلي :
1-بسمل.. أي قال : بسم الله الرحمن الرحيم وتسمّى البسملة....ومنه قول الشاعر : لقد بسملت ليلى غداةَ لقيتها...فيا حبذا ذاك الحبيب المبسملُ...


2-حمدل..أي قال : الحمد لله وتسمى الحمدلة...


3-حيعل أي قال : حي على الصلاة حي على الفلاح..وتسمى الحيعلة...


4-كبّر أي قال : الله أكبر ويسمى التكبير....


5-حوقل وحولق أي قال :
لاحول ولاقوة إلا بالله
وتسمى الحوقلة والحولقة


6-سبحل أي قال : سبحان الله..
7-حسبل أي قال : حسبي الله...
8-هلّل أي قال :
لا إله إلا الله
9-استرجع أي قال :
إنا لله وإنا إليه راجعون
10- سمعل أي قال :
السلام عليكم..وتسمى :
السمعلة....


ومن الألفاظ الحديثة المنحوتة قولهم :
رأسمالية..منحوتة من كلمتين هما : رأس مال


وقولهم : برمائي...
للحيوانات التي تعيش في البر و البحر معا...وهكذا...

الأحمر
11-06-2014, 04:30 PM
من دروس اللغة.الحلقة ٢٥


[ من وظائف اللغة ]


اللغة أعظم وسيلة للتواصل بين البشر ، وأكبر أداة للتعلّم والتفكير ، وهي وعاء الثقافة وأداة التعبير ونافذة تطل بالإنسان على تجارب الأمم وتراثها.....
ولقد اهتم علماء اللسانيات من العرب والغرب بعلم وظائف اللغة ونظرياتها ففصّلوا القول وأبانوا الكلام ومن ذلك :


١-الوظيفة الشرعية :
فقد شرّف الله لغة العرب بنزول القرآن بها إذ نزل بلسان عربي مبين ، ولاتُفهم آياته وحكمه وأحكامه إلا بالعربية المحكمة التي هي وعاء الشرع وآلته ولسانه....


٢-الوظيفة العلمية المعرفية : فاللغة وسيلة التعلّم وأداة تدوين العلوم والمعارف ونقلها عبر العصور
وباللغة نُقل التراثُ الإنساني ومنه العربي من جيل إلى جيل ومن أمة إلى أخرى....


٣-الوظيفة الاجتماعية :
فأعظم وأقدم وسيلة للتواصل هي اللغة بين الناس..ذلك أن الإنسان اجتماعي بطبعه كما قال ابن خلدون يتواصل مع غيره بلغة مشتركة وضعها واخترعها لحاجته إليها وبها يُعبّر عن آرائه وأحاسيسه ومشاعره وحاجاته....


٤-الوظيفة الثقافية :
اللغة مستودع ثقافات الأمم وحضاراتها ، تصطبغ بثقافة المجتمع الذي تعيش فيه ، وتحفظ فكره وتقاليده وعاداته ، ولايمكن دراسة أي مجتمع بمعزل عن لغته وثقافته.......


٥-الوظيفة النفسية :
اللغة أداة التعبير عن خلجات النفس ، فبها يُعبّر الإنسان عن رغباته واتجاهاته فهي المرآة العاكسة لشخصيته التي تُفصح عن إدراكه المعرفي والعقلي والنفسي ومايعيشه من ارتياح وسرور أو مايعانيه من انفعالات وضغوط ، ولذا أنشأ العلماء علمين هما :
علم اللغة النفسي...
و علم النفس اللغوي..


٦-الوظيفة التفكيرية :
العلاقة بين اللغة والتفكير علاقة وثيقة... فالتفكير لايحصل بدون لغة واللغة لاتكون بلا تفكير....وهل اللغة سابقة للفكر أو العكس؟ قضية ناقشها اللغويون نشأ عنها :
علم اللسانيات الإدراكي


٧-الوظيفة التاريخية :
حفطت اللغات تأريخ الأمم وحضاراتها ، فالعربية القديمة لاتزال نقوشها الأولى قبل الميلاد شاهدة عليها..ولاتزال اللغة حافظة لتاريخ الأمة العربية ثم تاريخ الإسلام والمسلمين إلى عصرنا الحاضر وهي محفوظة بحفظ الله سبحانه لكتابه العزيز..


٨-الوظيفة الجمالية :
المتكلم يرسم بكلماته لوحةً فنيةً جماليةً ويوظف مهاراته اللغوية لكي يؤثر على المتلقي منذ العربي الأول الذي يعشق الجمال ويطرب لذكره ويتكلم السحر الحلال ويُدبِّج الكلمات البيانية والمحسنات البديعيّة في نثره وشعره ويتغنّى ببيان لغته وعذوبتها وسحرها الأخّاذ..


هذه بعض وظائف اللغة...
وقد أشار إليها ابن جنّي لمّا عرّف اللغة بقوله :
هي أصوات يُعبّر بها كل قوم عن أغراضهم.....
فأشار إلى حقيقة اللغة بقوله ( أصوات ) وإلى وظيفتها النفسية والتواصلية والمشاعرية بقوله (يُعبّر ) وإلى وظيفتها الاجتماعية بقوله( كل قوم) وإلى باقي وظائفها بقوله( أغراضهم ) والغرض كما في لسان العرب يأتي بمعنى [ الحاجة والبُغية ] وبمعنى [الهدف أو القصد ]
وإلى حلقة أخرى بإذن الله

الأحمر
17-06-2014, 07:57 PM
من دروس اللغة .الحلقة ٢٦


النظام اللغوي وبناء الجملة


اهتمّ اللغويون بدراسة النظام اللغوي العام والنظم القرآني على اختلاف منازعهم وتعدد مناهجهم...
والنظام اللغوي هو النسق والبناء اللفظي والتراكيب اللغوية للجمل والكلمات وتماسك لبنات اللغة واتساقها......
فالجملة العربية تتألف من كلمات والكلمة من حروف وأصوات فتماسكها يعني انتظامها وفق نسق دلالي ولفظي وصوتي يتطابق مع المعنى المراد.....
يقول عبدالرحمن بودرع :
(ولقد قامت نظرية فيرديناد دوسوسير في دراسته للغة على منهج لساني جديد مفاده النظر إلى اللغة باعتبارها نظاما في الدوال أو العلامات اللغوية في مقابل المدلولات...وتترابط هذه العلامات فيما بينها في نسيج من العلاقات المنظّمة لايتفرد فيها عنصر عن غيره من العناصر داخل هذا النظام ، فإذا خرج عنصر من هذا النسيج الجامع أو النظام ولم تكن له علاقة بباقي العناصر فَقَدَ قيمته)


وقد شبّه دوسوسير علاقة العنصر بباقي العناصر داخل النسيج اللغوي العام برقعة الشطرنج حيث تستمد كل قطعة قيمتها من موقعها الذي تحتله على رقعة الشطرنج.....
فالنظام اللغوي هو ربط الكلمات ببعضها بتآلف وانتظام وانسجام يُفهم منه المعنى المراد ببلاغة و وضوح كما قال يوسف الساريسي ( اللغة ليست مفردات متفرقة يجمع الشخص بينها كيفما شاء بدون ضوابط بل إن اللسان يعبّر عن المعاني الذهنية بطريقة محدّدة يتلقاها من صغره ممن حوله....)


والنظام اللغوي أساسه الجملة ، والجملة أساسها الكلمة ، يقول المبرد :
وأقل ماتكون عليه الكلمة حرف ، وعرّف الزمخشري الكلمة بقوله : اللفظ الدال على معنى مفرد بالوضع...
ويذهب الشريف الرضي بأنها لفظ وضع لمعنى مفرد....
ويعرّفها السيوطي بأنها قول مفرد مستقل.....


أما الجملة فهي كلمات تألّفت لتدل على ما في ذهن المتكلم وربما كانت كلمة ظاهرة وأخرى مقدّرة.....
جاء في معجم اللسانيات أن الجملة ( مجموعة من المكوّنات اللغوية مرتبة ترتيبا نحويا بحيث تكون وحدة كاملة في ذاتها وتعبر عن معنى مستقل....)
ويقول د.إبراهيم أنيس :
الجملة في أقصر صورها أقل قدر من الكلام يفيد السامع معنى مستقلا بنفسه سواء تركّب هذا القدر من كلمة أو أكثر.....)
وقيل : الجملة مصطلح يدل على وجود علاقة إسنادية بين اسمين أو اسم وفعل....
والإسناد هو نسبة إحدى الكلمتين إلى الأخرى....
وقيل : الجملة وسيلة لنقل ما في ذهن المتكلم من أفكار إلى ذهن السامع....
وقيل : هي الصورة الذهنية للفكرة.....
هذه هي الجملة عند المعاصرين ...أما العلماء السابقون الأولون ومنهم سيبويه فلم يُشر إلى مفهوم الجملة بل ذكر عناصرها حينما تحدث عن المسند والمسند إليه....وأول من أشار إلى مفهوم الجملة هو الإمام المبرد حينما قال : وإنما كان الفاعل رفعا لأنه هو والفعل جملة يحسن السكوت عليها وتجب (أي تحصل) بها الفائدة للمخاطَب ) وكان عبدالقاهر الجرجاني أبرز من طوّر بناء الجملة وتركيبها.........


وقد خاض من بعدهم : هل الكلام هو الجملة أم لا؟
فابن جنّي يقول عن الكلام :
كل لفظ مستقل بنفسه مفيد بمعناه....ومثله الزمخشري حيث ذكر أن الجملة هي الكلام فقال : الكلام هو المركّب من كلمتين أُسندت إحداهما إلى الأخرى وذلك لايأتي إلا في اسمين مثل قولك : زيد أخوك ، أو فعل و اسم كقولك ضُرب زيد وسُمّي جملة.....) وفرّق كثيرون بين الجملة والكلام كالشريف الرضي وابن هشام والسيوطي عليهم رحمة الله.........

الأحمر
14-10-2014, 10:32 PM
السلام عليكم
من دروس اللغة العربية...
الحلقة 27


[ المشترك اللفظي ]


المشترك أوالاشتراك اللفظي أحد الخصائص اللغوية ، ونوع من ضروب الإعجاز في العربية.....
وهو : أن يشترك في اللفظة الواحدة معان متعددة (بخلاف الترادف ).....
وقد عرّف المبرّد المشترك اللفظي بقوله( هو ما اتفق لفظه واختلف معناه ) وعرّفه ابن فارس بقوله : أن تكون اللفظة محتملة لمعنيين فأكثر... ) فهو اتحاد في اللفظ وتعدد في المعنى....
وقد أشار إليه كثير من علماء اللغة كالخليل والأصمعي وسيبويه وابن فارس والثعالبي والمبرد وابن جنّي والسيوطي وغيرهم.....
ولنشوء المشترك اللفظي عدة أسباب منها :
اتساع العربية باختلاف لهجات العرب ، والتطور اللغوي كالتطور الصوتي والدلالي للألفاظ ، وانتقال بعض الألفاظ من معناها الأصلي إلى معان مجازية...
والسياق غالبا هو الذي يبين المعنى المراد عند الاشتراك.....
فكلمة ( خال ) تطلق على أخي الأم ، وعلى الشامة في الوجه ، وعلى السحاب ، وعلى البعير الضخم.....
وكلمة [ إنسان ] هو الواحد من البشر ، وحد السيف وحد السهم ، وإنسان العين
وكلمة [ الحوبة ] بضم الحاء وفتحها تطلق على البنت والأخت وفي الحديث
(اتقوا الله في الحوبات )...
والحوبة : الحاجة وفي الحديث : إليك أرفع حوبتي والحوبة : الرجل الضعيف وكذا الهمُّ والحزن......
والحوب : النفْس وكذا الإثم وتحوّب الرجل أي خشي الإثم..وفي القرآن : إنه كان حوبا كبيرا أي إثما....
ولفظة [ عين ] تطلق على عين الإنسان وعين الماء والجاسوس ، وعين الشيء : ذاته......


ولفظة [ الغُروب ] تطلق على غروب الشمس وعلى الدِّلاء الكبيرة.. ومفردها غَرب أي دلو.....
وقد جاءت اللفظة بعدة معان في قول الشاعر :
ياويح قلبي من دواعي الهوى إذ رحل الجيران عند الغروب
أتبعتهم طرفي وقدأزمعوا
ودمع عينيّ كفيض الغروب


بانوا وفيهم طفلة حرّة
تفترّ عن مثل أقاحي الغروب
فالغروب في البيت الأول : غروب الشمس ، وفي الثاني جمع غَرب وهو الدلو... وفي الثالث : الوهاد المنخفضة


ولفظة[ الصريم ] تطلق على الرماد الأسود وعلى النهار وعلى الليل المظلم كما في قوله تعالى : فأصبحت كالصريم....


وقد جاءت لفظة [ الأمر ] في القرآن الكريم على عدة معان منها :
قوله تعالى : حتى جاء الحق وظهر أمر الله. أي دينه...
وقوله : فتنازعوا أمرهم بينهم..أي قولهم وشأنهم
وقوله : لقضي الأمر بيني وبينهم.. أي العذاب...
وقوله : أتى أمر الله فلاتستعجلوه.. أي القيامة
وقوله : ومن يدبر الأمر..
أي القضاء...
وقوله : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض..أي الوحي


وقد جاءت لفظة [ الهدى ] في القرآن على عدة معان أيضا :
جاءت بمعنى الدلالة والثبات ( اهدنا الصراط المستقيم )
وبمعنى الدين( إن هدى الله هو الهدى )
وبمعنى الإيمان( ويزيد الذين اهتدوا هدى )
وبمعنى القرآن( ولقد جاءهم من ربهم الهدى )
وبمعنى التوبة( إنا هُدنا إليك )
وبمعنى المعرفة ( وبالنجم هم يهتدون )
وبمعنى الإصلاح ( والله لايهدي كيد الخائنين )


وغير هذه الكلمات في القرآن الكريم والحديث النبوي وكلام العرب شعرهم ونثرهم وردت ألفاظ كثيرة اتحدت في اللفظ وتعدد معناها ويتضح لنا المعنى المراد منها حسب دلالة الجملة وسياقها.....انتهى

الأحمر
22-10-2014, 11:43 AM
السلام عليكم

من دروس اللغة العربية...
الحلقة 28


علم الأصوات اللغوي


هو علم يدرس الأصوات البشرية دراسة لغوية من حيث مخارج حروفها وكيفية صدورها وصفاتها وأداؤها الصوتي...ذلك أن الصوت البشري له ثلاثة جوانب :
أولها : إصدار الصوت وهو عملية النطق...
وثانيها : انتقال الصوت عبر [الموجات والذبذبات ] الصوتية الواقعة بين المتكلم وأذن السامع....
وثالثها : استقبال الصوت عن طريق الأذن ثم المخ لتتم عمليتا السمع والإدراك
وكان العرب في العصر الجاهلي ومابعده يميّزون بين صوت وآخر فيختارون من المترادفات [ اللفظة ] التي تناسب الحال والمقام صوتا وجرسا ودلالة وتأثيرا على المتلقّي......


ولقد اهتم علماء اللغة الأوائل بعلم الأصوات لأهميته في اللغة ولصلته الوثيقة بكتاب الله العزيز فهذا أبو الأسود الدؤلي يضبط القرآن بالنقط عن طريق النطق... ثم غرس نواة هذا العلم الخليل بن أحمد الذي صنّف معجما بوّبه وبدأه بحرف العين لأنها أول المخارج الحلقية الصوتية....ثم سار على نهجه تلميذه سيبويه ثم الفرّاء إلى أن جاء اللغوي ابن جنّي الذي اتصفت دراسته الصوتية بالدقة وقوة الملاحظة في كتابيه الخصائص وسر صناعة الإعراب.. وهو الذي عرّف اللغة بقوله :
اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم....
(وابن جنّي أول من عرض لجهاز النطق فشبّهه بالناي وبوتر العود ليقدم صورة عن العملية الطبيعية لانتاج الكلام وليوضح تقسيم الأصوات حسب المخارج إلى أصوات صامتة وأخرى متحركة....)


ولقد كان للقرّاء وعلم القراءات دور كبير في تطوير علم الأصوات والأداء ومخارج الحروف......
أما لغويو هذا العصر فمنهم فريق تأثر بما كتبه علماء العربية السابقون ووقف عنده....ومنهم من تأثر بما قدّمه علماء الغرب ولم ينتفع بتراث العرب الصوتي
ومنهم فريق ثالث جمع بين الأمرين فانطلق من العلماء والجهود التي توصّل إليها أسلافه وأفاد من مناهج الغربيين ونظرياتهم الصوتية الحديثة....
وقد أدّت هذه الدراسات إلى تفرّع علم الأصوات وتشعبه لدى العرب والغرب إلى عدة علوم منها :
علم الأصوات : النطقي ، السمعي ، الفيزيائي ، المعياري ، التاريخي ، الوظيفي ، المقارن ، الآلي...
وفي لغتنا ترتبط الأصوات ببعضها ارتباطا وثيقا حيث تكوّن الألفاظ نظاما صوتيا متجانسا تنسجم أجزاؤه كلها فيما بينها.....
وللتغيّرات اللفظية والتركيبية أثر على الأصوات.....
فتصريف الكلمة والإبدال والإعلال والإدغام والإمالة والمدود والإشباع والتغيّر بالزيادة أو الحذف يؤدي إلى تغيرات صوتية كما أن العوامل النحوية كالإعراب وعلامات الرفع والنصب والجر تؤدي إلى تغيرات صوتية أيضا.....


وقد عرض د.علي عبدالواحد وافي في كتابه اللغة والمجتمع التغيرات الصوتية تحت عنوان :
التطوّر الصوتي.. ورأى أن تطوّر الأصوات يرجع إلى أمور ثلاثة :
1-التفاعل بين أصوات الكلمة الواحدة فإذا تجاور صوتان مختلفان في المخرج أو تقاربا انجذب أحيانا أحدهما إلى الآخر....
2-موقع الصوت من الكلمة سواء كان في أولها أو أوسطها أو آخرها يعرّضه لكثير من صنوف التطور....
3-تناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض ) انتهى


واللغة أي لغة تنمو وتتطور ويصيبها التغير تبعا لظروف المكان والزمان....
وقد رأى بعض علماء اللغة كابن فارس وغيره أن العربية الفصحى ثابتةٌ لاتتغير لارتباطها بالقرآن الكريم ، فما وافق قواعد اللغة كان فصيحا وماخالفها كان خاطئا ووافقه معاصرون رأوا أنه لافرق بين الفصحى في عصرنا وبين الفصحى في العصور القديمة الأولى.

الأحمر
17-12-2014, 09:31 PM
السلام عليكم

من دروس اللغة( الحلقة 29 )


عالمية اللغة العربية


العربية من أقدم اللغات السامية وأكثرها انتشاراً وتحدثا في العالم...وهي من أغنى اللغات وأثراها وأكثرها ألفاظاً ومرونة شهد بذلك علماء الشرق والغرب..


وقد أراد الله أن تكون لساناً لوحيه وكتابه فارتبطت بالدين الخاتم فانتشر الإسلام بها وانتشرت به وهو الدين الذي بعث الله به نبيه لتبليغه للناس كافة فالدين عالمي مما جعل لغته عالمية.........


وقد غزت العربية كثيراً من اللغات فاتسعت رقعتها فمسلمو الصين مثلا ومسلمو الهند وأندونيسيا وماليزيا والأمريكتين وروسيا ومسلمو أوربا وأفريقيا كلهم يقرؤون القرآن ويتعلمون الدين بالعربية......
يقول عبدالسلام غالب عن عالمية العربية وأثرها على اللغات الأخرى ( وأثّرت العربية تأثيراً مباشراً أوغير مباشر على كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي كالتركية والفارسية والأمازيغية والكردية والأردية والماليزية والأندونيسية والألبانية وبعض اللغات الأفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحلية وبعض اللغات وخاصة المتوسطية منها كالإسبانية والبرتغالية والمالطية والصقلية كما أنها تُدرّس بشكل رسمي أوغير رسمي في الدول الإسلامية والدول الأفريقية المحاذية للوطن العربي.....)
والعربية هي إحدى اللغات الرسمية الست في منظمة الأمم المتحدة ويُحتفل بها في يومهاالعالمي 18 من ديسمبر كل عام ( غداً) وهو اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية العالمية ولغات العمل في الأمم المتحدة........
بل إن بعض الباحثين جعل العربية أصل اللغات فقد كتب مصطفى محمود فقال :
كانت لي وقفة طويلة منذ زمن أمام أصل اللغات وأنا أتأمل اللفظة العربية ( كهف) فأجدها في الانجليزية والفرنسية والايطالية واللاتينية فأسأل وأنا أراها كلها واحدة : أي لغة أخذتها عن الأخرى وأيها الأصل ؟
ودار الزمان دورته ثم وقع في يدي كتاب عنوانه ( اللغة العربية أصل اللغات)
والكتاب بالانجليزية ومؤلفته/ تحية عبدالعزيز إسماعيل أستاذة متخصصة في علم اللغويات فازداد فضولي وشوقي فالتهمت الكتاب في ليلتين....فالكتاب في نظري ثورة( أكاديمية) وفتح جديد في علم اللغويات خرجت المؤلفة بنتيجة قاطعة هي : أن اللغة العربية كانت الأصل والمنبع وأن جميع اللغات قنوات وروافد....تقول المؤلفة فيً كتابها :
إن السبب الأول سعة اللغة العربية وغناها وضيق اللغات الأخرى وفقرها النسبي... فاللغة اللاتينية فيها700 جذر لغوي والساكسونية 2000 جذرلغوي بينما العربية بها ستة عشر ألف جذر لغوي....) أ-ه فاعتزازاً وفخراً بلغة عالمية لدين عالمي..........

الأحمر
30-12-2014, 07:24 PM
السلام عليكم

من دروس فقه اللغة . الحلقة ٣٠


( دلالات الألفاظ بين اللغة والشرع)


تختلف دلالات الألفاظ لغةً وشرعاً إذ المعنى اللغوي يتفق مع المعنى الشرعي الاصطلاحي جزئياً كما في لفظ ( الصلاة والزكاة والحج والربا....وغيرها)
كما تختلف دلالات الألفاظ حسب المنطوق والمفهوم ،والعام والخاص والمطلق والمقيد.....
وقد يستعمل اللفظ في معناه الأصلي الذي وضع له في اللغة كلفظة الأسد تطلق على الحيوان المعروف وقد يستعمل في غير معناه الأصلي كأن تقول للرجل الشجاع : أسد .....
وربما حددت العادة أو العرف دلالة اللفظ المراد - كماسيأتي - والعادة محكّمة عند الأصوليين كما أن الألفاظ عندهم إما أن تدل على الوضوح فيطلقون عليها ( الظاهر والنص والمفسّر والمحكم ) أو على غير الوضوح فيطلقون عليها ( الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه )


وقد عُني علماءاللغة والشريعة بدلالات الألفاظ ومعانيها أيما عناية لإدراكهم أن اللغة وعاء الشرع ولسانه وأن الألفاظ لاتُقصد لذاتها وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد ( الشارع ) ودلالته على الأحكام الشرعية أي على مراد المتكلم فينزّل الكلام على المقصود منه......
فلفظة السائل في قول الله( وأما السائل فلاتنهر) غير السائل في قولك : الدواء سائل ..فاللفظة واحدة والمعنى مختلف
ولفظة ( وراء) تأتي بمعنى أمام وبمعنى خلف حسب سياقها.......
وقول الله ( نسوا الله فنسيهم) أي تَرَكَهُم لأن النسيان صفة نقص يُنزّه الله عنها وهذه الآية من المتشابه فتُرد إلى المحكم وهو قول الله سبحانه ( وماكان ربك نسيا)
والألفاظ كما يقول ابن القيم في إعلام الموقّعين : لم تُقصد لذواتها وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم فإرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ فإنه المقصود واللفظ وسيلة .......
ويقول الشاطبي في الموافقات : ولما كان المعنى هو الغاية والهدف واللفظ لايعدو أن يكون خادما له كانت العناية به أعظم ....
ويقول ابن جنّي : إن العرب كما تُعنى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدراً في نفوسها فكان من عُرفهم الاعتناء بفهم المعاني المبثوثة في الخطاب باعتباره المقصود الأعظم من الكلام وأن الكلام إنما يُصحح ويُعتنى به ليدل على المعنى وليفهم عنه القصد....


وعن تأثير العادة على الألفاظ يقول الغزالي في المستصفى ( وعلى الجملة فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم....)
ويقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ( مع أن التحقيق في هذا أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصي وكل عاقد يُحْمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها سواء وافقت العربية العرباء أوالعربية المولّدة أو العربية الملحونة أو كانت غير عربية وسواء وافقت لغة الشارع ( أي المشرّع) أو لم توافقها فإن المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الناطق لأن معرفة لغته وعُرفه وعادته تدل على معرفة مراده وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة أو الوقف والوصية أو النذر أو غير ذلك بكلامٍ رُجِع إلى معرفة مرادهم وإلى مايدل على مرادهم من عادتهم في الخطاب وما يقترن بذلك من الأسباب........)

الأحمر
08-01-2015, 09:17 PM
من دروس اللغة . الحلقة ٣١


( المعنى بين دلالة اللفظ ودلالة السياق)


لقد اهتمّ علماء التفسير واللغة بدلالة السياق وأثرها في إيضاح المعنى وجعلوا مراعاة سياق الآيات من أسس التفسير ومن أعظم دلائل الإعجاز في القرآن الكريم ، قال الشاطبي رحمه الله ( فلامحيص للمتفهّم عن رد آخر الكلام على أوله وأوله على آخره وإذْ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلّف فإن فرّق النظر إلى أجزائه فلايتوصل به إلى مراده ولايصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض....)


فدلالة اللفظ في كل موضع بحسب سياقه في الكلام يقول العز بن عبدالسلام ( السياق مرشِدٌ إلى تبيين المجملات وترجيح المحتملات وتقرير الواضحات ....)
ويقول الشاطبي ( إن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل وهذا معلوم في علم المعاني والبيان ....)


والأمثلة على اعتبار السياق ودلالته على المعنى كثيرة منها قوله تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) أي الذليل الحقير وهذا مايقتضيه السياق .. وقوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاءفليكفر ...فليس المراد من الآية التخيير بل تدل على الزجر والتوبيخ دلّ على ذلك السياق وقول الله بعدها ( إنا أعتدنا للظالمين ناراً...)
ومن ذلك قول الله تعالى : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم...فالظلم هنا هو الشرك كما قال الإمام الشاطبي : إن سياق الكلام يدل على أن المراد بالظلم أنواع الشرك على الخصوصً فإن السورة من أولها إلى آخرها مقرِّرة لقواعد التوحيد وهادمة لقواعد الشرك....


وقد تأتي في بعض الآيات ضمائر متعددة وتحتمل في مرجعها أقوالاً متباينة كما في قول الله في سورة يوسف ( وقال للذي ظنّ أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطانُ ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين..)
فعود الضميرين في الكلمتين ( فأنساه) و(ربه ) مما اختُلف فيه ... فمن المفسرين من قال : إنهما يعودان إلى يوسف عليه السلام والمعنى : أنسى الشيطانُ يوسفٓ ذكر الله فلبث في السجن بضع سنين عقابا له على سؤال غير الله .......
ومن المفسرين من قال ( وهو الأرجح) بل يعودان إلى ساقي الملك ويكون المعنى : أنسى الشيطان الساقيَ ولذا لبث يوسفُ في السجن بضع سنين وهذا المعنى يؤيده السياق ويؤيده قول الله بعدها :( وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة ...) فيتبين أن الذي نسي ثم تذكّر بعد سنين هو الساقي....
جاء في ملتقى أهل الحديث :
فالاتفاق قائم على أن الضمير في قوله ( عند ربك ) يرجع إلى الساقي فكان المناسب بدلالة السياق أن يكون مابعده ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) عائداً على الساقي أيضاً حتى لاتتفرّق الضمائر إذ الأصل عند المحققين عدم تشتيت مرجع الضمائر وإلا أدّى ذلك كما قال الزمخشري إلى تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدّي .....) والله أعلم .

الأحمر
07-02-2015, 09:04 PM
من دروس اللغة. الحلقة ٣٢


( بلاغة المفردة القرآنية)


القرآن كتاب أُحكمت آياته ثم فُصّلت ، أنزله الله في غاية البلاغة والإعجاز وتحدّى به العرب فعجزوا عن مجاراته مع ما كانوا عليه من الفصاحة والبلاغة والبيان....وإنّ من يتأمل المفردة القرآنية ليجد دقة التعبير والدلالة على المعنى المراد مع ما فيها من جمال وإبداع ورونقٍ وبهاءٍ وظِلال وارف يشع منه نور رباني من نور الله (الله نور السموات والأرض)....وكل لفظةٍ جاءت في مكانها المناسب بل إن حروف الألفاظ أتت منسجمةً ومتناسقة ومتناغمة في إيقاعها ودلالتها وإحكامها حيث نزلت من حكيم خبير.....
وفهم المفردة القرآنية سبيل إلى الفهم العام للآيات كما قال الإمام الشاطبي ( إن ماكان فهمه وهو مركّب يتوقف على فهمه في حال الإفراد....) ولذا عُني العلماء بألفاظ القرآن كما قال الراغب الأصفهاني : فألفاظ القرآن هي لُبُّ كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحِكمهم وإليها مفزع حُذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم....) ويقول أيضاً : إن أول ما يُحتاج أن يُشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة.....)
وتتجلّى بلاغة المفردة القرآنية في عدة أحوالٍ منها :
الذّكر والحذف مثل (اسطاعوا- استطاعوا) وفي الإدغام والفك مثل( من يرتد - من يرتدد)و(من يشاق - من يُشاقق) وفي الإبدال مثل (يضّرّعون - يتضرعون)....
ولكل لفظة سياقها ومحلها الذي لايناسبها غيره وإن كان في ظاهرها التماثل والترادف مثل: [الأفئدة - القلوب- الألباب] و[الصراط- الطريق- السبيل]
و [ العدل - القسط] و[ المطر- الغيث] و[ انفجرت - انبجست] و[اللباس - الثياب]....
ومن اللغويين من لايرى الترادف كأبي هلال العسكري فيُفرّق بين (جاء وأتى) و(راح وذهب) و(قعد جلس ) و(نام ورقد )....
وقد تأتي لفظة في موضع ثم تأتي في موضعٍ بلفظٍ آخر مثل :
مكة وبكة...وبصطة وبسطة...
وربما تختلف قراءات اللفظة الواحدة إلا أن المتفق عليه أن القراءة الصحيحة لابد أن يجتمع بها [ صحة السند ومطابقة رسم المصحف العثماني وموافقة قواعد العربية]
وعلى المتدبر للقرآن أن يحاول الفهم الدقيق للمفردة ومرادفاتها ويمكن ذلك من خلال التدبُّر ومراجعة كتب التفسير والمعاجم العربية....فلفظتا (نجّى وأنجى ) الأولى: على التراخي والتمهُّل في التنجية( وإذْ نجّيناكم من آل فرعون) والثانية: على الفور والإسراع(فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون) إذ التنجية من البحر تحتاج إلى إسراع...وقوله(مشتبهاً وغير متشابه) فالاشتباه : الالتباس والإشكال..والتشابه هو التشاكل والتساوي...وقوله (حتى زرتم المقابر) دليل على البعث لأن الزائر ستنتهي زيارته ويعود يوماً ما.....وفي تشديد الثاء في قوله (اثّاقلتم إلى الأرض) من التثاقل وهو ركون مع دعة وخلود إلى الأرض وملازمة لها.......
ولعلنا في الحلقة القادمة بإذن الله نقف عند بعض المفردات القرآنية في سورة يوسف عليه السلام.....

الأحمر
18-02-2015, 10:29 PM
من دروس اللغة. الحلقة 33


من بلاغة المفردة القرآنية في سورة يوسف عليه السلام 1 / 2


نستكمل القول في هذه الحلقة عن بلاغة المفردة القرآنية ونقفُ عند سورة يوسف تلك القصة العظيمة التي جاءت أحداثُها متسلسلةً بتناسقٍ بديع ووردت ألفاظُها الأخّاذة كجواهر العِقد مؤتلفةً ومتلائمةً مع المعنى المقصود.....
ومن ألفاظ السورة ما هو جزْل يناسب المقام كقوله تعالى (غيابة الجب) وقوله(الآن حصحص الحق).
ومنها ماهو سلسٌ رقيقٌ ناعمٌ كالجناس في قوله : ياأسفى على يوسف....وقوله : لاتثريب عليكم اليوم.....
بُدِئت السورة بالثناء على القصة بقوله : أحسنَ القَصص...وفي الحسْن دعوة لتأمُّل القصة ومافيها من عبرٍ وعظاتٍ فكلُّ شِدّة فيها آلت إلى سعةٍ وكل ضيقٍ انتهى إلى فَرَج في حُسْن سبْكٍ وجمال عبارةٍ وبهاءِ أسلوب.....
وهذا من الاجتباء الذي خَاطَبَ الله به يوسف ( وكذلك يجتبيك ربُّك) لفظةٌ بالغة الدلالة أي يصطفيك ويختارك ويُخَلِّصك من كل كرْب ومحنة...فقد أُلقي في قعر بئرٍ فنجا..وبِيع بثمنٍ بخس فعزّ ولم يهُن..وراودته امرأة العزيز فاستعصم...ودخل السجن فخرج ملِكا ثم امتُحن بالرخاء والسلطان فثبت..وانتهى به الأمر أن سجد له أبواه وإخوته سجود تعظيمٍ لا سجود عبادة.....
وكان إخوته من قبلُ قالوا : (اطرحوه أرضاً) والطرح هو النبذ والرمي والإلقاء بإهانة ممايدل على قساوة قلوبهم و(أرضاً) نكرة أي مجهولة لايعرفها أحد....ولكنه انتصر بربه على المحن جميعِها حينما صبر وثبت واستعصم وفوّض أمره إلى الله تعالى....
وقوله (غيابة الجب) الغيابة مايغيب فيها الشيء...وعبّر بالجب دون البئر لهول الفعل ولما في جرْس الجيم مع الباء من وقْعٍ عميق على السمع.....
وقوله (يرتعْ ويلعبْ) الرتع للبشر هو اللهو والتنعم والأنس..ولم يكتفِ إخوة يوسف بل قالوا ويلعب ليُقْنِعوا أباهم بصحة ما يريدون....
وقوله ( فأكله الذئب) عبّر بالأكل ولم يعبّر بالافتراس لأن المقام يقتضي المداراة من إخوة يوسف لأبيهم والأكل أخف وأكثر أمناً من قولهم افترسه الذئب......
وقوله (بدمٍ كذبٍ) وصْف الدم بالكذب مبالغة جميلة كأن تقول للكذاب : أنت الكذب بعينه.....
وقوله ( وشروه بثمنٍ بخسٍ) أي باعوه [شرى أي باع. واشترى أي ابتاع ] وقيل : مترادفتان والسياق يحدد المعنى.....
قوله (وراودته ) المراودة هنا : لين في القول وملاطفة في الطلب يمازجها شيءٌ من الحيلة والخداع عبّر بها لقوة دلالاتها على المعنى
وقوله ( وغلّقت الأبواب) تشديد اللام هنا للمبالغة في إحكام غلق المرأة لأبواب بيتها .....
وقوله ( هَيت لك ) أي أقبل أو هلُم قُرئ بفتح الهاء وكسرها...قيل : هي لغة لأهل حوران وفدت إلى مكة فتكلموا بها...وفي لهجتنا الدارجة ننطق الهاء بين الفتح والكسر فنقول : هيت أي تعال...
وقوله ( قد شَغَفَها حباً ) التماس من النسوة لإعذار امرأة العزيز.. والمعنى : غشّى الحبُّ قلبها ووصل إلى سويدائه..وقيل : الشغف غلاف القلب..وقال الفرّاء : أي خرق شغاف قلبها.....
وقوله (وقطّعن أيديهن ) أي جَرَحْنَها لدهشتهنّ وحيرتهن..وعبّر بالقطع على أسلوب المجاز فليس المقصود : البتر وهو القطع الحقيقي كما في قوله : فاقطعوا أيديهما....قال ابن عاشور : وأريد بالقطع : الجرح..أطلق عليه القطع مجازاً للمبالغة في شِدّته...


والله أعلم...ونستكمل في الحلقة القادمة بإذن الله.....

الأحمر
22-02-2015, 05:58 PM
من دروس اللغة. الحلقة 34


(من بلاغة المفردة القرآنية في سورة يوسف 2 / 2 )
نتابع القولَ عن ألفاظ سورة يوسف عليه السلام التي تشع أياتُها نوراً وتتوهّج كلماتها وتنبض ألفاظها رقةً وعذوبة... وإن التعبير ليعجز عن قوة بيانها وعمقِ دلالتها.....
ونبدأ حلقتنا بتأمُّل قول الحق سبحانه على لسان امرأة العزيز (ولقد راودتُه عن نفسه فاسْتَعْصَم) إيجاز بليغ مع قوةٍ في اللفظ وقوةٍ في المعنى أي امتنع يوسف وأبى بعد أن طلب العِصْمة من ربه فوقاه ونزّهه وسدّده وهَداه للامتناع ومن يعتصم بالله فقد هُدِي إلى صراط مستقيم.......
وقوله (إني أَراني أعصرخمراً) مجاز مرسل حيث سمّى العنب خمراً باعتبار مايؤول إليه بعد عصره..
وقوله (أفتوني في رؤياي) الرؤيا هي مايراه المرء في نومه ووردت بقلةٍ في حال اليقظة...
والرؤية هي مايراه في حال يقظته (رؤية حسية بصرية أورؤية معنوية قلبية)...
وقوله ( أضغاث أحلام) أي أخلاط ذهنية ووسوسات منامية لاتُعبر..
وأصل الأضغاث : أخلاط النبات فاستُعيرت للأحلام الكاذبة....
وقوله ( الآن حَصْحَصَ الحق) في تكرار الحاء والصاد قوةٌ وجزالة أي انبلج الحق وانكشف.قال أبوالسعود أي ثبت واستقر وقال الخليل : أي تبيّن وظهربعد خفاء وفي المصباح المنير أي وضح واستبان.....
وقوله( فلما استيأسوا منه خَلَصُوا نجياً) تلك الآية في غاية البلاغة والإيجاز وأصلها يئسوا وفي زيادة السين والتاء مبالغة.وخَلَصُوا : أي انفردوا واعتزلوا الناس يتشاورون .ونجياً أي يناجي بعضهم بعضاً....
وقوله ( إن ابنك سرق) عندما كان لإخوة يوسف منفعةٌ قالوا : أخانا وعندما انتهت قالوا : ابنك .انتهت المصلحة فتغيرتْ لغةُ الخطاب....
وقوله ( واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها..) مجاز مرسل من أدلِّ المجازات وعلاقته المحلية إذْ عبّر بالقرية والمراد أهلها..وعبّر بالعير أي القافلة والمراد أصحابها.....
وقوله (فهوكظيم) أي كَتُومٌ لحُزْنه وقيل : أي ممتلىءٌ غيضاً على أولاده.وكظيم أي مكظوم(فعيل بمعنى مفعول)......
وقوله( حتى تكون حَرَضاً) لفظة ذات إيحاء ودلالة أي مريضاً دَنِفاً مشرفاً على الهلاك . وأصل الحرض : الفساد في الجسم أوالعقل من حُزنٍ أوهمّ أوهرمٍ أومرض......
وقوله ( إنما أشكو بثّي وحزني..) بَثّي أي هَمّي . وهو ماتراكب من الهمّ واجتمع . قال الزمخشري: البَثُّ : هو أصعب الهمّ الذي لايصبر عليه صاحبه فيبثُّه للناس......
وقوله ( اذهبوا فتحسّسُوا ) لفظة موحية بليغة أي ابحثوا عن يوسف برفق وتؤدةٍ واستقصوا خَبَره وقُصُّوا أثره ......
وقوله ( ولاتيأسُوا ) توجيه لأبنائه في غاية البلاغةوالبيان يؤخذ منها : إذا توالت عليك الشدائد والصعاب فلايُثبّتك إلا حسنُ ظنك بالله ورجاؤه والرضا بقضائه والأملُ فيه......
وقوله ( وجئنا ببضاعة مزجاة) أي رديئة قليلة.والتزجية هي الدفع ..يزجيها التجار أي يتدافعونها رغبةً عنها واحتقاراً لها ......
وقوله ( لاتثريبَ عليكم اليوم) لفظة جامعة لمعاني العفو والمسامحة أي لاتأنيب عليكم ولالوم ولاعَتَبَ ....
وقوله ( لولا أن تُفنّدون ) التفنيد : تكذيب مع تسفيه..وقيل : تضعيف الرأي مع اللوم وقيل : هو الخَرَفُ وتخليط العقل من الهرم...
وقوله ( وظنُّوا أنّهم قد كُذِبوا) أي أيقنوا ..والظن يأتي بمعنى الشك وبمعنى اليقين ومنه قوله تعالى ( الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ) أي يوقنون...والله أعلم.

الأحمر
21-03-2015, 10:05 AM
من دروس اللغة.الحلقة 35


[ البلاغة في المجاز اللغوي ]


المجاز أسلوبٌ من أساليب العربية وضربٌ من ضروب البلاغة وفنٌ من فنون البيان...استعملته العرب وتبارتْ بتنوّع فنونه وشغفت بجماله...ذلك أن المجاز عامل كبير في توسُّع ألفاظ اللغة ومعانيها إذْ يُعين المتحدث على إيراد المعنى بصورٍ متعددة ويساعده على التّفنُّن في القول والتعبير......
وقد قسّم البلغاءُ الكلام إلى حقيقة ومجاز..فالحقيقة هي : الكلمة المستعملة في معناها الأصلي كقولك : ابتسم الولد...وأما المجاز فهو : الكلمة المستعملة في غير معناها الأصلي كقولك: ابتسم الوردُ إذ الورد لايبتسم على الحقيقة...
وقد اشترطوا أن توجد قرينةٌ مانعةٌ من إرادة المعنى الأصلي وأن توجد علاقةٌ بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي..فإن كانت العلاقة (المشابهة) سُمّي المجاز اللغوي (استعارةً) وإن كانت (غير المشابهة) سُمّي المجاز (مجازاً مرسلا)..
ومن أمثلة المجاز اللغوي :
- تقول العرب(صدر الجواد وصدر النهار) فالأول حقيقة والثاني مجاز إذ لاصدر للنهار على الحقيقة
- وتقول :( كبد الإنسان وكبد السماء) فالأول حقيقة والثاني مجاز إذ لاكبد حقيقية للسماء..
- وتقول : (رأس الرجل ورأس الفتنة) فالأول حقيقة والثاني مجاز إذ لا رأس للفتنة حقيقةً.
- وتقول : (رعت الماشية الغيث) أي العشب..والغيث سبب في حصوله
- وتقول :( رأيت أسداً يرمي أو أسداً يخطب ) أي رجلاً شجاعاً ولايمكن أن تجعله أسداً في الحقيقة
ومن أمثلة المجاز اللغوي في الشعر قول جرير :
أعدّ الله للشعراء منّي
صواعقَ يُخضعون لها الرقابا
فجرير يتوعد الشعراء بقصائد هجائية مخيفة ومفزعة كصواعق السماء والقرينة هنا لفظية هي قوله (منّي)..
ويقول ابن زيدون :
ألم ترَ أن الشمس قد ضمّها قبرُ
وأنْ قد كفانا فقدَها القمرُ البدر
استعار الشاعر الشمس للرجل الفقيد بجامع الرفعة والبهاء..
واستعار القمر لابن الفقيد بجامع الرفعة والجمال...
وتقول ليلى الأخيلية :
إذا هبط الحجّاج أرضا مريضةً
تتبّع أقصى دائها فشفاها
هل الأرض تمرض وتشفى ؟
استعارت الشاعرةُ المرضَ للفتنة والشفاء لوأد الفتنة والقضاء عليها وزوال المكروه....
ويقول البحتري :
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
من الحسن حتى كاد أن يتكلّما
وهل الربيع يختال أويضحك أويتكلم...؟
ولكن الشاعر شبّه الربيع برجلٍ ثم حذف المشبّه به ورمز إليه بشيءٍ من لوازمه وهو الاختيال والضحك والكلام .....
ويقول معنُ بن أوس :
أُعلّمه الرماية كلَّ يوم
فلما اشتدّ ساعده رماني
يتمثّل بهذا البيت مَنْ علّم إنساناً ودرّبه على أمور يكتسبها ويستفيد منها فلما أتقن وأجاد نال المعلَّمُ من المعلِّمِ ....وقد جرى هذا البيت مجرى المثل حيث استعمل الشاعر اللفظين(الرماية و رماني) في غير معناهما الأصلي لعلاقة المشابهة على سبيل الاستعارة التمثيلية....
نكتفي بما أوردنا من أمثلة...
وستكون الحلقة القادمة بإذن الله عن ( المجاز عند ابن قتيبة رحمه الله تعالى )