المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : حديث الخط العربي الإسلامي



د.محمد الرحيلي
24-11-2002, 11:01 PM
يجتمع في الخط مفهوم الفن مع مفهوم الحرفة.. انه فرع من فن الرسم الذي لا يتجاوز مقاييس وشروط وقوانين هندسية, ابعاد وفواصل ومسافات.. وذلك لسبب تعدد أنواع الخطوط وطرائق رسمها..


وتجمع المصادر التاريخية على ان العرب القدماء هم أول من ابتدع الكتابة التصويرية و(الهيروغليفية المصرية) وهم أهل الحيرة والانبار ثم تلاهم الكنعانيون الذين ابدعوا الابجدية.


وتتشابك اصول الخطوط القديمة واللاحقة, عند المستشرقين, فالخط السرياني والخط النبطي تفرع عن الخط الآرامي وعن السرياني تفرع السطرنجلي ثم الكوفي.. وعن النبطي تفرع الخط الحميري والانباري ثم الحجازي والنسخي.. اما علماء العرب فيرون ان الخط المسندي اليمني هو خطان جنوبي وهو الحميري وشمالي وهو الصفوي والثمودي وعن الصفوي تولد النبطي وعنه تولد الخط الحميري فالانباري فالحجازي وعن الحجازي تولد الخط الكوفي, وهو اصل الخطوط العربية المعاصرة..


وأشاد ابن خلدون في مقدمته بجودة خطوط التبابعة المعروفة بالخط الحميري..


اما مروج الذهب فيرد اساس الخط إلى الطائف اذ يعتبرهم اول من كتب العربية ووضع حروف المعجم.. والملاحظة المهمة ان رسائل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كتبت بخط واضح ومقروء وقريب من الخط الكوفي جداً..


ومنذ ذاك الوقت شهد الخط العربي تطوراً كبيراً واسهامات فريدة في العصرين الاموي والعباسي, فمن وضع النقاط فوق الحروف هو ابو الاسود الدؤلي وهو اموي, ومن وضع الرموز هو الخليل بن احمد الفراهيدي وهو عباسي.. وبقي الخط الكوفي مقتصراً على كتابة المصاحف وانقسم إلى خط مشرقي وخط مغربي.. وظهر في بلاد المشرق خط الرقاع (الرقعي) ثم النسخ.. وعني العثمانيون بتحسين الخطوط العربية وتجويدها ثم الفارسيون حيث ابدعوا الخط الفارسي.


ان الخط العربي عمل ابداعي فريد ينطوي على مقاييس وقيم جمالية ثابتة تعتبر النقطة وحدة القياس فيه. ولقد استعمل الخط العربي في الفنون العربية عامة فدخل مجالات الزخرفة على القماش والنحاس والخشب والزجاج وفي العمارة وفي الكتب والمطبوعات واللوحات الفنية.. وعني بالخط الكوفي في العمارة لتناسبه مع الاشكال الهندسية, ودخل على السيراميك والنحت..


لقد امتلك الخط العربي دلالات عديدة حسابية ونقشية واعتقادية وابعاداً ثقافية وفنية جمالية ويعتبر الخط رياضة روحية يمارسها الخطاط فينقطع عن عالم المادة نحو عالم الروح والتسامي, وهذا يمنح الدقة في الخط بحيث ان حرفاً في خط الثلث مثلاً عندما يتكرر في الكلمة أو الجملة تستطيع ان تقيسه بأجزاء المليمتر.


ان الفنان العربي قد فعل ذلك بالسليقة واحساسه العفوي المباشر وتقنيته الفذة.. فتحول الخط العربي إلى ميزة قومية عالمية الابعاد, انسانية الشأن.. وان كان الفلاسفة يرون ان الفن ليس تمثيلاً لشيء جميل, بل تمثيل جميل لشيء من الاشياء.. فان هذا ينطبق على الخط العربي الذي لم يتوقف استخدام حروفه على العرب فقط بل غيرهم الذين اخذوه للغاتهم كالفارسية مثلا والتركية حتى مطلع القرن العشرين عندما الغاه كمال اتاتورك (1924).. وهناك من اخذه كشكل جمالي كما في الفاتيكان وعدد من الدول الاجنبية التي وظفته في التزين والزخرفة.


قلنا ان الخط العربي هو احد أهم عوامل الوحدة ونقول الان انه سفير القومية العربية وكذلك الشخصية والوجود والثقافة العربية إلى العالم.. لذا يجدر بنا ان نتعامل معه باحترام وتقدير والعمل على التجويد والتحسين والتطوير فيه.. والحفاظ عليه.. رغم كل محاولات التغريب.


أنواع وخطوط


الخط الكوفي: وقد اخذ اسمه من مدينة الكوفة في العراق وهو خط عربي اسلامي ذو طابع هندسي.. ظهر بداية دونما تنقيط أو تشكيل ثم اضيفت اليه, في العهد الاموي والعباسي كما ذكرنا, وتطور الخط الكوفي بشكل كبير واصبح هناك الخط الكوفي المربع الهندسي والمورق المزخرف والمجدل والمترابط والمعقد. ويتميز الخط الكوفي بالطبيعة الساكنة للحروف المكتوبة باحرف متصلة ويتنوع بين الكوفي القائم الزوايا والمركب والمتشابك الذي يأخذ شكل زينة الازهار وهو الذي اصبح مفضلاً في الفن المغربي في مجال الموتيفات. ولقد احتفظت الكتابات المغربية من اسبانيا وحتى الساحل العربي الافريقي بتركيبات قديمة نسبياً للخط الكوفي والنسخي حيث كل من الافقي والرأسي مؤكد ومصحوب بمنحنيات كبيرة تفتح عند القمة.


الخط النسخي: وهو أكثر الخطوط انتشاراً من المشرق حتى المغرب اذ استخدم وطور في لغات اخرى كالفارسية والتركية, وعني به الخطاطون الاتراك والفرس, وبلغ ذروة الروعة في الاداء الفني. ويتميز الخط النسخي بأشكاله المتغيرة السيولة..


الخط الفارسي: أبدع الفارسيون عن الخط العربي وجودوا فيه وطوروه.. وهو من اشهر الخطوط واجملها ومن الخطوط الاخرى خط الثلث, الديواني, الجلي, الرقعي, وهذه الخطوط الأخيرة ابتدعها الاتراك واجادوا فيها ولم تزل آثارها عنهم منتشرة في كل مكان واستخدمت هذه الخطوط في الكتابة والمراسلات خصوصاً الرقعي الذي يستخدم في الرسائل الرسمية.


الخط التحريري: وهو الخط العملي المبسط المتداول في الحياة الاجتماعية العامة والذي يكتب به عامة الناس. ويمكن تفسير أسباب تركيز استخدام الخط والكتابة في طرز البناء وفن العمارة وزخرفتها بسبب تحريم تصوير وتجسيد المخلوقات من انسان وحيوان في الرسم والنحت الإسلاميين.. لقد ذهب الفنان المسلم نحو الاغراق في استخدام الخط العربي وتفنن في تصويره وتطويره.. فأجاد وابدع وحقق روائع فنية متميزة.


من أروع العناصر الفنية وأكثرها قدماً واصالة, هي الكتابة التي نفذت بالفسيفساء أو البرونز, وتعتبر الكتابة الفسيفسائية التي تحتل الجزء العلوي من المثمن الداخلي لمبنى قبة الصخرة من اقدم ما لدينا من خطوط عربية فنية. فلقد تطور الخط العربي في بداية الاسلام بسرعة وظهر من الخطاطين اناس ابتكروا انماطاً من الخط الجميل نذكر منهم (قطبة المحرر) الذي هو اول من كتب الخطوط الموزونة واستعمل الاقلام الأربعة ومن أهمها قلم الجليل (الكوفي فيما بعد).. وكان الخليفة الاموي الوليد بن عبدالملك من اكبر مشجعي الخط الجميل.. وكان والده عبدالملك اول من عرب الدواوين.


يبلغ طول اشرطة الكتابة الاموية في قبة الصخرة 240م, وقد تم تنفيذها بالفصوص المذهبة على خلفية زرقاء.. وتتضمن هذه الكتابات آيات قرآنية تؤكد تكريم الاسلام للانبياء وخصوصاً السيد المسيح.


وفي اسلوب الخط نفسه, ثمة كتابات مطروقة على اللوح النحاسي وتتضمن تاريخ انشاء الجامع في عهد عبدالملك وهناك كتابتان في قبة الصخرة تقعان فوق الباب الشرقي والباب الشمالي نفذتا على النحاس وتعودان الى عهد عبدالملك وقد كتبت بالخط الجليل نفسه.


وقد حدثت تعديلات في هذه الكتابات في العهد العباسي ايام المأمون. عموماً نجد الخط الاموي يمتلك تأثيرات نبطية واضحة في املاء الكتابة.. مثل كتابة التاء المربوطة مبسوطة وحذف الالف.. وغير ذلك فنجد كلمة (سلطانك) مكتوبة على نحو (سلطنك) وكلمة (رحمة) مكتوبة على نحو (رحمت).. وهكذا.


ويتميز الخط الاموي بأنه اقدم نموذج لقلم الجليل الشامي المأخوذة منالخط النبطي المتأخر.. وقلم الجليل هو ابو الاقلام والخطوط التي جاءت بعده اخذت عنه.


كذلك نجد ان الخط تكيف مادة تكوينه, وهي فصوص الفسيفساء, فترى الاحرف المستقيمة كالانف يابسة في حين تكون الاحرف المستديرة لينة تأخذ شكل القوس المشتق من الدائرة.. وهكذا يذكر بالخط المسند.. ولعل ذلك يرجع الى التأثير اليمني في ذلك.


والخطوط العربية تتسم بتنظيم الفواصل والمسافات والابعاد على النحو الذي يتلاءم مع حجم الكلمة ومساحتها.. واذا عدنا الى مبنى قبة الصخرة لوجدنا شريطاً كتابياً بالخط الثلث يتضمن الآيات الثماني الاولى من سورة الاسراء.. وتعلو النوافذ واللوحات, وفي اسفل رقبة القبة توجد كتابات وزخارف من القاشاني الذي امر السلطان سليم عام 950 هـ/1543م بتنفيذها وكذلك كسيت واجهات جدران المثمن بكتابات وزخارف عربية هندسية من القاشاني نفسه.


الفن السامي


لقد كانت الكتابة هي الفن السامي بين المسلمين, وان ما نقش على الحجر من كتابة او ما كتب بالحبر في المخطوطات او الذي طرق على الواح النحاس والمعدن يثبت مدى المجهود الذي بذله الفنان المسلم في هذا المجال.. وقد استخدم الفنان المسلم الكتابات بتوسيع في المنقوشات العربية, وعبر الخطين الكوفي والنسخي بشكل اكثر.


وفضلاً عن الدور الزخرفي الجمالي للخط كجزء من المعمار الاسلامي, فإ نقش الخطوط كان يستخدم لاغراض وغايات اخرى, ففي ناحية اولى نجد ان بعض الكتابات تصعب قراءتها وتوجد دائما على مستوى اعلى من نظر الواقف, وذلك اعتماداً على انها كتابات قرآنية مقدسة ومحفوظة لدى المسلمين فتصبح حينذاك كتابة رمزية.. كأنها تتجه للخالق اكثر مما تتجه للانسان وهو في حالة تعبد وتذلل.. وكأني بالكتابة العربية هنا تمارس دوراً رمزياً في التواصل مع الذات الخالقة.. والمفتاح في نظر المؤمن من اجل الولوج في عالم التأمل والتوحد مع الذات الالهية. ان المؤمن اذ يجلس في المسجد سيسترسل بالعبارة ملاحقا زخارف الخط وانحناءاته وتشابكاته ويوغل في صمت مهيب في المكان.. وتتردد في ذاكرته العبارات المحفوظة لديه والمنقوشة ببراعة على الجدران او الاعمدة او رقبة القبة.. فيكون في حالة تأملية خالصة.. انه الدور الاساسي والمهم للخط العربي في الامكنة الدينية.


وفي جانب ثان تمارس الكتابة دورها في الاضرحة وشواهد القبور خاصة اولئك العظام والمشهورين وذوي الحظوة والنفوذ, مما يعني ان الكتابة هنا تأخذ اهمية تاريخية, وعليها ان تظهر كذلك الرهبة في حضرة الضريح او القبر الذي يضم جثمان شخص مهم, وتتضمن هذه الكتابات دائما بعض الآيات القرآنية التي تعد بالجنة ورضى النفس وتستجلب الرحمة للراحل وكذلك تبين اسمه ومعاشه ومماته وحسبه ونسبه وافعاله.


تؤدي الخطوط هذا الدور هنا, متمازجة مع الجو النفسي الطاغي سواء في المقبرة او الضريح فتكون الخطوط متشابكة كتشابك الحياة بالموت وتشابك الانسان بهما, ويطغى اللون الاخضر دالا على جنة الخلد.


اما في المباني الدنيوية فنجد لوحات اخرى تحمل كتابات توثق ذكرى من امر ببناء هذا المكان وتاريخ البدء والانتهاء, وهي غالباً كتابات باردة لانها تحمل طابع التوثيق والتأكيد والاعتداد بهذا المنجر, بعيداً عن نكهة روحية من اي طراز. رغم ان بعض هذه الكتابات عمدت الى استخدام اقتباسات قرآنية سواء بالخط الكوفي او النسخي, وكان بعضها الاخر يتضمن ابيات الشعر ويضيف اسم الحاكم والتاريخ.. والمهندس احياناً وكذل المزخرف او الكاتب.


لقد لعب الخط العربي والكتابة العربية دوراً مهماً في فن العمارة الاسلامية في الناحية الجمالية التشكيلية ولكن دون ان ننسى حديث الخط الذي يقوله للتاريخ وللأجيال اللاحقة.


ان الخطوط تتحدث وتدلل عن طبيعة الانسان العربي والمسلم, فهي تقدم له النصوص والآيات القرآنية المقدسة, وتكرر على الدوام في المشهد البصري حضور المقدس الالهي فيحفظه عملياً كلما غمضت له عين.. وتثبت تاريخه وتاريخ من رحلوا وتركوا بصماتهم وافعالهم.


ان صوت الخط العربي صوت صادق ونظيف وجميل ومستمر واذا كان هناك من يرى ان الكتابة العربية صوتية خالصة, فاننا لابد ان نلاحظ طبيعة هذه الكتابة واسلوبها وفلسفتها ودلالاتها, فالكتابة العربية ذات الحركة الافقية والمستمرة من اليمين الى اليسار تعني الكثير, فهي بانتقالها من اليمين الى اليسار تتوافق مع الانتقال من منطقة الفعل نحو منطقة القلب.


انها تتقدم بمعنى اخر من الخاج نحو الداخل, وتنتقل من الحركة الى التأمل هي الحركة الرائعة في الانتقال من الوجود المادي نحو الوجود الروحي.


انها انتقال سابح من المفرد الى المجموع من القلة نحو الكثيرة.. في سيولة ساكنة مستمرة متصلة.. ابدية.. انه حديث الخط العربي والكتابة العربية الذي لن ينتهي.

(هذه المقالة للدكتور جمعة قاحة ، وهي من ثمرات البريد وأردت أن تعم الفائدة لجميع أعضاء منتدى الفصيح )