المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : لطيفة لغوية قرآنية:الفرق بين(الكُرْه)و(الكَرْه):



د.أحمد البحبح
09-05-2014, 11:08 PM
(الكُرْه)بضم الكاف،و(الكَرْه)بفتحها،مصدران للفعل(كَرِهَ)؛ وردا في القرآن الكريم بهاتينِ الصورتينِ، وقد حمل بعضهم اختلاف الحركة باختلاف اللهجات، غير أن المتأمل في سياق ورود هذينِ المصدرينِ يجد اختلافًا دلاليًّا تَبَعًا لاختلاف الحركة،فالكُرْه بالضم جاء دالاًّ على المشقة،وبالفتح(الكَرْه)دلَّ على الإكراه؛ أي على ما أُكرِه عليه الإنسانُ. ومن دلالة ضم الكاف قوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}(البقرة:216)؛ أي مشقةٌ لكم، وكذا قوله سبحانه:{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا}(الأحقاف:15)؛أي بمشقةٍ وعناءٍ، ومن دلالة فتح الكاف قوله جلَّ في علاه:{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ}(التوبة:53)؛ أي إن أنفقتم طائعين أو مُكْرَهين فلن يُتقبَّل منكم، ونحوه قوله عزَّ من قائل:{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}(آل عمران: 83)؛ أي طائعين ومُكْرَهين. وعلى معنى المشقة يقال: (لا تقوم إلا على كُرْهٍ)، وعلى معنى الإكراه يقال : (لا تقوم إلا كَرْهًا)، وهكذا لما كان (الكُرْه) دالاًّ على المعنى الأقوى ، وهو المشقة استُعمِل له الحركة الثقيلة (الضم) ، وحين أريد الإكراه استعمل له ما دون ذلك؛ وفي ذلك دلالةٌ على أن العرب تستعمل الحركة الثقيلة للمعنى الأقوى ، والحركة الخفيفة لما دون ذلك ، فثِقَلُ اللفظِ وخِفَّتُه موازنٌ للمعنى .

أشرف علاء
10-05-2014, 12:40 AM
بارك الله فيك.

عطوان عويضة
10-05-2014, 05:45 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاك الله خيرا د.أحمد.
ما تفضلت به هو رأي الفراء، ورأي الكسائي أنهما لغتان بمعنى:
قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد.وقال الفراء: الكَرْهُ بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة، فما أكره عليه فهو (كَرْه) بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو (كُره) بالضم.
..................................
والاستدلال بالآيات المذكورة لا يرجح رأي الفراء، وقد يرجح رأي الكسائي. لأن القراءات الصحيحة المتواترة تعاقبت الكلمتين في مواضع من هذه الآيات التي استدللت بها:

اختلفوا في فتح الكاف وضمها من قوله جلّ وعز كرها [النساء/ 19] وذلك في أربعة مواضع في النساء [19]، والتوبة [53]، والأحقاف في موضعين [15].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: كرها بفتح الكاف فيهنّ كلّهنّ.
وقرأ عاصم وابن عامر: كرها بالفتح في النساء والتوبة.
وقرأ في الأحقاف: كرها مضمومتين. وقرأ حمزة والكسائي: كرها بالضم فيهنّ كلّهنّ. وقال ابن ذكوان في حفظي: كرها: بفتح الكاف في سورة الأحقاف في الموضعين
قال أبو علي: الكره والكره: لغتان، كقولهم: الفقر والفقر، والضّعف، والضّعف، والدّفّ والدّفّ، والشّهد والشّهد. فمن قرأ الجميع بالضم فقد أصاب. وكذلك لو قرأ قارئ جميع ذلك بالفتح، وكذلك إن قرأ بعض ذلك بالفتح وبعضه بالضم، كل ذلك مستقيم. (الحجة - الفارسي)
.............................................

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.وَقِيلَ: الْفَتْحُ بِمَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ، وَالضَّمُّ اسْمُ الْمَصْدَرِ.
وَقِيلَ: الضَّمُّ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ، أَوْ إِذَا كَانَ مَصْدَرًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فُرِضَ الْقِتَالُ، إِكْرَاهٌ لَكُمْ فَيَكُونُ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْضِ، وَالْكَتْبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْقِتَالِ فَيَكُونُ الْكُرْهُ بِمَعْنَى الْمَكْرُوهِ. (التبيان- العكبري)
.......................................

و(كَرْهاً) بِضَمِّ الْكَافِ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ، الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: الْكَرْهُ (بِالْفَتْحِ) بِمَعْنَى الْإِكْرَاهِ، وَالْكُرْهُ (بِالضَّمِّ) الْمَشَقَّةُ. يُقَالُ: لِتَفْعَلْ ذَلِكَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، يَعْنِي طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا. (القرطبي)
..........................................

قرأ حمزة والكسائي وخلف {أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [19] بضم الكاف وكذلك في التوبة [آية 53] {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} وفي الأحقاف [آية 15] {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} بضم الكاف فيها. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب في الأحقاف {كُرْهًا} بضم الكف في الحرفين، وهاهنا. وفي التوبة بفتح الكاف. وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير بفتح الكاف فيها كلها (المبسوط - النيسابوري)
...............................

وَاخْتَلَفُوا فِي: كَرْهًا هُنَا وَالتَّوْبَةِ وَالْأَحْقَافِ فَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ بِضَمِّ الْكَافِ فِيهِنَّ وَافَقَهُمْ فِي الْأَحْقَافِ عَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ وَابْنُ ذَكْوَانَ (وَاخْتُلِفَ) فِيهِ عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى عَنْهُ الدَّاجُونِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِلَّا هِبَةَ اللَّهِ الْمُفَسِّرَ ضَمَّ الْكَافِ. وَرَوَى الْحُلْوَانِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ عَنْهُ وَالْمُفَسِّرُ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ فَتْحَهَا.
وَانْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ عَنِ الشَّرِيفِ أَبِي الْفَضْلِ عَنِ الْكَارَزِينِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْأَخْفَشِ بِفَتْحِهَا، وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِي مُفْرَدَةِ الشَّرِيفِ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ فِي الثَّلَاثَةِ. (النشر - ابن الجزري)
...........................
لم أرد من هذا الاستدراك رد التفريق بين اللفظين، وإنما أردت الاستدراك على الاستشهاد بقراءة من قراءات القرآن دون النظر إلى باقي القراءات الصحيحة المتواترة.
والله أعلم.

د.أحمد البحبح
16-05-2014, 08:09 PM
أشكرك أخي عطوان على ما قدَّمتَ من ملاحظات ، وأوضِّح الآتي:
أولاً: ما ذكرتُه أنا في نصي الرئيس كان القصدُ منه بيان دلالة الفرق بين لفظتي الكره بضم القاف وفتحها باختصار من غير تفصيل أو توثيق أو ذكرٍ لقراءات أو نسبة أقوال إلى أصحابها؛ لأن ذلك كلَّه يكون في معرض البحث العلمي ، والموقف هاهنا موقف إيصال المعلومة بأخصر السبل وأيسرها.
ثانيًا: سواء أَفرَّق الفراءُ بين ضم الكاف وفتحها دلاليًّا أم عدَّها الكسائي من اللهجات أم اتفقا معًا على اختلاف الدلالة-على وفق ما ذكره بعض المفسرين-؛ فإن بعض أصحاب معاني القرآن والمفسرين والمعجميين يذكرون الفرق الدلالي بين ضم الكاف وفتحها.
ثالثًا: كان المقصود من هذه اللطيفة اللغوية القرآنية بيان الفرق الدلالي بين ضم الكاف وفتحها في لفظة الكره على وفق من فرَّق بينهما من القرّاء أمثال عاصم بن أبي النجود الكوفي، وليس المقصود تتبع اللفظة في القراءات ؛ لأنه من المعلوم بالضرورة أن من قرأ بالضم في جميع المواضع كانت قراءتُه انعكاسًا للهجة من لهجات العرب، والعكس كذلك من قرأ بالفتح وافق لهجةً ما ؛ لأن تعدد القراءات -فيما هو راجح-أثرٌ لتعدد اللهجات، غير أن من قرأ في مواضع بضم الكاف وفي أخرى بفتحها مثل عاصم، اُستُشِفَّ منه تنوُّعٌ دلاليٌّ يبرز من خلاله أن ضم الكاف لدلالةٍ ما وفتحها لدلالة أخرى عند من استعمل اللفظين معًا من أصحاب اللهجات، وقس على ذلك في كثير من الألفاظ التي تنوعت حركة فائها في لهجة ما ، نحو : الرُّعْب والرَّعْب والضُّرّ والضَّرّ والضُّعْف والضَّعْف والسُّوْء والسَّوْء... وهلمَّ جرًّا.
رابعًا: استشهادي في الفرق بين الكُره والكَره دلاليًّا على قراءةٍ ما متواترةٍ والاقتصار عليها وإغفال غيرها ، كان موافقًا لسياق كلامي في إبراز دلالة اللفظينِ؛ إذ القصدُ إظهار الدلالة لا تتبع القراءات ، وهذا ليس بمعيب في موطن التركيز على مسألةٍ ما ، وليس بلازمٍ إيراد غيرها من القراءات ؛ لأن الموطنَ موطنُ إبراز دلالات لا ذكر قراءات، ثم إن ذكر القراءات في هذا الموطن قد يُضعِف إبراز دلالة اللفظينِ، فتعمَّدتُ الاقتصار على القراءة التي فرَّقت بين حركتي الفاء لإبراز الدلالة في هذه القراءة وما فيها من لطافةٍ لغويةٍ.

عطوان عويضة
16-05-2014, 08:58 PM
جزاك الله خيرا أخانا الكريم د. أحمد.
ما قصدته أخي الكريم بيان أن التفريق بين اللفظين ليس الرأي الوحيد، لئلا يظن ظان مثلا أن القراءات المتواترة فيها أخطاء لغوية أو أن إحداها أصح من الأخرى.
والله من وراء القصد.