المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : لمَ ابن مالك ؟!



أبو عبد الملك الرويس
04-06-2014, 12:49 PM
باسم الله . والحمد لله .



لا يخلو صفْو علمٍ ممّا يُكدّره ، ولا فضل رجل ممّن يغضّ منه ، وكلّ هذا إمّا مِن قلّة علم ، وإمّا مِن سوء فهمٍ ، ، وإمّا مِن سوء قصد ، وإمّا مِن عجلة ، إلا أنّ هذا أو ذاك سيجدُ في هذا الزمن مَن يتلقّفه فرحًا به ، مشيعًا إيّاه ؛ فلكلّ ساقطة لاقطة ، والنحو له أعداؤه ، والله يحكم بين عباده !

ومِن هذا ما رُمي به الإمام ابن مالك ( ت : 672هـ ) ـ رحمه الله ـ في هذا العصر بسهم التدليس ـ وكفى به ! ـ مِن قوس إثني عشريّ ، عاد رميه به أخرى معيد في جامعة مِن أهل السنة مدار حججه في زعمه مبنيّ على الذوق والحدس !


ولقد رأيتُ النظرَ في دواعي هذا الرمي أولى مِن الردّ عليه لما يأتي :

1-أنّ علماء الحديث والجرح والتعديل قد وثّقوا ابن مالك ـ رحمه الله ـ ، وهم مَن هم ؛ فلا عبرة لرأي مَن خالفهم .

2-أنّ مِن بدأه على ملّة في هدم أمانة ابن مالك ناقل أصحّ رواية لصحيح البخاريّ لها فيه منفعة .

3-أنّ هذه الدعوى كلّ ما جاء مِن صاحبها فيما كتبه بُني على أنّها عنده مسلمة ؛ فكلّ ما أورده يريد منه أن يُؤكّدها فحسب لا أن يُثبتها أو ينفيها . وهذا ليس بسبيل علم رصين ، بل هو كدعوى صاحب الشعر الجاهليّ ، فقد انطلق مِن حقيقة ـ وَفق زعمه ومقصده ـ إلى ما يسعى به إلى تأييدها وتأكيدها فحسب ، ولم ينطلق مِن فرضيّة إلى أدلّة ونتائج ترتقي بها إلى حقيقة علميّة ، فعكس الأمر فانتكس .

4-أنّ هذه الدعوى مبنيّة في أساسها على الذوق والحدس ، ومتى كانا أساسًا لعلم ، أو بيّنة لحكم ؟

5-أنّ هذه الدعوى ـ إيًا كان حالها ـ متّجهة كلّها إلى ما أورده ابن مالك مِن أبياتٍ استئناسًا أو تمثيلاً لا بناء وتقعيدًا .

6-أنّ أبياتًا ممّا رمى به هؤلاء ابنَ مالك بوضعها قد ثبت إيرادُها مِن غيره في كتب متقدّمة عليه ؛ كـكتاب : ( الكامل ) للمبرّد ( ت : 286هـ) ، وهو :

حيثما تستقم يقدّر لك ( الله ) نجاحًا في غابر الأزمان


والحكم إن انتقض ، أو تطرّق إليه الشك ؛ فقد انخرم ، ولا يأتزر عاقل فضلاً عن عالم بمنخرم !


وهذه أهمّ الأسباب في ترك الانشغال بما لا طائل تحته ، وأحسبه أهمّ سببٍ في إعراض أكثر علماء النحو عن الانشغال بالردّ على هذه الدعوى وأصحابها ؛ ولذا فسأعرض عنه للسعي إلى دواعي هذه الدعوى التي مِنها ما يأتي :

1-في التشكيك في أمانة ابن مالك بالتدليس إسقاط لروايته لصحيح البخاريّ ، وهي مِن أصحّ رواياته عند أهل هذا الفنّ ، وفي هذا هدم لصرح سنيّ بُنيت عليه أحكام ، واعتُقدت عقائد ، وعُقدت آمال ، ومضت عليه أجيال ؛ فمَن يكذب ـ وَفق فحوى هذه الدعوى ـ في أكثر مِن ستّ مئة بيتٍ يضعها بنفسه عامدًا في كتبه كيف يؤمن في نقله ، ولو نقل قراءة مِن قراءات القرآن .

2-سور صرح النحو ليس حصينًا ولا منيعًا ؛ فلذا قد يتسوّره في كلّ حين أقصر الناس قامة ، وأدناهم همّة ، وأضعفهم حجّة ؛ لأنّه بلا حرس أشدّاء يذودون عنه ، ولا لمساس حرمته يهيج الناس خاصّة وعامّة ، فلا هو كالفقه ، ولا حملته كالفقهاء ، فله ولهم مِن القدر والذود مِن الناس ما للفقه وحملته .

3-ابن مالك علم في رأسه نار ؛ فمَن حاول ارتقاءه فسيُرى وإن سقط وارتمى . وإنّي ، وأنا أكتب هذا الموضع ، لأدعو لهم بالعفو والعافية ؛ لضعف ابن آدم أمام شهواته نفسه ودواعي شهرته .

4-فيه مِن الناس مَن يُعنى بالمشهورين ؛ فيرى أنّ الحديث عنهم في أخلاقهم وخاصّة شأنهم أولى مِن الحديث عن علمهم وعملهم ، وليس كلّ أخلاقهم ، بل ما رأى فيه ندرةً أو شذوذًا ، أو خلاف ما يراه عامّة الناس ؛ فتجده يلهف بما لم يكلّف ، ويدخل أنفه فيما نهي عن شمّه ، ويقضي عمره في جمع ما لا ينفعه ولا يُنتفع منه غيرُه ؛ فما هو إلا غثاء يذهب جفاء إذ ليس نافعًا للناس فيمكث في الأرض .

ولا أعتقد أنّ دواعي هذه الدعوى تنحصر فيما ذُكر ، ولكن يكفي مِن القلادة ما أحاط بالعنق ، ومِن المقولة ما أبان الحقّ .
هذا . والله الجليل أعلم ، وهو الهادي إلى سواء السبيل .


كتبه : أبو عبد الملك الرويس .
الأربعاء : 6 / 8 / 1435هـ

محمود طلحة
06-06-2014, 03:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نشكر لكم هذه الملاحظات القيّمة، ونرجو أن نجد من الوقت كفايةً للردّ على هذه الدراسة التي شاعت وأخذت في الانتشار.