المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : تأملات بصوت مسموع



سليمان أبو ستة
08-07-2014, 06:22 AM
في قول ابن عبد ربه حول بناء الشعر العربي على الوزن المخترع، الخارج عن بحور شعر العرب، وهي العبارة التي اقتبستها عنوانا لمجموعة من أبيات أرجوزته العروضية التي أحققها حاليا.
قال ابن عبد ربه:
هذا الذي جربه المجرب * من كل ما قالت عليه العرب
فكل شيء لم تقل عليه * فإننا لم نلتفت إليه
يشير في البيت الأول إلى أن الخليل (الباحث المجرب) استعرض جميع البحور التي نظمت عليها العرب وعددها خمسة عشر بحرا، وأنه لم يعد المتدارك من جملة البحور المستعملة لأنه لم يجد عليه شعرا صحيحا، ولذلك أهمله، وتابعه ابن عبد ربه على ذلك فأهمله أيضا. ثم قال:
ولا نقول مثلما قد قالوا * لأنه من قولنا محال
فماذا قالوا ؟ (وهو لا شك يقصد العروضيين الذين جاءوا بعد الخليل) .. قالوا إنه يجوز استعمال المتدارك في شكله الخببي ، وتمثلوا على ذلك بابيات نسبوها إليه، ومنها قوله:
هذا عمرو يستعفي من * زيد عند القاضي الفاضل
وقوله:
سئلوا فأبوا ولقد بخلوا * فلبئس لعمرك ما فعلوا
إلا أنه يخالفهم في ذلك لأنه يرى في موافقتهم عليه ضربا من المحال أو المستحيل. (ذلك أنه بحكم معرفته العميقة بمنطق الخليل في عروضه حكم باستحالة تصوره أن يناقض الخليل نفسه في منهجه).
ثم قال:
وأنه لو جاز في الأبيات * خلافها لجاز في اللغات
قوله: (في الأبيات)، يعني به النظم الشعري. أما قوله (في اللغات) فلا شك أنه يعني به عموم ما يجري في النثر من قواعد تحكم مسلك المتكلم في نطقه. وهو يريد أن يعقد القياس بين ما يسلكه الشعراء في نظمهم، وما يقعده النحويون للناس في النثر.
ولكن إلام يشير الضمير في (خلافها) ؟ إلى الأبيات أم إلى القواعد ؟
وماذا عن قراءة بعض المحققين الكلمة ذاتها ولكن بتغيير الضمير (خلافه)؟ هل يتغير المعنى كثيرا؟ أود أن أستطلع آراءكم لمحاولة فهم هذا النص المحير فهما جيدا.
ثم نراه يقرر فجأة إشراك الخليل في تبعة هذا القول الذي لم يعتقد به على الإطلاق ، قال:
وقد أجاز ذلك الخليل * ولا اقول فيه ما يقول
أين وجد تلك الإجازة ؟ أفي كتاب للخليل كان بين يديه، (وهل استوثق منه أم جلبه أحد تجار المشرق وضحك به إذ باعه على أندلسي قد لا يكون أجاد العربية بعد) ، وباي شواهد على قوله استشهد ؟
أبأبيات نظمها ، أم بأبيات سمعها ؟ إن ابن عبد ربه هنا لا يصدقه ، ولا يقول فيه ما يقوله الخليل!
ذلك ..
لأنه ناقض في معناه * والسيف قد ينبو وفيه ماه
(وعلى فكرة .. ما المقصود بعبارة : فيه ماه ؟ وهل يحتمل أن تكون فيه ما هو فيه؟)
وما تفسير قوله:
أم جعل القول القديم أصله * ثم أجاز ذا وليس مثله
فما هو ذلك القول القديم ؟!!
إن لم أجد من أحد إجابة على ذلك، ولم يكن منهم من يعرف ، فأي تخبيص أخبصه في هذا التحقيق يمكن أن يضاف إلى ما سكت عنه الآخرون قبلي.

د.عمر خلوف
09-07-2014, 02:32 AM
بمثل هذا الفهم وهذه المحاكمة يصل المحقق الثبت إلى أقرب صور التأليف الذي يقوم بتحقيقه..
فليت كلّ المحققين (خبصوا خبصك) يا أبا إيهاب!
اسمح لي أن أتأمل معك الأبيات على عجالة بصوت مسموع كذلك، فأقول:
إن قوله: (.. المجَرِّبُ) يحتمل أن يكون إشارة إلى الخليل كما قلت، كما يحتمل أن يكون عنى به نفسَه، ذلك أنه نعَى بعد ذلك على الخليل إجازته خلاف هذا القول.
أما قوله: (ولا نقولُ مثلما قد قالوا)، فأرى أن روايته المطبوعة أقرب إلى الصواب: (ولا نقول غيرَ ما قد قالوا)، في إشارة إلى العرب، وليس إلى العروضيين، إذ ليس في أبياته ما يشير إلى انتقاده للعروضيين.
أما قوله: (خلافُها)، فإشارة للأبيات لا القواعد، لأن حديثَه عن قواعد اللغات جاء بعدها لا قبلها..
فإذا كانت الرواية (خلافُه) فإشارة إلى قوله: (ما قد قالوا)..

ويبقى الماه في السيف فهو الرقّة والحدّة والقَطْع فيه..
أما القول القديم فهو ما قالت عليه العرب
والله أعلم

ثناء صالح
09-07-2014, 12:31 PM
السلام عليكم
تبدو مهنة التحقيق ممتعة ما دامت تشبه حل اﻷلغاز هكذا .فهنيئا لك أستاذ سليمان ..!
قد لا أفيدكم برأيي المتواضع ولكنني يكفيني أجر المحاولة :
قال ابن عبد ربه:
هذا الذي جربه المجرب * من كل ما قالت عليه العرب
فكل شيء لم تقل عليه * فإننا لم نلتفت إليه

ولا نقول مثلما قد قالوا * لأنه من قولنا محال

وأنه لو جاز في الأبيات * خلافها لجاز في اللغات

وقد أجاز ذلك الخليل * ولا اقول فيه ما يقول

لأنه ناقض في معناه * والسيف قد ينبو وفيه ماه

ابن عبد ربه يعارض الخليل فيما قرأه منسوبا إليه من إجازة النظم على الخبب بوصفه شكلا للمتدارك .
فالمجرب هو ابن عبد ربه نفسه وأنا بهذا أؤيد وجهة نظر الدكتور عمر خلوف .وهذا أقوله مستدلة بقرينة استئناف واستدراك ابن عبد ربه في البيت الثاني لشرح ما أشار إليه في البيت اﻷول من أن المجرب جرب كل ما قالت عليه العرب .
ففي البيت الثاني استخدم الفعل نلتفت وفاعله المستتر ( نحن) فمن نحن؟ نحن هو ابن عبد ربه بصيغة الجمع التي تحسن من قيمة قوله أو مذهبه فيما يقول .
إذن ، فابن عبد ربه لا يلتفت إلى ما لم تقله العرب ..لا يلتفت التفاتا .وبالتالي فإن البيت الثالث أجدر بأن تستبدل فيه كلمة " غيرما " بكلمة" مثلما " كما ذكر الدكتور عمر . وذلك ﻷن "غير ما " تظهر حجة ابن عبد ربه في محالية مخالفته لما قد قالته العرب. فحجته الالتزام والتمسك بما قالته العرب وهو يقول ذلك على سبيل الاحتجاج لموقفه .
ثم إنه يستأنف حجته ﻹيضاح موقفه بأنه لا يجوز مخالفة العرب أو الاختلاف عليها فيما قالته وبالتالي فإنني أقرأ "خلافها " على أنها فاعل مرفوع .بمعنى" مخالفتها".أي: لو جاز مخالفة العرب في قواعد الشعر العروضية لجاز أيضا مخالفتها في قواعد النحو والصرف . فالضمير في خلافها يعود على" العرب " ولا يصح أن يأتي إلا مؤنثا ﻷن قال:"قالت العرب " تأمل قوله بهذا المعنى :
وأنه لو جاز في الأبيات * خلافها لجاز في اللغات
وأما الخليل فقد التفت إلى ما لم تقله العرب فأجاز الخبب فيما أشيع عنه أنه قد نظم عليه.
وقد أجاز ذلك الخليل * ولا اقول فيه ما يقول
لكن ابن عبد ربه يعترض على الخليل ولا يجاريه فيما أجازه لأن يرى الخليل قد ناقض ما قالته العرب .وهو في الوقت نفسه لا يغمطه حقه من التقدير حتى وإن خالفه القول فهو يراه سيفا ماضيا حادا في العروض وما هي إلا نبوة له ولكل سيف نبوة ..وقد ينبو السيف وفيه ماه.
لأنه ناقض في معناه * والسيف قد ينبو وفيه ماه
تحية

نوّار جمال الدين
10-07-2014, 02:28 PM
أستاذنا أبا إيهاب، أحب أن أعرض عليك ما فهمته من أبيات ابن عبد ربه، مع أنه لم يبق كثير مما يمكن أن يقال بعد ما تفضل به الأساتذة وتفضلت أنت به:
المجرب فهمته أنه الشاعر العربي، فيكون معنى البيت الأول : هذه هي الأوزان التي وردت عن العرب.
والضمير في القراءة (خلافه) يعود ألى هذا الشعر العربي الذي جرب الشعراء العرب أوزانه التي ذكرها ابن عبد ربه.
أما اللغات فهي لغات العرب، أي لهجاتهم الفصيحة، وفيها مميزات لكل لغة في الألفاظ واشتقاقاتها واستعمالاتها، كما يقال مثلا أن الكلمة الفلانية هي لغة في كذا، وهذه اللغات سماعية كلها كما هو معلوم.
والقول القديم هو-كما قال أستاذنا أبو عاصم- أيضاً الشعر العربي الذي جربه المجرب من شعراء العرب، فقد جعله الخليل أصل اشتقاق قواعد اللغة والعروض، ثم ناقض الخليل نفسه حين أجاز النظم على ما لم يرد عن العرب، ولا أراه يشير إلى المتدارك (الخبب) فقط، بل ربما كان يعتقد أن الخليل يجيز النظم على البحور المهملة عموماً والتي تضمنتها دوائر الخليل.
وفي الطبعة التي بين يدي أجد (ولا نقول غير ما قد قالوا) كما ذكر استاذنا ابو عاصم.
أما الماه فقد وجدت في المعجم الوسيط أنه الماء، وماه السيف بالذهب ونحوه: طلاه، وميَّه السيف: وضعه في الشمس حتى ذهب ماؤه، فهل يكون المعنى: والسيف قد ينبو وهو سيف ثمين جديد عليه طلاؤه الذهبي؟

خشان خشان
10-07-2014, 03:08 PM
أساتذتي الأفاضل
رسمت جدولا من أربعة أعمدة وضعت في كل عمود ما قاله كل منكم كي أستطيع المقارنة، ووجدت ما تفضلتم به جميعا وجيها.
وجدتني أعجب بشكل متميز بهذه الفقرة من قول أستاذي أبي إيهاب :

" ولا نقول مثلما قد قالوا * لأنه من قولنا محال
فماذا قالوا ؟ (وهو لا شك يقصد العروضيين الذين جاءوا بعد الخليل) .. قالوا إنه يجوز استعمال المتدارك في شكله الخببي ، وتمثلوا على ذلك بابيات نسبوها إليه، ومنها قوله:
هذا عمرو يستعفي من * زيد عند القاضي الفاضل"
إلا أنه يخالفهم في ذلك لأنه يرى في موافقتهم عليه ضربا من المحال أو المستحيل. (ذلك أنه بحكم معرفته العميقة بمنطق الخليل في عروضه حكم باستحالة تصوره أن يناقض الخليل نفسه في منهجه).

وقد صادف تدقيقي فيما تفضلتم به أثناء كتابتي موضوعا بعنوان منسوخ من عبارة أستاذي د. خلوف " العروض العربي ليس علما !"

العلم والمنهج صنوان. ولعل لما لدى أستاذي سليمان أبو ستة من منهجية تتجلى في كتابة ( نظرية في العروض العرب ) اثره في فهمه هذا.

وأنا أشاركه الرأي.

سليمان أبو ستة
13-07-2014, 08:34 AM
لقد أفادني كثيرا ، وزاد من ثقتي بأني سوف أمضي في هذا التحقيق على جادة الصواب، تلك المشاركات التي تدل على عقول راجحة ومنطق سليم. ويحضرني الآن مثل تحقيق العريان لكتاب العقد، فقد قرأت للأستاذ منصور مهران حديثا يشيد فيه بالطبعة الثانية من هذا الكتاب لأن العريان كلف فيها الشيخ محمد محمود شاكر اللغوي الكبير ، مراجعة تلك الطبعة فإذا بها تكتسب عمقا وغنى عظيمين. وهذا ما أملته في نظراتكم الصائبة لتكون عونا لي في هذا التحقيق الذي يبدو من اصعب المهام حتى قال بعضهم إن المرء خير له أن يؤلف عشرة كتب ولا يحقق كتابا مخطوطا واحدا، ومع ذلك فلا شك أن في هذا التحقيق متعة تشبه متعة حل الألغاز، كما تقول أختنا الباحثة ثناء صالح، وأكاد اقول تشبه متعة فك الالغام.
في تقديري أن استخدام ابن عبد ربه لعبارة (مثل ما) ثم استخدام بعض النساخ لعبارة (غير ما) يعد متساويا من حيث المعنى الذي يشير له البيت:
ولا نقول مثلما قد قالوا * فإنه من قولنا محال
وقد وجدت العبارة الأولى في ثلاث نسخ مخطوطة، والثانية في نسختين مطبوعتين.
والحديث هنا يتعلق بكل ما قالت عليه العرب، وهو أوزان الشعر، فكل وزن لم يقولوا عليه لم يلتفت إليه ابن عبد ربه. فهو لا يقول مثل ما قد قالوا (أو قال بعضهم) بإمكانية النظم على ذلك الوزن المخترع، لأنه محال. كما أنه لا يقول غير ما قد قالوا (مما روي عنهم) من الشعر المعروف. وهكذا نرى أن تغيير تلك العبارة قد قادنا إلى معنيين مختلفين، وفي رأيي أنهما يعتبران صحيحين . وقد لزمت الإشارة إلى الرواية الثانية كما أشار إليها محققوا طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ولكن من غير ما تعليق عليها من قبلهم.
ولم يكن ابن عبد ربه بدعا في إنكاره لبحر الخبب ، ذلك أننا لمسنا في تحقيقنا لكتاب العروض للزجاج أن هذه القضية كانت (مشتعلة) في المشرق، ولا بد أن أصداءها قد وصلت إلى ابن عبد ربه . قال الزجاج (ت 311 هـ):
"وليس يكاد يجيء وزن تقبّله الذي قد تمرّن في رواية الشعر إلا أن يكون ذلك الوزن من أوزان العرب التي نذكرها أو مما يقاربها؛ فلبَس عليه بالمقاربة.
ولو قال لنا قائل: ما ننكر أن يكون قوله:
إن الدنيا قد غرتنا * واستهوتنا واستغوتنا
لسنا ندري ما فرّطنا * فيها إلا لو قد متنا
شعرا، قيل له: ما تريد بقولك شعر ؟ إن كنت تريد أنه كأشعار العرب التي قد تتمادح بها وتتذامّ وتشبّب، وتوزن الوزن الذي قد أحطنا به، فما نعرف هذا في أوزانها. وإن كنت تريد أن تجعل في أوزانها ما ليس منها فأنت بمنزلة الذي [قال لنا] : "مررت بزيدٌ". وإن كنت تقول إن هذا وزن ليس من أوزان العرب إلا أنه شعر، قيل لك: هذا إذن شعر عندك لا عند العرب، لأنها إذا سمعت هذا خالف أوزانها أنكرته، كما أنها إذا سمعت (مررت بزيدٌ) أنكرته وقيل لك: ما مثل هذا من أشعار العرب، اللهم إلا أن تريد هذا وزن لك وحدك."
وهنا نصل إلى الأوزان المهملة في دوائرها، وهي الأوزان التي لم يجد عليها الخليل شواهد تؤيد استعمالها فعدها مهملة، ولكنه في الوقت نفسه أتاح لمن استطاع أن يثبت وجود شواهد عليها أن يقوم باستدراكها. وقد قيل إن الأخفش أو غيره استدرك بحرا في الدائرة الخامسة سمي المتدارك، غير أنه قد جيء بشاهد عليه مصنوع، وهو قوله قوله:
جاءنا عامر سالما صالحا * بعدما كان ما كان من عامر
فالذين لم يثبتوا هذا البحر في كتبهم، نحو الزجاج وابن عبد ربه، وكذلك الذين يجعلون عدة البحور خمسة عشر لا ستة عشر، لم يمنعوا هذا البحر لأنه مخالف لمنهج الخليل، وإنما لأنهم لم يجدوا بين أيديهم بيتا معروفا يصلح شاهدا عليه. وقد انتظر الشعراء قرونا طويلة حتى سمعنا بشاعر من عمان نظم قصيدة على المتدارك إلا أنه أحدث كسرا في بعض ابياتها عندما توهم بإمكانية حدوث القطع في حشوه.
أما (الماه) فقد وجدت بيتا لعبيد بن أيوب بن ضرار العنبري، وهو قوله:
ولو لم يقنّع عند أبيات خاله * لعض به ماه الذباب حديد
قال الزمخشري تعليقا عليه في أساس البلاغة: "أي صافي الظبة كالماء"
وجاء في معجم المعاني: الظبة حد السيف ، وكذلك الماه في السيف: الرقة والحدة والقطع.