المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : كلام في النقد



عبدالحكيم ياسين
17-10-2014, 10:15 PM
لكي يكون لك رأي في النقد الأدبيّ..
يجب أن يكون لك رأي في الكتابة الأدبيّة ..
ولكي يكون لك رأي في الكتابة لابدّ لك من شغف بالقراءة ..
ولكي تقرأ ..يجب أن تتعلّم ذلك..كيف تقرأ ؟ وماذا تقرأ؟ وكم ؟
والمكتوب فعل يصادف عندك ردّة له..يؤثّر فيك إن لم تبتعد عنه كفاية ..
ولن تفهمه إن لم تقترب بالقدر اللازم لذلك ..
وتتقاذف الرياح شراعك كثيراًقبل أن تخطّ طريقاً يوصلك إلى موقع صالح للرؤية ..
موقع تنطلق منه إلى آفاق أرحب ومواضع أعلى ..
وفي المحصّلة فإنّ الناقد قاريء يقارن ويقيس النصوص بالأدوات التي يملكها ..
ويحاكمهاإلى الدروب التي سلكها وبالمنطق الذي يفكّر به ومن الزاوية التي يقف فيها..
وقبل أن تنتقد ..اسأل نفسك لماذا أقرأ ؟ ولماذا أكتب ولماذا انتقد ؟
وعندما تتوفّر لديك إجابات مستقرّة نسبيّاً ..يحكمها منهج متوازن ..
تكون قد امتلكت نقطة ارتكاز تنطلق منها صوب عالم النقد ..
حيث ستصادف من يوافقك الرأي كلّياً ..
ومن يختلف معك في بعض النقاط .. ومن يرفض كلّ ماتقوله ..
وبقدر اتّساع شريحة من يتفاعلون معك وبقدر تأثيرك بهم يكون مقدار حضورك ..
ولكن مهما يكن من أمر فكن أنت نفسك ولاتكن صدى لغيرك ..
فالصدى يتلاشى والأصالة تبقى مع بقاء طلاّبها..
وأظنّها حاجة إنسانية ..تبقى مع بقاء الإنسان ..
وهي موقف قائم على الاعتراف بوجود ثوابت يجب الانطلاق منها حتّى لو افترضنا أنّها قابلة للتغيّر ..
فما هي ثوابتك ؟ هل تنظر إلى الواقع بحياد وتحاول توصيفه فقط بما تملك من أدوات رؤية وتحليل وتجميل ..
أم أنت من عشّاق تحوير الواقع ومزجه بالخيال ولايهمّك الحذف منه والمبالغة فيه
إذا خدم ذلك ماتريد قوله وما تعتقده من وجوب تعديل الواقع وتغييره عن طريق إعادة بنائه ورسمه ..
أم أنّك لاتلتزم منهجاً محدّداً وتستسلم لمشاعرك ولأحاسيسك وترى بها وتنطق من خلالها ..من أنت أيّها الناقد ؟
إذا كنت ممّن يلزمون أنفسهم بتوصيف الواقع فقط ..
فحاول أن تتفهّم رغبة الآخرين في القفز فوق ذلك وصولاً إلى رسم مايجب أن يكون بزعمهم ..
وكن أميناً لرسالتك التوصيفيّة وصف مايفعلون وقارن بين ماكتبوا ومارسموا وبين ماتراه أنت..
واحترم رؤيتهم ..وإذا كنت ممّن يخلطون الخيال بالواقع ..
فلاتحتقر من يسعون لاكتشاف الواقع وتسجيله كما هو واعلم أنّ ذلك ليس بالأمر السهل ..
لسببين :الأوّل هو محدوديّة قدراتنا وعجزها عن الإحاطة بالصور الكاملة ظاهرها وباطنها ..
والثاني هو عواطفنا ومزاجنا الذي يتحكّم به ألف عامل وعامل ..
ومن المشاعر التي تحول بيننا وبين قدرتنا على توصيف الواقع
الشعور بالخوف من عواقب مانكتب والشعور بالخجل من بعضه ..
ومن محدوديّة القدرات يصيبنا الشكّ في دقّة الصورة ومن سطوة
المشاعر يصيبنا الخوف من التحامل والانحياز وهي أشياء يصعب
تفاديها دائماً هذا إن لم تصبح داء مستعصياً ومرضاً مزمناً..
ولايخيفنّك مافي رأيك من بساطة ووضوح
فليس العمق سوى مستويات متراكمة من الشرائح الرقيقة البسيطة ..
والنقد هو في جانبه التحليلي عرض لتلك الشرائح وتقليب لصفحات كتاب يصعب فهمه
إن لم يقرأ صفحة إثر صفحة وفق الترتيب المناسب ..
والقراءات المختلفة رغم ذلك موجودة لاختلاف العقول والقلوب والأبصار ..
ولكي يكون لك رأي نقدي خاصّ بك يجب أن تبني هيكله وترسم ملامحه ..
وتلتزم مداخله ليسهل على المتابع لك أن يفهم ماتريد قوله ويدرك إلى أين تريد الذهاب..
وعندما تحاول الإجابة عن أوّل مايخطر في بالك من تساؤل ..وهو لماذا أقرأ ؟
قد تقول :أنا أقرأ لأتعلّم وأستمتع ..أي للانتفاع والاستمتاع ..
وهذا شوط في التأسيس لمنهجك النقدي ..إذ تفترض وجود مضمون مفيد ..وشكل وأسلوب جذّاب ..
ومن هناك تنطلق ..لتعريف ماترى أنّه مفيد ..فتقول :
الكتابة الأدبية تقدّم نوعاً من الخبرات الاجتماعية التي قد تكون شديدة الخصوصيّة
ولاتجاوز حدود كونها مجرّد معارف ممتعة لايمكن توظيفها في رحلة التكيّف مع الحياة ..
وقد تكون دروساً وعبراً يستفاد منها في ذلك ..فتجمع بين الفائدة والمتعة ..
وقد لاتقدّم المعرفة ولكنّها تبعث على التأمّل وتعطي المفاتيح ..
وعندما تنتقل من عالم القراءة إلى عالم الكتابة وتسأل نفسك لماذا سأكتب وتقول لها :
"أنا أكتب لأعبّر عن نفسي وأحقّق ذاتي وأسيل فوق الورق أحرفاً ترسمني فأرى مالا أعرف من نفسي وما أعرف ..
وأكتب للتواصل مع الآخر منتظراً أن أقترب منه أكثر ويقترب منّي فنحقّق حلماً مشتركاً أو نتجاوز معاً عقبة صنعها اختلافنا ..
أو أكتب لتوصيف واقع رغبت في رؤيته مختزلاً في نصّ قابل للتعديل والمراجعة والنقد..
أو أكتب لمجرّد الاستمتاع بإعادة بناء واقع غارق في الضباب أو متبخّر ومتراكض صوب السحاب "..
وبعد الفراغ من الكتابة تكون غالباً أوّل من ينتقد المكتوب ..
وترغب في الحكم على النصّ الذي لم تنشره بعد ويكون لك منهج لذلك ..فماهو منهجك في النقد؟
هل أنت من الذين يقسمون النصّ إلى شكل ومضمون ..
أسلوب وأغراض..جسد وروح..رموز ودلالات ..متعة وفائدة ..تقليد وإبداع ..قواعد وانعتاق منها..
وهل أنت ممّن يضعون في معصم الكاتب قيد المألوف عند النقّاد ؟
أم أنت من الذين يضعون في معصم الناقد قيود التحليق مع الكاتب حيث يذهب ؟..
فيكون بذلك هومن يقود النقّاد إلى فضاءاته فإذا انحطّ انحطّ النقد وإذا ارتقى ارتقى ..؟
أم أنّك ممّن يفصلون بين العالمين ويعتبرون النقد فنّاً يستمدّ موضوعه فقط من الكتابة
ولكنّه يتجاوزها إلى عالمه الأرحب غير الخاضع لحدود والمفتوح على بحر من المشاعر
والافتراضات المنطقيّة والخيالات اللامعقولة وصولاً إلى الجنون والغطرسة ..

-----------------

زهرة متفائلة
17-10-2014, 10:38 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

كلام حصيف ، جزاكم الله خيرا !

والله الموفق

ثناء حاج صالح
18-10-2014, 07:50 AM
السلام عليكم
تلفت الانتباه دقة التوجيه في كلامكم هذا أستاذنا الكريم عبد الحكيم ياسين!
إن عدم التكافؤ بين العدد الكبير للأدباء العرب والعدد الضئيل للنقاد في وقتنا الحاضر، يطرح أهم إشكاليات النقد، وهي إشكالية البناء النفسي لشخصية الناقد. فالعزوف عن النقد يوفر أماناً نفسياً لا يمكن توفيره مع التعرض لمسؤوليات النقد،إذ جُبِلت النفس البشرية على محبة المدح والنفور من القدح، وإن التقييم النقدي في المحصلة _ ومهما كان مستوى اللطف والرقة في أسلوب الناقد -ما كان إلا ليصبّ في أحد هذين المصبّين، كما يراه صاحب النص المنقود.
فعلى الناقد أن يتهيأ نفسياً لتقبل وضعه كشخص "مكروه" من قبل بعض من قد يصيبهم قلمه بمايرونه "إساءة" من جهتهم، لأنهم غير مستعدين لمباركة من يواجههم بأخطائهم .
وليس الاستعداد النفسي لخيار أن تكون " مكروها"من قبل الناقد بالأمر السهل.
هذا فضلاً عن الجهد الكبير المطلوب بذله باستمرار من قبل الناقد في التحصيل الثقافي كي يرشح نفسه لتحمل تلك المسؤوليات.
وأجدني متفقة معك تماماً في قولك:


وفي المحصّلة فإنّ الناقد قاريء يقارن ويقيس النصوص بالأدوات التي يملكها ..
ويحاكمهاإلى الدروب التي سلكها وبالمنطق الذي يفكّر به ومن الزاوية التي يقف فيها..
فمهما حاول الناقد التجرد والموضوعية فإنه في النهاية لا يحكم إلا وفقاً لمنطقه هو، ولا يرى إلا من زاويته هو.وهذا ما أحب تسميته بالنقد تحت تأثير "الانطباع النفسي " ولا أرى لهذه المعضلة من حل تجعل الناقد متحرراً من عبئها .
والأمر كما تقول حضرتك:


حيث ستصادف من يوافقك الرأي كلّياً ..
ومن يختلف معك في بعض النقاط .. ومن يرفض كلّ ماتقوله ..
وبقدر اتّساع شريحة من يتفاعلون معك وبقدر تأثيرك بهم يكون مقدار حضورك ..
ومن ثم فإنني أجدك قد لخصت للناقد ما ينبغي له الالتزام به جينما تكون له تلك الرؤية الشخصية العامة وهو يقوم بوظيفته في قولك :


فلاتحتقر من يسعون لاكتشاف الواقع وتسجيله كما هو واعلم أنّ ذلك ليس بالأمر السهل ..
لسببين :الأوّل هو محدوديّة قدراتنا وعجزها عن الإحاطة بالصور الكاملة ظاهرها وباطنها ..
والثاني هو عواطفنا ومزاجنا الذي يتحكّم به ألف عامل وعامل ..
ومن المشاعر التي تحول بيننا وبين قدرتنا على توصيف الواقع
الشعور بالخوف من عواقب مانكتب والشعور بالخجل من بعضه ..
ومن محدوديّة القدرات يصيبنا الشكّ في دقّة الصورة ومن سطوة
المشاعر يصيبنا الخوف من التحامل والانحياز وهي أشياء يصعب
تفاديها دائماً هذا إن لم تصبح داء مستعصياً ومرضاً مزمناً..
ولايخيفنّك مافي رأيك من بساطة ووضوح
فليس العمق سوى مستويات متراكمة من الشرائح الرقيقة البسيطة ..
والنقد هو في جانبه التحليلي عرض لتلك الشرائح وتقليب لصفحات كتاب يصعب فهمه
إن لم يقرأ صفحة إثر صفحة وفق الترتيب المناسب ..
والقراءات المختلفة رغم ذلك موجودة لاختلاف العقول والقلوب والأبصار ..
تحيتي

عبدالحكيم ياسين
26-12-2014, 02:12 PM
جزى الله خيراً من حمدته
وأثابها على صلاتها وسلامها على رسوله
وجعلني ممّن يحمدون الله ويصلّون ويسلّمون على رسوله..
وشكراً لمن جرت على يديها نعمة الاهتمام بنصّي..
وشكراً على الثناء وعلى الدعاء..
ووفّقنا لرضوانه..
---------

عبدالحكيم ياسين
26-12-2014, 02:13 PM
وعليكم السلام
الأستاذة الكريمة ثناء..
1-إشارتك إلى الأمان الذي
يتحقّق من العزوف عن النقد في محلّها ..
خصوصاً في عالم النت..فالردّ على الناقد متاح..
وخطر التحامل والمكابرة قائم..ولكنّ الذين يحملون
رسالة الانتقاد يكونون أحياناً مثل المغامرين الذين
يسيرون على الحبال فوق الوديان ..تدرّبوا كثيراً
قبل أن يستعرضوا مهاراتهم..ولكن ..لم يتدرّبوا
بالتأكيد على السقوط الحقيقي عندما تهبّ ريح مفاجئة..
وهم ليسوا من الغباء إلى حدّ عدم وضع هذا الاحتمال..
لذلك يبقى كلامك عن الأمان دقيقاً ومهمّاً
والمعتاد:هو استخدام غالبيّة النقّاد لدرع من المدائح
التي قد لايستحقّها النصّ..والتذرّع بعدها بذريعة التشجيع..
وهذا ممّا ينزل بالنقد إلى أسفل..ومن الطريف أن
يطالب الكاتب بذكر بعض السلبيات ويقسم الأيمان أنّه
سيتقبّل ذكرها فلايصدّقه الناقد..بل قد يمتدحون تواضعه
وهو يرى بعض نقاط ضعفه ولكنّه يكتمها مخافة أن يظلم
نصوصه في عالم التمادح ودفع ديون التقريظ..
والحلّ:استعمال الرسائل الخاصّة للمصارحة ببعض الملاحظات
الناقدة (السلبية)لتجنّب الحرج..
وفي النقد يصحّ أحياناً أن يكون
من نصح سرّاً فقد زان..ومن أعلن شان..
--------------
2-والناقد لايستطيع التحرّر من إمكاناته التي قد تكون أدنى
من أن تحيط بجماليات المكتوب وبالمرامي غير المباشرة التي
لاتخطر في البال إلّا عند التنبيه إلى طرق اكتشافها..
مثلاً:قد يرمّز الكاتب في النصّ فيرفع مؤشّر الترميز إلى
أعلى قليلاً فيصبح الحيوان المريض المنخور بالأسقام صورة
أخرى عن جماعة بشريّة أو منظومة اجتماعيّة ..بينما لايخطر
للناقد أن الكاتب سيختزل جماعة في فرد وخلاياه بالأفراد
وقراراته بالنهج السائد ..ولو جرى تنبيهه إلى المشترك بين
كيان الفرد والكيان الاجتماعي لضحك من نفسه وأصغى ..
-------------------
3-مع الشكر الجزيل للتكرّم بالتعقيب..
ومع التحية..
----------