المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : النحو والحديث النبوي



منسيون
14-10-2005, 11:10 PM
السلام عليكم
ارجو مساعدتي في ايجاد دراسة حول دور النحاة في الحديث النبوي الشريف

أنا البحر
15-10-2005, 09:42 AM
أخي الكريم هل تعني دور النحاة في الاستشهاد بالحديث النبوي؟!
إن كان الأمر كذلك فهناك دراسة للدكتورة خديجة الحديثي بعنوان الاستشهاد بالحديث النبوي

يسر الله لك أمرك

مريم الشماع
15-10-2005, 06:45 PM
سبقتني الأخت بذكر كتاب أستاذتي الدكتورة خديجة،وهاك أيضا كتاب(أبحاث في اللغة والنحو والقراءات)للدكتور محمود حسني مغالسة وقد جمع فيه عدة بحوث خصّص الأول منها لهذا الموضوع.

مهاجر
16-10-2005, 01:51 AM
بسم الله
السلام عليكم
هذه مشاركة موجزة حول هذا الموضوع ، وأصلها حوار علمي دار بين مجموعة من طلبة العلم في ملتقى أهل الحديث ، وهو أحد المنتديات العلمية الشهيرة ، قمت ، بحمد الله ، بترتيب عناصره ، لأن طبيعة المناقشات العلمية ، كما هو معلوم ، التشعب ، فليس لي من هذه المشاركة إلا الترتيب ، مع إضافات طفيفة جدا ، وهي مسألة علمية جليلة ، تستحق الجمع والترتيب ، وإتماما للفائدة ، ملحق بهذه المشاركة : نبذة عن علوم اللغة والاحتجاج لها ، ونبذة عن طبقات الشعراء ، وهما مستفادان ، أيضا ، من نفس المناقشة العلمية ، وهي مسائل لها نوع تعلق بموضوع المشاركة الأصلية ، أسأل الله أن ينفع بها ، وأن تكون بداية مناسبة
لبحثك
الاحتجاج بالحديث في اللغة :
فاللغويون لا يوجد بينهم من منع الاستشهاد بالحديث لأجل الاستدلال على معاني اللغة ، ومصادر فقه اللغة والمعاجم اللغوية زاخرة بالأحاديث والأخبار، أمّا النحاة فقد اختلفوا في ذلك بين مانعٍ ومجوّزٍ وآخر متوسّط بينهما.

أولا : أقوال المانعين ، وحججهم ويمثلهم أبو حيان وابن الضائع :
يقول أبو حيان :
قد أكثر المصنف (أي ابن مالك رحمه الله ناظم الألفية) ، من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب . وما رأيت أحداً من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره . على أن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب ــ كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمة البصريين ، والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين ــ لم يفعلوا ذلك ، وتبعهم على ذلك المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد وأهل الأندلس . وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال : إنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية . وإنما كان ذلك لأمرين :

أولا : أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى ، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم لم تقل بتلك الألفاظ جميعها : نحو ما روي من قوله " زوجتكها بما معك من القرآن" و " ملكتكها بما معك من القرآن" و " خذها بما معك من القرآن" وغير ذلك من الألفاظ الواردة , فتعلم يقيناً أنه صلى الله عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ ، بل لا يجزم بأنه قال بعضها إذ يحتمل أنه قال لفظاً مرادفاً لهذه الألفاظ ، فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه صلى الله عليه وسلم ، إذ المعنى هو المطلوب ولا سيما مع تقادم السماع ، وعدم ضبطه بالكتابة والاتكال على الحفظ . والضابط منهم من ضبط المعنى . وأما من ضبط اللفظ فبعيد جداً لاسيما في الأحاديث الطوال . وقد قال سفيان الثوري رضي الله عنه : "إن قلت لكم أني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ، إنما هو المعنى" . ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى .

ثانيا : أنه وقع اللحن كثيراً فيما روي من الحديث ، لأن كثيراً من الرواة كانوا غير عرب بالطبع . ويتعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون ، وقد وقع في كلامهم ورواياتهم غير الفصيح من لسان العرب . ونعلم قطعاً من غير شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب . فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها . وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز ، وتعليم الله ذلك له من غير معلم . والمصنف (أي ابن مالك رحمه الله) ، قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر متعقباً بزعمه على النحويين ، وما أمعن النظر في ذلك ، ولا صحب من له التمييز . وقد قال لنا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ، وكان ممن أخذ على بن مالك ـ قلت له : يا سيدي ، هذا الحديث رواية الأعاجم ، ووقع فيه من روايتهم ما نعلم أنه ليس من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم . فلم يجب بشيء .

قال أبو حيان : وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتدئ : ما بال النحويين يستدلون بقول العرب ، وفيهم المسلم والكافر ، ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول ، كالبخاري ومسلم ، وأضرابهما ؟ فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث " أهـ .

وقال أبو الحسن ابن الضائع ، وهو من المؤيدين لهذا الرأي : في "شرح الجمل": "تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة ، كسيبويه وغيره ، الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب ، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أفصح العرب ، قال : وابن خروف يستشهد بالحديث كثيراً، فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن ، وإن كان يرى أن من قبله أغفل شيئاً وجب عليه استدراكه فليس كما رأى .

فحججهم تتلخص في الآتي :
أولا : أن الأحاديث رويت بالمعنى .
ثانيا : أن أئمة النحو المتقدمين من المصرين (مثنى مصر ، أي الكوفة والبصرة) ، لم يحتجوا بشيء منه .
ومن الردود على هذا :
أن النقل كان في عصر الاحتجاج حيث لم تفسد اللغة والتبديل كان تبديل لفظ بلفظ (أي أن التبديل وقع وحدث في عصر الاحتجاج) . ويرد الأمر الثاني بأن عدم احتجاج المتقدمين بالحديث ليس دليلاً على عدم صحة الاستدلال به .

وقد رد الدماميني في [ شرح التسهيل ] على أبي حيان بناء على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب إنما المطلوب غلبة الظن الذي هو الذي هو مناط الأحكام الشرعية ، ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدون ولم يكتب وأما مادون وحصل في بطون الكتب فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم .

فالحديث قد نقله إلينا ، رجال صدر الإسلام ، وهم من أفصح العرب ، فروايتهم بالمعنى لا تخرج الحديث عن كونه حجة في اللغة ، لأن لغة رواته حجة ، فالرواية بالمعنى ، وإن كان فيها تصرف في لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلا أن المتصرف له من علم اللغة وعقل المعنى ما يجيز له هذا التصرف ، مع اطمئنان النفس وسكونها لصحة روايته ، حتى أن بعض المانعين لرواية الحديث بالمعنى كأبي بكر ابن العربي ، رحمه الله ، أجاز هذا للصحابة ، رضوان الله عليهم ، لما تقدم من مزيد فصاحتهم وعنايتهم ونزول الوحي بلغتهم وهم حاضرون . والله أعلم .

وما يدعيه المانع من وقوع اللحن والخطأ والتصحيف في الحديث ، وقع مثله في الشعر . بل وجد فيما احتجوا به من الشواهد الشعرية نفس السببين اللذين أنكروهما على الأحاديث : وقوع التصحيف واللحن . . . والنقل بالمعنى أحيانا ، كما أنهم لم يتحرجوا في الاحتجاج بما نقله مثل حماد الرواية ، (حمّاد بن هرمز الديلمي ت 155 هـ) الذي كان ـ كما يقول يونس ـ : ) يلحن ، ويكسر الشعر ، ويكذب ، ويصح ( ، ويروى أن الكميت امتنع عن إملاء شعره عليه ، وقد طلب منه ذلك ، وقال له : أنت لحان ولا أكتبك شعري .

و كذا خلف بن حيّان الأحمر ت 180 هـ، وهو من موالي فرغانة، وقيل: أصله من خراسان .

فادّعاء اللحن في الحديث باطل ، لأنّه إذا أريد به اللحن الذي هو من قبيل الخطأ في الإعراب بحيث لا يُمكن تخريجه على وجه من الوجوه أو على بعض لغات العرب ، فهذا ما لا يوجد في الحديث ، وإن أُريد أنّ أصل اللحن من الرواة ،( فإنّه إذا جاز إسقاط الحديث من دائرة الاحتجاج لأنّ الرواة يلحنون به ، جاز إسقاط غيره (كالشعر والنثر) ، لأنّ البعض يلحنُ به ، وذلك أمر خطير لأنّه ينسحب إلى جميع مفردات الثقافة الإسلامية فيسقطها من الأساس) .

ولا يمكن تعميم ظاهرة الرواية بالمعنى على كلّ مساحة الحديث النبوي الشريف، فقد وصل إلينا كثير من الأحاديث بمحكم ألفاظها ولم يطرأ عليها أدنى تغيير أو تبديل في كلماتها ، ولا أي لحن أو تحريف في حركاتها وحروفها، كألفاظ القنوت والتحيّات والأذكار والأدعية في الأماكن والحالات الخاصّة وغيرها ممّا وقع التعبّد بخصوص ألفاظها وأمر الشارع بتلاوتها بعينها .

ومن الحديث ما دُوِّن في زمان النبي صلّى الله عليه و آله أو بعده بقليل رغم شروط المنع ، ومن ذلك كتبه إلى العمّال والأمراء والملوك ، وبعض كتب وصحف الصحابة المدوّنة من حديثه صلّى الله عليه و آله وسلم ، فقد كان لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه صحيفة من حديث الرسول صلّى الله عليه و آله وسلم ، وكان عبد الله بن عمرو يكثر من كتابة الحديث ، وله صحيفة تُسمى الصحيفة الصادقة ، وكان أنس بن مالك يكتب الحديث بين يدي رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلم ، ولجابر بن عبد الله الأنصاري صحيفة مشهورة من حديثه صلّى الله عليه و آله ، ولمعاذ بن جبل كتاب يحتوي على عدّة أحاديث ، وغيرهم كثير ، (كما أنّ من الحديث ما روي بطرق متعدّدة تصل إلى حدّ التواتر اللفظي ، وقد تسالم فيه جميع الرواة على لفظٍ واحدٍ دون تبديلٍ أو تغيير).
وكلّ هذه الموارد ممّا لا تصدق عليه الرواية بالمعنى، ومنها يتبين أنّ تعميم حكم إخراج الحديث عن دائرة الاحتجاج لعلّة روايته بالمعنى ـ كما ادّعي ـ لا يمكن قبوله، ولا التصديق بنسبته إلى النحاة المتقدّمين ، إذ من البعيد جدّاً عدم التفاتهم إلى فساد تلك العلّة .

(والرواية بالمعنى موجودة في غير الحديث ممّا صحّح النحاة الاحتجاج به من المنثور والمنظوم من كلام عرب الجاهلية) ، واعتمدوه لإثبات قواعدهم النحوية والصرفيّة، وقلّما يخلو كتاب في قواعد العربية من اختلاف آراء النحاة والمدارس النحوية بسبب اختلاف النقل والرواية في الحركات أو الكلمات أو العبارات اختلافاً يغيرّ المعنى والحكم الإعرابي ، ومع ذلك الاختلاف فقد أدخلوا تلك النصوص في منظومة الاحتجاج .

هذا مع أنّ التشديد على دقّة اللفظ والمعنى وتواصل الإسناد ومعرفة الرجال، وغيرها من الضوابط المعروفة في علم الحديث، هي أقلّ مراعاة في رواية الشعر وغيره من الفنون الأدبية، ومن هنا كان الشعر أكثر تعرّضاً للحن والانتحال والتغيير من الحديث الشريف، (فإذا كان اللحن عاملاً لإخراج الحديث عن دائرة الاحتجاج اللغوي، فالأولى إخراج غيره لشيوع اللحن فيه ولانعدام الضوابط التي تُعنى بالدقّة في النقل والتوثيق والدراية ومعرفة الصحيح من السقيم).

وكان بعض رواة الشعر معروفاً بكثرة اللحن والانتحال، ومع ذلك فقد أكثر النحاة من الاحتجاج بمرويّاتهم، ولم يكن اللحن وازعاً يحدّ من ذلك الاحتجاج،

ثم إنك تجد أن أهل اللغة يستدلون بأبيات جاهلية رواها الأصمعي وأمثاله ولا يدري ممن أخذها على حجية لفظ أو قاعدة كما وقع في كثير من المواضع .
فالثقة بالأحاديث أكبر من الثقة بالشواهد الشعرية والنثرية .

وقد استعار علماء أصول الفقه كل ما قالوه في طرق حمل النص ، وثقة النقلة والرواة ، والتواتر ، والآحاد ، والمرسل ، والمجهول وأمثالها مما لم يلتزموا به في نقلهم لغة العرب ، الأمر الذي دعا الفخر الرازي ، رحمه الله ، إلى أن ينحو باللائمة على أصحابه الأصوليين ، (لأنهم لم يقوموا هم بهذه المهمة بدلا من النحاة) ـ وقد نقل النحاة المتأخرون نص قوله هذا ـ قال : « والعجب من الأصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجة في الشرع ، ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة والنحو ، وكان هذا أولى ، (وكان من الواجب عليهم أن يبحثوا في أحوال اللغات والنحو) ، وأن يفصحوا عن جرحه وتعديله ، كما فعلوا ذلك في رواة الأخبار ، لكنهم تركوا ذلك بالكلية ، مع شدة الحاجة إليه ، فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الأصل للاستدلال بالنصوص » اهــــ .

ولو فعلوا ذلك وحققوا اللغة الصحيحة ، لما بقي للمتكلمين حجة في تأويلاتهم البعيدة عن اللغة التي نزل بها القرآن ، فجلهم أعاجم لا دراية لهم بأساليب لغة العرب .



المجيزون :
وهناك عدد من المتأخرين يرون خلاف هذا القول وعلى رأس هؤلاء :
ابن مالك ت 672 هـ ، صاحب الألفية ، وأبو الحسن الحضرمي المعروف بابن خروف الأندلسي ت 609 هـ ، والسهيلي ت 581 هـــــ ، في أماليه وابن الأنباري ، وابن هشام ، والدماميني ، وابن منظور والرضي الأسترآبادي ت 686 هـ ، شارح أبيات كافية ابن الحاجب ، وابن هشام ت 761 هـ وبعض المعاصرين .......الخ . وقد سبق ذكر حججهم في ثنايا مناقشة رأي الطائفة الأولى .




المتوسطون في المسألة :
ومن أبرز ممثّلي هذا الاتّجاه أبو إسحاق الشاطبي ت 790 هـ .

حيث قال في "شرح الألفية":
"لم نجد أحداً من النحويين استشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم، الذين يبولون على أعقابهم، وأشعارهم التي فيها الفحش والخنى، ويتركون الأحاديث الصحيحة، لأنها تنقل بالمعنى، وتختلف رواياتها وألفاظها، بخلاف كلام العرب وشعرهم، فإن رواته اعتنوا بألفاظها، لما ينبني عليه من النحو، ولو وقفت على اجتهادهم قضيت منه العجب ، وكذا القرآن ووجوه القراءات.
وأما الحديث فعلى قسمين:
قسم يعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان.
وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص ، (كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم، ككتابه لهمدان، وكتابه لوائل بن حجر، والأمثال النبوية) ، فهذا يصح الاستشهاد به في العربية. وابن مالك لم يفصل هذا التفصيل الضروري الذي لابد منه، وبنى الكلام على الحديث مطلقاً ، ولا أعرف له سلفاً إلا ابن خروف؛ فإنه أتى بأحاديث في بعض المسائل حتى قال ابن الضائع: لا أعرف هل يأتي بها مستدلاً بها، أم هي لمجرد التمثيل؟ والحق أن ابن مالك غير مصيب في هذا، فكأنه بناه على امتناع نقل الحديث بالمعنى، وهو قول ضعيف" . اهــــ

وقد تبعه السيوطي في "الاقتراح" فقال :
"وأما كلامه صلى الله عليه وسلم ، (فيستدل منه بما أثبت أنه قاله على اللفظ المروي)، وذلك نادر جداً، إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضاً، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها، فرووها بما أدت إليه عباراتهم ، فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وأبدلوا ألفاظاً بألفاظ؛ ولهذا ترى الحديث الواحد "في القصة الواحدة" مروياً على أوجه شتى بعبارات مختلفة، ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث".

ثم نقل كلام ابن الضائع وأبي حيان ، (وهما من المانعين) وقال: "ومما يدل على صحة ما ذهبا إليه، ...أن ابن مالك استشهد على لغة أكلوني البراغيث بحديث الصحيحين: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". وأكثر من ذلك حتى صار يسميها لغة يتعاقبون. وقد استشهد به السهيلي ، ثم قال: لكني أنا أقول : إن الواو فيه علامة إضمار، لأنه حديث مختصر. رواه البزار مطولاً. فقال فيه: "إن لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل وملائكة بالنهار".
وقال ابن الأنباري -في الإنصاف- في منع "أن" في خبر "كاد". وأما حديث "كاد الفقر أن يكون كفراً" فإنه من تغيير الرواة، لأنه صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد".


وبعد هذا الاختلاف فقد لخص مجمع اللغة العربية بالقاهرة الأحاديث التي يصح الاستشهاد بها فأصدر قراراً بهذا الشأن :-

أولا : لا يحتج في العربية بحديث لا يوجد في الكتب المدونة في الصدر الأول كالكتب الصحاح في السنة النبوية فما قبلها .
ثانيا : يحتج بالحديث المدون في هذه الكتب الآنفة الذكر على الوجه الآتي :-
أ-الأحاديث المتواترة المشهورة .
ب-الأحاديث التي تستعمل ألفاظها في العبادات .
ج-الأحاديث التي تعد من جوامع الكلم.
د-كتب النبي صلى الله عليه وسلم .
هـ-الأحاديث المروية لبيان أنه صلى الله عليه وسلم يخاطب كل قوم بلغتهم .
و-الأحاديث التي عرف من حال روايتها أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى مثل القاسم ابن محمد ورجاء بن حيوه وابن سيرين .
ز-الأحاديث التي دونها من نشأ بين العرب الفصحاء .
ح-الأحاديث المروية من طرق متعدد وألفاظها واحدة .

نبذة عن علوم اللغة ، والاحتجاج لها :
قال الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر: "علوم الأدب ستة: اللغة والصرف والنحو ، والمعاني والبيان والبديع ، والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب ، (دون الثلاثة الأخيرة فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولدين، لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم ، إذ هو أمر راجع إلى العقل، ولذلك قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري، وأبي تمام، وأبي الطيب وهلم جرا)ً".


نبذة عن طبقات الشعراء :
"الأولى": الشعراء الجاهليون، وهم قبل الإسلام، كامرئ القيس والأعشى.
"الثانية": المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد وحسان.
"الثالثة": المتقدمون، ويقال لهم الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام ، كجرير والفرزدق.
"الرابعة": المولدون ، ويقال لهم المحدثون ، وهم من بعدهم إلى زماننا ، كبشار ابن برد وأبي نواس.

فالطبقتان "الأوليان" يستشهد بشعرهما إجماعا

و"الثالثة" ، الصحيح صحة الاستشهاد بكلامها.

وقد كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق، والحسن البصري، وعبد الله بن شبرمة، يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم ، في عدة أبيات أخذت عليهم ظاهراً ، وكانوا يعدونهم من المولدين لأنهم كانوا في عصرهم ، والمعاصرة حجاب.

قال ابن رشيق في "العمدة": "(كل قديم من الشعراء "فهو" محدث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله). وكان أبو عمرو يقول: لقد أحسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره ، يعني بذلك شعر جرير والفرزدق ، فجعله مولداً بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين. وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين، قال الأصمعي: جلست إليه عشر حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي".

وأما "الرابعة" فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقاً ، (وقيل يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشري، وتبعه الشارح المحقق ، فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح ، واستشهد الزمخشري أيضاً في تفسير أوائل البقرة من "الكشاف" ببيت من شعره) ، وقال : "وهو إن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزل ما يرويه . ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة ، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه".


وقد خطأ العلماء المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة كما هو مسطور في شروح دواوينهم .

وفي"الاقتراح" للجلال السيوطي : "أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربية" .

وفي "الكشاف" ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة ورواتها، فإنه استشهد على مسألة بقول أبي تمام الطائي . وأول الشعراء المحدثين بشار بن برد، وقد احتج سيبويه ببعض شعره تقرباً إليه، لأنه كان هجاه لتركه الاحتجاج بشعره ، ذكره المرزباني وغيره. ونقل ثعلب عن الأصمعي أنه قال: "ختم الشعر بإبراهيم بن هرمة وهو آخر الحجج".


وجعل بعضهم طبقات الشعراء ستاً، وقال: الرابعة المولدون، وهم من بعد المتقدمين كمن ذكر ، والخامسة المحدثون، وهم من بعدهم كأبي تمام والبحتري، والسادسة المتأخرون ، وهم من بعدهم كأبي الطيب المتنبي .


وخلاصة هذه الأقوال النفيسة ، أن أصحابها ، رحمهم الله انقسموا إلى 3 فرق :

الفريق الأول : وعلى رأسه "أبو حيان" ، رحمه الله ، يمنع الاستدلال بالحديث في المسائل النحوية مطلقا ، لتصرف الرواة المتأخرين في ألفاظ الأحاديث .

الفريق الثاني : وعلى رأسه "ابن مالك" ، رحمه الله ، وهو يفتح الباب للاستدلال بالحديث في المسائل النحوية مطلقا ، وممن أيده من المعاصرين : الشيخ العلامة أحمد شاكر ، رحمه الله ، في "الباعث الحثيث" .

الفريق الثالث : وعلى رأسه "أبو إسحاق الشاطبي" و"الجلال السيوطي" ، رحمهما الله ، وقد توسط في هذه المسألة : فأيد الاحتجاج بالحديث ، إذا كان منقولا بلفظه لا معناه ، ومنع الاحتجاج بما عدا ذلك .

ولا شك أن رأي الفريق الثالث ، هو الأقوى ، لأنه لا يهدر الاستدلال كلية ، ولا يفرط في الاستدلال وإن كانت ألفاظ الأحاديث متصرفا فيها من رواتها .

وأما في مسألة الاستدلال لعلوم اللغة : فإن أي علم راجع للمعاني التي تدرك بالذوق الأدبي ، لا يشترط فيه أن يكون المتكلم عربيا أصيلا ، لأن الرجل قد يكون عجميا ، ومع ذلك يكون من أعلم الناس بمعاني الألفاظ ، فالزمخشري ، عفا الله عنه ، من أئمة البلاغة ، ومع ذلك فهو ليس عربيا أصيلا ، فهل يعقل أن يستغني المرء عن أقواله التي فاق فيها أصحاب اللغة الأصليين ، لمجرد أنه ليس عربيا نسبا ؟!!!!! ، ولا يستغني باحث في علوم البلاغة ، عن "الكشاف" ، مع أن الزمخشري قد "شحنه" بآراء المعتزلة ، وتكلف في تأويل النصوص لتوافق آراءهم فهو رأس من رؤوسهم كما لا يخفى .

وأما مسألة الاحتجاج بطبقات الشعراء :

فلا خلاف في الاحتجاج بطبقة "الجاهليين" و "المخضرمين" .
ويدخل معهم دخولا غير قطعي : طبقة "الإسلاميين" ، لأنهم وإن وجدوا بعد نزول القرآن ، إلا أنهم ظهروا في وقت لم يكن اللحن فيه قد فشا فشوا كبيرا .

والقرآن ، كما أكد شيخ الإسلام ، رحمه الله ، مرارا ، لا يحتج في تفسيره بلغة حادثة عليه ، وإنما يحتج في تفسيره بلغة سابقة عليه "وهي لغة الجاهليين" ، أو معاصرة له "وهي لغة المخضرمين" ، وما يجري على القرآن يجري على الحديث النبوي ، فكلاهما يندرج تحت "النص الشرعي" الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية العقدية والعملية .

أنا البحر
16-10-2005, 04:27 PM
أخي الفاضل مهاجر

هل من الممكن أن تضع الرابط

بورك فيك

منسيون
17-10-2005, 11:16 PM
اشكرك جزيل الشكر يا اخي الكريم على كتابتك للموضوع
وجزاك الله الف خير

مهاجر
20-10-2005, 03:18 AM
بسم الله
السلام عليكم

الأخت الكريمة مشرفة منتدى الدراسات العُليا :
إن كنت تعنين رابط الموضوع ، فقد نقلته كما هو ، فلا أرى حاجة لوضع الرابط
وإن كنت تعنين رابط موقع ملتقى أهل الحديث ، لكي تبحثي فيه عن أصل الموضوع فهو :
http://www.ahlalhdeeth.com
والله أعلى وأعلم .

أنا البحر
20-10-2005, 05:17 PM
لك أخي مهاجر جزيل الشكر