المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الوجادة .. ودورها في التحقق من نسبة كتاب لمصنفه



سليمان أبو ستة
08-01-2015, 10:15 PM
من المعلوم أن الوجادة، (وأنا أتحدث هنا عن التحقيق العلمي للتراث)، طريقة باتت معتمدة في إثبات نسبة نص ما إلى مؤلفه. وفيما يلي نص وصلنا عن هذه الطريق، هو قول صاعد بن الحسن الربعي في كتابه الفصوص (165/5):
"وجدت بخط المبرد، من هذا الفن، كتابا نقله عن خط المازني، وفيه من أسرار علم القوافي ما لم يتضمنه كتاب على وجهه:
"بسم الله الرحمن الرحيم"
"هذا كتاب القوافي وعللها"
فالقافية هي حرف الروي الذي ... "
وهذا النص الذي وجده صاعد على النحو المبين أعلاه، لا يشير إلى نسبته إلى أحد من المصنفين على الإطلاق. ولهذا سكت صاعد عن الإفصاح عن اسم مؤلفه كأن يقول زيادة على ما ذكره في هذا الصدد: "هذا كتاب القوافي وعللها لفلان .." ثم يذكر سند روايته أو مدى معرفته بالكتاب وأهميته.
وسؤالي لأهل الرواية والتحقيق هو: هل استوفى المؤلف والمحقق كلاهما شروط الأخذ بهذه الطريقة من طرق التحمل وهل نجد في كلام أولهما ما يفيد بمعرفة اسم المصنف الحقيقي للكتاب الذي وجده أم أن في كلامهما قدرا من التدليس يلزم الكشف عنه؟

باديس السطايفيے
08-01-2015, 10:38 PM
ثمت شكوك تدور حول صاعد البغدادي و كتابه الفصوص , وصلت حد اتهامه بالتلفيق والكذب , وقد كنت في موضوع حول كتاب القوافي وعللها نبهت إليها بقولي :

ولعل هذا الكتاب ليس للمازني أصلا . فمن يضمن لنا أنّ صاعد صادقٌ في ادعائه , سيما إن لم توجد نسخ أخرى للكتاب غير نسخة المبرد ؟


يقول ابن العماد في شذرات الذهب :
صاعد بن الحسن الرّبعي البغدادي اللّغوي الأديب، نزل الأندلس، وصنّف الكتب، وروى عن أبي بكر القطعي وطائفة.
قال ابن بشكوال: كان يتّهم بالكذب.
وقال ابن خلّكان: صاعد بن الحسن بن عيسى الرّبعي البغدادي اللّغوي، صاحب كتاب «الفصوص» روى بالمشرق عن أبي سعيد السّيرافي، وأبي علي الفارسي، وأبي سليمان الخطابي، ودخل الأندلس في أيام هشام بن الحكم، وولاية المنصور بن [أبي] عامر، في حدود ثمانين وثلاثمائة. وأصله من بلاد الموصل، ودخل بغداد، وكان عالما باللغة والأدب والأخبار، وسريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، [ممتعا] ، فأكرمه المنصور وزاد في الإحسان إليه والإفضال عليه، وكان مع ذلك محسنا للسؤال، حاذقا في استخراج الأموال، وجمع كتاب «الفصوص» نحا فيه منحى القالي في «أماليه» وأثابه عليه خمسة آلاف دينار، وكان يتّهم بالكذب في نقله، فلهذا رفض الناس كتابه ... ولما ظهر للمنصور كذبه في النقل وعدم تثبته، رمى كتاب «الفصوص» في البحر ، لأنه قيل له: جميع ما فيه لا صحة له، فعمل فيه بعض شعراء عصره : ( من السريع )
قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كلّ ثقيل يغوص

باديس السطايفيے
08-01-2015, 11:24 PM
زد على ذلك أنّ العبارة التي استفتح بها قبل أن يدعي هذا الادعاء مريبة تبعث على الشك ,
قال صاعد : ضمنت لك في صدر الكتاب ألا أضمنه إلا منقولا من خط عالم , أو مأخوذا عن لفظه .. فلو كان متيقنا من نفسه صادقا في ادعائه , لم يلجأ إلى هذا القول ؟ !
ثم كيف يقول وجدته هكذا , هذا كتاب وليس لقطة وجدها في الطريق فالتقطها , أين وجده وكيف وجده ولم انفرد هو وحده به ؟
ولم لم نجد إشارة في الكتاب كله تشير إلى المازني أو إلى المبرد , سواء في مقدمة الكتاب الذي خلا من الاستفتاح أو في حشوه أو في نهايته ؟
وما هذه الألقاب التي انفرد بها . ( هذا ما نقلته من خط المبرد , وكتبه هو من خط المازني وكان يلقب بسهكل ويلقب المبرد حابان , وثعلب عوْهم ) !
وما دخل ثعلب أحمد بن يحي في هذا الموضوع حتى يورد اسمه معهما , لو لم يكن طرفا مهما فيه , وهو المعاصر للمبرد والمازني ؟
هي أسئلة تبعث على الشك وتبحث عن أجوبة , وفي الآن نفسه لا يمكن لنا أن نجزم بشيء صار في علم الغيب .

سليمان أبو ستة
11-01-2015, 04:20 PM
أليس ثمة أحد من أهل الرواية والتحقيق يشاركنا هذا الحوار. فأنا وأخي باديس، على ما له من رجاحة في الرأي وحصافة في الفكر، لا يعقل أن نتصدى وحدنا لعميد كلية الآداب بجامعة فاس ثم رئيس جامعة القرويين لدحض قوله في نسبة كتاب القوافي وعللها للمازني على ما توهمه من قول لأبي الحسن صاعد في الكتاب الذي وجده بخط المبرد والمنقول بدوره عن خط المازني.
ومما يلفت النظر في هذه المسألة تسليم كل من قرأ هذا الكتاب وأخذ بكلام محققه في نسبة الكتاب إلى المازني على عواهنه وبلا أثر لنقاش، مع أن مصنف الفصول لم يذكر ذلك صراحة، وليس في كلامه ما يوحي بذلك إلا في قوله أن الكتاب بخط المازني. فلم لم ينسبه للمبرد إذن وهو بخطه أيضا؟!
وكنت قد قرأت مراجعة نقدية لتحقيق الفصوص نشرها الدكتور محمد رضوان الداية فأملت أن أجد تساؤلا حول حكاية ذلك الكتاب، فلم أقع إلا على ملاحظات غير ذات صلة بموضوعنا هذا.
المسألة ببساطة ، أريد رأيا ممن لهم خبرة بالرواية والتحقيق حول صاحب الكتاب الذي نسب للمازني، وهل يعني أنه للمازني فقط لمجرد كونه كتب بخطه، أم أن صنيع المازني فيه لا يبعد عن صنيع المبرد الذي كتبه بخطه أيضا .. كلاهما ناسخ للكتاب لا أكثر.

باديس السطايفيے
12-01-2015, 08:58 PM
أشكرك أستاذي أبا إيهاب وأتمنى مثلك أن يشاركنا أهل التخصص

في حقيقة الأمر لا يمكن لنا رمي الدكتور عبد الوهاب التازي بشيء لم يقله ولم يثبته , لأنه ببساطة كان ينقل كلام صاعد البغدادي لا غير , والشيء الذي فعله أنه أشار في الهامش إلى الكتب التي ذكرت أنّ للمازني كتابين أحدهما في القوافي والآخر في العروض , دون أن يدفعه الحماس كما دفع الدكتور حنا حداد ( بغير دليل ولا تحقيق ) للجزم بصحة نسبة هذا الكتاب للمازني ؛ فقط لأن صاعد قال وجدته بخط المبرد عن خط المازني !! مع ما يكتنف هذا القول من الغموض ( فكيف اجتمع خطان في خط واحد !! ) ومع ما يكتنف مصطلح ( الوجادة ) أيضا من الغموض والإبهام , مع اشتراط الثقة في القائل وأنه متيقن حين قوله وجدت بخط فلان أنه خط فلان حقا , يقينا لا يشوبه أدنى شك , كما فصل ذلك السخاوي في فتح المغيث . و قد وصل الحماس بالدكتور حنا حداد إلى حد أن رمى المبرد بالسطو على أفكار المازني وشواهده في كتابه ( القوافي وما اشتقت ألقابها منه ) .
ولو كان في الحق , لكان الدكتور التازي أولى بإخراج هذا الكتاب من الفصوص وجعله كتابا منفردا , فالجهد جهده والتحقيق تحقيقه , حتى أنّ الدكتور حنا تابعه فيما أخطأ فيه , شاهدا على نفسه أنه لم يضف جديدا غير فصل كتاب القوافي عن كتاب الفصوص .
ومدار التحقيق في رأيي ينبغي أن يتركز حول شخصية صاعد البغدادي ومدى الثقة فيما يقول ويزعم , مادام أنّ كتاب القوافي الذي زعم أنه وجده لا أثر لنسخته اليوم , ولا أثر لنسخة أخرى منه تؤيد ما زعمه . ولا أثر حتى لكتاب سعيد بن عثمان المعروف بابن القزاز وهو من تلاميذ القالي الذي زعم ابن بشكوال أنه رد فيه على كتاب الفصوص وبيّن مناكيره .
وينبغي تتبع الإشارات المبثوثة في الكتب - إن وجدت - التي قد تشير إلى مقتطفات من هذا الكتاب تقوي نسبته إلى المازني أو إلى غيره . وعلى سبيل المثال نجد إشارة في الصفحة 206 ( وإن كانت محبطة ) تشير إلى أنّ صاحب هذا الكتاب له كتاب آخر في العروض : وهذا الشعر شاذ قليل كان الخليل لا يعرفه , وقد جاءت أبنية كثيرة مما هو على غير أبنية الخليل , قد ذكرتها في كتاب العروض . الفصوص 5 / 206
فلو لم يكن لكل من المازني والمبرد كتاب يسمى كتاب العروض , لأمكننا ترجيح نسبة كتاب القوافي هذا إلى أحدهما .

هناك لبس كثير يحوم حول صاعد وحول الأجواء المحيطة به حين تأليفه كتاب الفصوص على تحد منه لكتاب القالي , وزعمه أنه سيأتي فيه بما لم يشتهر , وبما لم يعرفه القالي . وما رافق ذلك من تحاسد بينه وبين مناوئيه الساعين جميعا لنيل الحظوة عند الأمير , بحق وبغير وجه حق .
وهنا نورد من كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام مقتطفات من الفصل الذي عقده للكلام عن صاعد البغدادي في بداية القسم الرابع :
يقول ابن حيان : لما دخل قرطبة ( يعني صاعدا ) دفعوه بالجملة عن العلم باللغة، وأبعدوه عن الثقة في عمله وعقله ودينه، ولذلك ما رضيه أحد من أهلها أيام دخوله إليها، ولا رأوه أهلا للأخذ عنه ولا للاقتداء به. وغرّقوا كتابه المترجم بــ " الفصوص " - فها هو إلى اليوم في نهرهم يغوص. انتهى
يقول ابن بسام : وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي كتابه المترجم بــ " الفصوص ". فلما أكمله وتتبعه أدباء الوقت، لم تمر فيه كلمةٌ زعموا صحتها عندهم، ولا خبرٌ ثبت لديهم ، فقالوا للمنصور: رجل [مقتدر] على تأليف الكذب، [ ... ] من عيون الأدب، يسندها إلى شيوخ لم يرهم ولا أخذ عنهم !! انتهى
ثم يورد ابن بسام حكاية تشكك في صدق صاعد و تظهر كذبه وجرأته , . يقول : حتى إنهم كلفوا المنصور أن يأمر بتسفير كاغد أبيض وتغيير بهجته ليدل على القدم، ففعل وترجم على ظهر ذلك السفر بكتاب " النكت " تأليف أبي الغوث الصنعاني. فترامى إليه صاعد حين رآه، وجعل يقلبه، وقال: إني والله قرأته بالبلد الفلاني على الشيخ أبي فلان، وهذا خطه، فأخذه المنصور من يده خوفا أن يفتحه، وقال له: إن كنت رأيته كما تزعم فعلام يحتوي ؟- قال: ورأسك لقد بعد عهدي به ولا أنص منه شيئا، ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعر ولا خبر. فقال له المنصور: أبعد الله مثلك! فما رأيت الذي هو أكذب منك. وأمر بإخراجه وأن يقذف بكتاب " الفصوص " في النهر . انتهى
وجدير بالذكر أنّ حكاية الإغراق هذه ينفيها المراكشي في المعجب , وإنما الذي وقع حسبه هو أنّ الكتاب سقط في النهر مع الغلام الذي كان يحمله إلى المنصور .
وحكاية أخرى من هذا الباب أيضا في الذخيرة : دخل يوما ( يعني صاعدا )على المنصور وبيده كتاب ورد عليه من عامل له اسمه ميدمان بن يزيد من أهل يابرة ، يذكر فيه ( القلب والتزبيل ) وما عندهم من معاناة الأرض قبل زرعها، فقال له: يا أبا العلاء، وقع إلي من الكتب كتاب ( القوالب والزوالب ) لميدمان بن يزيد قال: نعم رأيته في نسخة أبي بكر بن دريد بخط كأكرع النمل، في جوانبها علامات الوضّاع . فقال له: أما تستحي من هذا الكذب ! هذا كتاب عاملنا ببلد يابرة، يُعلم بالذي تقدم ذكره من صفة الأرض، وإنما صنعت هذه تجربة لك. فجعل يحلف أنه ما كذب وأنه أمرٌ وافقَ ..
ولمحقق الفصوص الدكتور عبد الوهاب التازي دراسة مفصلة عن صاعد البغدادي ( حياته وآثاره ) لمن أراد الاستزادة .
في الأخير لابد من شكر صاعد على حفظه لكتاب القوافي هذا , وسواء أصدق في زعمه أم كذب , وسواء أكان للمازني أم للمبرد , وهذا ما قد تكشف عنه الدراسات , فقد أدى إلينا قطعة من التراث جليلة .