المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : رأي في أصول النحو وصلته باصول الفقه لالدكتور السيد مصطفى جمال الدين



صالح بن سعد بن حسن المطوي
22-10-2005, 08:46 PM
هذه المقالة منقولة من مجلة تراثنا العدد 15


رأي في أصول النحو
وصلته باصول الفقه


الدكتور السيد مصطفى جمال الدين


--------------------------------------------------------------------------------

مقدمة وتمهيد :
الاصول ، في اللغة : جمع أصل وهو : « أسفل كل شيء » (1) . وقال الراغب : « أصل الشيء قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها سائرة ، لذلك قال تعالى : أصلها ثابت وفرعها في السماء » (2) .
ويطلق الاصوليون كلمة « أصل » على معان منها :
1 ـ (الدليل) أو المصدر الذي يستندون إليه في استنباط الحكم الشرعي ، فيقولون مثلا : « الاصل في هذه المسألة : آية المائدة » أو : « الاصل : حديث ابن مسعود » وأمثال ذلك .
2 ـ ومنها (القاعدة الاصولية) التي مهدوها لكيفية استنباط الحكم من الدليل ، كقولهم : « الاصل أن النص مقدم على الظاهر » و« الاصل أن عام الكتاب قطعي » وهكذا .
3 ـ ومنها أن كلمة الاصل تطلق على « الوظيفة » التي يعمل بها المكلف عند عدم عثوره على دليل من الادلة التي يستنبط منها الحكم إلى أن يعثر على
____________
(1) لسان العرب ، دار صادر 11|16 .
(2) مفردات الراغب الاصفهاني : 15 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 99 )

الدليل ، فيقال : « الاصل براءة الذمة » ، أو : « الاصل استصحاب الحال السابقة » ، أو : « الاصل الاحتياط » .
4 ـ ومنها ما يقابل الفرع في العملية القياسية ، فيقولون : « الخمر أصل النبيذ » أي أن حكم النبيذ ينبني على حكم الخمر ، لتساويهما في العلة .
5 ـ ومنها ما يدل على « الرجحان » ، فيقولون : « الاصل الحقيقة » أي إذا تردد الامر بين حمل الكلام على الحقيقة أو المجاز فإن الحقيقة أرجح .
ولعل المعاني الثلاثة الاولى هي الاقرب إلى ما نسميه بـ « اصول الفقه » فإن أصول الفقه تعني : الادلة التي يستنبط منها الفقه ، كما تعني القواعد التي تتم بها عملية الاستنباط من الادلة ، وتعني أيضا الاصول العملية التي نجري عليها عند خفاء تلك الادلة ، وهذه الثلاثة تشترك بالمعنى اللغوي للاصل ، أي : « الاساس الذي ينبني عليه الشيء » .
وفي تشخيص الادلة والاصول العملية اتفق الاصوليون على : النص الشرعي - من الكتاب والسنة ـ والاجماع ، ثم اختلفوا ، بعد ذلك ، في أدلة ما لا نص فيه : القياس ، ودليل العقل ، والاستحسان ، والاستصحاب ، والمصالح المرسلة ، وغيرها .
وفي القواعد الممهدة لعملية الاستنباط من الادلة اتفقوا على اليسير منها ، واختلفوا في الاكثر ، فتراهم مختلفين في : طرق وصول النص ، وأوجه دلالته ، وفي كيفية حصول الاجماع ونقله ، وفي أركان القياس ومسالك علته ، وفي مصاديق ما يمكن أن يكون مسرحا لادراك العقل حكم الله فيه ، وأمثال ذلك .


***

أما النحاة فيعنون بما يسمونه : « أصول النحو » ما عناه الاصوليون من « أصول الفقه » بشقيها ، أي الادلة والمصادر التي يبنى عليها النحو . . . والقواعد الممهدة لاستنباط الحكم النحوي من هذه الادلة والمصادر . وأبرز من كتب في أصول النحو ـ ولعله أول من أسس ذلك ـ هو أبو الفتح عثمان بن جني (ـ 392 هـ) في « الخصائص » ثم تلاه أبو البركات الانباري (ـ 577 هـ) في كتابه


--------------------------------------------------------------------------------

( 100 )

« لمع الادلة » ثم جلال الدين السيوطي (ـ 911 هـ) في كتابه « الاقتراح » ، ولم أعثر ، في حدود جهدي ، على كتب لقدماء النحاة تعنى بهذه الاصول غير ما ذكرت (3) .
وقد كان لمنهج البحث الاصولي أثره الكبير في منهج البحث النحوي في كل من الناحيتين : تشخيص الادلة . . . وأوجه دلالتها . وربما علل بعض النحويين ذلك : بأن « النحو معقول من منقول ، كما أن الفقه معقول من منقول » (4) .
لذلك نجد في تشخيصهم لادلة النحو نفس ما وجدناه عند الاصوليين من : النص « السماع » ، والقياس ، والاجماع ، والاستحسان ، والاستصحاب ، وغيرها . وفي أوجه دلالتها نراهم يبحثون ـ كما يبحث الاصوليون ـ في : طرق حمل النص ، وثقة النقلة والرواة (5) ، وعن التواتر والاحاد ، والمرسل ، والمجهول ، وشروط ذلك (6) ، كما يتحدثون عن إجماع أهل العربية ، ومتى يكون حجة ، ومتى تجوز مخالفته (7) ، وعن أنواع من الاجماع أخرى ، كإجماع العرب ، والاجماع السكوتي ، وإحداث قول ثالث (8) .
وتكلموا عن أقسام القياس : قياس العلة ، وقياس الشبه ، وقياس الطرد (9) . وعن أركانه الاربعة من : أصل ، وفرع ، وحكم ، وعلة ، وشروط هذه الاركان (10) . ولان ابن جني كان حنفيا ، والاحناف يعتبرون العلة هي ركن
____________
(3 ) أما « أصول ابن السراج » فإن كلمة « الاصول » فيه أشبهت بعض الباحثين فاعتبره من نوع هذه الكتب ، وهو ليس منها ، ولعل كلمة الاصول هنا تعني القواعد النحوية ، لا الادلة التي تنبني عليها القواعد ، وما في أصول ابن السراج لا يتعدى النحو الاعتيادي في الغالب .
(4) نزهة الالباء ـ لابن الانباري ـ : 54 ، والاشباه والنظائر ـ للسيوطي ـ 1|5 .
(5) الخصائص ـ لابن جني ـ 3|309 .
(6) لمع الادلة ـ لابن الانباري ـ : 32 ـ 40 .
(7) الخصائص 1|189 .
(8 ) الاقتراح ـ للسيوطي ـ 34 ـ 36 .
(9) لمع الادلة : 53 ـ 60 .
(10 ) الاقتراح : 39 ـ 50 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 101 )

القياس الوحيد ، وما عداها فهي شرائط (11) لذلك خص العلة ببحوث غاية في الدقة ، تحدث فيها عما تحدث عنه الاصوليون ، فذكر في الخصائص أبوابا : لتخصيص العلة 1|144 ، والفرق بين العلة والسبب 1|162 ، وتعارض العلل 1|166 ، والعلة المتعدية والعلة القاصرة 1|169 ، والمعلول بعلتين 1|174 وأمثال ذلك مما بحثه الاصوليون في باب العلة القياسية .
وفي مسالك العلة تحدث السيوطي عن : النص عليها والايماء إليها ، والاجماع ، والسير والتقسيم ، والشبه ، والطرد ، وعدم الفارق (12) . وكل هذه المسالك هي التي يذكرها الاصوليون ، عادة ، في مسالك العلة الشرعية .
وعرفوا الاستصحاب بما يشبه تعريف الاصوليين : « إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه عند عدم دليل النقل عن الاصل » (13) ووضعوه في نفس المرتبة التي وضعها بها الاصوليون بالنسبة للادلة الاخرى ، أي أنه لا يجوز العمل به عند وجود الادلة والامارات .
أما الاستحسان فقد ذكره ابن جني ، لان أصحابه من الحنفية يأخذون به ، ولكن الانباري والسيوطي لم يجعلاه من أدلتهما ـ مع ذكرهما له ـ لانهما شافعيان ، والامام الشافعي يبطله ويقول في رسالته : « الاستحسان تلذذ » (14) ونقل عنه قوله : « من استحسن فقد شرع » أو « فإنه أراد أن يكون شارعا » (15) .
ولم ينس النحويون أن يختموا أصولهم بما تختم به أصول الفقه عادة من باب « التعارض والترجيح » وقد ذكروا في هذا الباب : تعارض النصوص ، وتعارض الاقيسة ، وتعارض النص والقياس وأمثال ذلك (16) .
____________
(11) أنظر : كشف الاسرار على أصول البزودي 3|344 ـ 345 ، وأصول السرخسي 2|174 .
(12) الاقتراح : 58 ـ 63 .
(13) الاقتراح : 72 ، واللمع : 87 .
(14) الرسالة : 507 .
(15) المستصفى ـ للغزالي ـ 1|137 ، وحجة الله البالغة ـ للدهلوي ـ 1|311 . .
(16) أنطر : اللمع : 80 ـ 86 ، والاقتراح : 77 ـ 81 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 102 )

بعد هذا العرض الموجز لما يسميه هؤلاء المؤلفون بـ « أصول النحو » نستطيع ، بأدنى نظر ، أن نشخص الاثر الكبير لمنهجة أصول الفقه عليه ، خاصة وأن الذين ألفوا هذه الاصول ـ وإن ادعى كل منهم أنه مبتكرها ـ كانوا حريصين على الاعتراف باتباعهم حد أصول الفقه . يقول ابن جني ـ وهو أول من كتب في هذه الاصول ـ : « لم نر أحدا من علماء البلدين ـ البصرة والكوفة ـ تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه » (17) .
وقال الانباري : « وألحقنا بالعلوم الثمانية ـ يقصد علوم الادب ـ علمين وضعناهما : علم الجدل في النحو ، وعلم أصول النحو . . . على حد أصول الفقه ، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به ، لان النحو معقول من منقول كما أن الفقه معقول من منقول » (18) .
وقال السيوطي عن كتابه « الاقتراح » : « في علم لم اسبق إلى ترتيبه ، ولم أتقدم إلى تهذيبه ، وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كاصول الفقه بالنسبة إلى الفقه » (19) مع أنه نقل في كتاب جل ما قاله الانباري في اللمع ، وما قاله ابن جني في الخصائص .
وكل من تتبع أصول النحو في هذه الكتب الثلاثة ـ وبخاصة اللمع والاقتراح ـ يجد أثر أصول الفقه شائعا في تعريفاتها ، وتقسيماتها ، وشروطها ، وأحكامها . بل كانت الظاهرة الشائعة في العصور المتأخرة تقليد المؤلفين من النحاة للفقهاء والاصوليين في وضع كتب على غرارهم ، كما قال أبو البركات في مقدمة كتابه « الانصاف » أنه وضعه في « المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة ، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة » ومثل ذلك قال في مقدمة « الاغراب في جدل الاعراب » وتبعه السيوطي في « الاشباه والنظائر النحوية » كذلك.
____________
(17) الخصائص 1|2 .
(18) نزهة الالباء : 53 ـ 54 .
(19) الاقتراح : 2 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 103 )

وليس المهم هنا هو معرفة تأثر النحاة بالاصوليين ، ولكن المهم أن نسأل عن الطريقة التي اتبعها هؤلاء النحاة في تأصيل هذه الاصول ، لنحكم بعد ذلك على مقدار قيمتها .


الطرق المتبعة لتأسيس الاصول
المعروف أن النحو ولد أشبه ما يكون بالصناعة الكاملة ـ من ناحية المنهج والاستنتاج ـ في كتب المدرستين القديمة ، وبخاصة في كتاب سيبويه ومعاني الفراء ، وإذا كانت هناك إضافات تستحق الذكر ، بعدهما ، فهي بلا شك حدثت قبل تأسيس الاصول النحوية هذه ، وذلك لان النحو بعد القرن الرابع بدأ يلوك نفسه ، ويدور ـ كما هو معروف ـ في حلقة مفرغة من التعليلات والاوهام ، ولكنها لا تخرج غالبا عما جاءت به المدرستان من مسائل وأحكام .
والذي نعرفه عن « الاصول » ـ أية أصول سواء أكانت للفقه ، أم للنحو ، أم للادب ، أم لاي فن آخر ـ ما هي إلا مناهج وأصول بحث تقوم عليها أحكام ذلك الفن وقضاياه ، من أجل ذلك ينبغي أن تكون أصول البحث في رتبة سابقة ، أو موازية للبحث أو المبحوث فيه ، وهذه طبيعة كل أساس يراد البناء عليه ، فماذا يراد إذن بهذه الاصول التي جاءت متأخرة جدا عن النحو ، باعتباره صناعة قائمة ، هذه الاصول التي استعارها (مبتكروها) من أصول علم آخر قام جنبا إلى جنب مع النحو ، وبدأ بناة العلمين معا يقيمونهما في عصر متقارب ، ولابد أن يكون لكل منهما أسسه ومناهجه الملائمة لطبيعته ؟
من حيث الاساس هناك تفسيران مقبولان لتدوين أصول أي علم بعد قيامه واكتماله :

1 ـ الطريقة التأسيسية النظرية :
وهي أن يكون هذا التدوين « نقديا نظريا » وذا طبيعة جدلية منطقية ، أي أن واضعي تلك الاصول نظروا في أحكام ومسائل الفن القائم ، فلم تعجبهم


--------------------------------------------------------------------------------

( 104 )

أصوله ومناهجه المهزوزة ، لذلك طفقوا يحققون القواعد والاصول المثلى التي يجب أن يقوم عليها بناء الفن ، سواء أكانت مسائله وأحكامه السابقة صحيحة في معيار هذه الاصول الجديدة أم فاسدة .
وعلى هذه الطريقة أسس الامام الشافعي أصوله وبنى فقهه ، وخالفه فيه الفقه القائم في مدرستي الكوفة والمدينة ـ أصولا وأحكاما ـ وفيهما فقه استاذيه : مالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وذلك أن أصول الشافعي ومناهجه الجديدة تبطل من أصول مالك ما كان يعتمده من « إجماع أهل المدينة » و« المصالح المرسلة » و« سنة الصحابة » وغيرها . وتبطل من أصول العراقيين ـ أبي حنيفة وطلابه ـ ما كانوا يرونه من « الاجماع السكوتي » و« الاستحسان » و« الرأي » ، وما كانوا يشترطونه للسنة من شروط تضيق دائرة الاعتماد على الحديث النبوي .
ثم جاء المتكلمون من أتباع المذهب الشافعي وغيرهم ، فصقلوا هذه الاصول ووسعوها وأحكموا قواعدها ، وخالفوا ـ في بعضها ـ ما ذهب إليه إمام المذهب ، ولذلك كانت هذه الطريقة تسمى أحيانا بـ « طريقة الشافعيه » وأحيانا بـ « طريقة المتكلمين » .

2 ـ الطريقة الوصفية التسجيلية :
وهي أن يكون هذا التدوين ـ في جملته ـ « وصفا » لخطوات أصحاب الفن القائم ، وطبيعته حينئذ طبيعة تاريخية ، أي أن واضعي هذه الاصول رجعوا إلى مسائل هذا العلم وأحكامه ، فلاحظوا أن العلماء السابقين كانوا يبنون حكمهم في هذه المسألة على هذا الاصل ، وفي تلك المسألة على ذلك الاصل ، وفي ثالثة على أصل ثالث ، وهكذا إلى أن استقروا مسائل العلم كلها ، وضموا الاصول المتشابهة بعضها إلى بعض ، فحصل لهم ، نتيجة استقرائهم الشامل وملاحظتهم الدقيقة ، مجموعة من أصول هذا العلم ومناهجه .
وعلى هذه الطريقة دونت أصول الفقه عند الحنفية ، وسميت بـ « طريقة


--------------------------------------------------------------------------------

( 105 )

الفقهاء » على أساس أن المأثور عن أقطاب المذهب وفقهائه ـ أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ـ : هي كتب الفقه فقط ، وكانت هذه الكتب تضم المسائل التي تعرض لهم فيحكمون فيها ، وقد يختلفون فيما بينهم فيحتج كل منهم لرأيه ، ومن هذه الحجج استنتج فقهاء المذهب ـ بعد ذلك ـ الاصول التي كان الفقهاء الثلاثة يبنون أحكامهم عليها ، ولذلك تجد أصول الفقه عند الاحناف كثيرة الاستشهاد بفروع المذهب الفقهية .


أصول النحو ليست نظرية ولا وصفية :
من خلال هذه التفسيرين نستطيع أن نقوم « أصول النحو » التي جاءت متأخرة عن النحو ، لنجد أنها ليست تأسيسية نظرية ، وليست وصفية تاريخية ، وإنما هي عمل تقليدي صرف لاصول علم آخر ، يبعد كثيرا بطبيعته ومصادر أحكامه عن علم النحو .

أ ـ أما أنها ليست تأسيسية نظرية فلسببين :
1 ـ أن بناة هذه الاصول لم يعملوا عمل الشافعي ، فيغيروا من مناهج النحو ومسائله ومصادر أحكامه التي كانت قائمة في مدرستي الكوفة والبصرة النحويتين ـ كما فعل الشافعي مع أصول مدرستي الكوفة والمدينة الفقهيتين ـ فيقدموا لنا « نحوا جديدا » على غرار فقه الشافعي وجدة مناهجه ، بل إن كل ما أحدثوه أنهم عمدوا إلى تلك المسائل والاحكام السابقة ، فبحثوا في عللها وأسبابها ، وتجادلوا في ذلك ثم طال بهم الجدل ، حتى انتقلوا من علة الحكم إلى علة العلة ، وعلة علة العلة ، التي سميت أحيانا بالعلل الاول ، والعلل الثواني ، والعلل الثوالث ، وأحياينا ب : العلل التعليمية ، والعلل القياسية ، والعلل الجدلية(20) .
____________
(20) المصطلح الاول لابن مضاء في « الرد على النحاة » : 102 ، والثاني للزجاجي في « الايضاح » :

=


--------------------------------------------------------------------------------

( 106 )

وحين جاء رجل مثل ابن مضاء القرطبي ( ـ 592 هـ ) رد على النحاة هذه العلل الثواني والثوالث ، وقبل العلة الاولى في رفع « زيد » من « قام زيد » لانه فاعل ، وذلك لان ما عدا هذه العلة « لا يزيدنا علما بأن الفاعل مرفوع ، ولو جهلنا ذلك لم يضرنا جهله ، إذ قد صح عندنا رفع الفاعل الذي هو مطلوبنا ، باستقراء المتواتر الذي يوقع العلم » (21) .
والحق في ذلك مع ابن مضاء ، لان في هذه التعليلات المتتالية إثقالا لهذه الصناعة اللغوية ، بمصطلحات صناعات أخرى ، كل امتيازاتها أنها كانت أكثر جلبة منها ، فظهرت كتبهم النحوية المتأخرة خليطا من فنون مختلفة ، وهذاشيء لا حاجة به للاطالة ، لانه معروف .
2 ـ أن بناة هذه الاصول كانوا يصرحون بأن طريقتهم في جمعها هي « طريقة الفقهاء » أي أنهم جمعوها مما تفرق من مناهج النحاة السابقين ، كما جمع الاحناف أصولهم مما تفرق من مناهج فقهاء المذهب .
يقول ابن جني ـ وهو أقدم واضعي هذه الاصول ، وأكثرهم دقة ، وملاحظة واستيعابا ، بعد بحث مستفيض في تخصيص العلل ـ : « واعلم أن هذه المواضع التي ضممتها ، وعقدت العلة على مجموعها قد أرادها أصحابنا ـ يعني البصريين ـ وعنوها ، وإن لم يكونوا جاءوا بها مقدمة محروسة ، فإنهم لها أرادوا
____________
64 ـ 65 ، وترتيب هذه العلل على الشكل الاتي :
إذا سئل عن « زيد » في « قام زيد » : لم رفع · فيقال : لانه فاعل = « العلة الاولى أو التعليمية » .
ثم يسأل : ولم رفع الفاعل · فيقال : للفرق بينه وبين المفعول = « العلة الثانية أو القياسية » .
ثم إذا سئل : ولم لم يعكس الامر فيعطى الرفع للمفعول والنصب للفاعل ؟ فيقال : لان الفاعل واحد والمفاعيل قد تكون أكثر من واحد ، فأعطي الرفع ـ وهو الاثقل ـ للاقل ، والنصب ـ وهو الاخف ـ للاكثر ، ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر ما يستخفون = وهذه « العلة الثالثة أو الجدلية » .
أنظر في ذلك : الخصائص ـ لابن جني ـ 1 |48 والرد على النحاة ـ لابن مضاء ـ : 151 .
(21) الرد على النحاة : 152 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 107 )

وإياها نووا ، ألا ترى أنهم إذا استرسلوا في وصف العلة وتحديدها قالوا : إن علة (شد) و(مد) ونحو ذلك في الادغام ، إنما هي اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد . . . » ثم يضرب أمثلة أخرى يقول في نهايتها : « فهذا الذي يرجعون إليه فيما بعد متفرقا قدمناه نحن مجتمعا » (22) .
ثم يشبه عمله هذا بعمل الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة فيقول : « وكذلك كتب محمد بن الحسن رحمه الله ، إنما ينتزع أصحابنا ـ وهنا يعني فقهاء الحنفية (23) ـ منها العلل ، لانهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه ، فيجمع بعضه إلى بعض بالملاطفة والرفق ، ولا تجد له علة في كلامه مستوفاة محررة ، وهذا معروف من هذا الحديث عند الجماعة غير منكور » (24) .

ب ـ وأما أنها ليست وصفية تاريخية :
فلاننا ـ مع هذا التصريح الواضح من ابن جني أنه اتبع في تأسيس أصوله « طريقة الفقهاء » وهي وصفية تاريخية ـ نجد أن أصوله النحوية وأصول من تأخر عنه ، ليست لها تلك الطبيعة الوصفية التسجيلية لاصول الاحناف ، وذلك لان ملاحظاته وملاحظات أصحابه ، في الواقع ، لم تأخذ طريقها الطبيعي فتعتمد إلى مسائل النحو الذي يؤرخون له ، ومواضع الخلاف بين أقطابه كعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من البصريين ، والكسائي والفراء وهشام الضرير من الكوفيين ،
____________
(22 ) الخصائص 1|162 .
(23 و24) الخصائص 1|163 وقد اضطررت لتفسير بـ « أصحابنا » هنا بالاحناف ، وفي النص السابق بالبصريين ، لاني رأيت بعض الباحثين ـ وفيهم من أجله ـ يرى : « ان النحاة ـ والبصريين منهم خاصة ـ قد انتزعوا علل النحو من كتب محمد بن الحسن الشيباني ـ صاحب أبي حنيفة ـ بالملاطفة والرفق » اعتمادا على هذا النص المشبه ، مع أن أصحاب ابن جني في النحو هم البصريون ، وفي الفقه الاحناف ، وهو يشبه عمل نحاته بعمل فقهائه ، ولا معنى لان ينتزع النحاة علة « شد » و« مد » في الادغام من كتب ذات علل فقهية . . .
انظر في ذلك : كتاب الاستاذ سعيد الافغاني « في أصول النحو » : 100 ، 226 ، والدكتور تمام حسان في كتابه « الاصول » : 182 ، والدكتور محمد عيد في « أصول النحو العربي » : 122 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 108 )

وطرائق كل فريق من هؤلاء للاحتجاج لرأيه ، ليستنتجوا من إحصائها وتصنيفها أدلة علماء النحو وأصولهم التي بنوا عليها مسائله ، كما صنع فقهاء الحنفية في استنتاج أصولهم من كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وإنما عكسوا القضية فركبوا الطريق من نهايته ، وعمدوا إلى أدلة وأصول معروفة لعلم آخر هو الفقه ، فجعلوها بداية شوطهم ، وحملوها ـ راضية أم كارهة ـ فروع علم آخر لا يمت إليها بصلة ، بحجة « أن كلا منهما معقول من منقول » كما يقال الانباري (25) . ولو أنهم ركبوا الطريق الصحيح لما وجدوا في كتب قدمائهم شيئا من هذه الاصول ، عدا السماع والقياس ، كما سنبين ذلك فيما يأتي .
ومع ذلك فلننظر في قيمة هذه الاصول التي نقلوها من الفقه إلى النحو ، لنجد هل وفقوا في هذا النقل ·


قيمة ما سمي بأصول النحو
ونبدأ من هذه الاصول بما رجحنا أن أدلة النحو لا تتعداه ، وهي أدلة « السماع والقياس » .
وهذا الاصلان ، وإن وجد في الفقه ما يقابلهما من : « النص » و« القياس على النص » ، إلا أن طبيعة « الحكم » الذي يستنبطه الفقيه ، ومجال حركته يختلف تماما عن طبيعة « الحكم » النحوي فيهما ، لذلك فلا يكون مورد الفقيه والنحوي من هذين المصدرين واحدا ، لاختلاف نظر الوارد ، ولتفصيل ذلك نشير إلى بعض ما نأخذه على النحاة من فروق يختلف فيها استنباط الحكم ، من النص والقياس عليه ، بين كل من النحوي والفقيه ، ثم مقدار ما قدمه كل من النحاة والفقهاء من « تأصيل » لهذه الادلة التي ادعي اشتراكهما فيها ، وصقل للقواعد والضوابط التي أعانتهم في أوجه دلالتها ، وأهمها عند الطرفين :
____________
(25) تقدم نقل ذلك عن نزهة الالباء : 54 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 109 )


1 ـ النص أو السماع
هناك نصوص مشتركة بين الفقهاء والنحاة أهمها : القرآن والسنة ، ولكن يصعب أن نوحد بين مناهج البحث فيهما ، فيستعير النحاة كل ما وضعه الاصوليون من قواعد لاوجه دلالتها على المطلوب ، لان هذا « المطلوب » ليس واحدا بين الطرفين ، ولا يكفي ما نقلناه عن ابن الانباري من « ان كلا من النحو والفقه معقول من منقول » لان جهة النظر العقلي فيهما مختلفة .

أ ـ القرآن :
والقرآن هو أهم الادلة السمعية المشتركة ، وأهميته نابعة من كونه النص المتواتر وصوله إلى كل من النحوي والفقيه ، ولكن استفادة كل منهما من هذا الدليل المقطوع به تختلف باختلاف طبيعة المستدل عليه عندهما ، ونحن نسجل ذلك في النقاط الاتية :
1 ـ إن النحو يمكن أن يستنبط من كل آية في كتاب الله ، لان طبيعة أحكامه تتعلق بلفظ القرآن ونظمه ، وليس الامر كذلك بالنسبة للفقه ، لان أحكامه لا تصدر إلا عن الايات المتعلقة بأفعال المكلفين مما نسميه « آيات الاحكام » وهي لاتتجاوز خمسمائة آية .
فمصدر النحوي من القرآن إذن غير مصدر الفقيه .
لان نظر هذا يتعلق بالشكل ، ونظر ذلك يتعلق بالمضمون .
ويحتج هذا بكل ما في كتاب الله ، ويحتج ذلك ببعض آياته .
ودلالة النص القرآني على المطلوب تختلف بين الفقيه والنحوي ، فهي عند النحوي « دلالة قطعية » . وعند الفقيه « دلالة ظنية » ، لان حكم النحوي برفع الفاعل ونصب المفعول مثلا ، لا يختلف بين أن تكون الاية « نصا » في مدلولها أو « ظاهر نص » ، ولكن حكم الفقيه يختلف بين النص الظاهر ، حتى اضطر الاصوليون لان يبحثوا كثيرا في دلالات الصيغ من : الامر ، والنهي ، والعموم


--------------------------------------------------------------------------------

( 110 )

والخصوص ، والاطلاق والتقييد ، وفي دلالات التنبيه والاشارة ، والايماء ، وفي مفاهيم الشرط ، والوصف ، والحصر ، والغاية وأمثال ذلك مما هو معروف ، وكل دلالاتها ظنية ، لانها كلها من ظواهر الكتاب .
من أجل ذلك كان ينبغي أن تكون « قواعد الاستنباط » من هذا النص تختلف بين مستنبط ومستنبط .
2 ـ إن مسألة اختلاف القراءات وحجيتها ، مسألة لا تبحث عادة في أصول الفقه ، وربما في الفقه إلا نادرا ، مثل جواز القراءة في الصلاة بإحدى هذه القراءات ، ولكن هذه المسألة مهمة جدا بالنسبة للنحوي ، لان أكثر القراءات متواترة ومرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وحتى لو افترضنا بأن القرآن لم ينزل إلا بواحدة منها ، تبقى الاخريات من أقوى الحجج النحوية ، لانها نصوص عربية فصيحة ، ورواتها من الصحابة والتابعين قوم فصحاء ، وفي قمة العصر الذي يحتج به النحاة عادة .
ولكن النحاة ـ مع ذلك ـ لم يبحثوا في حجة القراءات ، ولم يحققوا فيها كما حقق الاصوليون في حجية الظواهر ، بل إن النحاة ـ وبخاصة نحاة البصرة ـ لم يجعلوا القراءات ـ مع تواترها ـ أولى بالاحتجاج من شواهدهم التي أقاموا عليها قواعدهم ، وردوا كثيرا منها متهمين أصحابها باللحن أو الشذوذ ، لانها تخالف القاعدة التي بنوها على الشاهد والشاهدين ، وربما كان هذا الشاهد لشاعر مجهول ، أو امرأة من أسد أو تميم غير معروفة ، حتى انتقد ذلك الفخر الرازي (ـ 606 هـ ) في أثناء شرحه لقوله تعالى في أول النساء : (واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام وقراءة حمزة ومجاهد لها بجر « الارحام » التي رفضها البصريون ، لانها مخالفة لقاعدتهم بعدم جواز العطف على الضمير من غير إعادة حرف الجر ، وتجويز سيبويه لذلك مستشهدا ببيتين مجهولي القائل ، مثل :


فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والايام من عجب

بجر « الايام » عطفا على « بك » فعلق الفخر الرازي : « والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ، ولا


--------------------------------------------------------------------------------

( 111 )

يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما من أكابر علماء السلف في علم القرآن » (26) .
وقبل الرازي كان الشيخ الطوسي (ـ 460 هـ ) يقول عن الاحتجاج بمثل هذه الاشعار على صحة الشيء المشتبه في القرآن : « لان غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي ، أو لفظ منقول عن بعض الاعراب ، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية ، ولا تكون منزلة النبي صلى الله عليه وآله ـ وحاشاه من ذلك ـ أقل من منزلة واحد من هؤلاء ، ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي ، وزهير ابن كعب وغيرهم ، ومن طرائف الامور أن المخالف إذا أورد عليه ـ أي القرآن ـ شعر من ذكرناه ومن هو دونهم سكنت نفسه ، واطمأن قلبه ، وهو لا يرضى بقول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، ومهما شك الناس في نبوته ، فلا مرية في نسبه وفصاحته ، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة ، ويرجع إليهم في معرفة اللغة . . . وكيف يجوز أن يحتج بشعر الشعراء عليه ، ولايجوز أن يحتج بقوله عليهم · ! . . . لانهم ليسوا بأن يجعلوا عيارا عليه ، بأولى من أن يجعل هو عليه السلام عيارا عليهم » (27) .
وإليك نماذج مما رد به النحاة هذه القراءات الصحيحة ، واتهامهم لقرائها وهم من فصحاء العرب :
1 ـ ردوا قراءة نافع المدني وابن عامر الدمشقي قوله تعالى : ( وجعلنا لكم فيها معائش ) [ الاعراف : 10 ] لانها بالهمز ، حتى قال المازني : (إن نافعا لم يدر ما العربية » (28) . وحجتهم في ذلك أن القاعدة تقضي أن حرف العلة إذا كان زائدا يقلب عند التكسير همزة مثل : « صحيفة وصحائف » و« عجوز وعجائز » ، ولكنه إذا كان أصليا لا يقلب مثل : « معيشة ومعايش » ـ وعليه قراءة الجمهور ـ ولكن استقراءهم كان ناقصا ، والقاعدة غير مطردة ، فالعرب تجمع مصيبة على
____________
(26) تفسير الرازي 9|162 .
(27) التبيان 1|16 .
(28) صبح الاعشى 1|179 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 112 )

« مصائب » ومنارة على « منائر » مع أن همزتهما مقلوبة عن حرف أصلي .
2 ـ ردوا قراءة ابن عباس ، وعروة بن الزبير ، ومقاتل ، ومجاهد ، وابن أبي عبلة وغيرهم قوله تعالى : (ما ودعك ربك وما قلى) ـ بالتخفيف بحجة أن العرب أماتت ماضي « يدع » ومصدره ، مع أن هؤلاء الذين قرأوها بالتخفيف هم من العرب ومن فصحائهم ، ومنن يحتج بكلامهم ، ومع أن الفعل جار على القياس ، وبعض اللغويين يثبتون ذلك استنادا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله : « لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات أو ليختمن على قلوبهم » (29) ومع أنهم يروون عن إمام النحاة أبي الاسود الدولي قوله :
ليت شعري عن خليلي ما الذي ـ غاله في الحب حتى ودعه (30)
3 ـ إن البصريين حين أسسوا قاعدة عدم جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف والمجرور ، ردوا قراءة ابن عامر المتواترة : ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) ـ الانعام : 137 ـ وقراءة غيره : (ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله) ـ إبراهيم : 47 ـ مع أن لهما شواهد شعرية ونثرية يذكرها الكوفيون وشراح ابن مالك عادة ، ولكن البصريين غالوا في ردها جميعا ، وما ورد في الشعر أجازوه للضرورة ، حتى أتهم الزمخشري في الكشاف عبد الله بن عامر ـ وهو أحد القراء السبعة ، ومن كبار التابعين ، ومن صميم العرب الذين يحتج بكلامهم ـ بقوله : « إن الذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء » (31) مما يوحي بأنه اختراع القراءة من نفسه ، وقد ناقشه الاستاذ سعيد الافغاني في كتابه « في أصول النحو » مناقشة جيدة ، ختمها بقوله : « وكان على الزمخشري ، وهو أعجمي تخرج بقواعد النحاة المبنية على الاستقراء الناقص ، أن يتجرأ لنقد رجل عربي قويم الملكة ، فصيح
____________
(29) انظر مادة « ودع » في كل من : المصباح المنير ، والنهاية ، ولسان العرب وغيرها .
(30) الخصائص : 1|99 .
(31) الكشاف : 2|70 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 113 )

اللسان ، حجة في لغة العرب ، شيئا غير هذه الخطابيات » (32) .

ب ـ السنة :
وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وآله والمفروض أنها من أوسع المصادر المشتركة بين الفقيه والنحوي ، فإننا نجد الفوارق الاتية بينهما :
1 ـ ما تقدم في الكلام عن القرآن من تعلق نظر الفقيه بالمعنى والمضمون ، وتعلق نظر النحوي بشكل السنة ونظمها ، على أن الفقهاء يوسعون دائرة السنة لتشمل فعله صلى الله عليه وآله وتقريره ، والنحو لا علاقة له بالفعل والتقرير .
2 ـ إن النحاة السابقين لم يشاركوا الفقهاء بالاحتجاج حتى بالسنة القولية ، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله أفصح من نطق بالضاد ، وذلك لسببين ادعاهما أبو حيان وغيره من المتأخرين : وقوع التصحيف واللحن في بعض الاحاديث . . . وأن كثيرا ممن يوثق بدينه ينقل الحديث بالمعنى ، وأساس الحكم النحوي قائم على صحة اللفظ وإن صدر عن كافر مبتدع ، لذلك أهمل النحاة الاستشهاد بالحديث ، حتى قال أبو حيان الاندلسي : « إن الواضعين الاولين لعلم النحو ، المستقرين للاحكام من لسان العرب ، كأبي عمرو ، وعيسى بن عمر ، والخليل وسيبويه ، من أئمة البصريين ، والكسائي ، والفراء ، وعلي بن مبارك الاحمر ، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين ، لم يفعلوا ذلك ـ يقصد الاحتجاج بالحديث ـ وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين ، وغيرهم من نحاة الاقاليم ، كنحاة بغداد ، وأهل الاندلس » (33) .
وقد استشهد ابن خروف (ـ 609 هـ ) بالحديث فتعقبه ابن الضائع (ـ 680 هـ ) في شرح الجمل ، ورد عليه متحاملا ، ثم جاء دور ابن مالك (672 هـ ) فأكثر من الاستشهاد بالحديث في التسهيل ، وقسا عليه شارحه أبو حيان
____________
(32) في أصول النحو : 44 .
(33) دراسات في العربية وتاريخها : 168 نقلا عن شرح التسهيل ، وانظر : الاقتراح : 17 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 114 )

(745 هـ) حتى قال : « والمصنف قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الاثر ، متعقبا بزعمه على النحويين ، وما أمعن النظر في ذلك ، ولا صحب من لم التمييز » (34) كما رد على ابن مالك أبو إسحاق الشاطبي (790 هـ ) وجلال الدين السيوطي (911 هـ ) وغيرهم ، ولم ينح نحو ابن مالك في الاحتجاج بالحديث إلا قلة ، منهم ابن هشام (761 هـ ) والمحقق الرضي (686 هـ ) فقد أضاف إلى الاحتجاج بسنة الرسول صلى الله عليه وآله احتجاج بأقوال أهل البيت عليهم السلام .
وبإهمال النحاة الاحتجاج بالسنة ، أفقدوا نحوهم أوسع مصادره الموثوقة ، واقتصروا على شواهد من الشعر والامثال ، فوقعوا فيما وقعوا فيه من نقص الاستقراء ، في حين استفاد أصحابهم اللغويون من احتجاجهم بالسنة فأثروا معجماتهم بمفردات عربية سليمة .
3 ـ إنهم لم يعتمدوا في تحقيق ما احتجوا به من شواهد الشعر والامثال ، كما اعتمد الفقهاء والمحدثون في تحقيق السنة النبوية ـ سندا ومتنا ـ لذلك جاء الكثر من شواهدهم مجهول القائل والرواية ، بل وجد فيما احتجوا به نفس السببين اللذين أنكروهما على الاحاديث : وقوع التصحيف واللحن . . . والنقل بالمعنى أحيانا ، كما أنهم لم يتحرجوا في الاحتجاج بما نقله مثل حماد الرواية الذي كان ـ كما يقول يونس ـ : « يلحن ، ويكسر الشعر ، ويكذب ، ويصحف » (35) ، ويروى أن الكميت امتنع عن إملاء شعره عليه ، وقد طلب منه ذلك ، وقال له : « أنت لحان ولا أكتبك شعري » (36) .
وإذا كان الامر كذلك ، فلم استعار واضعو هذه الاصول من أصحاب أصول الفقه كل ما قالوه في طرق حمل النص ، وثقة النقلة والرواة ، والتواتر ، والاحاد ، والمرسل ، والمجهول وأمثالها مما لم يلتزموا به في نقلهم لغة العرب ، الامر الذي دعا الفخر الرازي إلى أن ينحو باللائمة على أصحابه الاصوليين ، لانهم لم
____________
(34) الاقتراح : 19 .
(35) مراتب النحويين ـ لابي طيب اللغوي ـ : 73 .
(36) الموشح ـ للمرزباني ـ : 195 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 115 )

يقوموا هم بهذه المهمة بدلا من النحاة ـ وقد نقل النحاة المتأخرون نص قوله هذا ـ قال : « والعجب من الاصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجة في الشرع ، ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة والنحو ، وكان هذا أولى ، وكان من الواجب عليهم أن يبحثوا في أحوال اللغات والنحو ، وأن يفصحوا عن جرحهم وتعديلهم ، كما فعلوا ذلك في رواة الاخبار ، لكنهم تركوا ذلك بالكلية ، مع شدة الحاجة إليه ، فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الاصل للاستدلال بالنصوص » (37).
ولو أن النحاة قاموا بتحقيق نصوصهم التي يحتجون بها لما دعا الرازي أصحابه إلى ذلك .

2 ـ القياس
يعرف القياس عند النحاة ، كما يعرف عند الاصوليين : « حمل غير المنقول على المنقول ، في حكم ، لعلة جامعة » (38) وربما فضل الاصوليون أن يقولوا : « حمل غير المنصوص على المنصوص . . . » أو : « حمل فرع على أصل في حكم ، بجامع بينهما » (39) أو ما يشبه ذلك مما يتضمن أركانه الاربعة : الاصل ، والفرع ، والحكم ، والعلة المشتركة . ولكن هذه التعريفات عند كل من النحاة والاصوليين متأخرة جدا عن نشأة القياس عندهما ، وهذا أمر طبيعي خاضع لقانون التطور في أي فن من الفنون .
لمحة تاريخية :
ويبدو لي أن القياس نشأ عند الطرفين ، في عصر متقارب ، وقد يكون الفقهاء أسبق من النحاة قليلا ، وكانت نشأته عندهما نشأة بدائية ، قوام القياس
____________
(37) أنظر : المزهر ـ للسيوطي ـ 1|118 نقلا عن المحصول للرازي ، وإرشاد الفحول للشوكاني 15 ـ 16 نقلا عن المحصول أيضا .
(38) الاقتراح ـ للسيوطي ـ : 47 .
(39) روضة الناظر ـ لابن قدامة ـ : 145 .

هيان بن بيان
10-02-2007, 08:46 PM
بارك الله فيكم أخي صالح

هل المجلة صادرة في ( مصر ) ؟

صالح بن سعد بن حسن المطوي
11-02-2007, 04:53 PM
أخي هيان بن بيان

هذه المجلة أيرانية

يصدر منها في بعض الأحيان دراسات قيمة

منها هذه الدراسة

وهي موجودة على النت

وشكرا على أهتمامك وتفاعلك

خالد مغربي
11-02-2007, 08:51 PM
أخي صالح ، جزاك الله خيرا على نقلك الذي سأعود إليه
وكان يكفي أن تشير لمحا إلى المصدر سلمك الله 0

صالح بن سعد بن حسن المطوي
12-02-2007, 01:10 AM
أخي مغربي

أقبل منك هذا النقد

لأن المغاربة مشهورين

_ و العلماء منهم خصوصاً_

في أدب الطرح والخلاف والنقاش

وكانوا يقدمون الأدب قبل العلم

هذا ما عهدناه من سلف المغاربة خاصة

رحمهم الله وغفر لهم

ولكن عذرا يا أخي ألم ألمح في طرحي الأول

وكأن السائل يقصد بهذا السؤال

مقصدا آخر

وعلمت بذلك لتفاهة السؤال

ومعظم النار من مستصغر الشرر

فإن واريت أو جانبت وقع المحظور..........

فكان جوابي بهذا القدر لكي أطفيء نار الشرر

التي يراد أشتعالها

وكما أني عاتب عليك يا أخي

لماذا ولم وهل يصح

أن لا أرى لك تفاعلا لامنك

ولا من لجنة الإشرف

على ما أساهم به في شبكة الفصيح

وكأنما لمساهماتي

الصمت والتجهل لها

رسماً وعنواناً لها

ومن كان منكم في الأمامة من العلم

كان قدوةً وأباً وأخاً وصديقاً وصاحباً

ورفيق درب تطبع ذكراه

بأجمل الذكريات وأحلاها

فأن كنتم لاترغبون بوجودي

وضيف ثقيل عليكم

فصارحوني لأني صريح و لا تواربوا

فأني رجل لايحب أن يكون ثقيلاً

على أحد

وأكرم الناس قبل أن يكرموني

فإن كان بعد الأكرم جحوداً

فلا آسف على أكرامي

و أسفه جاحدي

لأن هذا من شيمتي

والسلام

أبو لين
12-02-2007, 03:13 AM
أخي مغربي

أقبل منك هذا النقد

لأن المغاربة مشهورين



لأن المغربين مشهورون .
وجزاك الله خيرا على هذا النقل وبارك فيك .

صالح بن سعد بن حسن المطوي
13-02-2007, 12:52 AM
الله

يكثرخيرك

و من خير أمثالك

من تحمل هذه النفوس الطاهرة

يا بحر النحو

أبو لين
13-02-2007, 02:39 AM
وجزاك الله ألف الف خير ولك شكري وتقديري .

هيان بن بيان
13-02-2007, 10:29 AM
جزاك الله أخي صالح و لا تأخذ الأمور بحساسية.

فالتوجيه مبناه على سؤالي عن المصدر.

و أرحب بأهل الدوحة و من مرّ عليها من الحبايب،و لا تزعل يا الحبيب.

خالد مغربي
13-02-2007, 04:16 PM
غفر الله لك أخي صالح ، كأنك تغني وترد على نفسك
ثم من قال أننا نتجاهلك أو نتجاهل غيرك ، فالمنتدى أبوابه مشرعة لكل فاعل بارك الله فيك 0



فأن كنتم لاترغبون بوجودي

وضيف ثقيل عليكم

فصارحوني لأني صريح و لا تواربوا

فأني رجل لايحب أن يكون ثقيلاً على أحد

هل ترى أنك ثقيل ، وغير مرحب بك ، تأمل أخي ولا تلق الكلام على عواهنه 0


أن لا أرى لك تفاعلا لامنك

ولا من لجنة الإشرف

على ما أساهم به في شبكة الفصيح

حسنا ، كم ستدفع لأكون متفاعلا مع مساهماتك ؟!!:)

دمت بود

صالح بن سعد بن حسن المطوي
14-02-2007, 01:32 PM
أخي المغربي

قلنا: عتب وليس نقداً ودراسة وتمحيص

وتحصل فيه المصارحة والمشاحنة بين الأخوان

على فكره أنت ذكي جداً

لأنك عرفت كيف تخرج من الزاوية

الله يحفظك

أسف على تأخري في الرد

لأن مركز أرسال المشاركات لديكم

مضرب عن أرسال أية رسالة لي

و أكتشفت رسالتك الآن بالصدفة

و لا تكلمني بخصوص الفلوس

لأن المال عديل الروح

و الطيب إلي بو بلاش أحسن

وشكراً

يا طيب

خالد مغربي
14-02-2007, 02:05 PM
تحية مغربية إذن !! :)