المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مقاربات تطبيقية فـي الأدب المقارن الجزء الاول



زيد الخيل
24-10-2005, 01:48 AM
المقدمــــة :

يتيح لنا الأدب معرفة الإنسان في الإنسان، كما يقول دوستويفسكي، وعبر هذه المعرفة يبرز لنا الجوهر المشترك للإنسان، عندئذ ننطلق إلى عالم الأخوة التي تجمع الأنا بالآخر.‏

ولو تأملنا هذا الجوهر لوجدناه لا يتبلور إلا بالتفاعل مع الآخر، من هنا تبرز أهمية الدراسات الأدبية المقارنة التي تقدم علاقاتنا مع الآخر وحوارنا معه، وبذلك باتت تشكل اليوم إحدى صور العلاقات بين الأمم التي تسهم في حوار الحضارات، ولاشك أن مثل هذا الحوار يعترف بالآخر شريكنا في بناء الحضارة، لا الآخر المستعمر الذي يبغي إلغاء هويتنا وتدميرنا!‏

إن هذا القول يعني أولا نبذ التعصب، وعقد ة التفوق، ويعني الانفتاح على إنجازات الآخرين، فالإبداع ليس حكرا على أمة بعينها، وإنما ملك الإنسانية جمعاء، لذلك من البديهي أن يكون الإبداع وليد الانفتاح على حضارات أخرى، وعدم العزلة، لأن العزلة تعني إغراقا في الذات وابتعادا عن معطيات العصر، وبالتالي تخلفا أو في أحسن الأحوال دورانا حول الأنا القومية، والمبالغة في إنجازاتها وغض الطرف عن سيئاتها وما تعانيه من أمراض الجهل والتخلف، فأي تطور لا بد له من الاطلاع على إنجازات الآخر الذي سبقنا في مجال العلم كما سبقنا في مجالات الأدب والدراسات النقدية، فالتعلم ممن سبقنا مرحلة لا بد منها في البداية، والتعلم شئ والتقليد شئ آخر، لأن التعلم خطوة أولى نخطوها نحو التطور والحياة، لكن التقليد خطوة نهائية نخطوها نحو الموت، عندئذ نبرز عجز الأمة عن تجاوز الآخر، فأي إبداع أصيل قد يحوي تأثرا بالآخر لكنه يحتوي في الوقت نفسه خصوصيته، أي بصمته الخاصة.‏

إن التأثر بالآخر أمر لا مفر منه اليوم، شئنا أم أبينا، ففي عصر الاتصالات الحديثة والمذهلة في سرعتها، يغزونا الآخر في عقر بيوتنا، بغية مسخ شخصيتنا، كي نكون تابعين له لا مبدعين مثله، المهم أن نعي أهمية أن نكون أنفسنا وضرورة الثقة بها، ولن تتحقق هذه الثقة إلا بالتمسك بكل مقوماتنا الشخصية التي صنعت لنا حضارة خاصة، وجعلتنا نمتلك صوتا متميزا في هذا الكون، هو صوت الإبداع .‏

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى الإبداع في المجالات كافة، وهذا لن يكون إلا بالاستفادة من إنجازات الأجداد الذين سبقونا والمعاصرين الذين نعايشهم ليتم تجاوزها إلى أفق رحبة تفسح المجال للمشاركة في التطور الإنساني، فنكون أبناء عصرنا فاعلين في حضارته، عندئذ لن يستطيع أي غزو أو مؤثر خارجي إلغاء شخصيتنا أو طمس هويتنا.‏

من هنا تبرز أهمية الدراسات المقارنة، إذ تتيح لنا معرفة ذواتنا والثقة بأنفسنا، إذ نستطيع أن نستجلي عبرها الدور الذي قامت به حضارتنا الإسلامية في بناء الحضارة الإنسانية، فنكتشف أننا لم نكن عالة على الآخر، بل على النقيض كان هذا الآخر عالة علينا، لذلك نستطيع اليوم أن نرى أنفسنا بموضوعية عبر مرآة الدراسات الأدبية المقارنة، فنرى مدى ما أصاب هذه الصورة من تشوه أو جمال.‏

تبرز خطورة الأدب في كونه يؤثر في وجدان المتلقي عبر لغته الجميلة، كما يؤثر في عقله عبر أفكاره ومثل هذا التأثر لن يكون تأثرا بسيطا، ينسى بعد لحظات، إنه تأثر يحفر عميقا ليؤثر في بناء الشخصية من الداخل، وينعكس على سلوكها ومجمل القيم التي تتبناها في حياتها.‏

ولعل اقتران مصطلح المقارنة بالأدب يسعف الباحث بأدوات عقلية نقدية، تبرز الجميل والمفيد، كما تبرز المسيء لأذواقنا والمشوّه لبناء شخصيتنا، كما أن استخدام المقارنة يفيد في تلمس مواطن الإبداع في الأدب نجدها تفيد في تلمس مواطن التقليد فيه! أي تفيد في معرفة كيفية تلقي المؤثرات الأجنبية ومدى اعتمادنا على الآخر وتقليده (حين نبحث في الصفات المشتركة بيننا وبينه) ومدى اعتمادنا على ذواتنا وتأسيس أدبنا على الابتكار! (حين نبحث عن الصفات الذاتية التي كونت أدبنا) فيكون تأثرنا بالآخر تأثرا إبداعيا، يستفيد من إنجازاته، ويستطيع تجاوزها بفضل الإبداع.‏

سيتناول هذا البحث نماذج تطبيقية في الدراسات المقارنة، تحاول أن تتوقف عند نماذج متعددة للتأثر بالآخر (التأثر بالأسطورة كأسطورة بغماليون في الأدب العالمي (مسرحية برناردشو) وفي الأدب العربي (توفيق الحكيم، جورج سالم)، والتأثر بالرواية الحديثة كرواية فوكنر " الصخب والعنف" (غسان كنفاني) والتأثر بالفكر الوجودي (زكريا تامر) الذي تأثر برواية كامو "الغريب")‏

ومن جانب آخر سيتناول هذا البحث نموذجا لتأثير أدبنا القديم بالآخر الغربي (ابن طفيل "حي بن يقظان" في "روبنسون كروزو" لدانييل ديفو) كما ستتناول (الصورولوجيا: imagologie) أي صورة الآخر في أدبنا القديم (صورة الفرس في بخلاء الجاحظ) كذلك سنتوقف عند أحد النماذج الأدبية المدهشة التي قدّمها الأدب الغربي (نموذج القاتل الشريف في مسرحية شكسبير "عطيل" ورواية دوستفسكي "الجريمة والعقاب")‏

سنتبع في هذا الدراسة التطبيقية كلا من المدرستين الفرنسية والأميركية، مما يتيح لنا مرونة منهجية في البحث، فندرس النصوص وفق عوامل التأثر التاريخية والشخصية فنتبع خطى المدرسة الفرنسية تارة، وتارة أخرى لا نتقيد بهذه العوامل فننطلق باحثين عن جماليات الأدب دون الإمعان في مظاهر التأثر التاريخية والعوامل الشخصية فنتبع خطى المدرسة الأميركية في الدراسات المقارنة.‏

إن هذه الدراسة لا يمكن لها أن تدعي الكمال، فهي محاولة متواضعة في الدراسات المقارنة، تحاول أن تمهد هذا الطريق الشائك أمام دراسات أكثر عمقا.‏




تأثير أسطورة بغماليون في الأدب العالمي والعربي

سنحاول في البداية تقديم تعريف للأسطورة، يمهد الطريق أمام دراستنا المقارنة، ويبرز أبعاد استخدامها في الأدب، وما تضفيه من جمالية خاصة عليه.‏

إن أكثر الحضارات تملك قصص نشأة أو أساطير خلق، فهي "تروي تاريخا مقدسا، تروي حدثا جرى في الزمن البدئي، الزمن الخيالي، هو زمن البدايات، بعبارة أخرى، تحكي لنا الأسطورة كيف جاءت حقيقة ما إلى الوجود، بفضل مآثر اجترحتها الكائنات العليا، لا فرق أن تكون هذه الحقيقة كلية كالكون مثلا، أو جزئية كأن تكون جزيرة أو نوعا من النبات أو مسلكا يسلكه الإنسان أو مؤسسة.‏

إذن هي دائما سرد لحكاية "خلق" تحكي لنا كيف كان إنتاج شئ، كيف بدأ وجوده..."(1)‏

هناك أنواع متعددة للأساطير منها:‏

1_ الأسطورة العليا: أسطورة الطوفان والخلق الأول، وهي تعبر عن نظام للعالم تصوره الإنسان نتيجة لموقف اتخذه يختلف عن موقفنا اليوم.‏

2_ الجولة البطولية مثل سيرة هرقل الأوديسة وهي أقل عمقا من الأسطورة السابقة لأنها ترتكز على إبراز شعب ما أو مكان ما أو شخص ما .‏

3_ الخبر الأسطوري الذي يروي حوادث تشبه الحوادث التاريخية، وكانت تعد عند أصحابها الأولين تاريخا (مثل اختطاف باريس الطروادي لهيلين) هنا تبدو الحوادث مقصودة لذاتها.‏

4_ الحكاية التشخيصية التي تفسر قصة أسطورية(كأسطورة بغماليون)، أو تضحية أو تسمية لمكان أو ظواهر الطبيعة، أو بعض المكتشفات الأولى مثل تفسير انتشار زراعة القمح على يد ديمترا...‏

5_ الطرفة أو الأقصوصة التي تثير الحماسة أو الضحك ولا تحتوي على أي مدلول أخلاقي أو كوني.‏

كذلك هناك شخصيات تاريخية وجدت فعلا، لكن المخيال الشعبي حولها عبر الزمن إلى أسطورة (عنترة، كليوباترة، جان دارك، شارلمان...) فهي شخصيات باتت أسطورية حين استمدها الأدباء من التاريخ القديم، فأعملوا فيها خيالهم تغييرا وتحويرا، كما أن هناك شخصيات تاريخية حديثة باتت أقرب إلى الأسطورة (نابليون، غاريبالدي، بسمارك...)‏

ومهما يكن التفاوت بين الأصناف من حيث الدلالة فإن أكثرها قد اكتسب على مر التاريخ دلالات حية وغنية ومتطورة حسب القيم التي يريد الأدباء أو المفكرون أن يعبروا عنها بوساطة الأسطورة، ومما ساعد على حيوية الأسطورة واستمراريتها عدم إحاطتها بالقداسة، فهي تهتم بنشأة المعنى وقد التصق بالحلم ، من هنا ترتبط الأسطورة ارتباطا وثيقا بالتراث، بوصفه ذاكرة وتأويلا للماضي من جهة، وترتبط بالمستقبل بوصفها حلما (يوتوبيا) يعنى بالمستحيل والممكن معا من جهة أخرى، وكما يقول بول ريكور: إن من "دون نظرة الأسطورة التراجعية تحرم الثقافة من ذاكرتها، ومن دون نظرتها التطلعية تحرم من أحلامها، وقد تؤدي الأسطورة، في أفضل أحوالها، وظيفة تفاعل إبداعي بين دعاوى التراث واليوتوبيا..."(2)‏

وعلى هذا الأساس لن تكون الأسطورة حنينا لزمن مضى، وعوالم منسية، بل إنها تشكل على حد تعبير ريكور "كشفا لعوالم غير مسبوقة، وانفتاحا على عوالم أخرى تسمو على حدود عالمنا الفعلي والمستقر" مما يؤدي إلى إحياء اللغة وتجديدها، فتبدو في نسق رمزي يؤسسه الخيال والحلم.‏

لذلك لن تنتهي فعالية الفكر الأسطوري في عصر العلم الذي نعيشه، وقد يبيّن لنا علي حرب أن الأسطورة "بعد من أبعاد الوعي الإنساني "ذلك أن الإنسان ينـزع إلى تفسير الطبيعي بما وراء الطبيعة، ويخلع على الثقافي طابعا أزليا، ويخفي الطابع الأناسي لابتكاراته ولغاته...وهو يبحث دوما عن نظام خلف الفوضى، ويتصور برنامجا لكل نمو وتطور ويكتشف مقاصد وراء الأحداث، ويقرأ معنى فيما لا معنى له، فالأسطورة هي ولّادة المعاني، ومحرك الجموع وقابلة التاريخ، ولا زوال لها إلا بزوال المعنى إنها تفعل في مملكة الإنسان، والعلم يفعل في مملكة الأشياء"(3)‏

يمكن للأسطورة أن تؤدي وظيفتين إيجابيتين يفضي الإخلال بهما إلى وظيفتين سلبيتين، فهي لكونها أيديولوجيا يمكن أن يحولها الإفراط في هذا الجانب إلى وظيفة تبريرية سلبية تدافع عن كل ما هو كائن، بدلا من ممارسة نقده، أما الإفراط في اليوتوييا فيحولها إلى وعي زائف يموه به المجتمع على نفسه، بدلا من اكتشاف ما يعوّق كينونته وتطوره!!‏

لو تأملنا البطل الأسطوري للاحظنا أنه كائن متفوق، ينتمي لعالم غير عادي، إنه أشبه بـ(إله) وتكشف لنا الأساطير عن الفعالية المبدعة لهذه الكائنات، وتميط اللثام عن قدسية أعمالهم (أو عن مجرد كونها أعمالا خارقة) عرفانا بفضلها في أزمنة البدايات، باختصار إنها تصف (كما يقول مرسيا إلياد)" أوجه تفجر القدسي في العالم"‏

تعد الأسطورة خارج الأصناف الأدبية الطبيعية عادة، إنها رافد مهم للأدب، لمسنا فاعليتها منذ الأدب اليوناني، فقد اعتمد عليها أدباء المآسي (أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس) والملاحم فـ(هوميروس) مثلا استطاع أن يتناولها بحرية، مما مهد الطريق أمام الآخرين الذين أتوا بعده واستطاعوا أن يقدّموها من خلال قناعاتهم وأهدافهم، لأنها لم تحط بها هالة من القداسة، وقد امتد هذا التناول الحر للأسطورة في الأدب الروماني.‏

إننا نستطيع القول بأن الأسطورة قد شكلت فضاء الأدب الحديث بأجناسه المختلفة (شعر، قصة، مسرح) بل امتد أثرها إلى العلم (كعلم النفس) وكذلك نجد كثيرا من النقاد المحدثين يرون أن من جماليات الرواية الحديثة أن تبنى بناء أسطوريا.‏

أسطورة بغماليون:‏

كان بغماليون ملكا على قبرص، ونحاتا بارعا، قضى معظم حياته عزبا إلى أن صنع تمثالا عاجيا لامرأة جميلة، فأسقط حبه للمرأة على هذا التمثال، لذلك دعا الآلهة أفروديت (آلهة الجمال والخصب عند اليونان) أن تحييه، فاستجابت لدعائه، فكانت (غالاتيا) التي تزوجها وولدت له (بافوس) مؤسس مدينة قبرصية دعيت باسمه(4)‏

تقدم هذه الأسطورة أعماق كل فنان، إنه يحس بروعة ما أبدعه، كما يحس بأن فنه هو ذاته لذا يرغب في التوحد معه، نظرا لفرادته وروعته، لذلك يستحق أن ينبض بالحياة وينال الإعجاب والخلود.‏

إن أول من تحدث عن أسطورة بغماليون هو أوفيد الروماني في قصصه "المسخ" ثم تناولها شعراء وكتاب من مختلف الآداب، وخاصة من الإنكليز كالشاعر جون مارستون في قصيدته "نفخ الروح في صورة بيغماليون" (5)‏

وقد كانت هذه الأسطورة موضوعا أثيرا في عصر النهضة، ثم في العصر الحديث (مسرحية برناردشو التي تحمل عنوان الأسطورة نفسها "بغماليون ومسرحية توفيق الحكيم التي حملت أيضا الاسم ذاته للأسطورة أيضا) سنتوقف في هذه الدراسة عند هذين الكاتبين، وسنبدأ بمن سبق في التأثر بهذه الأسطورة (برناردشو) الذي أثّر بتوفيق الحكيم، كما أثّرت الأسطورة تماما.(6)‏

مسرحية بغماليون لبرناردشو:‏

ظهرت مسرحية (بغماليون) لبرناردشو عام (1912) وقد كان بطلها (هيجنر) عالما متخصصا في دراسة الأصوات، يعجب أثناء توقفه في المحطة بلهجة بائعة الزهور(أليزا) إذ إنها بلهجتها غير المدنية تتيح له الفرصة لدراسة الأصوات، ومعرفة مدى قدرته على تحويل اللهجة الريفية إلى لهجة مدنية، فيعرض عليها فكرة تحويلها إلى سيدة من المجتمع الراقي، تعجبها الفكرة فتوافق، وحين يلقنها دروسا في قواعد اللغة والإلقاء والحديث، تستوعبها بذكاء، وبما أن تعليم الأصوات يتطلب تعليم النحو، ولابد من أجل تعلم النحو على طريقة سليمة من تهذيب الفكر والإحساس، أي يستلزم تعلم اللياقة الاجتماعية، وبمثل هذا التعلم استطاعت الفتاة الظهور في المجتمع بوصفها (دوقة) وهكذا استطاع (هيجنر) أن يصنع من الفتاة الفقيرة المعدمة أميرة أرستقراطية، كما استطاع (بغماليون) أن يصنع امرأة من تمثال.‏

لكن عند (برناردشو) برزت معاناة الفتاة التي انتقلت بفضل العالم (هيجنر) من طبقة فقيرة إلى طبقة غنية، فعاشت صراعا بين القيم التي نشأت عليها، وبين قيم حياة جديدة، لا ترأف بالإنسان، بل تنظر إليه بصفته أداة لتحقيق المآرب، فقد وقعت في حب أستاذها (هيجنر) في حين لم ينظر إليها إلا نظرة العالم لموضوع دراسته، فهي تنتمي إلى طبقة غير طبقته، لذلك لن يستطيع الزواج منها، ينتهي الصراع النفسي في أعماق الفتاة بأن ترفض البقاء في تلك الطبقة المزيفة، وتفضل الزواج من سائق أجرة، فقد باتت تحتقر تقاليد الطبقة الارستقراطية التي تقوم على الزيف والتفاهة، وتتزوج رجلا من طبقتها.‏

إذا تلتقي هذه المسرحية بالأسطورة في هاجس تحويل المرأة، التي يراها (هيجنر) أشبه بتمثال، من حال إلى حال، عبر قدراته الإبداعية في العلم، التي أتاحت له استخدام علم الأصوات في تحويل المرأة، كما أتاح الفن في الأسطورة تحويل المرمر إلى امرأة جميلة.‏

ومما ساعد على تلمس هذا اللقاء، أن الكاتب وضع عنوانا لمسرحيته يشير إلى الأسطورة التي استفاد منها في فكرة التحويل فقط.‏

أما أجواء المسرحية فقد بدت لنا أجواء واقعية، تنطق بهموم الإنسان المعاصر وأزماته في عصر العلم، بعيدا عن أجواء الأسطورة وتفاصيلها، فالفنان بغماليون أصبح عالم صوتيات (هنري هيجنر) أما التمثال (غالاتيا) فيصبح امرأة فقيرة تبيع الزهور (أليزا) فالإبداع هنا في تحويل الفتاة الريفية إلى امرأة أرستقراطية بتدريبها على لغة غير لغتها وعادات غير مألوفة لديها.‏

لو تأملنا تعامل الفنان (بغماليون) مع التمثال الذي أبدعه للاحظنا شغفه به إلى درجة التوحد معه، والطلب من الآلهة تحويله إلى كائن بشري يتزوجه، في حين لاحظنا (هيجنر) يتعامل مع (أليزا) بجفاء وآلية، إلى درجة يلغي إنسانيتها وأحاسيسها، رغم أنها أحبته، وأظهرت ذكاء شديدا من إنجاح التجربة، لعلها تفوز بإعجابه فيقدم على الزواج بها، لكن (هيجنر) يرفض هذا الزواج، على نقيض الأسطورة، لأنها مازالت في ذهنه صنيعة له، لا يمكن أن تصل إلى مستوى طبقته، فهي ابنة الوحل، مهما أبدت من إمكانات عظيمة، وبذلك يدين الكاتب وممارسات الطبقة الارستقراطية وأفكارها سواء بتصوير تناقضاتها، حين تقول شيئا وتفعل شيئا آخر (يعلم هيجنر أليزا القواعد والأصول الاجتماعية كأن تتحدث بصوت منخفض لكنه لا يلزم نفسه بها) أم بتعريتها من المشاعر الإنسانية، إذ تبدو مغرقة في أنانيتها، فلا تهتم إلا بذاتها وما حققته من انتصارات في تجاربها العلمية، وبذلك يقف من أليزا موقف العالم الذي يتجرد من عواطفه، ويرى في العقل المجال الوحيد لحياته، كما يقف منها موقف الإنسان الطبقي الذي يرفض رؤية أبناء طبقات الفقيرة أندادا له.‏

لعل (برناردشو) يرى أن إعجاب الفنان بفنه إلى درجة التوحد، والرغبة في التواصل الأبدي معه يعبر عن موقف رومنسي (كما حصل في الأسطورة) فهو يريد من الأديب أن ينأى بعواطفه الخاصة عن شخصياته، فيتيح لها فرصة التعبير عن ذاتها بحرية، وهذا ضروري في اعتقادنا، في الفن المسرحي والقصصي، لكن ذلك يبدو صعبا في الشعر الغنائي، إذ لا يمكن أن يفصل الشاعر بين فنه وذاته.‏

إن الطبقة الاجتماعية لدى (برناردشو) الاشتراكي ليست لغة وعادات (أتقنتها أليزا) وإنما هي مجموعة أفكار راسخة تجعل من الصعب ردم الهوة بين الطبقة الدنيا والطبقة العليا، ومثل هذا الردم لن يكون بجهود فردية، إنه بحاجة إلى جهود جماعية ومؤسسات ثورية، لذلك رأى الكاتب الاشتراكي لقاء هاتين الطبقتين بشكل حقيقي وجوهري لقاء مستحيلا، فكان اللقاء بينهما لقاء شكليا مزيفا، ولم يتحول إلى زواج، الذي، ربما، يعني توحدا بين الطبقات ومساواة في الإنسانية.‏

لعل من أبرز سمات الكاتب المسرحي (برناردشو) استخدامه أسلوب السخرية في التعبير عن احتقاره للطبقة الارستقراطية، فأبرز بشاعتها، حين ألغت المشاعر من حياتها، وحين استخدمت لغة غير لائقة في حين كانت تعلم اللياقة والذوق للآخرين، وقد أبرز الكاتب هذه التناقضات عن طريق الحوار الساخر، الذي ينبض بالمواقف المتناقضة واللغة المبتذلة (مثلا يقول هيجنر لمديرة منـزله مسز بيرس: خذيها ونظفيها بصابون الزفر إذا لم تنفع طريقة أخرى . هل النار موقدة في المطبخ..اخلعي عنها كل ملابسها واحرقيها...فتجيبه مديرة منـزله "صحيح يا سيدي! إذن اسمح لي أن أطلب منك ألا تنـزل لتناول إفطارك لابسا الروب أو على الأقل لا تستعمل أكمامه بدل الفوطة كالعادة"(7) بل نجد لدى هذه الطبقة تصرفات غير لائقة ينتفي فيها العقل لصالح التقليد (نجد مثلا ابنة العائلة الارستقراطية "أينزفوردهل" تقلد لغة أليزا السوقية وفي ظنها أن الفتاة تنطق لغة الطبقة الراقية التي مازالت تجهلها) وهو بهذه السخرية يحاول أن يهزّ أركان المثل الأعلى للمجتمع الراقي، رغبة منه في بناء حياة أصيلة تبدو قيمة الإنسان فيها بعمله، لا بما يملك من دماء زرقاء وأموال.‏

تتجلى براعة (شو) في كونه يمنح أبطاله حرية التعبير عما يجول في أعماقهم من أفكار ومشاعر، فيحاول أن يكون حياديا كي يتيح الفرصة لمن يخالفه الرأي (هيجنر) كما يتيحها لمن يوافقه الرأي، وإن بدا لنا متعاطفا مع الشخصية الفقيرة (أليزا) ساخرا من الشخصية الغنية ومثل هذا الموقف لا يمكننا أن نلومه عليه، لأنه جزء من تكوينه الفكري والنفسي.‏

مسرحية "بغماليون" لتوفيق الحكيم:‏

يعترف توفيق الحكيم في مقدمة المسرحية بأن أول من كشف له عن روعة أسطورة بغماليون ليس عملا مسرحيا، وإنما عملا تشكيليا هو لوحة زيتية تدعى "بغماليون وغالاتيا" بريشة الفنان "جان راوكس" المعروضة في متحف اللوفر ...وبعد فترة من الزمن كاد ينسى الأسطورة، لكن رؤيته لعرض فيلم عنها من تأليف برناردشو ذكّرته بها لذلك وجدناه يقول "عندئذ تيقظت في نفسي الرغبة القديمة ، فعزمت على كتابة هذه الرواية ...وقد فعلت وأنا أعلم أن هذه الأسطورة قد استخدمت في كل فروع الفن على التقريب ...ولابد أنها أفرغت في مسرحيات عدة فيما أعتقد ...إني أعالج إذن أسطورة مطروقة في الآداب والفنون العالمية...ومع ذلك من يدري؟ ربما لحظ بعض النقاد أن "أهل الكهف" المقتبسة من القرآن الكريم، وشهرزاد المستلهمة من "ألف ليلة وليلة" و"بغماليون" المنتزعة من أساطير اليونان...ليست كلها غير ملامح مختلفة في وجه واحد؟"(8)‏

يلاحظ أن توفيق الحكيم لم يعترف بتأثره بمسرحية برناردشو وإنما بالفيلم الذي اقتبس منها وبالأسطورة اليونانية، مع أنه من المرجح عودته للمسرحية الجنس الأدبي الذي نسج على منواله والذي يشكل مجال إبداعه، كما يلاحظ أن هذه المقدمة تفصح عن ارتباك المصطلح المسرحي لدرجة يطلق على المسرحية مصطلح "الرواية" ومثل هذا الارتباك قد يعني أن هذا الفن مازال في بداياته لم ترسخ أسسه في أذهان المؤلفين قبل المتلقين، وأن التأثر بالآخر أمر مفروغ منه سواء اعترف المؤلف أم لم يعترف، لكن الملاحظ أن الحكيم يعلن تأثره بالأسطورة اليونانية كما يعلن تأثره بالتراث الإسلامي دون أي حرج وإن كان يلمح إلى أن هذا التأثر لن يفلح في إلغاء أصالته الإبداعية ووجهه الحقيقي سنرى مدى صدق هذا القول من خلال دراسة تفصيلية للمسرحية تبرز علاقة هذه المسرحية بأسطورة بغماليون وعلاقتها بمسرحية برناردشو.‏

يحسن بنا في البداية أن نطلع على أهم المعالم الرئيسية في مسرحية الحكيم، فقد تحول التمثال الحجري الذي أبدعه بغماليون، بناء على دعائه وابتهالاته للآلهة "فينوس" (آلهة الحب والخصب عند الرومان) إلى امرأة تدعى (غالاتيا) فقد عشق الفنان تمثاله إلى درجة يتمنى معها لو تنبض الحياة فيه، كي يتمكن من الارتباط الأبدي به عن طريق الزواج، وبذلك يعيش بغماليون سعادة تحقق الأحلام، لكن دوام الحال من المحال فقد سئمت غالاتيا حياتها الرتيبة وباتت تنطلق مع (نرسيس) عبر الحقول في لهو بريء، لكن بغماليون يظن أنها غدرت به، فيغضب هنا تتدخل الآلهة وتصلح بينهما بعد أن تؤكد براءتها، يكتشف بعد مرور فترة من الزمن أن زوجته (غالاتيا) تعيش حياة عادية وتنأى عن المثال الرائع للجمال التي كانت عليه حين نحتها (تحمل المكنسة وتمسح الغبار في البيت) تأكد أن تمثاله فارق عالم الجمال والمثل الأعلى للخلود، فقد أصبح معرضا لقوانين الحياة والزمن الذي يحكم بتحول الإنسان مع مروره من حال إلى حال: من الشباب إلى الهرم ومن الحياة إلى الموت!!عندئذ يدرك روعة الفن بالقياس إلى روعة الحياة ،إذ يخلد الفن ولا يفنى كما يفنى البشر، لذلك نجد بغماليون يبتهل للآلهة فينوس أن تعيد إليه فنه الخالد، فهاهو ذا يقول متحديا "دعيني أقل لهم ما أريد دعيني أصارح هؤلاء الآلهة بالحقيقة، لقد صنعت أنا الجمال فأهانوه هم بهذا الحمق الذي نفخوه فيه" (9) وقد وجدنا الآلهة تستجيب لتحديه وتستلّ الحياة من تمثاله ليعود إلى جموده، عندئذ يفتقد بغماليون روعة الحياة ويتمنى لو تعود زوجته إليه، لكن الآلهة ترفض الاستجابة إليه، فهي لم تنسَ تحديه لها في عجزها عن خلق فن خالد كخلق الفنان، لهذا يعاني صراعا حادا ينتهي به إلى أن يحطم رأس تمثاله ويموت حسرة عليه.‏

تجسد لنا هذه المسرحية طموح الإنسان للمثل الأعلى في كل ما يشمل الحياة والفن، كما تجسد غرور الفنان وأنانيته، كذلك نلمس فيها عشق الفنان لإبداعه ورغبته في بث الكمال فيه بأن ينبض بالحياة، إنه يرى في إبداعه ذاته لذلك يرغب في التوحد معه.‏

بدت لنا هذه المسرحية وفية لأجواء الأسطورة اليونانية، متأثرة بتفاصيلها الكثيرة، وقد لحظنا نقاط اللقاء بالأسطورة أكثر من نقاط الاختلاف، فنحن أمام شخصية ذات ملامح واحدة تقريبا (بغماليون) الفنان، يعشق فنه إلى درجة الرغبة في التوحد به وبث الحياة فيه، وستحقق هذه الرغبة الآلهة في كل من المسرحية والأسطورة، فكان الزواج من التمثال (غالاتيا) الذي بثت فيه الحياة، نلاحظ وفاءً للأسطورة يشمل حتى أسماء الشخصيتين الرئيستين.‏

عشنا في هذه المسرحية جوا أسطوريا، إذ وجدنا شخصيات رئيسية خارقة (الآلهة فينوس آلهة الحب والخصب، وأبولون راعي الفن) فوجدناها تقوم بمعجزات مدهشة، يلاحظ أن توفيق الحكيم قدّم في مسرحيته شخصيات ثانوية أسطورية، مستمدة من الأسطورة اليونانية (نرسيس، إيسمين) كما استعان بتفاصيل من سمات المسرح اليوناني (الجوقة)‏

لو تأملنا نقاط الاختلاف بين الأسطورة والمسرحية للاحظنا دور التخييل الفني في إسباغ الحياة على الأسطورة، فالكاتب يطلق خياله ليتابع سيرة بغماليون بعد زواجه، فلا يكتفي بما تقوله الأسطورة (بأن السعادة رفرفت على حياة بغماليون وغالاتيا بعد أن أنجبا طفلا يدعى بافوس) بل يتابع، عبر خياله تفاصيل للحياة اليومية التي من شأنها أن توتر العلاقة بين الرجل والمرأة، لذلك رأينا بغماليون،هنا، رجلا عاديا لا ملكا، كما رأينا غالاتيا امرأة عادية(تهرب مع نرسيس للتنـزه وتقوم بأعمال منـزلية) لذلك لا نستطيع أن نقول إنه كان وفيا بشكل كامل للأسطورة، فقد وجدناه يغير في بعض الأسماء الأسطورية، فتتحول إفروديت اليونانية التي وجدناها في الأسطورة إلى فينوس الرومانية، كذلك لم يتقيد بالشخصيات التي وجدناها في الأسطورة وإنما وجدناه يضيف شخصيات أخرى مثل (نرسيس، وإيمسين)‏

لذلك يمكننا القول بأن توفيق الحكيم يسقط في هذه المسرحية صراعه الداخلي بين الرغبة ببقاء الفن بمعزل عن الحياة وبين ربطه بالحياة، إنه صراع يشمل الكثير من المبدعين الذين يرغبون في تقديم فن خالد وجميل، يحمل هم الإنسان ولا يكون نقيضا لما هو أبدي يهب الفن خلوده، ولعل هذا الصراع كان على أشده منذ الأربعينات (الفترة التي ظهرت فيها هذه المسرحية) لذلك نجد الحكيم يعقد مقارنة بين الفنان والآلهة فينوس، أبولون ليعلن أن الفنان يبدع الكمال، في حين تبدع الآلهة بشرا ناقصا يصيبه المرض والشيخوخة والموت، فيبدو كأنه متحمس إلى قضية "الفن للفن" لا يرغب في ربط الفن بالحياة، لكن هذه المعالجة الرومنسية المثالية لهذه القضية لا تصل بنا إلى شاطئ الأمان، إذ نلمح ترددا لدى توفيق الحكيم، لذلك وجدنا بغماليون في خاتمة المسرحية يدعو الآلهة مرة ثانية لتهب تمثاله الحياة، وحين لم تستجب يحطم هذا التمثال لبيّن استحالة الفن بمعزل عن الحياة، وقد لاحظ د. محمد يوسف نجم أن الصراع بين الفن والحياة من القضايا التي أرّقت الحكيم، إذ عالجها في العديد من مسرحياته وقصصه ومقالاته في "راقصة المعبد"و"عهد الشيطان" و "راديوم السعادة" و "الرباط المقدس" و "إيزيس"(10)‏

تجسد "بغماليون" أعماق توفيق الحكيم أيضا وما يعتلج فيها من صراع يتجلى في علاقته بالمرأة! هل الارتباط بها يشكل خطرا على الفنان ونقيضا للفن، إذ يحس المتلقي بأن المؤلف يرى المرأة كائنا تافها، همها في الحياة محدود بما هو مادي (المال، القوة، الجمال) لذلك وضعها في إطار الشك والخيانة، وجعلها مصدر شقاء للفنان بغماليون.‏

بغماليون بين توفيق الحكيم وبرناردشو:‏

ثمة لقاء واضح بين مسرحية بغماليون لبرناردشو وبغماليون لتوفيق الحكيم في فكرة التحوّل من تمثال إلى امرأة، ومن امرأة فقيرة إلى امرأة ارستقراطية، وهذه الفكرة نستطيع أن نردّها إلى الأسطورة اليونانية، وبذلك يشتركان في المتح من منبع واحد، لكن من الطبيعي أن يؤثر السابق باللاحق، خاصة أن كلا الكاتبين كتبا في جنس أدبي واحد هو الفن المسرحي، ولا شك أن توفيق الحكيم قد استفاد من البناء المسرحي لدى برناردشو، لكن كما يقول الحكيم نفسه "يبدأ الفن دائما من النقل وينتهي إلى الأصالة، يبدأ من المحاكاة وينتهي إلى الابتكار" لذلك سنجده يقدم مسرحية تختلف عن مسرحية شو كل الاختلاف، فقد لاحظنا وفاءها لجو الأسطورة (آلهة، شخصيات خارقة، معجزات...)‏

كذلك وجدنا الفنان في مسرحية الحكيم مندمجا، رغم تردده، بفنه إلى درجة العشق والرغبة بالتوحد به والزواج، وقد رأى د عز الدين المناصرة "أن بغماليون أكثر واقعية من هيجنر، رغم الواقعية الشكلية التي تطغى على مسرحية شو ورغم الرومنسية المفرطة في مسرحية الحكيم دون أن تفقدها طابعها..." (11)‏

أعتقد أن د. المناصرة لم ينتبه إلى أن برناردشو قدّم لنا بطلا عالما في مسرحيته لا فنانا، وثمة فرق بين نظرة الفنان الذاتية التي تنعكس على علاقته بإبداعه حيث يراه عملا جميلا لا يضاهى، يمثل استمرارا لذاته، أما العالم فكثيرا ما ينظر إلى اختراعاته نظرة موضوعية، لأن ما يبدعه ينفصل عن ذاته، ينتمي إلى العالم الخارجي، لذلك لا نستطيع أن نقول إن مسرحية الحكيم أكثر واقعية من مسرحية برناردشو مادامت كل واحدة منهما تمثل عالما منفصلا عن الآخر، وإن كان ثمة لقاء في تفضيل بغماليون الفن الخالد عند الحكيم، في لحظة من اللحظات،على الإنسان الزائل، كما فضّل هيجنر العلم على الارتباط بالإنسان، وإن كنا هنا نستطيع أن نضيف ميزة خاصة ببرناردشو هي إضفاء البعد الاجتماعي على المسرحية، فرفض الزواج ليس بسبب تفضيل التفرغ للعلم وإنما بسبب انتماء أليزا الفقيرة إلى طبقة غير طبقته، لذلك نعتقد أن مسرحية برناردشو أكثر واقعية من مسرحية الحكيم التي بدت أكثر وفاء لجو الأسطورة، كما بدت شخصياته المسرحية أكثر تجريدية من شخصيات شو.‏

هنا نلاحظ فارقا أساسيا بينهما يكمن في البعد الفكري الذي ينعكس على الإبداع، إذ نجد توفيق الحكيم يؤمن بقضية الفن للفن (رغم قلق هذا الإيمان) في حين لاحظنا برناردشو الاشتراكي يؤمن بقضية الفن للحياة، لذلك يحاول أن يقدم تجربة العلم (علم الأصوات) وقد جُعل في خدمة الإنسان،حيث تم نقل أليزا من طبقة فقيرة إلى طبقة غنية، لكنه في الوقت نفسه يبرز الخلل الذي يعتري التجارب العلمية حين نفصلها عن المشاعر الإنسانية، فتبتعد عن الغاية النبيلة لتسقط في الآلية والقسوة، وبذلك نلمس لدى برناردشو رغبة في امتزاج العلم بالفن، ليسخرا في خدمة الإنسان فيرتقيا بروحه وفكره.‏

وبناء على ذلك نستطيع أن نقول: أفلح برناردشو في بناء مسرحيته وفق بعدين منسجمين الأول: بعد واقعي نجد فيه شخصيات حيوية تتحرك في أجواء واقعية، تبدو بعيدة عن الأسطورة، تغوص في تفاصيل الحياة اليومية، أما البعد الثاني: بعد رمزي أسطوري نلمس فيه علاقة المبدع بما يبدعه، أو بالأحرى علاقة العالم بما ينتجه، فبدت علاقة سلبية، اتسمت بالرفض وعدم الزواج بأليزا وهذا يتناقض بما رأيناه في الأسطورة وفي مسرحية الحكيم، من علاقة إيجابية بشكل كامل في الأسطورة، ومن علاقة متوترة بين الإيجابية والسلبية لدى الحكيم، لكن الملاحظ أن مسرحية الحكيم كانت ذات بعد واحد في بنائها، فقد اعتمدت البناء الأسطوري وظلت وفية له، لذلك يمكننا القول: إن مسرحية برناردشو أكثر عنى وتميزا في الاستفادة من أسطورة بغماليون، ولعل استخدام ومصطلح "البناء الأسطوري" من باب الاستخدام المجازي، إذ إن جملة العلاقات والصراعات لا تتحكم بها قوى خارقة، إنما يتحكم بها العلم الذي بات يصنع المعجزات في عصرنا.‏

أثر أسطورة بغماليون في القصة:‏

سنتناول في هذه الدراسة أثر أسطورة بغماليون في نموذج من القصة القصيرة السورية للكاتب جورج سالم في مجموعته "عزف منفرد على الكمان".‏

بدا هذا الأثر واضحا في قصة "الينبوع" (12) التي تتحدث عن إنسان دخل متحفاً، فرأى تمثالا لامرأة جميلة، تحمل في يديها وعاء يفيض منه الخير والعطاء، ما إن يمر أمامه حتى يستوقفه بروعته، فيتأمل بهاءه، ويحس أن التمثال ينظر إليه ويبتسم له، يؤخذ بهذه الابتسامة فيجلس قبالة التمثال حالما بأنه يحاور المرأة، التي خصّته بابتسامتها، يمسك بيدها ويحس نبض عروقها، تدعوه للشرب من إنائها، يشرب فيغرق في أوهامه، فقد تحول التمثال إلى زوجة له، تحمل بين يديها طفلهما، لكن سرعان ما ينتبه لنفسه، مستيقظا من حلمه، فيخرج مسرعا!!‏

يلتقي في هذه القصة الحلم بالأسطورة، ومن المعروف أن معظم أحلامنا كالأسطورة لا تراعي المنطق المنظم، كما لا تهتم بمقولة الزمان والمكان، وكما يقول إريك فروم بأن هناك تشابها ينتج عن قدرتنا الإبداعية في النوم كما في الأساطير التي هي أقدم مبتكرات الإنسانية، إذ ثمة حقيقة واقعة تؤكد بأن الكثير من أحلامنا شبيه بالأساطير، سواء من حيث الأسلوب أم من حيث المضمون كذلك يشتركان، حين ينتقلان من الشفاهية إلى الكتابة بكونهما يكتبان بلغة واحدة هي اللغة الرمزية(13)‏

ثمة لقاء واضح مع أسطورة بغماليون، فقد تحول التمثال، عبر الحلم، إلى امرأة، يتزوجها الرجل المتفرج، وتنجب له طفلا، كما حدث في الأسطورة.‏

وقد بدا لنا الشكل الفني مقنعا، حين جعل الكاتب حلم اليقظة إطارا فنيا لقصته، فرأينا بث الحياة في التمثال مقنعا، ساعده في ذلك لغة رمزية استطاعت أن تجسد الحلم في الواقع، وتبديه في حلة مقبولة.‏

لو تأملنا نقاط الاختلاف بين القصة والأسطورة للاحظنا اختفاء تفاصيل الأسطورة، فقد أغنانا الحلم عن مساعدة الآلهة (إفروديت) وبالتالي فقد اختفت الأجواء الأسطورية التي لمحناها لدى الحكيم، بناء على ذلك يعود التمثال إلى جموده بانتهاء الحلم، فلا نجد تفاصيل حياتية، وإن كانت هذه القصة تقدم هما حياتيا، يؤرق الشباب، إنه هم الحب والاستقرار العائلي، وبذلك حقق هذا الحلم رغبات مكبوتة في أعماق الرجل، فوجد فيه نوعا من التعويض النفسي عن حرمانه، وبعض العزاء، فقد استطاع تفريغ المكبوت عبر حلم اليقظة.‏

من ناحية أخرى نلاحظ في الأسطورة أن الفنان يتعلق بما أبدعه، لذلك يتمنى من الآلهة أن تبث فيه الحياة، في حين نجد البطل في هذه القصة يتعلق بما أبدعه الأجداد ويحلم في التواصل معه والتوحد به، إن البطل في القصة ليس فنانا وإنما إنسانا عاديا (لا يملك اسما) وبذلك يستطيع الكاتب أن يعمم رؤاه الفكرية في ضرورة التواصل مع إبداع الأجداد، لأنه يجسد المثل الأعلى، الذي يتوجب علينا الإعجاب به، ومن ثم تجاوزه عبر إبداع ينطق بهموم عصرنا ولا ينفصل عما خلفه الأجداد.‏

n الحواشي:‏

1_ مرسيا إلياد "مظاهر الأسطورة" ت نهاد خياطة، دار كنعان، دمشق، ط1، 1991، ص 17‏

2_ مجموعة من الباحثين، "الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور"، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط 1،1999، ص 101‏

3_ علي حرب ""لعبة المعنى، فصول في نقد الإنسان، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1991، ص 124.‏

4_ معجم الأساطير اليونانية والرومانية"، إعداد سهيل عثمان، وعبد الرزاق الأصفر، وزارة الثقافة، دمشق، 1982.‏

5_ د. مجمد غنيمي هلال "الأدب المقارن" دار نهضة مصر، القاهرة، دون تاريخ، ص 279‏

6_ ترجمت مسرحية برناردشو "بيجماليون" عام 1967، وقد ترجمها جرجس الرشيدي، صدرت عن وزارة الثقافة في القاهرة.‏

7_ المصدر السابق، ص 95.‏

8_ توفيق الحكيم "بغماليون" مكتبة الآداب، القاهرة، دون تاريخ، المقدمة‏

9_ المصدر السابق، ص 8.‏

10_ د. محمد يوسف نجم "الطريق إلى الأصالة والابتكار، دراسة في التكوين الفكري لتوفيق الحكيم" دار صادر، بيروت، ط2، 1985، ص 62.‏

11_ عز الدين المناصرة "مقدمة في نظرية المقارنة" دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1988، ص 257.‏

12_ جورج سالم "عزف منفرد على الكمان" وزارة الثقافة، دمشق ، 1976.‏

13_ إريش فروم "الحكايات والأساطير والأحلام" دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1990،ص 13.‏



نموذج من الأثر الإسلامي في الأدب الغربي أثر حي بن يقظان لابن طفيل في روبنسون كروزو لدانييل دبفو

ازدهرت الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، في زمن كانت فيه أوروبا تغرق في الظلام، وقد شكلت إسبانية التي دعاها المسلمون بـ(الأندلس) مركز إشعاع حضاري في تلك الفترة، إذ يلجأ إليها العلماء وطلاب المعرفة من سائر أوروبا، وكما تقول الدكتورة (لوثي لوبيث بارالت) من الظلم البين ألا نقبل القول بأن إسبانيا الإسلامية كانت تشكل بالفعل معجزة ثقافية حقيقية في إطار القارة الأوروبية في القرون الوسطى. وبفضل العرب المسلمين، لم تبلغ أية أمة أوروبية أخرى ما بلغته شبه الجزيرة الأيبيرية من تقدم العلوم والفنون في تلك العصور التي كانت وسيطة أو مظلمة بالنسبة لقارة أوروبا لكنها لم تكن على الإطلاق بالنسبة إلى الأندلس.(1)‏

لذلك بإمكاننا أن نقول إن معظم المبدعين الذين أسسوا لتجاوز عصر الظلام في أوروبا كانوا على صلة ما بإسبانية، إما عن طريق السفر والعيش فيها مدة من الزمن، أو عن طريق الاطلاع على الكتب التي نشرت فيها مترجمة من العربية إلى اللاتينية، ثم انتشرت في سائر أوروبا، لكن من الملاحظ أن معظم الغربيين ينكرون هذه الحقيقة، فها هي ذي زيغريد هونكة تقول "تعودنا أن نقيس بمقياسين، سواء في العلم أو في الفن، فنحن الغربيين حين نقيّم الحضارة الغربية ننظر بعين الاعتبار إلى منهجها وليس إلى مصدرها، وحين نذكر الحضارة الغربية نقتصر على ما ينبع من الحضارتين الإغريقية والرومانية وتهمل ما عدا ذلك من المصادر الأخرى"(2)‏

رغم الأثر الذي خلفته الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا والذي شمل جميع المجالات الأدبية والعلمية، فقد كانت إحدى أكبر مراكز الإشعاع في أوروبا.‏

وخير دليل على هذا القول: أن الإنكليزي دانييل ديفو (1661_ 1731) الذي ألف روبنسون كروزو قد عاش في إسبانيا مدة عامين، فقد كان عصره عصر اضطرابات وثورات شارك في بعضها، فتعرض للمخاطر التي من بينها السجن، لذلك هرب إلى إسبانية .‏

صحيح أن نشأته متواضعة، فقد كان ابنا لقصاب يعمل في لندن، حيث تعلم فيها ديفو، علوما متعددة شملت معارف عصره من الرياضيات والفلك والتاريخ، بل زاد عليها إتقانه خمس لغات.‏

لم تظهر موهبته الفكرية والأدبية إلا بعد عودته منها، فقد أصدر صحيفة باسمه، كتب فيها اقتراحاته الاقتصادية المثمرة، التي أخذت بها بلاده .‏

تعود شهرته الأدبية إلى قصيدة نظمها في الدفاع عن (وليم أورنج) ملك إنكلترا ردا على قصيدة نظمها أحد الشعراء في التهكم عليه، فأكسبته عطف الملك وحب الحكومة والشعب.‏

ألف كثيرا من الأبحاث والمقالات والرسائل في الدين والسياسة والوطن، وقد أدرك بفطرته تعلق الجمهور بالقصص ، وشدة تأثره بها وتهافته عليها، خاصة إذا كانت صادقة الوصف والتحليل ، تهتم بتصوير الحياة بدقة، لذلك نالت قصصه نجاحا كبيرا، لأنها كانت تخلق سحرا خلابا يزينه الصدق والدقة، وقد نشر القسم الأول من قصته "روبنسون كروزو" عام 1719، فلاقت شهرة واسعة جدا، مما شجعه على تتمة القصة، وأكسبه من المال ما جعله يعيش بقية عمره مستريح البال ، إلى أن أنهكه مرض النقرس وعقوق ولده، فعجّل بموته عام (1731).‏

أما ابن طفيل فقد ولد نحو 500 للهجرة (1106م ) في غرناطة بالأندلس، قرأ أقسام الحكمة على علماء غرناطة، كان واسع العلم في الفلك والرياضيات والطب والشعر، وقد عمل في مستهل حياته بالطب ثم تولى الوزارة في غرناطة، ثم اتصل ببلاط الموحدين في المغرب، ولم يلبث أن عين في عام(549هـ 1154 م)كاتما لسر الأمير أبي سعيد بن عبد المؤمن حاكم سبتة وطنجة، ثم عاد إلى ممارسة الطب، إذ أصبح الطبيب الخاص لأبي يعقوب يوسف سلطان الموحدين في عام (558 هـ1163 م ) ويبدو أنه ظل يحتفظ بمنصبه بالبلاط مدة عشرين عاما قضاها في التأمل والدراسة إلى جانب ممارسة الطب، وحين توفي أبو يعقوب في حرب الفرنجة بقي في خدمة ابنه أبي يوسف يعقوب، ثم اعتزل العمل ربما لكبر سنه (عام 578هـ في البلاط، فخلفه تلميذه ابن رشد الفيلسوف ، توفي ابن طفيل (عام 578 هـ1185 م) في مدينة مراكش، ودفن فيها، وقد ترك عددا من المؤلفات التي فقد معظمها، ولم يبق منها سوى رواية "حي بن يقظان" وبعض الأشعار المتفرقة.(3)‏

حي بن يقظان:‏

يروي لنا ابن طفيل روايتين لنشأة حي بن يقظان: الأولى: نشأة طبيعية، فقد كان هناك ملك عظيم منع أخته من الزواج، لأنه لم يجد من الرجال من هو كفؤ لها، لذلك تزوجت سرا من رجل يدعى "يقظان" فأنجبت طفلا أسمته (حي) ووضعته في تابوت، وقذفته في اليم قائلة: "اللهم إنك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئا مذكورا، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى تم واستوى، وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفا من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد. فكن له، ولا تسلوه، يا أرحم الراحمين!"(4)‏

نجد في هذه الرواية لنشأة حي ملامح واقعية، فخوف الأم على وليدها من الموت قد يدفعها إلى قذفه في البحر، فتسلمه إلى مصير مجهول خوفا عليه من موت محقق.‏

أما الرواية الثانية فتحكي عن نشأة غير طبيعية "إذ إن الذين زعموا أنه ولد من الأرض فإنهم قالوا: إن بطنا من أرض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينة على مرّ السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى، وكانت هذه الطينة كبيرة جدا، وكان بعضها يفضل بعضا في اعتدال المزاج، والتهيؤ لتكون الأمشاج، وكان الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جدا، منقسمة بقسمين، بينها حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية الاعتدال اللائق به، فتعلق به عند ذلك "الروح" الذي هو من أمر الله تعالى وتتشبث به تشبثا يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل، إذ قد تبين أن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عز وجل، وأنه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم"(5)‏

ثمة قوى خارقة أدخلت الروح إلى ذلك الجسم الطيني، المهم أن (حي) في كلا الروايتين نشأ في تلك الجزيرة المنعزلة، وقد رعته ظبية فقدت ابنها، أرضعته من لبنها، وحمته من الوحوش، كما حمته من عوامل الطبيعة من برد وحر، فيكبر وهو لا يعرف أما له سوى الظبية ، لكن الله منحه العقل الذي أتاح له التفكر والمقارنة بين حاله وحال سائر الحيوان، فقد نظر إليها فوجدها مكسوة الجلد بالصوف أو بالريش، فحاول أن يغطي جسده بأوراق الشجر، لكنه سرعان ما جفّ وتساقط، لهذا نجده يلجأ إلى ريش نسر ميت يستر به جسده، وبذلك يعيش عيشة الوحوش في الغابة في طعامه ولباسه وعلاقاته.‏

يبدأ نضجه الفكري حين تموت أمه الظبية، يصدمه هذا الحدث فيقرر فهمه، لذلك نجده يبحث عن سر الموت في جسدها أولا، لذلك يشرّحه باحثا عما حصل له بفعل الموت، هل نقص عضو من أعضائه؟‏

يفاجأ أن جسدها مازال على حاله، لم ينقص منه عضو، لكن ينقصه شيء مهم هو الذي يحرك الجسد ويملؤه بالعواطف، لم يستطع أن يهتدي إلى السر في ذلك، فدفن أمه بعد أن لاحظ أن رائحة نتنة بدأت تنبعث من جسدها مما زاد في نفرته منه، وود أن لا يراه، ثم إنه "سنح لنظره غرابان يقتتلان حتى صرع أحدهما الآخر ميتا، ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب، فقال في نفسه: ما أحسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه، وإن كان قد أساء في قتله إياه! وأنا كنت أحق إلى هذا الفعل بأمي فحفر حفرة وألقى فيها جسد أمه، وحثا عليها التراب"(6)‏

وبذلك انتهى من مشكلة الجسد ليصل إلى مشكلة الروح، فبدا لنا إنسانا أشبه بالفيلسوف، باحثا عن سر الحياة ليس في جسد أمه فقط، وإنما في هذا الكون المتنوع والشاسع، وبدأ يراقبه فلاحظ أن موجوداته (الأجسام والأشياء) إما تعلو (كالهواء والدخان) وإما تهبط (كالحجر) وبذلك تعرف على بعض خصائص العالم المادي عن طريق النظر والتجربة، لكن المعرفة المادية لم تكفه، فقد أراد أن يعرف ما يؤرقه من عالم ما وراء المادة.‏

لاحظ أن الأشياء لا تتغير طبيعتها إلا بفعل مسبب، كتحول الماء إلى بخار لا يكون إلا بالتسخين، والتالي فإن تحول الأشياء لا بد لها من محول، لهذا فإن حدوث العالم وخروجه من العدم لا بد له من فاعل يخرجه إلى الوجود.‏

كذلك نظر إلى الكون وإلى نظامه الدقيق، أدهشه هذا النظام، فرأى أنه لا بد من أن يكون وراءه منظم قادر تجتمع فيه صفات الكمال وتنأى عنه النقائض، وهكذا قاده مبدأ السببية إلى الإيمان بالله تعالى، والتعمق في العالم الروحي.‏

لهذا أراد أن يقيم صلته بهذا الموجود، المنظم لكل شيء، وصار يتأمل في عالم الحيوان عله يتعلم منه، فرأى أنه لا يهتم إلا بالأكل والشرب وكل ملذات الجسد، فانطوى على ذاته يبحث في أعماقها عن سبل الاتصال بالله، فلم يجد سوى الاتصال الروحي والاستغراق في التوحد بالذات الإلهية، لهذا سكن في كوخه الذي بناه وانقطع عن العالم الخارجي ولم يعد يخرج إليه إلا مرة في الأسبوع تلمسا للغذاء الذي بات يعتمد على أبسط الأشياء، مما يتيح له القدرة على الاتصال بالله بشكل أفضل.‏

يأتي الجزيرة (آسال) وهو رجل دين متصوف، هاربا من شيوع الفساد في مدينته، بعد أن يئس من إصلاح أهلها، يلتقي بـ(حي) فينفر منه للوهلة الأولى خائفا من منظره (إنسان بدائي، شعر رأسه يغطي جسده إلى جانب ريش النسر الذي يكسوه، لكن تصرفات (حي) تهدئ من روعه، فيبدأ تعليمه اللغة ، وحين يتقنها، يشرع في تلقينه تعاليم الدين، فيكتشف أن ابن يقظان قد توصل إلى الإيمان بإله واحد، وتعرّف صفاته، والتواصل معه عن طريق القلب، وعبادته بل بات يتفرغ لهذه العبادة.‏

وحين حدّثه آسال عن معاناته مع أبناء مدينته يطلب منه (حي) اصطحابه إليهم كي يحدثهم بتجربته الإيمانية، لعلهم يعودون إلى جادة الصواب، وحين يلتقي بهم، يوضح لهم تجربته العقلية في الإيمان، كما يحدثهم عن تجربته الصوفية في التواصل مع الله تعالى، لكنهم كانوا مشغولين بحب الدنيا وملذاتها، لذلك تركهم حي بعد أن نصحهم بالتزام أوامر دينهم وفق الشريعة، وعاد إلى الجزيرة بصحبة صديقه آسال، ليتفرغا للعبادة.‏

ملاحظات فنية حول رواية "حي بن يقظان":‏

تعد قصة "حي بن يقظان من أهم القصص التي ظهرت في العصور الوسطى، في نظر كثير من النقاد، فهي رائدة في فن القص، إلى جانب ألف ليلة وليلة، لهذا لا يحق لنا أن نحاكمها بمقاييس عصرنا، وما توصلنا إليه من إنجازات في النظرية السردية، فإذا حاولنا الحديث عن هذه القصة، بمقاييس عصرنا اليوم فليست الغاية تقويمية، كما قد يظن البعض، وإنما من أجل إبراز إنجازاتها الفنية المدهشة، وإبراز سقطاتها الفنية التي مازلنا نلاحظها لدى كتابنا اليوم، لذلك لا يضير مكانة ابن طفيل وريادته الحديث عنها.‏

ثمة وعي لدى المؤلف أنه يقدم قصة، لذلك وجدناه يستخدم هذا المصطلح في التمهيد "فأنا واصف لك قصة "حي بن يقظان" وقد استخدم مصطلح "واصف" بدل مصطلح "سارد" أو "أقص" كذلك أبرز في التمهيد أسباب كتابة هذه القصة، إنها أسباب تعليمية فقد كتبها بناء على سؤال صديقه عن الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، لذلك ينصحه بلهجة تعميمية قائلا: "فاعلم: أن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه، فعليه بطلبه والجد في اقتنائه" وهذا ما فعله بطل قصته (حي) حين بذل غاية جهده ليصل إلى الحقيقة.‏

لم يذكر، هنا، اسم صديقه، وإنما وصفه بـ"الأخ الكريم، الصفي الحميم، لذلك نرجح أن يكون متلقيا عاما، يتخيله المؤلف كي يستطيع محاورته ومن ثم يحاول هدايته إلى ضرورة استخدام العقل والحدس في قضية الإيمان بالله تعالى، لذلك وجدناه في خاتمة القصة يقول له: "أردت تقريب الكلام فيها على وجه الترغيب والتشويق في دخول الطريق. وأسأل الله التجاوز والعفو، وأن يوردنا من المعرفة به الصفو، إنه منعم كريم، والسلام عليك أيها الأخ المفترض إسعافه ورحمة الله وبركاته"‏

وبذلك اتضح لنا أن المؤلف يخاطب متلقيا مضمرا، موجوداً بالقوة، متوجها إليه بالخطاب، عله يفتح أمامه سبلا مجهولة للإيمان، لعله يستطيع هدايته وإنقاذه من الجهل والكفر.‏

لو أردنا تحديد جمالية هذه القصة لوجدناها تكاد تنحصر في الجزء الأول (قصة ولادته ونشأته وفي الجزء الأخير حين التقى بآسال) ويبدو لنا مشهد اللقاء مشهدا سرديا جميلا بكل المقاييس الفنية، إذ احتفظ بقدرته على التشويق، كما شاعت به حيوية، بفضل تنوع الحركات التي لمسناها لدى كل من (حي) و(آسال) من ركض واختباء وتلاحم في الأيدي ثم لمسات اليد الحانية، بالإضافة إلى تنوع البيئة، إذ تم اللقاء بين البيئة الحضرية بكل ما تعنيه من إنجازات (في الملابس والطعام والتصرفات...) والبيئة البدائية بكل ما تعنيه من حياة فطرية أشبه بحياة الحيوانات، هذا على صعيد الجسد، لكن هذا التناقض سرعان ما يختفي على صعيد الروح، إذ يتبين آسال أن (حي) لا يقل عنه إيمانا ومعرفة بالله، لهذا يوافق على اصطحابه إلى مدينته العاصية لهداية أهلها.‏

ثمة عناية في رسم هذا المشهد، ظهرت في طريقة تقديم المؤلف للشخصيتين الرئيستين في القصة، فلجأ إلى رسمهما من الخارج وخاصة شخصية (حي) فبرز لنا في شكله البدائي (شعر رأسه يغطي جسده، ريش النسر الذي يكسوه) كما وصف لنا الأعماق، فاستطاع أن يبرز لنا حالة الرعب التي أحس بها كل واحد منهما حين التقى بالآخر، وخاصة رعب المدني من البدائي، وبذلك اجتمع في هذا المشهد عناصر سردية تجعل هذه القصة ذات سمات فنية ممتعة إلى حد ما.‏

صحيح أن بداية القصة وخاتمتها تمتعت بقدرات جمالية في السرد، لكن صلب القصة التي تتحدث عن معاناة (حي) الروحية إثر وفاة أمه، بدت أشبه برحلة فلسفية صوفية علمية، فقد أسقط ابن طفيل أفكاره على الشخصية (حي) وجعله يتحدث بلغته الفلسفية الصوفية، فبدت لنا هذه الشخصية البدائية أشبه بفيلسوف مسلم، يتحدث لغة القرآن الكريم، دون أن يتعرف على الإسلام بعد!‏

إذا رغم حياة العزلة التي عاشها (حي) فقد وجدناه عالما في الفلك، حين تأمل الكون ونشأة الأرض، كما وجدناه طبيبا، حين بدأ بتفحص جثة أمه الظبية، ويشرحها باحثا عن مصدر الحياة وسبب الموت، لنتأمل هذا القول، الذي يرصد لنا أعماق الشخصية وأفكارها "وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلها، لا هذا الجسد العاطل، وأن هذا الجسد بجملته، إنما هو كالآلة وبمنزلة العصي التي اتخذها لقتال الوحوش، فانتقلت علاقته عن الجسد إلى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق له شوق إلا إليه."(ص_ 45)‏

إن شخصية (حي) هي ابن طفيل العالم الفلكي والطبيب والفيلسوف، وبذلك توحد المؤلف مع الشخصية، في أغلب أحوالها وصفاتها وأفكارها ولغتها، فكانت الغاية، من هذه القصة، إيصال أفكاره إلى القراء عن طريق شخصية يتماهى بها تستطيع أن تقدم أفكاره التي قد لا يستطيع التعبير عنها صراحة.‏

لعل إغراق الشخصية في التأمل الفلسفي والصوفي، أساء إلى البنية السردية للقصة، إذ إن فن القصة من أكثر الفنون التصاقا بالمجتمع، لذلك قد تؤدي العزلة الاجتماعية إلى الإساءة إليه، فتفقده حيويته وجاذبيته.‏

إن هذه الدراسة للقصة وفق معطيات عصرنا، قد تكون مفيدة في إبراز إنجازاتها الفنية، لكن أن نتحدث عن مزالقها وسلبياتها فهذا إجحاف في حقها، لأننا نغفل عن الفارق الزمني بيننا وبينها، فنحاكمها وفق معطيات عصرنا، فلو حاكمناها وفق معطيات عصرها لوجدناها عملا فنيا رائدا، قدّم لنا قصة فيها الكثير من المقومات الفنية (الشخصية، المكان، السرد، الحوار، الصراع...)‏

المؤثرات الإسلامية:‏

يعترف ابن طفيل في التمهيد لروايته "حي بن يقظان" باستفادته من ابن سينا الفيلسوف الطبيب، خاصة في مجال اختيار الأسماء (حي بن يقظان، آسال....) لكن ابن سينا اتبع طريقة المتصوفة في الرمز، فـ(حي) يقصد به العقل الفعال،و(ابن يقظان) كناية عن صدوره عن القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وهي رحلة ترمز إلى طلب الإنسان المعارف الخالصة بصحبة الحواس والعقل، وإن كان يحذر من رفقة الحواس.‏

وبذلك يمكننا القول إن "حي بن يقظان" عند ابن سينا كتاب في الفلسفة والتصوف استفاد منه ابن طفيل ليضيف عليه البنية السردية، ليأتي الفكر الفلسفي بطريقة أكثر جاذبية وربما أكثر إقناعا، لذلك نلاحظ شخصياته تميزت بالحيوية، إذ لم تعد الشخصية مجرد اسم يحمل فكرة، وإنما بدأنا نجد أمامنا كائنا بشريا له أحلامه التي تتعدى عالم المحسوس بكل ماديته، باحثة عما وراء الطبيعة عن حقيقة هذا الكون الذي نعيش فيه.‏

صحيح أن ابن طفيل إنسان بدائي، اهتدى إلى الإيمان عبر معاناة ذاتية لكن لغة الراوي كانت متقدمة على بدائية الشخصية، فبدت تحمل ملامح إسلامية واضحة، خاصة في شيوع التناص القرآني في لغتها السردية، مما يؤسس بنيتها الفكرية وجماليتها اللغوية، لنتأمل هذا المقطع "وتصفح طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون قد اتخذوا إلههم هواهم ومعبودهم وشهواتهم، وتهالكوا في جمع حطام الدنيا، ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر لا تنجح فيها المواعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة"(7)‏

نلاحظ في هذا المقطع سطوع لغة القرآن الكريم، حتى إنها تكاد تشكل صلب هذا المقطع، فنلاحظ أن ابن طفيل ينقل ألفاظ الآية القرآنية كما هي، وإن كان قد حذف الجزء الأول منها "فتقطّعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون"(سورة المؤمنون آية 53)‏

هنا اقتصر على إضافة فعل (رأى) للسياق السردي، وقد نجده يحور الآية تحويرا بسيطا فتتحول صيغة الغائب المفرد في الآية "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا" (سورة الفرقان آية 43) إلى صيغة جماعة الغائبين بعد أن حذف الجزء الأخير من الآية، أما الآية الأخيرة فقد تحولت من صيغة جماعة المخاطبين (سورة التكاثر آية 1_2) إلى جماعة الغائبين، وبذلك يتم التحوير وفق مقتضيات سردية تتناسب مع سيرورة القصة.‏

كما نلاحظ تأثر ابن طفيل بالحدث القرآني، حين حدّثنا عن خوف أم (حي)، في الرواية الواقعية لنشأته، من أخيها الملك فتقذف به في اليم، بعد أن تضعه في تابوت، وهذا ما نجده في (سورة القصص) "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين" (آية 7) لكن تفاصيل حياة الرضيع ستختلف كليا، لدى ابن طفيل عنها في القرآن الكريم.‏

ثمة تأثر بالروح الإسلامية والمبادئ التي تحض المؤمن على الإسهام في إصلاح مجتمعه، لذلك وجدناه ، حين شكل تصرفات شخصيته (حي) صاغها وفق هذه الروح، إذ وجدناه يدعو آسال لاصطحابه إلى مدينته العاصية عله يستطيع هدايتها، وهنا نلاحظ ابن طفيل متأثرا بالحديث الشريف "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"‏

فلسفة ابن طفيل:‏

يعد ابن طفيل من فلاسفة المسلمين، وقد حاول أن ينقل في (حي بن يقظان) هذه الفلسفة عن طريق السرد الروائي الذي بفضله لمحنا فلسفته العقلية، التي تؤكد أن بوسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول، وأن يصل بقواه الطبيعية إلى معرفة الإله والإيمان به، ومن ثم فهم العالم من حوله، وقد قسّم هذه المعرفة قسمين: المعرفة العقلية، والمعرفة الحدسية التي ينكشف فيها الأمر للنفس بوضوح ليس عن طريق المصطلح الفلسفي، وإنما عن طريق "الحال" (8) الذي يستوطن القلب، ويستدل به عن طريق الحدس.‏

ويرى ابن طفيل اختلاف الفيلسوف عن العامة بقدرته على إدراك الحقائق الإلهية بعقله وحدسه، أما العامة فهي بحاجة إلى من يرتقي بها إلى هذه المبادئ العالية عن طريق الحس والخيال، لهذا فشلت مهمة (حي) في مدينة آسال العاصية، في إقناع العامة بالإيمان عن طريق العقل والحدس.‏

وبما أن قصة (حي بن يقظان) قصة رائدة في العصور الوسطى لذلك من البديهي أن تؤثر بتلك القصص اللاحقة التي ظهرت في أوروبا، كما أثرت قصص ألف ليلة وليلة.‏

سنتناول في هذه الدراسة إحدى نماذج التأثر : قصة "روبنسون كروزو" لدانييل ديفو (9) فنبحث عن نقاط اللقاء ونقاط الاختلاف.‏

"روبنسون كروزو":‏

يبدو لنا روبنسون كروزو شابا في العشرين من عمره، أحلامه أحلام الشباب في السفر والمغامرة، يستأذن والديه في السفر عبر البحار، ليحقق أحلامه، لكن والديه يرفضان الموافقة على هذه الفكرة حرصا على حياته، فيعصي أوامرهما، ليحقق رغبته في المغامرة والسفر، لذلك نجد والده غاضبا عليه يدعو الله أن يضع في طريق ابنه المتاعب.‏

فعلا حين يسافر روبنسون يصادف أهوالا كثيرة، كان آخرها تحطم السفينة، وغرق جميع ركابها، ماعدا روبنسون، وبعد أن يجتاز أهوالا كثيرة يجد نفسه في جزيرة نائية، لا يوجد فيها سوى الحيوانات المتوحشة فتكبد مشقة البحث عن حياة آمنة مستقرة فيها، لذلك يصنع من أشلاء السفينة المحطمة سكنا بسيطا، أما طعامه فكان مما تيسر له من ثمار الجزيرة، لكن المصادفة تساعده في تأمين غذائه من الحنطة، حين نفض كيسا (يريد استخدامه لبعض شؤونه) كان فيه بقايا حنطة، فهطلت الأمطار ونبتت البذور، فصار يعتني بها، إلى مرحلة الحصاد.‏

نلاحظ أن كروزو لا يبدأ من الصفر، وإنما يساعده في الاستمرار على قيد الحياة مؤن وأدوات حصل عليها من بقايا السفينة المحطمة، كما ساعدته الطبيعة بأن مدّته بالمواد الأولية (الخشب) ليستمر في العيش.‏

بعد فترة من الزمن يلتقي روبنسون بإنسان أسير، استطاع أن يهرب من أكلة لحوم البشر، فيسميه (جمعة) ويتخذه مساعدا له في عمله.‏

عاش روبنسون في الجزيرة مدة ثمان وعشرين سنة، إلى أن أتت مصادفة سفينة، يرحل على متنها إلى بلده، بعد أن يخوض صراعا مع رجال ثائرين على ربانها، وهكذا لاحقته المتاعب حتى آخر مراحل سفره!!‏

اللقاء بين "حي بن يقظان" و "روبنسون كروزو"‏

لو وقفنا عند السنة التي توفي فيها مؤلف " روبنسون كروزو" دانييل ديفو (1731م) وسنة وفاة ابن طفيل (1185م) للاحظنا أن مؤلف "حي بن يقظان" قد عاش قبل ديفو بحوالي خمس مئة سنة، وأن كلا الكاتبين قد عاش في إسبانيا فترة من حياته، لذلك كان تأثر ديفو بابن طفيل أمرا طبيعيا.‏

لو تأملنا الفضاء المكاني لكلا الروايتين للاحظنا تشابها كبيرا، فنحن أمام فضاء واحد تقريبا (جزيرة نائية) كذلك نجد فيها إنسانا وحيدا، يحاول أن يفهم ويستكشف كل ما يحيط به، وبذلك نجد لقاء في تركيز القصتين على شخصية رئيسية واحدة، تعيش ظروفا متشابهة (العزلة، البدائية...)‏

كذلك تبدو الشخصية الثانوية، في كلا القصتين، شخصية طارئة (آسال، جمعة) تأتي إلى الجزيرة بعد استقرار الشخصية الرئيسية، إذ تم اللقاء بها بعد مرور فترة طويلة من العزلة في الجزيرة، وقد لاحظنا أنها أضفت الحيوية على فضاء القصتين، وأسهمت في تجديد إيقاعهما.‏

نلمح في كلا القصتين الغاية التعليمية، فابن طفيل، كما لحظناه منذ المقدمة، يريد أن يدلل على وجود الله باستخدام العقل والحدس، دون استخدام الشريعة، لذلك جعل من (حي) إنسانا بدائيا يصل إلى الإيمان عن طريق استخدام العقل أولا ثم الحدس، كأنه يطلب من الناس أن يمعنوا النظر في هذا الكون ليتوصلوا إلى الإيمان بعقولهم وقلوبهم، لا أن يكون إيمانهم إيمانا تقليديا، يحول التواصل مع الله تعالى إلى مجموعة من الطقوس لا علاقة لها بالقلب أو العقل.‏

أما دانييل ديفو فقد كانت غايته تربوية، إنه يتوجه إلى الشباب، الذي يعشق المغامرة والسفر، بالنصيحة، طالبا إليهم النظر إلى ما آل إليه حال روبنسون حين لم يستمع إلى رغبة والديه في عدم السفر، ونفّذ ما يدور في رأسه من أفكار، فعانى متاعب جمة استمرت حتى لحظات سفره الأخيرة.‏

انعكست في كلا القصتين ملامح من السيرة الذاتية للمؤلف، ففي قصة "حي بن يقظان" نجد أهم القضايا التي أرّقت ابن طفيل (هل تستطيع الفلسفة أن تؤدي إلى الإيمان بالله تعالى، على نقيض القول الشائع " من تمنطق فقد تزندق"؟ ثم هل يكفي استخدام العقل ليصل بنا إلى الإيمان العميق أم نحن بحاجة إلى القلب والقوى الداخلية الحدسية إلى جانبه؟ هل تستطيع العامة الإيمان بهذه الطريقة؟ أم لا بد لها من الطريقة النقلية في الإيمان؟ هل الطريقة العقلية الحدسية وقف على الخاصة دون العامة؟)‏

إذا نلمح في هذه القصة بعض المعاناة الروحية والفكرية لابن طفيل، كما نلمح بعض ملامحه الشخصية التي أسقطها على (حي) فجعله فيلسوفا وطبيبا، وعالم فلك مثله.‏

أما قصة "روبنسون كروزو" فقد لمحنا فيها معاناة دانييل ديفو من عقوق ابنه، لذلك جعل روبنسون ابنا عاقا لوالديه، وأسقط عليه غضبه، مما جعله يعاني متاعب جمة في سفره، وعاقبه بأن عاش معظم حياته وحيدا يجتر آلامه.‏

الاختلاف بين "حي بن يقظان وروبنسون كروزو"‏

يدخل روبنسون الجزيرة النائية شابا، قد تكوّن فكره وتأصلت عاداته، أي بدا لنا إنسانا مدنيا أجبر على الحياة البدائية، أما (حي) فقد بدأ حياته فيها رضيعا (حسب الرواية الأولى) أو تخلق من تربتها (حسب الرواية الثانية) لذلك كان إنسانا بدائيا لصيقا بالطبيعة، وقد قويت صلته بها مع الأيام، إذ لم يعرف عالما غيرها، فكان عالم الحيوان في الجزيرة دليله للحياة، تعلم منه طرائق العيش البدائية.‏

إذا بدأ (حي) حياته في الجزيرة من الصفر، في حين وجدنا روبنسون يستعين بمخلفات السفينة المحطمة، فاستطاع أن يوفر لنفسه عيشة متحضرة بفضل المؤن والأدوات التي عثر عليها مع بقايا السفينة.‏

نظرا لعلاقة (حي) الحميمة بالطبيعة نجده إنسانا تغلب عليه الروحانيات والأفكار، همه الأساسي البحث عن قضايا تؤرق الإنسان (الإيمان بالله، الموت، هداية الآخرين) لذلك لم تؤرقه قضايا الحياة المادية، خاصة في المرحلة الأخيرة من حياته، فقد رأى أن الاستغراق في التواصل مع الذات الإلهية يفسدها الانشغال بالماديات، لذلك كان طعامه بسيطا، يخصص له وقتا زهيدا ليصرف وقته في التأمل والعبادة، في حين وجدنا روبنسون مشغولا بالعالم المادي، همه الأساسي تأمين الطعام ليس لمعيشته اليومية فقط وإنما يفكر بمعيشته المستقبلية فيحاول تأمين مؤنة الشتاء والعيش في مسكن على نسق عرفه في حياته السابقة، لذلك نستطيع أن نقول إن روبنسون نقل الحياة المدنية بكل ماديتها إلى الجزيرة، وربما لهذا السبب ابتعد عن القضايا الروحية، في حين جسّد (حي) الحياة الروحية بتأثير الطبيعة التي التصق بها، وكما يقول جان جاك روسو إن الإنسان الذي يعيش قريبا من الطبيعة أشد تدينا واقترابا من الله من ذلك الإنسان الذي يعيش في المدينة، ربما لأنه يزداد رهافة وإحساسا بمعجزات الكون وجماله، لشدة معايشته للطبيعة، ورؤيته لتبدلاتها المعجزة، لا أدري إن كان يحق لنا القول: إن قصة "حي بن يقظان" تجسد لنا علاقة الشرقي بالكون، والتي رأيناها تعتمد على التركيز على الروحانيات وعدم الاهتمام بالماديات، في حين تجسد لنا قصة "روبنسون كروزو" علاقة الغربي المادية بالكون، وإن كنا لا نستطيع أن نقبل هذا الحكم بشكل مطلق!!‏

إن شخصية (حي) هي شخصية فيلسوف يتأمل الكون ليفهم أسراره، يثير أسئلة جوهرية تتعلق بالوجود الإنساني وكيفية تواصله مع الله، لذلك اجتمعت لديه شخصية الفيلسوف إلى جانب المتصوف! وهو يفكر في إصلاح غيره، لذلك برزت لديه شخصية المصلح، في حين وجدنا (روبنسون) إنسانا عاديا أقصى طموحاته تلبية حاجاته المادية.‏

وقد كان اللقاء بالشخصية الثانوية (جمعة) معززا للجانب المادي لروبنسون إذ يقوم بمساعدته في أمور حياته المادية، في حين كان لقاء (حي) بـ(آسال) معززا للجانب الروحي، علمه اللغة، إحدى أهم مفاتيح الأعماق والأفكار، ثم أخذه إلى مدينته العاصية ليسهم في إصلاحها.‏

لو تأملنا علاقة (حي) بـ(آسال) لوجدناها علاقة ندية، إذ يتم تبادل المعرفة بينهما، ويحاولان التعاون في سبيل إصلاح البشر وهدايتهم.‏

أما علاقة روبنسون بـ(جمعة) فقد كانت علاقة السيد بالمسود على نقيض علاقة (حي) بـ(آسال) وبذلك تتجسد لنا علاقة الغربي بالآخر، فهو السيد والآخر عبد له.‏

نلاحظ أن القصة لدى ابن طفيل مازالت بدائية، رغم الإنجازات السردية التي لحظناها، إذ لا نجد، غالبا، سردا متصلا بحدث معين، أو بشخصية معينة، خاصة إذا تجاوزنا المقدمة والخاتمة، التي أشرت إلى جماليتهما سابقا، فقد امتلأت القصة بالاستطرادات الفلسفية، فأصبحت أشبه ما تكون بمقال فلسفي، في أغلب الأحيان، في حين بدا السرد القصصي، في "روبنسون كروزو" متقنا، يكاد يخلو من الترهل والاستطراد، فالحدث مشوق، يتطور عبر حبكة متماسكة، وقد ابتعدت الشخصية عن التجريد، فلم تبد' مجموعة أفكار، كشخصيات ابن طفيل، بل رأيناها قريبة من الواقع، هنا لا بد أن نذكر مرة أخرى بالفارق الزمني بين القصتين (حوالي خمس مئة سنة)‏

يلاحظ وجود مؤثر إسلامي آخر في قصة "روبنسون كروزو" وهو ألف ليلة وليلة، إذ لا بد أن ديفو قد اطلع على ترجمة (غالان) لألف ليلة وليلة التي ظهرت في اثني عشر مجلدا بين عامي (1714_ 1717) فقد توفي ديفو (1731)‏

يلاحظ المرء أن معاناة روبنسون تشبه معاناة السندباد البحري، خاصة في بداية الرحلة البحرية، حيث تحطمت السفينة وبقي حيا دون سائر الركاب، فعاش في جزيرة نائية وحيدا.‏

وبذلك لم يكتف دانييل ديفو بالتأثر بقصة "حي بن يقظان" وإنما تعددت مجالات تأثره، ليتجاوز ذلك التأثر إلى الإبداع، الذي ينطلق من خصوصيته التي تنبع من معاناته الذاتية وخصائص أمته.‏

الحواشي:‏

1_ د. لوثي لوبيث بارالت "أثر الثقافة العربية في الأدب الإسباني" كتاب الرياض، ، عدد (54) يونيو، 1999، ص 63 بتصرف‏

2_ زيغريد هونكه "شمس العرب تسطع على الغرب" منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط8، 1986، ص 483‏

3_ابن طفيل "حي بن يقظان" إعداد د. سمير سرحان،و د. محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، 1999، ص 7_8‏

4_ المصدر السابق ص 35‏

5_ المصدر السابق نفسه، ص31_ 32‏

6_ المصدر نفسه، ص 45_46‏

7_ نفسه، ص 120‏

8_ ورد تعريف مصطلح "الحال" لدى ابن عربي على الشكل التالي: هو " ما يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل، ومن هنا نشأ الخلاف فمن أعقبه المثل قال بدوامه، ومن لم يعقبه مثل قال بعدم دوامه، وقد قيل الحال تغير الأوصاف على العبد" من كتاب نصوص المصطلح الصوفي في الإسلام" د. نظلة الجبوري، مطبعة اليرموك، بغداد، ط1، 1999، ص 130‏

9_ دانيال ديفو "روبنسون كروزو" ت. كامل كيلاني، مطبعة المعارف بمصر، ط3، د.ت‏