المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مقاربات تطبيقية فـي الأدب المقارن الجزء الثانى



زيد الخيل
24-10-2005, 01:54 AM
أثر الرواية الغربية الحديثة في الرواية العربية أثر "الصخب والعنف" لوليم فوكنر في "ما تبقى لكم" لغسان كنفاني

ماهية الرواية الحديثة:‏

يحسن بنا أن نتوقف في البداية عند تعريف سريع للرواية الحديثة، التي تدعى أيضا رواية "تيار الوعي"(1) وهي تمثل ثورة حقيقية على الاتجاه التقليدي الذي كان في القرن التاسع عشر، وقد بدأت هذه الثورة مع الإنجازات العلمية المذهلة في بدايات القرن العشرين تقريبا.‏

لو تأملنا الجذور التاريخية لرواية تيار الوعي لتأكد لنا أن الإنتاج الأدبي الجيد ليس دورانا في الفراغ، أو وحيا يهبط من السماء فجأة، وإنما هو تتويج لجهود سابقة، ولتطورات مستمرة في تاريخ الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه، فهذا من شأنه أن يؤكد أن الأسلوب الحديث في الكتابة استمرار لجهود سابقة، تبرزها جهود لاحقة وذلك بالإضافة إليها، الأمر الذي يعني شرعية انتمائها إلى الجنس الروائي، ويوضح مدى هذا الانتماء.‏

مع بداية القرن التاسع عشر ظهرت روايات تتخلى عن رسم الشخصية من الخارج، قي بعض مقاطعها، وتلتفت إلى أعماقها (دوستفسكي، جين أوستن، هنري جيمس) لكنها رغم ذلك، بقيت هذه الرواية وفية للتقاليد التي أرساها الرواد، وخاصة ما كان منها متصلا بالمحافظة على الأبعاد الروائية الثلاثة: الحدث، الشخصية، اللغة الروائية.‏

ابتدع وليم جيمس، أحد علماء النفس مصطلح "تيار الوعي" وقد استقر اليوم بوصفه مصطلحا أدبيا، يستخدم للدلالة على طريقة تقديم الجوانب الذهنية والشعورية للشخصية، إذ تهتم الرواية بالمستويات غير الكاملة (مستوى ما قبل الكلام بما فيه من كلام وأفكار ومشاعر وذكريات) وبذلك لا تخضع للمراقبة و التنظيم والسيطرة على نحو منطقي، فتبدو الذكريات والأفكار والمشاعر أشبه بتيار مضطرب في الأعماق، عندئذ ينكشف أمامنا الكيان النفسي للشخصية.‏

والحقيقة أننا لا نجد تقنية واحدة لرواية تيار الوعي، وإنما نجد عدة تقنيات، كذلك لا نستطيع أن نقول إن هذه الرواية تنتمي للأدب السيكولوجي فقط، بل تنتمي إلى علوم وفنون أخرى، فقد امتصت كل الأجناس الأخرى، إنها تنافس الشعر ...عندما تمتلئ بالاستعارة أو عندما تلعب بموسيقى الكلمات وتأخذ من المسرح المنولوج والحوار...وتستعير من النقد الأدبي غاياته، عندما تقدم بنفسها نظريتها في الأدب، كما تفسح مكانا للفلسفة، وتستعين بالموسيقى، فقد أعطى كل من بروست وجويس وبوتور لأعمالهم بنية موسيقية، بوساطة تركيب الفقرات والإيقاع ورنين الجملة، وقد نجد روايات مستمدة من لوحة فنية.(2)‏

إن التجربة الإنسانية، التي تمتزج فيها العوالم الخارجية بالعوالم الداخلية لا يمكن أن تحد أو أن تكتمل، إذ تختلط فيها معطيات عقلية (المفاهيم، الأحاسيس، التخيلات، الذكريات...) ومعطيات روحية (الحدس، الرؤية، البصيرة...) ولا شك أن الفصل السابق بين هذه المعطيات فصل غير دقيق، إذ كثيرا ما تبدو ممتزجة بعضها ببعض.‏

وهكذا فإن مجال الحياة الذي يهتم به أدب تيار الوعي هو التجربة العقلية والروحية من جانبيها المتصلين بالماهية والكيفية، وتشتمل الماهية على أنواع التجارب العقلية من الأحاسيس والذكريات والتخيلات والمفاهيم وألوان الحدس، كما تشتمل الكيفية على ألوان الرمز ، وعمليات التداعي، ويكاد يكون من المستحيل أن نميز الكيفية عن الماهية! فهل الذاكرة مثلا جزء مما يحتويه الذهن أم أنها عملية ذهنية؟ ومثل هذا التمييز الدقيق ليس بالطبع من مهمة الروائيين، وإن كانوا يكتبون رواية تيار الوعي بهدف توسيع قدرات هذا الفن وذلك بتصوير الحالات الداخلية لشخصياتهم، وبذلك يستطيع الإنسان، بفضلها أن يحتفظ بعلاقات مع الحياة في مجموعها.‏

الشخصية:‏

تريد الرواية الحديثة أن تتخلى الرواية عن زخرفة الشخصية التي في نظرها ليست إلا قناعا يخفي دون فائدة وجه المؤلف، كما يقول كونديرا (3)‏

وعلى هذا الأساس كانت الميزة الرئيسية لرواية "تيار الوعي" قدرتها على تصوير الشخصية على نحو أكثر دقة وأكثر واقعية من الرواية التقليدية، لأنها لا تقدم الإنسان من الخارج، وإنما من الداخل، أي تقدم ماهية الإنسان، ومن المعروف أن كل مؤلفي هذه الرواية (فيرجينا وولف، وليم فوكنر، جيمس جويس...) كانوا على معرفة بنظريات التحليل النفسي، وبنظرية الشخصية التي ظهرت من جديد في القرن العشرين، وبالفلسفة الجديدة والتصوف الديني، والوجودية المسيحية، ...الخ‏

إن الرواية الحديثة تهتم بالبحث عن المعنى في الشخصية الإنسانية أكثر من البحث عنه في الفعل ورد الفعل الاجتماعيين، وبذلك تسلط الأضواء على الفرد لا على المجتمع، أي على أفكاره التي تتسلط عليه في الحاضر، والتجارب الماضية التي يعايشها فيه، فيتبدى لنا الهم الاجتماعي بطريقة غير مباشرة، أي بطريقة أكثر إيحاء وفنية.‏

لذلك يلتقي هؤلاء الروائيون بالروائيين الطبيعيين (زولا، فلوبير) في أنهم يحاولون تصوير الحياة بشكل دقيق، ولكن الحياة التي استأثرت باهتمامهم كانت الحياة الداخلية للشخصية، على نقيض الروائيين الطبيعيين.‏

الانطباعات والصور:‏

تعتقد فرجينا وولف أن الشيء المهم الذي ينبغي أن يعبر عنه الفنان هو رؤيته الخاصة، أو ماهية الحياة من زاوية ذاتية، وأن الشيء الهام في الحياة الإنسانية هو البحث عن المعنى والتعرف إلى الذات، ولهذا فإن طريقتها في الكتابة الروائية هي تقديم الانطباعات النفسية (عن طريق الصورة، والتركيز على العلاقة بين الأشياء) وهي تختار تلك الانطباعات بوصفها مراحل في طريق الوصول إلى رؤية ما، وبذلك يصبح تشريح النفس الإنسانية ليس مجرد تحليل شكلي، وإنما يمتلئ بحساسية الفنان الانطباعي للون والصوت والشكل والرائحة.‏

وقد بدت الصورة الجمالية لدى (جويس) حياة مصفاة في قالب من الخيال الإنساني، ومبرزة بفضله، لذلك يتحقق السر الجمالي على نحو شبيه بحالة الإبداع المادي، فالفنان، مثل المبدع في عالم المادة، يظل مختفيا ومصفى خارج الوجود ومحايدا يتسلى، وهكذا كان في روايته يوليسيس.‏

أما لماذا يصر (جيمس جويس) أن يتخلص العمل الأدبي من آثار مؤلفه؟ فنجده يوضح لنا أن العمل الأدبي بوصفه إبداعا ليس أكثر من عمل يقتضي مهارة، وجمالية هذا العمل في تأثير على المتلقي، أي في جعله على اتصال مباشر بالحياة التي يمثلها، كأنه يريد تقديمها كما هي في الواقع دون حكم تعسفي أو تقييم مباشر، لذا كانت المعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة، كما يقول كونديرا، وهي معرفة داخلية تتعلق بدقائق النفس، ولا تعني حشوها بمعارف، تثقل كاهلها، وإنما نجد توظيفا لمعارف عدة في جسد الرواية عبر لمسات فنية، فتبدو جزءا حيويا من فضاء الرواية.‏

ومن المزايا التي تتوافر لرواية "تيار الوعي" هي قدرتها على تقديم الرموز بوصفها بدائل للأفكار الذهنية.‏

تقنيات الرواية الحديثة:‏

ثمة ملاحظة يحسن التوقف عندها وهي أن التقنية الفنية لرواية "تيار الوعي" ليست واحدة وإنما تختلف من رواية إلى أخرى، اختلاف التكوين الذاتي والاجتماعي للفنان، فالإبداع في أي مجال ذاتي، وهذا يعني أن يحمل بصمة خاصة به، كما يحملها الإنسان في أصابعه، لتدل على شخصيته المتفردة، لهذا تتعدد تقنيات الرواية الحديثة بتعدد الروائيين.‏

إننا حين نتحدث عن تقنيات هذه الرواية فمن أجل أن نبرز أهم معالمها دون أن يعني ضرورة التزامها بشكلها الحرفي، أو حصرها في قالب واحد لا يطاله التغيير، أو الإضافة، فهي أدوات باتت شائعة في الرواية، يتوجب علينا معرفتها، كي نتمكن من التفاعل مع الإنجازات الحديثة للرواية، ولعل أهم هذه التقنيات المستخدمة هي: الحوار الداخلي المباشر، الحوار الداخلي غير المباشر، الوصف عن طريق المعلومات المستفيضة، مناجاة النفس...‏

الحوار الداخلي: هو تلك التقنية المستخدمة في الرواية بغية تقديم المحتوى النفسي للشخصية، والعمليات النفسية لديها، دون التصريح أو التلميح إلى أن الشخصية ستجري حوارا داخليا.‏

والحوار الداخلي المباشر: هو ذلك النمط من الحوار الذي يمثله عدم الاهتمام بتدخل المؤلف، وعدم افتراض أن هناك سامعا، فيقدم المحتوى الداخلي كما لو لم يكن هناك قارئ، ويجري الحديث بضمير المتكلم، فتعبر الشخصية عن واقعها وعن أحاسيسها وآمالها ...خالطة الحاضر بالماضي بالمستقبل، مازجة الحلم بالحقيقة، واليأس بالأمل، فتجسد أعماق النفس بكل اضطرابها وآلامها.‏

أما الحوار الداخلي غير المباشر: الذي يدعى بـ(الوعي الباطني) فيتميز عن الحوار المباشر من ناحية التركيب اللغوي، واستخدام ضمير المخاطب أو الغائب، وهذا يعني وجوب حضور الراوي أو المؤلف بشكل دائم، لأن طبيعة الضمائر لا تسمح له بالغياب، بل تطلب منه أن يكون شاهدا أو راويا أو معلقا على الأحداث، وأن يستخدم الطرق الوصفية والتفسيرية.‏

مناجاة النفس: تقترب من الحوار الداخلي غير المباشر في اعتمادها على ضمير الغائب والمخاطب من ناحية البناء اللغوي، وتختلف في هذه الناحية أيضا، فهناك ينبغي على المؤلف الحضور، أما هنا فدوره ثانوي، لأن تقديم المحتوى الذهني والعمليات الذهنية للشخصية يجري مباشرة من الشخصية الروائية دون أن يتدخل الراوي أو المؤلف.‏

الوصف: رأينا قبل قليل أن الرواية الحديثة تركز على الصورة وعلى العلاقات البصرية بين الأشياء، وقد كانت هذه التقنية موجودة في الرواية التقليدية، إذ كانت تفيد في تحديد الخطوط العريضة لديكور الرواية، ثم لإيضاح بعض العناصر التي تتميز بشيء من الأهمية وتعبر عن شيء ما. أما الآن فهي، في يعض نماذجها، لا تتحدث إلا عن جمادات وأشياء لا تكشف عن شيء ولا تعبر عن معنى، أو على الأقل هذا ما يحاوله بعض كتاب الرواية اليوم، فقد كان الوصف يدعي تمثيل واقع موجود مسبقا، أما الآن فلا يحاول إلا أن يؤكد وظيفته الخلاقة، وكان فيما مضى يهدف إلى أن يجعل القارئ يرى الأشياء، أما الآن فيحاول أن يحطم الأشياء، وكان إصرار هذا الوصف على التحدث بإسهاب عن الأشياء والجمادات لا يهدف إلا إلى إفساد خطوط هذه الأشياء، وجعلها غير مفهومة، بل إلى إخفائها تماما...وبعد عدة فقرات ينتهي الوصف ليكتشف القارئ أن هذا الوصف لم يترك شيئا متماسكا وراءه، فقد اكتمل الوصف في حركة مزدوجة من الخلق والتحطيم، وهذه الحركة نجدها في الرواية على كافة المستويات وخاصة في التركيب العام للرواية، ومن هنا كان الإحساس بالانخداع الملتصق بكل أعمال اليوم (4) وبذلك بات عالم الأشياء جزءا أساسيا في تشكيل فضاء كثير من الروايات الحديثة، دون أن نستطيع القول أنه يشكل سمة عامة لها.‏

والحقيقة أن الوصف في الرواية الحديثة يتخذ مسارين: الأول نحو أعماق الشخصية، والثاني نحو الأشياء التي باتت تحل محل الإنسان، وتلغي كينونته في حياتنا التي باتت استهلاكية ترى قيمة الإنسان بما يملك من أشياء!!!‏

إن الوصف في الرواية التقليدية كالوصف في الرواية الحديثة التي يطلق عليها أحيانا رواية"تيار الوعي" يتم عن طريق المؤلف الواسع المعرفة، وذلك دون أية محاولة من جانب هذا المؤلف لوضع قناع على الحقيقة، والشيء الوحيد غير العادي في وصف الرواية الحديثة هو موضوعه، الذي يتعلق بالعالم الداخلي للشخصية، والحياة الذهنية لها بكل تداعياتها.‏

إن هناك ثلاثة عوامل لتنظيم التداعي: وهي أولا الذاكرة التي تعد الركيزة الأساسية للتداعيات، وثانيا الحواس التي تقودها، وثالثا الخيال الذي يحدد طواعيتها، أما ثبات عمل هذه العناصر ونظام ترتيبها، والناحية العضوية المتصلة بها فهي مشكلات مختلف عليها عند علماء النفس، ولم يهتم أحد من كتاب الرواية الحديثة بالمشكلات المعقدة لعلم النفس، لكن كل الكتاب أدركوا أهمية التداعي الحر في تحديد حركة العمليات الذهنية لشخصياتهم.‏

وسائل تنظيم حركة تيار الوعي: وهي مجموعة يمكن أن تسمى على سبيل التشبيه "مستحدثات سينمائية" وتدعى "المونتاج" تشمل مجموعة من الوسائل التي تستخدم لتنظيم أو لتوضيح تداخل الأفكار وتداعيها، كالتوالي السريع للصور، أو وضع صورة فوق صورة، يقسم المونتاج إلى قسمين:‏

المونتاج الزمني: إذ يبقى الشخص ثابتا في المكان، لينتقل تيار الوعي عبر عدة أزمنة، وبذلك يضع الروائي صورا أو أفكارا من زمن معين على صور أو أفكار من زمن آخر.‏

المونتاج المكاني: يبقى الزمن ثابتا، ليتغير عنصر المكان، وليس من الضروري أن تتضمن هذه الطريقة تقديم الوعي فهي تستخدم على أنها تقنية مساعدة، تسمى "عين الكاميرا" أو "المشهد المضاعف" وهي أسماء يمكن أن توحي بإمكان اجتماع مجموعة صور في نقطة زمنية واحدة.‏

إن الوظيفة الأساسية لهذه الوسائل السينمائية هي التعبير عن الحركة وتعدد الوجوه، وهذه وسيلة معدة لتقديم ما هو غير ساكن منظم وفق المنطق المعروف، لذا كانت هذه الوسيلة خير معين لكتاب الرواية الحديثة، إذ تستطيع تحقيق غرضهم الأساسي، وهو تقديم العنصر المزدوج في الحياة الإنسانية، أي اختلاط الحياة الداخلية بالحياة الخارجية في وقت واحد.‏

إذا يمكننا القول بأن الزمن لم يعد يسير وفق ترتيب ظاهري، يحدده الظاهر والمنطق التاريخي لسيرورة الحدث، ولا شك أن اضطراب الزمان واختلاطه يؤدي إلى اختلاط الأمكنة، لذلك التقسيم السابق ليس مقبولا بجملته، وإنما لابد من المرونة في التعامل معه، والأخذ بعين الاعتبار أن الأدب الحديث، شأنه شأن أي إبداع حقيقي لا يمكن أن يكون مقسما تقسيما آليا، ونحن نلجأ إلى هذا التقسيم لتسهل دراسته، دون يعني ذلك فصلا حتميا بين الزمان والمكان، وإنما فصلا مجازيا يساعد على توضيح المكان المضطرب والزمان المختلط بسبب التداعي الحر، الذي لا يخضع لأي تنظيم مكاني أو زماني..‏

لو تأملنا طبيعة المكان في الرواية الحديثة بمعزل عن طريقة تقديمه فيها، لوجدناه قد ابتعد، غالبا، عن أن يكون ديكورا للحدث، وامتدادا كنائيا للشخصية والبيئة والحدث الخ كما في الرواية المسماة تقليدية، وإنما أصبح المكان، في الرواية الحديثة، يبني رموزه" التي تعيد تشكيل أدبية الرواية، وتجسد الرؤية، فتؤسس جماليات جديدة، وعلى هذا الأساس أصبح المكان إحدى علامات الرواية الحديثة، وبات رمزا لحياة البشر يجسد الغربة والملل والضيق والمفارقة والعبور المؤقت، ويؤثر على مفهوم الزمن، فيعكس اضطرابه بين الديمومة واليومي، بين السطحي والعميق، وبين الوهم والحقيقة.(5)‏

بالإضافة إلى استعارتهم وسائل التقنية السينمائية ، استخدموا علامات الترقيم استخداما خاصا، كي يقدموا تيار الوعي وينظموه، ولعل أهم سماته: الفيض، والخصوصية، أي أنه يقدم جوانب غير مترابطة وغير مشكلة، الأمر الذي يجعل وعي أي إنسان لغزا بالنسبة للإنسان الآخر، ونستطيع أن نعدّ هاتين السمتين نتيجة للقوانين الذهنية للتداعي الحر، وهما متصلتان اتصالا وثيقا، ولعل الإنجاز الأساسي لكتاب الرواية الحديثة: هو تقديم الاضطراب الداخلي للعمليات الذهنية، وجعلها تعني شيئا.‏

اللغة الروائية:‏

تبدو لنا لغة الرواية الحديثة لغة يغلب عليها المجاز، ويسودها التشخيص والتكرار، يبدو عليها الخلل في التركيب أحيانا، إذ قد نجد تركيب الجملة في حالة من الفوضى، فقد ينقص الجزء الأول منها، وقد ينقص الجزء الأخير...‏

إن شيوع المجاز والتكثيف الشعري في اللغة أمر يتناسب مع لغة الأعماق، فبفضل الكثافة الشعرية تستطيع اللغة أن تمتلك إمكانات إيحائية متعددة، تساعد على اقترابها من اضطراب الأعماق من أجل محاولة تقديم بعض غوامضه، وهكذا فإن الاستعانة باللغة الشعرية والرمز والتصوير يعين الروائي على التعبير عما لا يمكن التعبير عنه في منطقة الوعي بطريقة مباشرة، بل يتحتم التعبير عنه بطريقة انطباعية رمزية مكثفة.‏

لاشك أن مثل هذه اللغة المجازية، تهب الرواية الحديثة خصوصية، لكن كثيرا ما تلقي هذه اللغة على الرواية ظلا من التلغيز، فيما لو ابتعدنا عن ملامحها الشعرية وأهملنا ربطها بالواقع على نحو شفاف.‏

إن معظم هذه الوسائل ليست شائعة في النثر العادي، لذلك شكلت بعض سمات الحداثة في الرواية، ولكن هناك ناحية يحسن الإشارة إليها: وهي أن هذه الوسائل والسمات لم تشكل نبض العمل الروائي بشكل مستمر، وهي تعكس بذلك خاصة داخلية من خواص الذهن وهي سرعة التنقل من موضوع لآخر، أي عدم الاستمرار، كذلك نلاحظ لكل مبدع خصوصيته في استخدام هذه التقنية والتي تبدو لنا أحيانا ممتزجة بالطريقة التقليدية للرواية.‏

القالب الفني:‏

إن تقديم مستويات اللاوعي (ما قبل الكلام) لا يمكن أن يقدم في قالب محدد، وبذلك ينطلق تيار الوعي مستقلا عن تطور الحدث، ومعنى ذلك أن تطرح الحبكة جانبا، وبالرغم من ذلك يُفرض على هذا التيار المضطرب نوع من القالب، لتنظيم مواده وبالتالي كي يتم تفاعل المتلقي معه، لذلك نجد فيه تمسكا بالوحدات الثلاث الكلاسية التي تمسكت بها الرواية التقليدية (الزمان والمكان والحدث) وتمسكا بالبناء الموسيقي والبناء الرمزي المعقد.‏

دور المتلقي:‏

يحاول الروائي في الرواية الحديثة أن يبتعد عن تقديم الخبر للمتلقي، ليريه أو بالأحرى ليشركه في فضاء الرواية، وبذلك لم يعد المتلقي يستقبل عالما متكاملا مغلقا على نفسه، بل على النقيض إنه يحاوره، ويطلب منه أن يسهم في عملية الخلق وأن يخترع بدوره العمل الذي يقرأ، فيكون مشاركا في معطياته لخلق انسجام وتفاعل بين الفضاء المتخيل وعالمه الذي يعايشه، وبذلك يسهم في خلق عمل أدبي ينسجم وفق تصوراته، ويتعلم في الوقت نفسه أن يخلق حياته من جديد .‏

موقفنا من الرواية الحديثة:‏

إن الرواية الحديثة ابنة مجتمع قد سبقنا في جميع المجالات، فهي ابنة مراحل طويلة من التطور، في حين لم يعرف العرب هذا الفن إلا مع بدايات القرن العشرين تقريبا، وبذلك تكون الرواية الغربية قد سبقتنا بأكثر من مئتي سنة، لهذا لا يمكننا تجاهل هذا الفارق الزمني، الذي يحمل معه تطورا علميا، وظروفا اجتماعية واقتصادية وسياسية تنعكس بصورة أو بأخرى على الإنتاج الأدبي، لذلك من البديهي أن نقدم إبداعا ينطلق من ظروفنا، لأن أي شكل أدبي لا بد أن يكون منسجما مع إمكانات المتلقي، دون أن يعني ذلك تدني المستوى الفني، أو إلغاء لقدرات الكاتب الإبداعية التي يتوجب عليه تقديم الجديد والممتع والمفيد دائما.‏

إذا حين نستورد شكلا فنيا لا بد أن نكون حذرين لأن المتلقي العربي يختلف عن المتلقي الغربي، ليس في الإرث الأدبي فقط، وإنما في ظروفه، مما ينعكس على طريقة تفاعله مع العمل الأدبي، صحيح أن التأثر أمر لا بد منه، خاصة في مجال سبقنا إليه الغربيون، لكن هذا التأثر لا يعني تقليدا، وإنما تأثرا واعيا ومتزنا، يستفيد من إنجازاته دون أن تستعبده هذه الإنجازات، وبذلك يمكن تقديم أدب منسجم مع ظروف مجتمعنا وهموم حياتنا، فيضمن تفاعل المتلقي العربي.‏

إذا إغناء التجربة الروائية لا يمكن أن يتم بالتقليد، وإنما بالاستفادة من الآخر والتعلم منه دون الاكتفاء بذلك، لأن المبدع الحقيقي يضع في اعتباره المتلقي الذي يتوجه إليه أولا، فيحاول أن يخاطبه بلغة يتفاعل معها، ويدهش لها، فتمتعه، عندئذ، يبدو شريكا معه، يضفي على العمل الأدبي الكثير من ذاته.‏

إننا نعتقد أن المبدع الحقيقي هو الذي يشغله الإبداع، بالقدر الذي يشغله هم الإنسان والوطن، لذلك يشغله كيفية توصيل هذا الإبداع إلى متلقيه أولا ثم إلى المتلقي العالمي ثانيا، لهذا يحاول بعض الكتاب أن يكتبوا بأسلوب الآخر ظنا منهم أنهم ينالون رضاه وجوائزه، ناسين أن هذا الآخر لن يعجبه إلا ما ينطق بخصوصيته، أي يتمتع بمحلية تكسبه نكهة خاصة، وتمده بجماليات مختلفة عن جمالياته، لأنها نابعة من بيئة بعيدة عن بيئته، وعن ذات تختلف عن ذاته، ينطق بأسلوبه الخاص، الذي يمتلك ملامح عامة مشتركة بينه وبين الآخر، لكنه يكتسب سمات خاصة تجعل إبداعه متميزا، يجذب الآخرين إليه، بل يطلعهم على أساليب جديدة، كما يطلعهم على عوالم خاصة، تهبها هوية متميزة، وبالتالي تلقى إقبالا لما تملكه من هذه السمات المتفردة.‏

سنتوقف عند نموذج من تأثر الرواية العربية، بأسلوب " الرواية الحديثة" وهو رواية "ما تبقى لكم" للشهيد غسان كنفاني الذي تأثر برواية وليم فوكنر "الصخب والعنف" بطريقته الخاصة، التي تمزج التأثر الأسلوبي بالابتكار النابع من خصوصية الهم الوطني والإنساني.‏

رواية وليم فوكنر "الصخب والعنف"‏

سنبدأ بالحديث عن رواية فوكنر، لنبين أهم ملامحها، وذلك بعد أن نعرّف بالروائي تعريفا سريعا.‏

نبذة عن حياة وليم فوكنر:‏

عاش الروائي (1897_1962) في ولاية المسيسبي (جنوب الويلايات المتحدة الأميركية) وقد نشأ وتعلم في بلدة أكسفورد، لكنه غادر الجامعة قبل أن يتم دراسته، ويبدو أنه في بداية حياته لم يفعل شيئا سوى التسكع والقراءة دون هدف، وعندما قامت الحرب العالمية الأولى، واشتركت فيها أميركا، لكن لم يتح له أن يلتحق بالجيش الأميركي، فتطوع في القوات الكندية.‏

وفي عام (1920) انتقل إلى نيويورك وعمل فيها بائعا في مكتبة، استمر في عمله بعض الوقت، ليتركه عائدا إلى أكسفورد، ويبدو أن النتيجة الوحيدة النافعة لعمله هناك هي اطلاعه على الجو الأدبي فيها، وفي أكسفورد عمل مديرا للبريد، وقد كانت إدارته فاشلة، لذلك قدّم استقالته، وقد قيل بأنه فُصل عن عمله.‏

بدأ حياته الأدبية شاعرا، إلا أن شعره لم يلقَ الاهتمام الكافي، فاتجه إلى الرواية بتأثير صديقه (أندرسن) وقد كان آنذاك في قمة مجده الروائي.‏

لم تلقَ روايات فوكنر الأولى نجاحا، إذ لم يعجب بها النقاد ولا القراء، ومع ذلك استمر في الكتابة التي تمتعه، وقد اكتشف أن مسقط رأسه يستحق الكتابة، وأنه لن يستطيع طيلة حياته الانتهاء من الكتابة عنه، ثم اتجه إلى كتابة النصوص السينمائية (سيناريو) في هوليوود، وقد كان لهوليوود تأثير كبير على الكثير من الأدباء، لكن فوكنر استطاع أن يتجنب هذا التأثير عن طريق اجتنابه لحياة هوليوود الاجتماعية، فقد كان يكتب هذه النصوص بعيدا عن دافع التحدي الفني، لأنه لم يكن راغبا في جعل هذه الكتابة أساسا لحياته ومصدر رزقه الدائم، بل رآها عملا حرفيا يؤديه بأمانة، بصورة مؤقتة، كي يتمكن من العودة إلى بلده.‏

وحين عاد إلى بلدته (أكسفورد) عاش فيما يشبه العزلة، ممضيا وقته بين عائلته في بيته العتيق ومزرعته الصغيرة، وقد كان يرفض الأحاديث الصحفية ولا يتبادل الرسائل إلا نادرا، وحتى الكتابة لم يكن مكثرا منها!‏

رواياته:‏

إن روايات فوكنر ليست سهلة، ولا نعتقد أنها ستكون كذلك في يوم من الأيام، والسبب أنه ابتدع أسلوبا روائيا خاصا، يعتمد تيار الوعي، فقدّم روايات مهمة، استحق عليها جائزة (نوبل) عام (1950) عندئذ ترك حياة العزلة، وبدأ حياة اجتماعية مليئة بالأسفار.‏

لو تأملنا خلفية رواياته لوجدناها محلية، لكن موضوعاتها الرئيسية تتخذ ملامح عامة ذات طابع شمولي إنساني.‏

إننا نجد في رواياته كل ما نريد أن نعرفه عن الجنوب، ونحن بصفتنا متلقين لا يهمنا كثيرا إذا كانت الصورة التي يضعها فوكنر للجنوب دقيقة أم لا، صحيح أن الحياة اليومية للجنوب أكثر مسالمة مما قد نلمسه في رواياته ذات الطابع العنيف، لعل أفضل ما قدّمه فوكنر ليس صورة عن الجنوب وإنما أزمة الجنوب، إذ استطاع أن ينفذ إلى أعماق العقل الجنوبي وإلى أعماق القلب الإنساني، فابتعد بذلك عن الواقعية الفوتوغرافية، ليصل إلى الواقعية الجديدة، فيتناول بالنقد الحياة الحديثة التي فُرضت على الجنوب كما ينتقد "انحلال القيم الخلقية تحت ضغط الروح التجارية، الثمن الكبير (الذي يدفعه الإنسان) ومخاوف العزلة في مجتمع فقدت شخصية الفرد فيه سماتها الرئيسية، انهيار الحساسية الفردية وطيبة الناس أمام الجشع والسوقية...."(6)‏

رواية "الصخب والعنف":‏

تعد رواية "الصخب والعنف" أولى روايات وليم فوكنر، نشرها عام (1929) لاقت إقبالا كبيرا من النقاد فقد عدّت رواية الروائيين، في تركيبها الفني الذي مازال في جماله وبراعته معجزة من معجزات الخيال ، دون أن يعني هذا القول أنها بعيدة عن المؤثرات الأدبية والعلمية الأخرى خاصة منجزات علم النفس الحديث (على يد كل من فرويد ويونغ) فقد استطاع فوكنر أن يسرد الأحداث على عدة مستويات من الزمن والوعي، لذلك غابت علامات الترقيم عن تياراته، في كثير من الأحيان.‏

ولو تأملنا المؤثرات الأدبية في هذه الرواية لوجدناها متأثرة بالاتجاهات الأسلوبية التي شاعت بين العشرينيات والثلاثينات من هذا القرن، وهي فترة من أهم الفترات وأخصبها في تاريخ الرواية، لا لظهور عدد من الروائيين الكبار فيها فحسب، بل لكثرة التجارب، ونجاح الكثير منها في فن القصة وغيره، ففي هذه الفترة لمع اسم شعراء أثروا في تغيير أشكال الأدب لا في الشعر فقط بل في النثر أيضا (إزرا باوند،و ت. س. إليوت) بالإضافة إلى منجزات روائية، خاصة في الرواية الحديثة، مثل رواية "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، "ويوليسيز" لجيمس جويس، حيث أعطي اللاشعور أهمية قصوى.‏

ولو توقفنا عند عنوان الرواية "الصخب والعنف" للاحظنا أنه قد أخذ من مقطع في مسرحية شكسبير "مكبث" على عادة الروائيين الحداثيين الذين يعمدون في بناء رواياتهم على أساطير قديمة، أو مقاطع مسرحية يونانية أو غير ذلك من التراث الأدبي والفكري العالمي.(7)‏

وفوكنر لم يكتف بأن يأخذ العنوان من مسرحية شكسبير، وإنما حاول أن يجسد في روايته إحدى أفكار شكسبير التي وردت في المسرحية عبر شخصية (بنجامين) المعتوه.‏

"غدا، وغدا، وغدا،‏

وكل غد يزحف بهذه الخطى يوما إثر يوم،‏

حتى المقطع الأخير من الزمن المكتوب،‏

وكل أماسنا قد أنارت للحمقى المساكين‏

الطريق إلى الموت والتراب. ألا انطفئي يا شمعة وجيزة!‏

ما الحياة إلا ظل يمشي، ممثل مسكين‏

يتبختر ويستشيط ساعته على المسرح،‏

ثم لا يسمعه أحد: إنها حكاية‏

يحكيها معتوه ملؤها الصخب والعنف،‏

ولا تعني أي شيء (8)‏

وبذلك تبدو لنا رواية "الصخب والعنف" حكاية تضطرم بالحياة كما تضطرم بالموت، ولاشك أن أي تلخيص لها، سيؤدي إلى خلخلة ذلك الفضاء الفني الذي أقامه فوكنر، ولكن لحسن الحظ أن المؤلف نفسه قدّم لمتلقي روايته ملحقا، وضع كمقدمة في الطبعات الحديثة، شرح فيه أهم الحوادث، وعرّف بأهم الشخصيات، وإلا لن يكون تلخيص الرواية سهلا على الإطلاق.‏

تحكي رواية "الصخب والعنف" عن رابطة الدم والوراثة وتجسد علاقات عائلية بالغة الاضطراب، إذ تقدم لنا حكاية بيت عظيم في حالة انهيار، فعائلة (كومبسون) التي أنجبت حاكما وجنرالا، أصبح لها وضع شبه أرستقراطي في عالم (جفرسون) وقد اشترى أحد أجداد الأسرة ميلا مربعا من الهنود الحمر (ميل كومبسون) الذي كوّن فيما بعد جزءا كبيرا من بلدة جفرسون، والرواية تحكي عن عائلة عريقة كان أحد أجدادها جنرالا عظيما، وهي تتناول البقية الضعيفة من آخر أجيال هذه العائلة ، وأفرادها هم: (كونتن) الذي انتحر، وكادي (كاندس) التي أعلنت ثورتها على القيمالأصيلة ومرّغت شرفها في أحضان الخطيئة، لذلك تعيش منفية عن البيت، أما (جاسن) فقد أصبح تاجرا صغيرا بلا إحساس، و بنجامين (بنجي) الأبله، والوالدان: أب كثير المواعظ، منعدم الفعالية، والأم كثيرة الشكوى، تعاني من حالات كآبة لا سبب لها،وهما يصنعان جوا بائسا للعائلة، ولا ينسى الكاتب عامل الوراثة الذي يدفع الأبناء إلى دروبهم الصعبة المرعبة.‏

إن الأحداث في هذه الرواية لا تتبع التسلسل الزمني، وبذلك بات "تشظي الزمن" أحد العوائق الرئيسية في فهم الرواية، واستيعاب بنائها، لذلك على المتلقي أن يتعامل معها بتأن وصبر، حتى تتعود العين والعقل على خصائص بنائها الفني، فهي حين تقرأ بطريقة صحيحة قادرة على منحنا إثراء غير عادي، كما أنها تجعل القارئ يستغرق في تلك العملية الشديدة الإثارة، وهي عملية الخلق الفني على حد قول جبرا إبراهيم جبرا.‏

نلمح في هذه الرواية إسقاطا لتاريخ أسرة المؤلف على الرواية، فقد كان فوكنر ينتمي إلى أسرة غنية في الماضي ثم عاشت على الكفاف، لهذا سينتهي الأمر بعائلة (كومبسون) إلى بيع الأرض ثم بيع المنزل، وتحويله إلى فندق صغير، والآن لنتوقف عند شخصياته في هذه الروائية:‏

كادي: من المعروف أن فوكنر يولي اهتمامه لردود فعل الشخصيات نحو الأحداث أكثر مما يوليه للقصة بشكلها التقليدي، فهو يعطي أهمية نحو سلوك كادي غير المسؤول ونحو زواجها، ورغم أن المؤلف لا يطلعنا على أعماق كادي إلا أنها تصبح الشخصية المحورية في الرواية، تسيطر بصفتها (شخصية) في الفصلين الأولين، وكمجموعة من الصور والأفكار ثم تبدو شخصية ذات صوت خاص يناقض صوت جاسن، في الفصل الثالث، وبذلك تحولت (في الفصول الثلاثة حيث قدّم المؤلف إخوتها: بنجي، وكونتن، وجاسن) إلى فكرة متسلطة على كل منهم، وإن كان كل واحد منهم يخضع لهذه الفكرة بطريقته الخاصة، لكن جميع هذه الأساليب تتصف بالأنانية والذاتية، إذ لم يكن أحد منهم قادرا على حبها، وكل واحد منهم كان يريد أن يفرض عليها، بسبب أنانيته، نمطا من السلوك القسري الذي يرضيه هو فقط، لذلك ثارت كادي ضد هذا التسلط من خلال ممارسة حريتها ورفضها للقيم التي تعتز بها الأسرة كالشرف، لكنها ظلت دائما محاصرة ومشدودة إلى أسرتها، لكون ابنتها (كونتن) تعيش شبه رهينة لديهم، لكن ابنتها تترك الأسرة لتتبع طريق أمها، ومهما كانت تفاهة الشخص الذي هربت معه (عامل في سيرك) فإنه يصلح رمزا للخلاص من أسرتها، وأنها لن تعيش محاصرة في جو الأسرة الموبوء بالأنانية.‏

وهكذا جسدت لنا كادي وابنتها، حتى لو أخطأتا الطريق، توق المرأة في البحث عن الحب، أما شخصية الخادمة الزنجية (دلزي) التي قدمت في الفصل الرابع من الرواية فقد كانت خير تجسيد لمعاني الحب الشامل، والتي استطاعت أن تشكل النقيض لفقدان المقدرة على الحب وانتصار الأنانية في نفوس أفراد عائلة كومبسون.‏

بنجي: معتوه يسمع، لكنه لا ينطق، إنه لا يتواصل مع العالم الخارجي إلا بالصراخ والعويل، وحين يروي الأحداث لا يستطيع أن يرتبها ترتيبا زمنيا، لهذا ما حدث قبل عشرين سنة، وما حدث اليوم ، وكلاهما متساوي الأهمية في سرده، متساوي الوضوح، وكل شيء يذكره كأنه يراه أول مرة، بكل ما فيه من جدة وبراءة، فبات الفصل المخصص له (الفصل الأول) أشبه بحكاية يحكيها معتوه، ليست للكلمات عنده مدلول رمزي، لذلك نجد العمليات الذهنية لديه سلسلة من الانطباعات الحسية المسجلة مباشرة، حيث لا يلعب الذكاء دور المنظم والمفسر، إنه تعبير خالص عن المحسوسية المطلقة التي لا مكان فيها للتجريدات، وخاصة ذلك التجريد المسمى بالزمن، فبالنسبة إلى بنجي يبدو الحاضر والماضي شيئا واحدا، فما حدث منذ ثلاثين عاما له نفس الوضوح والحيوية لما يحدث الآن، فالمشاهد اليومية تستدعي مثيلاتها في الماضي، وقد ميّز فوكنر هذه الانتقالات بتغيير نوع الحروف (باستخدام الحرف المائل، لكن المترجم استخدم تقنية تغيير لون الحرف) يقول بنجي، في عيد ميلاده الثلاثين، متحدثا عن أخته (كادي) التي مضى على تركها للبيت ما يقرب من عشرين سنة "وجعلت أسمع الساعة، وأسمع كادي واقفة خلفي، وأسمع السقف. السماء مازالت تمطر قالت كادي... أكلت بعض الكعك، وجاءت يد "لستر" وأخذت قطعة أخرى، وجعلت أسمعه يأكل، ونظرت إلى النار..."(9)‏

إن الفترة الزمنية بين جملة "مازالت تمطر..." و "أكلت بعض الكعك" ما يقرب من عشرين سنة، من هنا تتأتى صعوبة هذه الرواية، خاصة أننا نجد أنفسنا أمام شخصية بدائية تتعامل بالبراءة الأولى مع الشخصيات والأشياء، ولعل الإنجاز الهام في هذه الرواية محاولة الدخول إلى أعماق هذه الشخصية وتسليط الأضواء عليها بلغة تقارب المحسوس (أشكال ومسموعات وروائح) لتجسد بدائية الشخصية، فهو كما رأينا في المشهد السابق يسمع السقف.لا صوت المطر، لأنه يفتقد القدرة على تحليل الأصوات، وفهمها.‏

كونتن: طالب جامعي، باع والده قطعة أرض كي يتم تعليمه في جامعة هارفرد، تسيطر عليه القيم المجردة على نقيض أخويه (بنجي وجاسن) فقد سيطرت عليه فكرة الشرف، أي شرف الأسرة الذي فقدته حين فقدت أخته كادي شرفها، فكان مؤرقا بفكرة استعادة الشرف أو الحفاظ عليه، وحين يجد أخته تمارس حياتها بعيدا عن هذه القيم، يقرر الموت، لذلك تسيطر عليه فكرة تجريدية أخرى: هي الزمن، إذ يحس بعبثية الزمن وبالتالي بعبثية الحياة الأمر الذي يؤدي به إلى الانتحار، لهذا بدأ الفصل المتعلق بكونتن بهاجس الزمن"كانت تلك ساعة جدي، وعندما أهدني إياها أبي قال: إني أعطيك ضريح الآمال والرغبات كلها، وإنه لمن المناسب إلى حد العذاب أن تستخدمها لتكسب النهاية المنطقية الحمقاء لاختبارات الإنسان جميعها، والتي لن تنسجم مع حاجاتك الشخصية أكثر مما انسجمت مع حاجات جدك أو أبيه، إني أعطيك إياها لا لكي تذكر الزمن بل لكي تنساه بين آونة وأخرى، فلا تنفق كل ما لك من نفس محاولا أن تقهر الزمن، لأن ما من معركة ربحها أحد..." (10)‏

أمام هذا الإحساس الضاغط بالزمن، لابد أن يتجسد أمامه العبث، خاصة حين تنهار قيم الشرف التي يؤمن بها، هذه القيم التي تجعل للحياة معنى، يراه متجاوبا مع مغزى الوجود الإنساني، لهذا نجد الشخصية (في الفصل الثاني) في آخر يوم لها بعد أن أزمعت على الانتحار، وقد استطعنا أن نتابع كونتن، عبر تدفق تيار وعيه، فنتعرف على أفكاره، ذكرياته خاصة مع أخته، وما حدث له مع الطفلة الإيطالية الضائعة وكيف تعرض لإساءة الظن من قبل أخيها، كما تعرفنا على ملامح من علاقته مع فتاة إيطالية، وكما يقول جبرا إبراهيم جبرا "والمعجزة الكتابية هنا هي في الطريقة التي يعرض فيها المؤلف أحيانا ثلاث طبقات من الوعي معا، ويحمل القارئ زمنيا، جيئة وارتدادا بينها، ويبقيه دوما على أكثر من مستوى زمني واحد، في طفرات تجعل للحدث الآتي متوازيات من الأماسي الماضيات تتواشج به عن مغزى أو عبث."(11) وقد سيطرت على الشخصية فكرة الشرف، إلى درجة تبدو جزءا من أحلام كونتن وتهيؤاته، وأوهامه الفظيعة التي ينفر منها كل الناس، إنه يريد الحفاظ على جسد أخته بأية صورة من الصور حتى بتخيل (الزنى بالمحرمات) ولهذا بدا عاشقا للموت لأنه لم يستطع حماية شرف أخته، التي انجرفت وراء الأفكار الحديثة التي تركز على الحرية الجسدية والعلاقات المادية ولا تعير اهتماما للقيم الإنسانية، فرأى عندئذ القيم العليا للأسرة منهارة أمام زحف القيم المادية التي هي قيم الشمال المنتصر، على قيم الجنوب المنهزمة.‏

جاسن: تاجر صغير، يعدّ خير تجسيد لزحف القيم المادية على الأسرة، لذلك نجده يرتكب كل الموبقات فيسرق أمه، كما يسرق أخته التي كانت ترسل لابنتها (التي أسمتها باسم أخيها: كونتن) مبلغا شهريا من المال، يراكم المال، يخصي أخاه بنجي ويضعه في مصحة للأمراض العقلية، يعامل الخدم الزنوج معاملة قاسية، يبيع البيت، يعاشر مومسا... حتى الزمن ابتعد عن تلك الفكرة التجريدية المأساوية التي وجدناها لدى أخيه (كونتن) ليصبح زمن التقويم (روزنامة) التي تحدد مواعيد قبض المال أو دفعه، أو لتدل على مواعيد فتح دكانه أو إغلاقه.‏

إنه إنسان مجرد من العواطف، لذلك حين ينتحر أخوه (كونتن) لا يحزن عليه، وإنما يحزن على النفقات المالية التي أنفقت عليه، وعلى الأرض التي بيعت من أجل تعليمه، إنه يتاجر بكل شيء حتى إنه يطلب من أخته (التي يراها عاهرة) مالا ثمنا لرؤية ابنتها، وهو مع كل ذلك يهتم بكلام الناس لهذا لا يسمح لأخته أن تدخل دكانه أمام الناس !! لكنه يسمح لنفسه بمعاشرة إحدى المومسات! إنه رجل التناقضات يضمر القذارة ويحاول أن يظهر أمام الناس بمظهر الرجل الشريف.‏

في هذا الفصل يبدو لنا العالم الداخلي أكثر انتظاما، إنه مجموعة ذكريات تقوم في معظمها على الحوار بينه وبين أخته وبينه وبين أمه ثم بينه وبين الخادمة دلزي، فيبدو مجموعة من المشاهد الحوارية، مما يجعله قريبا من السيناريو.‏

وقد امتدت هذه الخاصية إلى الفصل الرابع الذي وجدناه مخصصا للخادمة الزنجية (دلزي) وإن بدا لنا هذا الفصل أكثر اقترابا من الرواية التقليدية لاعتماده السرد والحوار، وفي هذا الفصل نلمح تعاطف المؤلف مع معاناة الزنوج، فيسبغ على (دلزي) صفات فيها الكثير من القداسة والدقة والشاعرية كما يقول جبرا إبراهيم جبرا إذ يصفها بقوله: "كانت امرأة ضخمة فيما مضى، ولكن هيكلها الآن ينتصب، يكسوه إهاب واسع غير محشو...كأن العضل ولفائف اللحم كانت يوما شجاعة أو جلدا أتت عليه الأيام والسنون فلم يبق إلا الهيكل العظمي الذي لا يقهر منتصبا كالخرائب ...ويعلو جميع ذلك وجه متداع يوحي للرائي بأن عظامه خارج اللحم، يرتفع إزاء النهار الهتون بتعبير في القسمات قدري يماثل في الوقت نفسه خيبة طفل ودهشته..."(12)‏

إننا أمام صفات توحي بعظمة الشخصية، وصلابتها، في حين لم تظفر سيدة البيت الارستقراطية سوى بأوصاف سريعة تثير الملل والضيق، وتوحي بهشاشتها!‏

الرمز: تمثل لنا أسرة كومبسون مجتمع الجنوب وقد انهار أمام قيم الشمال، فجسد جاسن (بحقارته وأنانيته وساديته وماديته) قوى التصدع الناشئة عن الأسرة العريقة نفسها، كما تمثلها كادي في شكل آخر هو الانطلاق الجنسي، أما كونتن فيمثلها بعشقه للموت وانتحاره، والأب بتهربه من الواقع والأم بكآبتها.‏

ويمكن أن نجد في كل شخصية من الشخصيات الأربع (جاسن، كادي، بنجي، كونتن) رمزا لأحد مستويات اللاوعي في الإنسان التي حدثنا عنها فرويد.‏

بنجي: الإنسان الأول، يمثل "الهو" أي البدائية والبراءة المطلقة، لذلك تجسد في مجموعة من الأحاسيس فقط‏

كونتن: "يمثل الأنا الأعلى" (العقل الأعلى) أي الأخلاق والقيم والضمير.‏

جاسن: يمثل "الأنا "العقل الأدنى"(الأنانية والتوفيق بين الهو والأنا الأعلى).‏

كادي وابنتها (كونتن) يمثلان الطاقة الجنسية (الليبيدو)‏

أما البيت العريق، الذي يحتوي كل القيم الرفيعة المتوارثة عبر الأجداد، فقد انهار بانهيار أهله، لهذا يتعرض البيت للبيع ويتحول إلى نزل يسكنه الغرباء، فقد انتهى ذلك العهد الذي كان البيت يجسد قيم الحب والأمان والعلاقات الحميمة، إذ سطت القيم المادية الشمالية على كل شيء، وبذلك تغيرت ملامح البيت الإنسانية، ليتحول هذا البيت إلى مكان عام موحش، لا يعرف دفء العلاقات الإنسانية، كأن الكاتب يريد أن يقول إن أي بيت لا يسوده الحب وتطغى الأنانية عليه، لابد أن ينهار ويمتهن فيسكنه الغرباء.‏

إن انهيار المنزل العريق رمز لانهيار الجنوب بأسره أمام قيم غازية، تدمر إنسانية الإنسان، وتشيع الفساد في حياته، فقد باتت القيم الاستهلاكية هي أساس الوجود الإنساني، ومثل هذه القيم لا يمكن أن نجدها في بيت أسرة عريقة.‏

اللغة والبناء الفني: تقترب اللغة، في هذه الرواية، (في الفصلين الأولين) من لغة الشعر، خاصة أنها كانت تعبر عن عوالم داخلية، في أغلب الأحيان، لا تستطيع اللغة العادية توصيل اضطرابها وشفافيتها، وتوثبها من زمن لآخر، كما لا تستطيع تجسيد الحالة النفسية للشخصية المأزومة إلا عبر لغة مكثفة غنية بإيحاءاتها شفافة في دلالاتها.‏

وقد بدت لنا اللغة متنوعة تنوعا مدهشا، يتناسب وتنوع الشخصيات في هذه الرواية، فشخصية المعتوه تسيطر على تيار وعيه لغة المحسوسات والمرئيات والمسموعات، (أحب ثلاثة أشياء: زهر العسل، النار، كادي) في حين سيطرت على تيار وعي (كونتن) الطالب المثقف لغة المجردات (الشرف، والزمن) نظرا لمجموعة القيم التي يؤمن بها، والتي أحس بالانهيار لتداعيها.‏

أما لغة جاسن، فقد بدت لنا لغة العالم الاستهلاكي، إذ ابتعدت عن لغة الشعر لتسقط في لغة الأرقام، ولذلك وجدناه يحاور العالم الخارجي أكثر مما يحاور أعماقه، لأنه عبر هذا الحوار يستطيع إنجاز مكاسب مادية تجعله يبز يهود نيويورك على حد قوله!‏

إذا امتزجت في هذه الرواية طريقتا التعبير: الحديثة والتقليدية، من أجل أن يستطيع الكاتب التعبير عن عوالم شخصياته بشكل أفضل،وبذلك يبدو لنا أكثر اقترابا من التجسيد الحقيقي للشخصية، وربما لهذا السبب فصل فوكنر بين شخصياته، ولم يمزج تداعياتها، بل جعل لكل شخصية فصلا خاصا بها، ومنحها يوما تفضي به عن ذاتها:‏

الفصل الأول: بنجي (تاريخ 7 نيسان 1928)‏

الفصل الثاني: كونتن (تاريخ 2 حزيران 1910)‏

الفصل الثالث: جاسن (تاريخ 6نيسان 1928)‏

الفصل الرابع: الراوي يتحدث عن دلزي (8نيسان 1928)‏

بالإضافة إلى هذا الفصل بين الشخصيات حاول المؤلف أن يساعد المتلقي بوسيلتين شكليتين تبرزان مستويات الزمن والوعي، أي تنسجمان مع المضمون وتحاولان تنظيمه:‏

الأولى: استخدام الحرف المائل (italic) باللغة الإنكليزية، كلما تحول السرد فجأة، ولو كان في وسط الجملة، من الحاضر إلى الماضي، أو من الماضي أو ما قبله، أو من القول اللاواعي، أو من الحدث الجاري إلى الحدث المتذكر، في الترجمة العربية استخدم المترجم الحرف الأسود العريض ليقوم مقام الحرف المائل في اللغة الإنكليزية.‏

الثانية: استخدام الترقيم أو إهماله، وفق حاجة المؤلف، فكلما انتقل الحدث المباشر في سيرورة الرواية إلى الحدث المستذكر الذي أصبح انسيابا ذهنيا (بعد أن كان تسلسلا جسديا) انعدم الترقيم، لأن الترقيم يوحي بالفواصل المنطقية، وفي تيار الوعي تنساب الذكريات (بما فيها من أفعال متداخلة وأقوال) دون فاصل أو نظام منطقي.‏




رواية "ما تبقى لكم" لغسان كنفاني

نبذة عن حياة غسان كنفاني:‏

ولد غسان كنفاني في عكا (1936) لكنه عاش مع أسرته في (المنشية) في يافا، ومع النكبة انتهت الطفولة السعيدة لتبدأ رحلة الشقاء، إذ بات مسؤولا عن عائلته الكبيرة اللاجئة إلى لبنان أولا، ثم إلى سورية، فعمل في مهن شتى (عاملا في أحد المطاعم، ثم عاملا في مطبعة، وفي كتابة الشكاوى على أبواب المحاكم...) لكنه استطاع أن يتابع دراسته، رغم كل شيء، وحين حصل على الشهادة الإعدادية عمل معلما في مدارس وكالة الغوث، دون أن يتخلى عن متابعة تعليمه مساء، فاستطاع متابعة دراسته الثانوية والتسجيل في جامعة دمشق، في قسم اللغة العربية، وفي عام (1955) انتسب إلى حزب القوميين العرب، ثم سافر إلى الكويت ليعمل فيها خمس سنوات في تدريس مادتي (الرياضة والرسم) وقد عانى فيها من الغربة والعزلة والمرض (داء السكري) ثم تركها إلى بيروت ليتفرغ للعمل الثوري ضد الصهاينة، حيث وجدناه يناضل عبر الكلمة المكتوبة (في الأدب وفي الصحافة) وقد انضم إلى هيئة تحرير مجلة "الحرية"، وحين انشقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن حزب القوميين العرب، شارك في تشكيل برنامجها السياسي وصياغة بياناتها، وأصدر مجلة الهدف (الناطقة باسمها 1969) وقد أحست الصهيونية بخطر غسان كنفاني عليها، فاغتالته، مع ابنة أخته، وذلك بنسف سيارته (1972)‏

وهكذا كانت سيرة حياته سيرة نضال بدأ منذ خروجه من فلسطين إلى أن توجت باستشهاده.‏

أعماله الأدبية:‏

جمعت أعماله الأدبية والنقدية إثر استشهاده في أربعة مجلدات (المجلد الأول لأعماله الروائية، والمجلد الثاني لأعماله القصصية، والمجلد الثالث لأعماله المسرحية والمجلد الرابع لدراساته الأدبية)‏

نشر غسان كنفاني روايته الأولى "رجال في الشمس" (1961) التي تتحدث عن معاناة الفلسطينيين الثلاثة الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة (أبو القيس، مروان، أسعد) وتبرزهم في لحظة الهرب إلى الكويت عبر الصحراء في خزان شاحنة، وقد مات الفلسطينيون الثلاثة، في الصحراء على حدود الكويت، دون أن يجرؤوا على دق جدران الخزان.‏

في رواية "ما تبقى لكم" (التي كتبها عام 1964، ونشرها عام 1966) التي تتحدث عن معاناة أسرة فلسطينية مزّقتها نكبة فلسطين (1948) فباتت الأم في بلد (الأردن) وولداها (حامد ومريم) في بلد آخر (غزة) في حين استشهد الأب في فلسطين.‏

يقرر البطل الفلسطيني (حامد) اللجوء إلى أمه في الأردن عبر صحراء النقب التي يحتلها العدو الصهيوني، وذلك بعد أن فقدت أخته (مريم) شرفها، وحملت سفاحا، فاضطرت للزواج من رجل نتن متزوج ولديه خمسة أطفال يدعى (زكريا)‏

هنا لا نجد الصحراء الفلسطينية التي لجأ إليها (حامد) تخبئ له الموت،وإنما على النقيض من ذلك تساعده على اكتشاف ذاته وتطور وعيه إلى درجة تسمح له بالاصطدام بعدوه الحقيقي (الجندي الإسرائيلي)‏

قدم لنا غسان كنفاني الشخصيتين الرئيستين (حامد ومريم) عبر تيار الوعي الذي يختلط فيه الماضي بالحاضر والحلم بالمستقبل، وتختلط فيه أيضا أصوات هاتين الشخصيتين إلى درجة نجد من الصعوبة التمييز بينهما أو الحديث عن إحداهما دون أن نتطرق للحديث عن الأخرى، لذلك سنحاول تقديم هذا الوعي بشكل منظم، لكننا لن نستطيع فصل هاتين الشخصيتين إلا فصلا شكليا وهميا، إذ سنلاحظ تلاحما بينهما في المعاناة وفي الأفكار والهواجس ، بل سنجد لحظة الفعل الدرامي في الرواية، تكاد تكون واحدة.‏

حامد: تعد الشخصية الرئيسية في الرواية، يعمل مدرسا في مدارس وكالة الغوث، لجأ إلى غزة مع أخته (مريم) التي تكبره بعشر سنوات، بعد أن ضاعت أمه في زحمة اللجوء (1948) واضطرت إلى النـزوح بعيدا عن أولادها، مما يؤدي إلى انهيار الأخت وضعفها أمام أول رجل يحاول استغلالها، وقد وجدنا حامد بعد زواج أخته من زكريا النتن، الذي وشى بالفدائي (سالم) يغمره إحساس بالعار، إذ فقد الوطن والأم وشرف أخته في وقت واحد، حتى زواج مريم من زكريا لم يرضه، فقد أحس أن مثل هذا الزواج لا يشرفها، فقد أصبحت زوجة ثانية لرجل نتن في أخلاقه ووطنيته، و بالإضافة إلى كل ذلك لديه خمسة أطفال.‏

حين يرحل (حامد) إلى الصحراء يجلله العار (عاره الشخصي وعاره الوطني) فقد ترك أخته كارها لزواجها ولعارها، متألما لحالها الذي آلت إليه بسبب النكبة واستشهاد خطيبها (فتحي) كما ترك الوطن ينتهكه الأعداء الصهاينة مدة ستة عشر عاما (كتبت هذه الرواية 1964) لذلك يضيق بعاره "وأخذ يغوص في الليل، مثل كرة من خيوط من الصوف مربوط أولها إلى بيته في غزة، طوال ستة عشر عاما لفوا فوقه خيطان الصوف حتى تحول إلى كرة، وهو الآن يفككها تاركا نفسه يتدحرج في الليل"(13)‏

نلمح هنا إحساس الفلسطيني بالتشيؤ (فقد كان شبيها بالكرة) كما أن هناك إحساسا بالحصار (لفوا فوقه خيوط البؤس) لكنه حين تحرك ووصل إلى أرض فلسطين (صحراء النقب)، أثناء طريقه إلى أمه في الأردن بدأ يحس بتحرره من هذه الخيوط، غير أن الأمور تبدو غير واضحة في ذهنه، لهذا استخدم الراوي فعل (يتدحرج) الذي يوحي بالسير على غير هدى.‏

إذا بتحرك (حامد) عبر الصحراء التي لم يستطع أحد أن يسير فيها طوال ستة عشر عاما، (كتبت الرواية عام 1964) يتحرر الفلسطيني من تردده وانتظاره وعدم مبالاته، ويكتشف في الصحراء ذاته، فيحس أنه قوي وضعيف في آن واحد، ويعرف حقيقة شخصيته التي بناها الوهم، وأن إحساس العجز والفشل دفعه للاتكاء على الوهم: الأم، طوال تلك السنين كانت الأم عنده تمثل "فارسا وهميا على استعداد ليشرع سيفه في وجه أي عقبة تقف أمامك، وعشت طوال عمرك متكئا عليها، فما الذي تريده الآن من هذا الفارس الوهمي الذي أعطيته من فشلك وعجزك حصانه الخشبي التافه."‏

وحين يكتشف (حامد) في الصحراء حقيقة أوهامه التي هي أشبه بحصان خشبي لا فائدة منه، يبدأ يتساءل: "من أنت" يوحي لنا ببداية تفتح وعي الذات، الذي بدأ يتأسس في الصحراء التي هي الأرض الفلسطينية، عندئذ لم يعد الزمن نعشا، ولم يعد الفلسطيني كرة تتقاذفها الأيدي تارة وتلف حولها خيوط البؤس تارة أخرى، بدأ يحس بهويته، أي بإنسانيته، فتخلص من أوهامه، وبدأ يرفض حالة الذل والعار التي اعتاد عليها في حياته السابقة، وصار يستعيد ذكرى صديقه (سالم) الذي قاتل الصهاينة وحرّضه على النضال دون أن يستجيب له،.إنه يتذكر وشاية زكريا به، ثم استشهاده.‏

إذا في الصحراء يتنكر لماضيه الذليل في المخيم، أما ماضيه المجيد الذي صنعه استشهاد (سالم) وذكريات صداقته له فقد تمسك بها، لتكون دليله في مواجهة عدوه على أرضه، لذلك سيكون أمرا طبيعيا تكرار تداعياته حول استشهاد صديقه، وكيف كان يحرضه، وكيف غدر به زكريا، وتابع سلوكه الغادر، حين غدر بـ(حامد) أيضا وطعنه في شرفه.‏

في الصحراء يواجه عدوه الحقيقي (المجند الإسرائيلي) عندئذ تبدأ مرحلة جديدة في حياته، تتسم بالفعل الحقيقي الذي يحقق عبره إنسانيته ووجوده، وفي لحظة الالتحام بالعدو، يتأكد (حامد) أنه أقوى من عدوه، إذ يستولي على مسدسه وسكينه، وتشهد الصحراء تفوقه على خصمه، إذ تقول: "لقد تحول انتظاره إلى مستنقع بلا قرار، وأضحى الزمن خصما فيما بدا (حامد) جامدا عاقدا العزم على البقاء هاهنا حتى النهاية، وكان يتفوق على خصمه بأنه لم يكن ينتظر شيئا، مثلي، بالنسبة لي كان يعني بقاء وليس عبورا، كان ضائعا هو الآخر، لكن ذلك لم يكن يعني بالنسبة له شيئا، ليس لأنه لا يعرف، ولكن لأنه لم يكن يريد، بعد، الذهاب إلى أي مكان، وقد حوصر بضراوة منذ أول الليل في هذه الرقعة التي أصبحت مملكته"(14)‏

لم تعد الصحراء (التي وجدناها في المنفى، مقبرة الفلسطيني، كما رأيناها في رواية "رجال في الشمس"، فقد تحولت صحراء الوطن إلى (مملكة) تارة وإلى إنسان يحس بالفلسطيني فيجده متفوقا على عدوه حين وقف على أرضه، وقرر المواجهة، لذلك تعلن صحراء الوطن توحدها بالفلسطيني، حين ترك ذله وعاره، وقرر دخول أرضه ومعرفة ذاته بعيدا عن الأوهام التي تفقد الإنسان ثقته بنفسه.‏

وعلى أرضه (الصحراء) يلتقي (حامد) بعدوه فيكتشف أن الحوار معه مستحيل، فهما لا يملكان لغة مشتركة، إذ شتان بين لغة المعتدي والمعتدى عليه، لذلك يبدو الحوار معه مضيعة للوقت، فيتأكد أن الحوار الوحيد الذي يمكن أن يجري بينهما هو حوار السلاح، وهو واثق من الانتصار على عدوه مادام يستمد من حب الأرض قوة تمنحه القدرة على التوحد بها وبالتالي مواجهة عدوه بصورة أفضل، إذ لم يعد أمامه شيء يخسره، فقد خسر كل شيء في الماضي: الوطن، والأم والأخت، والأصدقاء "ما تبقى لكم، ما تبقى لي، حساب البقايا، حساب الخسارة، حساب الموت، ما تبقى لي في العالم كله، ممر من الرمال السوداء، عبّارة بين خسارتين، نفق مسدود من طرفيه"‏

يبدو لنا (حامد) محاصرا بالخسارة قبل أن يقف على أرضه ويواجه عدوه، عندئذ تستيقظ في أعماقه ذكرى البطولة والشهادة، تتولد في ذاته رغبة المقاومة والتحدي، فقد استعاد ثقته بنفسه، وقرر أن يتجاوز ضعفه ويطرد بؤسه وعاره، خاصة بعد أن أدرك أنه لم يعد يملك ما يخسره، يقول لعدوه (المجند الإسرائيلي الذي صادفه في الصحراء أثناء محاولته اللجوء إلى أمه): تعالَ أقل لك شيئا مهما ليس لدي ما أخسره الآن ، ولذلك فقد فاتت عليك فرصة أن تجعلني ربحا" لأن موت الإنسان، حين يكون مواجها لعدوه، لن يكون خسارة، على النقيض سيتحول الموت إلى حياة، وتتحول المواجهة مع العدو إلى ولادة جديدة في مستقبل قريب.‏

إذا يجسد (حامد) نبوءة الفدائي الذي سيغامر بدخول الأرض المحتلة ليصل إلى أمه الحقيقية (الوطن) لينفض عن نفسه غبار الوهم الذي عشش في داخله طويلا، وقد تجسدت هذه النبوءة بعد سنة من كتابة الرواية (1965) يطلق الفدائي رصاصة الثورة، وهكذا نجد المبدع الأصيل يستشرف المستقبل ليسلط الضوء على القوى الإيجابية فيه ببين ركام السلبيات.‏

زكريا: نلاحظ في الرواية وجود شخصية سلبية يمكن أن نعدها الشخصية المقابلة لـ(حامد بطل الحاضر) وللشهيد (سالم بطل الماضي) أو بالأحرى الشخصية النقيضة لهما (زكريا) إنها شخصية ثابتة مسطحة، لا تملك أعماقا أو صوتا خاصا بها، تتجسد فيها الصفات السلبية التي تنعكس على الشخصيات، فتؤذيها في حياتها وفي كرامتها وشرفها، وقد تسهم في عرقلة وعيها الوطني وتنغيص وجودها الإنساني، إنه صورة للذل وللنتانة، يرسم لنا المؤلف شكله الخارجي ليخبرنا عن أعماقه " ضئيل بشع كالقرد، وهو مجرد لطخة مصادفة في مكان غير مناسب".‏

إننا لا نتعرف على زكريا إلا عن طريق تداعيات (حامد ومريم) إنه دنيء النفس لا يفكر إلا بملذاته الجسدية، يتزوج امرأة أخرى من أجل ذلك، رغم أن لديه خمسة أطفال من زوجته الأولى، والمرأة لديه وسيلة للمتعة فقط، لهذا يطالب مريم أن تجهض جنينها قائلا لها: "إنك لن تكوني طوال عام كامل امرأة ستكونين مجرد زجاجة حليب فقط"‏

صحيح أنه يمارس مهنة التدريس في مدرسة واحدة مع حامد، إلا أننا نحسه غير مخلص لعمله، إذ يتهرب من الدوام بأعذار ملفقة، لذلك اجتمعت في هذه الشخصية صفات النذالة كلها، فهو لم يكتف بأن يكون سلبيا في حياته، بل تعدى ذلك إلى الخيانة، حين يشي بصديقه سالم ليحافظ على حياته.‏

قد يكون (حامد) نقيضا للفدائي (سالم) الذي وعى طريقه في المقاومة منذ بداية الاحتلال، لكن (حامد) تجاوز تردده بفضل بؤس التجارب التي عايشها، وبدأ يدرك أن حقيقة الحياة تكمن في المعاني النبيلة التي يجسدها الفداء بأجلى صورة، لهذا رأينا في شخصية (زكريا) نموذجا نقيضا مدمرا لكل المعاني النبيلة، إنه العدو الداخلي الذي يماثل في بشاعته العدو الخارجي(المجند الإسرائيلي) لذلك ستقضي عليه (مريم) في اللحظة التي يقضي (حامد) على عدوه الإسرائيلي، لتستطيع الشخصية الفلسطينية متابعة طريقها نحو التحرر والتطور في بيئة نظيفة من الأعداء الداخليين.‏

مريم: تعد هذه الشخصية موازية لشخصية (حامد) وهي فتاة في الخامسة والثلاثين من عمرها، أدت نكبة فلسطين إلى شقائها، فحين ضاعت يافا ضاع معها كل شيء: الأب قد استشهد مدافعا عن الأرض، وتضيع الأم عن أولادها فتلجأ إلى الأردن، وأما الخطيب فقد استشهد، لذلك لن نستغرب ذلك الإحساس المرعب بالزمن حتى صار مقبرة لأحلامها "علقت هذا النعش أمامي (الساعة) ليدق هذه الحقيقة الفاجعة على سمعي ليل نهار"‏

إن الزمن الذي لا يجلب إلا المآسي للمرأة سيكون "نعشا" تدفن فيه أحلامها، لذلك باتت الساعة تذكرها بحقيقة أنها فقدت الأمل في هذه الحياة، ولن تستطيع العثور على زوج، لهذا تحس التمزق والحرمان، فالزمن يمسك بخناقها، معلنا موتها ، عبر دقات الساعة، وفقدان جمالها، لذلك لن نستغرب ارتماءها في أحضان (زكريا) المتزوج ذي الأطفال الخمسة، وحين تحمل سفاحا، تحدث أخاها (حامد) بعارها، فلا نجدها تتعرض للذبح أو الضرب، وإن تخيل ذاته، عبر تداعياته، أنه قد ذبحها وتخلص من عارها فهو لم يستطع أن يتخلص من إرثه الشرقي، وإن استطاع أن يعبر عنه عن طريق الحلم ليجد متنفسا له.‏

وقد وجدناه يحاول إقناعها عبر المنطق بضرورة التخلص من الجنين مادام سيربيه رجل مثل (زكريا) لكنها ترفض، فيضطر عندئذ لتزويجها منه، ليتركها ويرحل إلى أمه في الأردن، بعد أن فقد كل شيء، يمكن للإنسان أن يعيش من أجله.‏

يبدو لنا المؤلف غسان كنفاني متعاطفا مع الشخصية النسوية مبررا فعلتها على لسان أمها (التي جعل مريم تتخيلها، عبر تداعياتها) تقول لها:"أيتها المسكينة الصغيرة يا مريم! أي بؤس أمضيت فيه حياتك جعلك تقبلين بهذه النهاية! أنت يا وردة المنشية بأكملها، الطموحة المتعلمة، ذات الأصل والفصل! أي حياة تعسة جعلتك تقبلين زكريا بأعوامه كلها وزوجته وأولاده زوجا"‏

إن مثل هذا الزواج غير المتكافئ لن يسعدها، إذ لا يمكن أن يمنحها السكينة، ويقضي على تمزقها وضياعها، لذلك لو كانت الأم (التي تصلح هنا رمزا للأرض) موجودة لما سقطت مريم، واضطر حامد للرحيل عبر الصحراء بحثا عنها، تقول مريم عبر تداعياتها "لو كانت أمي هنا لكان لجأ إليها، للجأت إليها أنا، لقلنا كلمة واحدة عنه"‏

لهذا فشل زواجها، فقد أحست، منذ اليوم الأول، بالغربة، وبانفصالها الروحي عنه، فهو على نقيض أخيها (حامد) الذي تحس بتوحدها الروحي معه، لذلك كان غيابه مؤلما لها، حتى الروابط التي تربطها به نجدها تنمو حين يغادر البيت إلى الصحراء بدل أن تذوب، يساعدها الزمن في هذا التوحد (الساعة التي أتى بها حامد، والتي تشبه النعش) فتتابع خطواته في الصحراء، حتى باتت دقات الساعة صوت خطواته فيها، وبذلك تتغير دلالات الساعة حين يتحرك الفلسطيني باتجاه الفعل والالتحام بعدوه، فتتحول من نعش يضم جسد الفلسطيني إلى كائن نابض يتوحد بالإنسان.‏

يبدو لنا توحد مريم بحامد، رغم المسافة التي تفصل بينهما، توحدا مدهشا، فحين يتعرض حامد للخطر بالتحامه مع العدو، تحس به مريم وتجتاحها رعشة مفاجئة، فتنتفض قائلة "لقد حدث شيء ما له في هذه اللحظة بالذات" وقد ساعدت تقنية تيار الوعي على تقديم هذا التوحد بين الشخصيتين، فاستطعنا أن نعايش هذه العلاقة الثنائية في زمن واحد، دون أن يؤطرها مكان واحد (غزة، الصحراء) كما هو معروف في الرواية التقليدية.‏

عانت مريم من التمزق بين قيم أخيها النبيلة (التي تجسد الماضي بكل مآسيه كما تجسد آمال الحاضر بمستقبل أفضل) وقيم زوجها الدنيئة التي تجعلها تحس أنه سيمسخها إلى مجرد ممر تافه بين بيته ومدرسته، يقضي حاجته الجسدية فيه ويذهب، لذلك يريدها أن تجهض الجنين، الذي بات يشكل لديها الأمل الوحيد في مستقبل أفضل، وحياة إنسانية ذات معنى، لذلك تقرر العيش من أجله، كي تربيه وفق أحلامها نظيفا بريئا، فتجعله امتدادا لذاتها (أي أخيها) لهذا ترفض إجهاضه بناء على طلب الأخ (تخلصا من عاره) وبناء على طلب الزوج (للتخلص من مسؤولية إطعام فم جديد يضاف إلى الأفواه الخمسة التي لديه) وحين يصر زكريا على إجهاض الجنين، ويهددها بالطلاق إذا لم تتخلص منه، لا تجد وسيلة للحفاظ على الجنين سوى قتل هذا الزوج النتن للتخلص من القذارة التي لوثت حياتها، وكي تحافظ على كرامتها وإنسانيتها من زوج يريدها أداة لمتعته فقط، وهي تؤكد، بقتله، لنفسها ولأخيها أن الطفل سينشأ في جو نظيف بعيد عن قذارة الأب.‏

وهكذا يمكن أن نجد في شخصية مريم نموذجا ليس للمرأة الفلسطينية فقط، وإنما للإنسان الفلسطيني الذي يحاول الوقوف ثانية، والتخلص من أخطائه ومن ضعفه، بعد أن أوجد أملا جديدا من حطام الموت واليأس والعار.‏

وعلى هذا الأساس يمتزج في هذه الشخصية الهم العام بالهم الخاص، فسقوط مريم نتيجة سقوط فلسطين، كذلك نجدها في محاولتها التمسك بالأمل (الجنين) تجسد محاولة الشعب الفلسطيني في تلك الفترة (1964) في النهوض والثورة، لهذا تبدو شخصية (حامد، ومريم) رمزا للشعب الفلسطيني، في لحظات ضعفه وانهياره، ولحظات تردده وبحثه عن طريق للفعل، ثم لحظات وعيه وبداية ثورته، إنهما يجسدان الروح الفلسطينية في لحظة احتضارها ولحظة ولادتها من جديد.‏

جوانب اللقاء بين‏

رواية "ما تبقى لكم" ورواية "الصخب والعنف":‏

تعد رواية غسان كنفاني "ما تبقى لكم" إنجازا كبيرا من الناحية الشكلية في الرواية العربية خاصة أن استخدام أسلوب تيار الوعي في تلك الفترة لم يكن شائعا، وهنا نلفت النظر إلى أن هذا الإنجاز الشكلي (الذي يهتم بالعالم الداخلي المضطرب للشخصية) لم يكن على حساب القضية الفلسطينية التي عاش الكاتب لها واستشهد من أجلها.‏

ترصد كلا الروايتين يكاد يكون حدثاً واحداً هو انهيار أسرة بأكملها بسبب الحرب وانتصار المعتدين، ففي رواية وليم فوكنر تنهار الأسرة نتيجة زحف الشمال على الجنوب وانتصاره عليه، بعد حرب أهلية جرت بينهما، كذلك في رواية غسان كنفاني تنهار الأسرة نتيجة نكبة (1948) واحتلال الصهاينة لفلسطين، لذلك تنهار القيم والمثل العليا بانتصار الأعداء وتمزق الأسرة، فتفقد الأخت (كادي ومريم) في كلا الروايتين شرفها، ثم تتزوج من رجل نتن.‏

لعل التأثر الأهم في هذه الرواية هو تأثر بأسلوب الرواية الحديثة (أسلوب تيار الوعي) الذي عرف عنه شدة اختلاطه وصعوبته، لذلك نلمس لدى الكاتبين رغبة في مساعدة القارئ، ليستطيع متابعة العالم المختلط، فقد أصدر فوكنر ملحقا، يجعله أشبه بمقدمة، يتحدث فيه عن أحداث الرواية وشخصياتها (يتبع فيها ماضي الشخصيات وحاضرها ومستقبلها) ويوضح بعض الأفكار التي قد تصل إلى المتلقي بشكل مغلوط (مثل حديثه عن كونتن، فيبين أنه ما عشق جسد أخته قط، ولكنه عشق فكرة الشرف)‏

أما كنفاني فنجده يكتب مقدمة يشرح فيها طريقته في تقديم شخصياته "الأبطال الخمسة في هذه الرواية، حامد ومريم وزكريا، والساعة والصحراء لا يتحركون في خطوط متوازية أو متعاكسة، كما سيبدو للوهلة الأولى، ولكن في خطوط متقاطعة، تلتحم أحيانا إلى حد تبدو وكأنها تكوّن في مجموعها خطين فحسب، وهذا الالتحام يشمل أيضا الزمان والمكان بحيث لا يبدو هناك أي فارق محدد بين الأمكنة المتباعدة أو بين الأزمنة المتباينة...إن الصعوبة الكامنة في ملاحقة عالم مختلط بهذا الشكل هي صعوبة معترف بها" لهذا يلجأ، كما فعل فوكنر، إلى تغيير شكل الحروف (من العادي إلى المائل) عند تغيير لحظات التقاطع والتمازج والانتقال.‏

قدمت الشخصية في كلتا الروايتين عبر تدفق تيار الوعي، ونجد في كلتيهما محاولة لربط التداعي بعضه ببعض، والتخفيف من امتزاجه، عن طريق استخدام روابط لفظية، في لحظة الانتقال من شخصية إلى أخرى أو الانتقال من زمن لآخر، أو مكان لآخر، وبذلك يمكن أن تسهل هذه الروابط عملية التداعي وربما تعطي مبررا لها إذ تفسح المجال لتنقلات العقل الباطن، من زمان إلى زمن آخر ومن مكان إلى آخر...إلخ، من هذه الروابط:‏

_ الجملة الاسمية أو الفعلية: فمثلا ينتهي الحوار الداخلي عند غسان كنفاني بقول حامد مخاطبا الصحراء: "ليس ثمة من تبقى لي غيركِ" سنجد أن الحوار الداخلي لأخته مريم يبدأ بجملة مشابهة كأنها استمرار للحوار السابق، لكنها تخاطب فيها الجنين قائلة "ليس ثمة من تبقى لي غيركَ" وهذا ما سبقه إليه فوكنر في "الصخب والعنف" إذ نجده يربط بين حوارين داخليين (في زمنيين مختلفين، لكنهما لشخصية واحدة: بنجي مثلا نجد جملة واحدة تتكرر في حالتين مختلفتين، وفي لحظتين مختلفتين ومتباعدتين هي جملة "تزحف خلال هذه الفتحة"‏

_ وقد يكون الرابط اسما: نجد مريم في رواية "ما تبقى لكم" تتحدث في حوارها الداخلي عن خالتها، كذلك يبدأ حامد حواره الداخلي متحدثا عن الخالة، أيضا سبق فوكنر كنفاني في استخدام هذا الرابط، ففي تيار وعي (بنجي) مثلا نجد اسم (البوابة) يربط بين زمنيين مختلفين (الطفولة، والشباب) فنجده يقول "ومشيت بمحاذاة السياج إلى البوابة..." ثم يتذكر قول الخادم، حين كان طفلا "ما الفائدة من تطلعك من خلال البوابة، لقد رحلت كادي، وابتعدت"‏

تشترك كلتا الروايتين في استخدام اللغة الشعرية الشفافة التي تتناسب مع لغة الأعماق المضطربة، التي تبدو اللغة المجازية، التصويرية خير مجسد لها، وقد لمسنا ذلك سابقا لدى فوكنر (حين تحدثنا عن كونتن ودلزي) كذلك نلاحظ لدى كنفاني، فمثلا حين يقرر (حامد) مغادرة غزة للعودة إلى أمه، نجد أنفسنا أمام هذه الجملة الموحية "وابتسمت فبدا فمها الملطخ بالحمرة جرحا داميا انفتح فجأة تحت أنفها" فاستطاعت الصورة الشعرية هنا أن تؤدي معاني الألم بأقسى صوره، إذ قد لا نجد أفظع من تحول الابتسامة (دليل الفرح) إلى جرح ينـزف دما (وهذا أقسى درجات الألم المنظور) تلخص هذه الصورة حالة الفلسطيني في تلك الفترة (قبل الثورة) لا فرح لديه أفراحه تحولت إلى أحزان نازفة!!‏

نلمح لدى كل من (كونتن) و(حامد) ملامح شخصية تكاد تكون واحدة، فقد وجدنا لديهما ثقافة رفيعة، وحساسية مرهفة، بل يبدو لنا إحساسهما بالزمن، في فترة من الفترات (قبل أن يواجه الفلسطيني عدوه) واحدا، فكلاهما يرى الزمن رؤية سوداوية (فهو ضريح لدى كونتن، ونعش لدى حامد) لذا نجدهما يتخلصان من الساعة (كونتن قبل انتحاره، وحامد قبل الالتحام بعدوه) رغبة منهما في التمرد على إيقاعها العبثي.‏

لم يستخدم كلا الكاتبين أسلوب الرواية الحديثة في نصه الروائي بأكمله، أي في تقديم جميع الشخصيات والأحداث فقدم فوكنر (دلزي، وجاسن أحيانا) عن طريق السرد والحوار في حين قدّم كنفاني (زكريا) عن طريق تداعيات الشخصيات الأخرى، فلم نسمع صوته الخاص به، أي صوت أعماقه.‏

نلمح لدى الكاتبين (فوكنر وكنفاني) ملامح من السيرة الذاتية، والأزمات التاريخية التي عايشها كل منهما، وانعكاس هذه الأزمات على حياته الشخصية، التي هي بالنتيجة انعكاس لحياة أبناء وطنه، ستختلف درجة الانعكاس لدى الكاتبين، كما سنرى فيما بعد.‏

يبدو لنا من المستحيل أن يتخلى الكاتب عن آلام عايشها في طفولته، لذلك تجد طريقا لها، في أغلب الأحيان، عبر أدبه، فغسان كنفاني يجعل من مراتع طفولته (في المنشية في يافا) مسرحا لطفولة (حامد ومريم) بل نجد لدى كنفاني رغبة لاشعورية في معرفة ما الذي حصل لمنطقة المنشية حيث نشأ، لهذا يجعل الجندي الإسرائيلي الذي يلتقي به حامد في الصحراء من سكانها، فنجده يسأله عنها!‏

فوكنر آلمه دمار بيته الكبير، بسبب الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب، فجسد لنا هذه المعاناة، ودمار بيت آل كومبسون.‏

نلمح في رواية كل منهما أثرا للمهنة التي مارسها في مرحلة من حياته، غسان يجعل بطله (حامد) يمارس المهنة التي مارسها في مطلع شبابه (مهنة التدريس)، أما فوكنر فسنجد أثر مهنة كتابة النصوص السينمائية (السيناريو) قد ظهرت في التقنية التي استخدمها في الفصل الثالث والرابع.‏

جوانب الاختلاف‏

بين رواية غسان كنفاني ورواية وليم فوكنر "الصخب والعنف"‏

لا نستطيع أن نقول إن كنفاني قلّد فوكنر تقليدا حرفيا دون ابتكار، وإنما لاحظنا استفادة واعية لديه من إنجازات الرواية الحديثة، ولعل مرد ذلك إلى موهبة الكاتب من جهة وتقديمه الهم الخاص وقد تحول إلى هم عام هو هم الوطن.‏

لاحظنا الاختلاف منذ العنوان، فالعنوان لدى فوكنر مستمد من مقطع مسرحي (مسرحية مكبث لشكسبير) يؤكد على تفاهة الحياة الإنسانية، التي هي بالنتيجة "صخب وعنف" ثم موت، لهذا ينتحر كونتن وتسقط (كادي) فتعيش حياة ذليلة أشبه بالموت، كما يخصى بنجي ويوضع في مصحة، في حين نجد عنوان رواية كنفاني "ما تبقى لكم" قد استمد من الهم الفلسطيني الذي عايشه الكاتب يوما إثر يوم، لذلك يدق جرس إنذار عبر قوله "ما تبقى لكم" أيها الفلسطينيون بعد ضياع الوطن والشرف، لم يبق لكم سوى الواقع البائس القائم على مجموعة من الخسارات ا، إنه يحرض مواطنيه على المواجهة (كما فعل حامد) كي يتجاوزوا حالة الضعف والعار التي يعيشونها، إذ لم يبق لهم سوى مواجهة العدو الصهيوني.‏

يلاحظ أن خصائص تقديم تيار وعي الشخصية لدى كنفاني تختلف أحيانا عن خصائص فوكنر، والسبب في ذلك أنه قدّم تيار وعي شخصياته في أربعة فصول، حيث جعل لكل شخصية (بنجي، كونتن، جاسن، دلزي) فصلا مستقلا خاصا بها، في حين وجدنا كنفاني قد مزج تيار وعي شخصياته وجعلها في فصل واحد.‏

وقد ساعدت هذه الطريقة على تقديم تيار وعي الشخصية بطريقة مبدعة، تختلف عن فوكنر:‏

_ نسمع، لدى كنفاني ،في وقت واحد حوارا داخليا في موضوع واحد عند شخصيتي (حامد ومريم) ، فمثلا تتحدث مريم عن حماية أخيها لها ومدى حرصه عليها أثناء اللجوء من يافا إلى غزة، وفي الوقت نفسه نسمع صوت (حامد) يقول: "لقد حرصت عليك حرصي على حياتي"‏

_ قد تكمل الشخصية في حوارها الداخلي ما بدأته الشخصية الأخرى في حوارها الداخلي، فيبدو لنا الحوار الداخلي كأنه حوار واحد يجري في أعماق شخصية واحدة (تتساءل وتجيب، فيما يشبه المناجاة) أو أقرب إلى الحوار الخارجي بين شخصيتين متحاورتين، فمثلا يتحدث (حامد في الصحراء) عبر حواره الداخلي عن ذكرياته مع صديقه سالم، نجد (مريم في غزة) عبر حوارها الداخلي تكمل الحديث عن سالم وتتساءل: "لماذا لم يقتلوك؟ أنت؟"فيعلق حامد قائلا عبر حواره الداخلي: "أغلب الظن أنها تريد أن تطمئنني ولم تعرف أنها حملتني ذلا جديدا"‏

وهكذا تندمج الشخصيتان (حامد ومريم) في شخصية تكاد تكون واحدة، حتى إن أي طارئ يحدث لحامد في الصحراء تحس به مريم ونجدها تقول: لقد حدث شيء ما له.‏

_ وقد يبلغ التوحد بينهما إلى أقصى مدى حين نجد حوارا داخليا يصلح لكلا الشخصيتين (حامد ومريم) في زمن واحد ومكان مختلف (الصحراء وغزة) إذ نجد فيه وصفا للسكين قبل أن تستخدم أداة للقتل، "ولمعت أمامي بنصلها الطويل المتوقد" ومن الملاحظ أن كلا الشخصيتين واجهت عدوها بنفس الأداة (السكين) فقد رفض حامد استخدام المسدس، لعل هذا أيضا يؤكد التلاحم بينهما، خاصة أن وعي حامد قد ترافق مع وعي مريم، لذلك كانت لحظة الفعل الثوري واحدة، وإن اختلف المكان، وبناء على ذلك ساعدت تقنية تيار الوعي، حين استخدمها كنفاني بطريقته الخاصة، على تقديم شخصيتين‏

مندمجتين اندماجا كاملا!!‏

_ لعل الإبداع المدهش الذي تبدى لنا لدى كنفاني هو تجسيد (المكان والزمان) وخاصة الأرض فقد تبدت لنا في هيئة إنسان، نسمع صوته، ونحس بتعاطفه مع الفلسطيني (حامد) بل تلتحم معه، كأنها حبيبته، تقول الصحراء: "لقد اندقت ساقاه فجأة في سفح تلة صغيرة، وأخذ يرتجف، هذه المرة بدت وقفته جازمة ونهائية، وخيل إلي أن قدميه قد غرستا في صدري كجذعي شجرة لا تقتلع، لقد كنت على يقين بأنه لن يعود..."(15)‏

أما الساعة التي أتى بها حامد إلى أخته، والتي كانت قبل مواجهة العدو تشبه نعشا، فقد تحولت بعد المواجهة إلى إنسان "فبدت وقورة تعتزم إعلان خبر رهيب على مسمع من حشود تقف صامتة أمام جلالها" فهي ستعلن لحظة الصدام مع العدو (الإسرائيلي والعدو الداخلي زكريا) لهذا من الطبيعي أن يحس (حامد) أن الزمن قد كفّ عن عداوته، يقول حامد مخاطبا عدوه "الوقت لا يمكن أن يكون ضدنا نحن الاثنين معا، بصورة متساوية، فقد يكونون أقرب إليك مما أتصور، ولكنك أقرب إلي مما يتصورون" فالزمن في صالح الفلسطيني مادام فاعلا فيه، لهذا كان حامد يمتلك القدرة على قتل عدوه قبل أن يتمكن الصهاينة من قتله.‏

_ لو تأملنا الحبكة في كلتا الروايتين للاحظنا أنها مفككة في كلتيهما في القسم الأول، إلا أنها بدت لنا أكثر تماسكا في الجزء الأخير من رواية "ما تبقى لكم" إذ تأزمت الحوادث في لحظة واحدة(يهدد زكريا، في غزة، مريم بالطلاق فتقرر قتله، ويسمع حامد هدير سيارة الأعداء، فيقرر قتل المجند الإسرائيلي، في الصحراء)‏

_ كان الهم العام لدى كنفاني أكثر وضوحاً من فوكنر، إلى درجة يشعر فيها المتلقي أن هذا الهم قد تحول إلى هم خاص لديه، في حين تحس المتلقي بأن الهم الذاتي كان طاغيا على تداعيات شخصيات فوكنر، لهذا لن نستغرب حرص الكاتب كنفاني على أن يسود الرواية روح التفاؤل، لذلك ترك (حامد ومريم في الخاتمة) وهما يتأهبان للفعل، إننا نجد في هذه الرواية تفاؤل المناضل بالانتصار على عدوه الخارجي والداخلي، هذا النصر قد لا يتحقق اليوم لكن الأجيال القادمة حين ترعاها أيد نظيفة ستستطيع صنع النصر، لهذا حافظت مريم على الجنين، وقتلت من يريد موته أو تلويثه بالقذارة والعار.‏

بينما سادت في رواية فوكنر روح التشاؤم والانهزام، فنسمع صوت الخادمة دلزي يعلن لنا نهاية الأسرة، حين تقول بأنها شهدت البداية والنهاية لهذه الأسرة التي يسوء حالها إلى درجة يباع فيها البيت، ويتحول إلى نزل، وهذا قمة الانهيار.‏

_ تجلت خصوصية كنفاني أيضا في رسم الشخصية، وإبراز تفاعلها مع الزمن والحدث ومجموعة القيم، صحيح أن كلا من حامد وكونتن يتعلقان بفكرة الشرف الذي تفقده الأخت في كلتا الروايتين، إلا أن كونتن بدا عاشقا للموت، يائسا، مأزوما تسيطر عليه فكرة عبثية الزمن، لذلك يجد خلاصه بالانتحار، بعد أن فقد صلته بأي إنسان أو أي قيمة عليا يمكن للإنسان أن يعيش لأجلها، في حين كان حامد عاشقا للأرض، أي الوطن، لم يستطع الهرب منه، لذلك لم يواصل مسيرته إلى الأردن، بل بقي في أرضه يقاتل عدوه، وهكذا لم يؤد الهرب لدى حامد إلى الموت وإنما إلى الحياة الكريمة التي لن تكون إلا بمواجهة العدو، أما كونتن فقد أدى به الهرب المجاني إلى موت مجاني يوحي بالعجز عن مواجهة أعباء الحياة.‏

_ الشخصية النسوية لدى فوكنر (كادي) لم نسمع صوتها الخاص بها، في حين وجدنا صوت (مريم) جنبا إلى جنب مع صوت الرجل، بل استطاع الكاتب أن يقدم لنا معاناتها الخاصة التي تجعل المتلقي متعاطفا مع ضعفها، لأنها استطاعت رغم خطئها، أن تكون فاعلة في حياتها، متجاوزة لهذا الخطأ، بل مصححة له، وذلك حين قررت قتل زكريا الرجل الذي لوثها بالخطيئة ثم أراد، بعد أن أصبح زوجها أن يقضي على الأمل (الجنين) الذي قررت أن تهبه حياتها.‏

إذا أخطأت مريم مع زكريا من أجل الحصول على زوج، لنلاحظ هنا الدلالة الطهرية لاسم مريم (التي تتصل بسمات السيدة العذراء) لذلك حين تكتشف أن هذا الزوج مناقض لحياتها النظيفة، ومهدم لأملها تقرر التخلص منه، أما (كادي) فتاة ترغب في التحرر الجنسي، لذلك تنطلق فيه لتصبح عاهرة.‏

لهذا كله لا نستطيع أن نقبل تحديد د. عز الدين المناصرة لنقاط التأثر السلبية لدى كنفاني بالنقاط التالية: التقنية الشكلية، الزمن، فكرة الحرام(1)‏

من هنا يمكننا القول مع جبرا إبراهيم جبرا "إن غسان كنفاني استطاع أن يحول الصخب والعنف إلى رواية فلسطينية مليئة بشخصيته"‏

الحواشي:‏

1_ روبرت همفري "تيار الوعي في الرواية الحديثة" ت. د. محمود الربيعي، دار المعارف بمصر، ط2، 1974‏

2_ جان إيف تادييه "الرواية في القرن العشرين" ت. د. محمد خير البقاعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999، ص 159 بتصرف‏

3_ ميلان كونديرا "فن الرواية" ت. بدر الدين عرودكي، دار الأهالي، دمشق، ط1، 1999، ص 71‏

4_ آلان روب غرييه "نحو رواية جديدة" ت. إبراهيم مصطفى إبراهيم، دار المعارف بمصر، دون تاريخ، ص 130 بتصرف‏

5_ د. أمينة الرشيد "تشظي الزمن" الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، 1998، ص 147 بتصرف‏

6_ د. نبيل الشريف، د. ضياء الجبوري، د. أحمد المجذوبة، د. عصام الصفدي، روائع الأدب الأميركي" مركز الكتب الأردني، 1995، ص 721‏

7_ وليم فوكنر " الصخب والعنف" ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، دار الآداب، بيروت، ط2، 1979، المقدمة، ص 7_8‏

8_ وليم شكسبير "مكبث" ت. جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980، ص 184‏

9_ "الصخب والعنف" ص 106‏

10_ المصدر السابق، 126‏

11_ المصدر السابق نفسه، المقدمة، ص 16‏

12_ نفسه، ص325‏

13_ غسان كنفاني، المجلد الأول، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1972، ص 16‏

14_ المصدر السابق، ص 210‏

15_ المصدر السابق نفسه، 195‏

16_د. عز الدين المناصرة "مقدمة في نظرية المقارنة، دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1988، ص 299‏



نموذج القاتل المثالي بين عطيل شكسبير

وراسكولينكوف دوستويفسكي‏

يقدم لنا الأدب العظيم عوالم إنسانية مدهشة، إلى درجة يجعلنا نتقبل غير المألوف والشاذ، إنه يزلزل قناعاتنا، فيجعلنا نتعاطف مع شخصياته المتخيلة، التي قد نرى ممارساتها مستهجنة، فيما لو كانت على صعيد الواقع وأخضعناها لقوانين منطقية جامدة، فالقاتل إنسان مجرم يمتلك صفات كريهة منفرة تبرز بشاعته، وتلغي إنسانيته، لكن الأدب يستطيع أن يقدم لنا مجرما استثنائيا، يجعلنا نتعاطف مع لحظات ضعفه، بما يمتلك من رهافة حس وشاعرية، أو بما يمتلك من رؤية إنسانية إصلاحية تبيح له ارتكاب جريمة القتل لإصلاح المجتمع.‏

إن نموذج القاتل المثالي يمتلك شخصية جذابة، كما يمتلك حسا إنسانيا، لهذا يخترق هذا النموذج ما ألفناه من صور كريهة للمجرمين في تصرفاتهم وأخلاقهم، كما تميز بندرته في الأدب، وتسليط الأضواء عليه لا يعني تسليط الضوء على الجريمة أو تشجيعها، على النقيض يؤدي ذلك إلى النفور من الجريمة والظروف التي أدت إليها، لهذا لا نستطيع أن نقول إن نموذج القاتل الشريف بعيد عن الحياة، إنه نموذج يجسد موقفا من الحياة، أي يجسد علاقة الكائن ببيئته وبالآخرين في وقت ومكان محددين، وهو كشف للإنسان وعما يحيط به من عوامل "(1) لا يستسلم لها،بل يحاول تغييرها من أجل أن يعيش المثل الأعلى في حياته، ويحاول الدفاع عنه لذلك يرتكب جريمة القتل، إنه يختزل بصفاته المتعددة الإنسان في أي زمان وأي مكان، فيقدم لنا نمطا سلوكيا، يتميز بالتفرد من جهة وبالعمومية من جهة أخرى، إذ يستطيع أن يشمل معاناة الإنسان ومخاوفه الخالدة‏

من هنا استحق هذا النموذج الدراسة، وإذا سبق شكسبير دوستويفسكي في تناول شخصية القاتل الشريف في مسرحية (عطيل)، إلا أننا لا نستطيع أن نقول إن الروائي حين رسم راسكولينكوف قد تأثر بشخصية عطيل تأثرا مباشرا، وإنما سنجد التشابه بين الشخصيتين نابع من التوجه الفكري والإنساني لكلا الكاتبين، وسنلمس خصوصية الأديب، كما سنلمس خصوصية عصره أيضا.‏

ثمة تساؤل لابد أن يتردد في أذهان البعض: كيف نسمح لأنفسنا بمقارنة شخصية مسرحية بشخصية روائية؟‏

أعتقد أن ثمة لقاء بين الشخصية المسرحية والشخصية الروائية ليس في اعتمادهما على الحوار الذي نستطيع عبره أن نسبر أغوار الشخصية، ونتعرف على صراعاتها فقط ، وإنما لاعتمادهما على سمات جسدية ونفسية وفكرية تهب الشخصية فرادتها وتمنحها بالتالي هويتها الخاصة، كما تمنحها القدرة على تمثيل هموم الإنسان بشكل عام.‏

سنحاول في هذه الدراسة التعرف على المؤلفين وعلى بطليهما، ثم سنرصد جوانب اللقاء بينهما.‏

شكسبير:‏

ولد في قرية مغمورة ستراتفورد أن أفون وعمد فيها سنة (1564) وكان أبوه ذا شأن في بلده ويفترض أنه وفّر له تعليما متوسطا، تزوج شكسبير من امرأة تكبره بثماني سنوات، ، وقد رحل إلى لندن وفي عام 1592، في عام (1594) أسس (فرقة اللورد تشامبرلين) وقام فيها بدور الممثل والكاتب الشريك، وقد استطاعت أن تبني فرقة خاصة بها، شملتها الرعاية الملكية، وأصابت حظا وافرا من الربح والشهرة، وقد اكتسب شهرة كبيرة ليس فقط بفضل مسرحياته وإنما بفضل قصائده التي كتبها sonnets)) ونشرت سنة (1609)‏

تعد السنوات الست الأولى من مطلع القرن السابع عشر فترة المآسي الكبرى في إنتاج شكسبير (هملت، عطيل، مكبث، الملك لير، أنطونيو وكليوباترا، كوريولانس) ولم تقتصر كتابة المأساة على فترة محددة من حياته، فقد مارسها في مراحل إنتاجه، إلا في سنيه الأخيرة حيث انصرف إلى الكوميديا وخصها بمعظم اهتمامه.‏

لم يعبأ شكسبير بالقواعد الكلاسية، فقد أصر على الجمع بين الهزل والجد في المسرحية الواحدة، ولم يتقيد بوحدتي الزمان والمكان، وركز اهتمامه على وحدة العمل المسرحي فقط، وقد أبدع في مجال تصوير الشخصية التي كان يمنحها مقومات الحياة والحركة، ويسلط عليها الأضواء من جوانب مختلفة، ويبرز ما يمكن أن تنطوي عليه من تناقض وتردد، فتتجسد شخصية حية واقعية لا رمزا باهتا.‏

أبدع شكسبير في ملاءمة اللغة الشعرية للمسرح، وفي مسرحياته الأولى أظهر ميلا للانسياق وراء الجمال اللغوي وولعا بالتلاعب بالكلمات والعناية بالقوافي، لكنه تمكن بالتدريج من السيطرة على لغته وتطويعها لمتطلبات المسرح، وكان مغرما بالصور المادية الحسية، وكان نطاق خياله واسعا وشاملا بشكل فريد (2).‏

إن ميزة شكسبير أنه كتب من وحي التاريخ لكنه أضاف إليه رؤيته الخاصة التي تنبع من انتمائه إلى عصر النهضة، وهو في الوقت نفسه معاصر لنا، نستطيع أن نقرأ ذواتنا في إبداعه، بما يقدمه من رؤى إنسانية وأحلام ومشاعر وأفكار تؤرقنا "إنه عنيف، قاس، ووحشي، أرضي وجهنمي، يستثير الرعب كما يستثير الأحلام والشعر، صادق جدا، درامي وجامح، عقلاني ومجنون، نهائي وواقعي" (3)‏

مسرحية عطيل:‏

قبل أن نتحدث بالتفصيل عن شخصية عطيل لابد أن نتعرف على الأحداث الرئيسية والملامح الأساسية للشخصيات التي شاركت عطيل مأساته أو كانت سببا لها.‏

تجري حوادث هذه المسرحية في إيطالية، ثم تنتقل إلى قبرص بانتقال الجيش وقادته (أبطال المسرحية) لمقاتلة الجيش التركي العثماني، كما أن حوادث المسرحية لا تستغرق زمنا طويلا.‏

إن عطيل قائد شجاع نبيل، ينتمي إلى إفريقيا، لذلك كان زنجيا، أعجبت به الفتاة الإيطالية (دزديمونة) ابنة أحد أعيان مدينة البندقية المشهورين، فيتزوجها عطيل رغم الفارق بالسن وبالعرق وبالمكانة الاجتماعية، وما إن يتم الزواج حتى يعين قائدا عاما للجيش الذي سيتوجه لمحاربة الأتراك في قبرص، فيعيّن (كاسيو) ملازمه الخاص (أي نائبه) كل هذا يثير حفيظة (ياغو) حامل العلم، فيقرر الانتقام لنفسه، لأنه لم يحصل على ما يستحق من مرتبة عليا في الجيش التي احتلها عطيل ومن ثم كاسيو، كما أنه يشتعل غيظا لفوز عطيل بامرأة (كدزديمونة) جميلة ونبيلة في خلقها وفي حسبها، كما يشتعل غيظا من كاسيو الذي احتل مرتبة الملازم، بالإضافة إلى أنه جميل في مظهره وفي سلوكه، مما يحببه لقلوب الناس عامة وقلوب النساء خاصة.‏

سيطر على ياغو إحساس بالغبن، وأن الحياة لم تعطه ما يستحق، مما يدفعه إلى الحقد على الآخرين الذين ينالون ما لا يستحقون، يحوله هذا الإحساس إلى شر مضطرم لا يهدأ إلا بتدمير الآخرين، وبالحصول على ما يملكون، فالشخصية الأنانية لا ترى الخير إلا لنفسها ولا تريد أن يفوز الآخرون إلا بالألم، إنه الحقد الذي يملأ القلب سوادا فينغص حياة صاحبه، ويدفعه إلى تدمير حياة الآخرين.‏

يفلح (ياغو) في استثارة غيرة (عطيل) ويدبر مكيدة لـ(كاسيو) (حين يستغل نقطة ضعفه أمام الشراب، الذي يفقده عقله، فيتصرف تصرفات غير مسؤولة، إذ يتشاجر مع أحد الجنود ويجرحه، يأتي ياغو خفية ويقتله) الأمر الذي يؤدي بكاسيو إلى فقدان وظيفته، فيشجع ياغو (دزديمونة) كي تتوسط له عند زوجها عطيل، ويطلب منها أن تلح في وساطتها، مما يلفت نظر عطيل، ونجد (ياغو) في الوقت نفسه يزيد أوار ريبة عطيل حين يحدثه عن أخلاق المرأة الإيطالية المتحضرة و(التي لا يعرفها عطيل الغريب عن هذه البيئة) فيبين له أن الخيانة جزء من طبيعتها، فهي لا تعرف الوفاء لزوجها، لكن عطيل رغم ذلك لا يصدق كلامه فيقول "بحياتي أراهن على إخلاصها" وياغو لا يكتفي بالكلام وإنما يؤكد أقواله بأدلة دامغة (حين نجد زوجته إميليا التي تعمل وصيفة لدزديمونة، تسرق المنديل الذي أهداه عطيل لزوجته ليلة الزفاف، فيضعه ياغو في غرفة كاسيو) وبذلك يقدم للزوج خير دليل على لامبالاة زوجته بعواطفه، واستهتارها بكرامته.‏

أمام هذا الدليل الذي يراه عطيل مقنعا ودامغا يقرر الانتقام لشرفه وللمثل العليا التي انتهكتها زوجته، فيقتلها ليقتل الشر والخيانة في العالم، لكن إميليا التي أفزعها قتل المرأة البريئة النبيلة، تعترف بأنها سرقت المنديل وأعطته لياغو بناء على طلبه، وأنه هو سبب هذا البلاء كله، فيحاول عطيل قتله، ثم يقتل نفسه عقابا على جريمته.‏

لو تأملنا معالم شخصية عطيل لوجدناه أبعد ما يكون عن شخصية المجرم العادي، فهو إنسان حساس، شاعر، نقي السريرة، يصدق كل ما يراه وما يسمعه، يرى الوفاء في كل أصدقائه، لذلك نسمعه يصف ياغو بالصديق الأمين دائما، لا يعتريه الشك في الآخرين، ولا يحذر أقوالهم وأفعالهم، إنه شديد الاندفاع والحماسة للفضيلة، شديد الحساسية لكرامته، سريع الانفعال، لذلك يثأر لكرامته دون أي حذر أو شك فيما قاله ياغو، فهو لا يستطيع أن يرى الإنسان ذا وجهين ولسانين، يسرع بتصديق الظاهر دون أن يتأمل في بواطن الأمور، كما كان هملت، فهو على نقيضه لا يعرف التردد، يتعامل مع العالم بحساسيته المرهفة، دون أن يعني هذا القول أن عطيل شخصية متهورة بصورة مطلقة، فقد حبك ياغو مكيدته بحيث تبدو الزوجة خائنة، فأتى بأدلة تقنع العقل، خاصة أن دزديمونة لم تصرح بأنها فقدت المنديل.‏

إن أزمة عطيل في سماحة طبعه، وصراحته، وطيبته لذلك يظن الناس شرفاء اعتماداً على ما يبدون من أقوال وتصرفات، إذ تنقصه الخبرة بالنفس البشرية، وهذا أمر طبيعي لمن عاش حياته مقاتلا في الحروب بعيدا عن العلاقات الاجتماعية، باختصار يفتقد عطيل دلالة اسمه الذي يعني (othello) باللاتينية الحذر.‏

وقد وصفه(آ. سي. برادلي) وصفا مدهشا "وهكذا فإنه يجيئنا، أسمر رائعا، متسربلا بضياء من شمس البلاد التي ولد فيها، ولكنه ما عاد شابا، إنه، شكلا وكلاما، بسيط وشامخ معا. رجل عظيم من طبعه التواضع مع ثقة كبيرة بقدر نفسه، فخور بخدماته للدولة...يتوج حياته بمجد أخير هو مجد الحب، وهذا الحب نفسه غريب مغامر شاعري كأي حدث في تاريخه الحافل، يملأ قلبه رقة وخياله نشوة، إننا لا نجد حبا لدى شكسبير (حتى ولا حب روميو في ميعة صباه) أشد إغراقا في الأخيلة والرؤى من حب عطيل"(4)‏

إذا نحن أمام شخصية مثالية، تحب بعمق الشاعر ونبل الفارس، لهذا لن تقبل أي اعتداء على شرفها، لأن ذلك يعني اعتداء على كل المثل، إنه يبدو عاقلا حكيما، لكن ما إن يشتعل قلبه بالغيرة حتى يسيطر عليه الانفعال والألم والرغبة بالثأر لكل القيم النبيلة التي انتهكت.‏

نسمع لودفيكو يخاطب عطيل في لحظاته الأخيرة قبل أن يطعن نفسه بخنجره "آه ياعطيل يا من كنت مثالا للطيبة، لقد وقعت في مكيدة هذا العبد اللعين، فماذا تقول؟‏

عطيل: أي شيء، قولوا قاتل شريف، فأنا ما فعلت شيئا بدافع البغضاء، بل الشرف...تحدثوا عن رجل لم يعقل في حبه، ولكنه أسرف فيه، رجل حاضر الريبة، ولكنه إذا أثير وقع في التخبط...رجل رمى عنه بيده (كهندي غبي جاهل) لؤلؤة أثمن من عشيرته كلها. رجل إذا انفعل درّت عيناه وإن لم يكن الذرف من دأبها...."(5)‏

إن صفة الشريف التي لحقت بالقاتل لا تبدو، هنا، صفة عادية، إنها أشبه باسم يمتزج بالشخصية، لذلك فهذه الصفة تكاد تغلب على الفعل (فعل القتل) الذي قام به عطيل، فمن أجل قيم الشرف التي امتهنت من قبل الزوجة، ومن أجل الحفاظ عليها، من أن تهان مرة أخرى على يدها قتلها، وهو أيضا شريف لأنه لم ينتظر حكم المجتمع الذي يراعي الظروف المخففة عادة، فيصدر حكمه الذي يتسم بالرأفة، لذلك نجده يطعن نفسه معاقبا إياها أشد أنواع العقاب!!‏

لا يمكننا أن نقول إن شكسبير عنصري، حين جعل عطيل الزنجي يقتل المرأة البيضاء، إن لون البشرة يحمل دلالات نفسية، باعتقادنا، أكثر من الدلالات العنصرية، فهو حار، شديد الانفعال والتأثر، كما أن الصورة التي بدا فيها عطيل (النبيل، الشاعر، القائد المحبوب، والزوج المخلص والذي تحبه زوجته حتى آخر لحظة من حياتها، أي حتى بعد أن طعنها) ومثل هذه الصفات تنسج لنا صورة شخصية عظيمة، تمتلك سمات غير منفرة، حتى أفعاله لم تكن سيئة، فهو حين مارس فعل القتل، وجدنا شكسبير يعطيه مبررات لهذا الفعل، لذلك بدا هذا الفعل منسجما مع القيم النبيلة التي يعيش لأجلها ويدافع عنها.‏

إن شخصية عطيل هي شخصية السيد الذي يعيش أبيض السريرة، ناصع الأخلاق، رغم بشرته السوداء، في حين وجدنا ياغو يُخاطَب بـ"العبد" كما لاحظنا في المقطع السابق من قبل لودفيكو ومن قبل (ص199) وفي مقطع آخر (ص 201) نجده يقول "أما هذا العبد فإن تكن ثمة قسوة بارعة تعذبه كثيرا وتبقيه طويلا فإنه سيذوقها"‏

إن الأسود لا يعني عند شكسبير "وصفا أساسيا على قاعدة التمييز العرقي (رغم أن عطيل قد وعيت صورته كأفريقي، غليظ الشفتين، داكن اللون) ولكن الذي كان يعنيه شكسبير هو السواد والبياض حتى داخل العرق ذاته سواء كان أبيض أم أسود، كان يقصد السواد والبياض في الذات الإنسانية وأغوارها العميقة"(6).‏

وهكذا فالعبودية لدى شكسبير لا تقترن بلون البشرة وإنما تقترن بالفعال السوداء والشريرة، لهذا كان ياغو الأبيض عبدا بسبب فعاله، وكان عطيل الزنجي قائدا نبيلا بسبب أخلاقه ومروءته وحساسيته.‏

دوستويفسكي (1821_ 1881)‏

ولد فيدور دوستويفسكي في موسكو، حيث كان أبوه يعمل طبيبا مقيما في مستشفى كبير، وقد تلقى تعليمه على يد أبيه وأمه ومدرسيه الخصوصيين، ثم أرسل في الثالثة عشرة من عمره إلى مدرسة داخلية خاصة، وبعد ذلك بثلاث سنوات توفيت أمه، والتحق بمدرسة المهندسين الحربيين في العاصمة بطرسبورغ.‏

اطلع في هذه الفترة على التوراة وشيللر وشكسبير وسكوت وديكنـز وجورج صاند وهيغو وبوشكين وكثيرين غيرهم.‏

وقد ترعرع في المدينة خلافا لمعظم الكتاب الروس، لذلك سنجد المدينة مسرحا لجميع رواياته، وكان لموت أمه ثم موت بوشكين أعظم الأثر في حياته، حين كان يدرس في كلية الهندسة في سنة 1844‏

وقد كان والده ينتسب إلى صغار النبلاء، وكان قاسيا بخيلا، اغتيل على يد الفلاحين لقسوته في معاملتهم، فعانى دوستويفسكي من نوبة صرع ستلازمه مدى حياته، فترك الجيش إذ لم يبق ضابطا إلا سنة واحدة، وقرر أن يتفرغ للكتابة، فأصدر روايته الأولى "الناس الفقراء" التي تأثر فيها برواية "المعطف" لـ(غوغول) نالت استحسان النقاد، وقد اجتذبته الآراء التحررية (الاشتراكية التي سيتركها فيما بعد) فانضم إلى جماعة (بتراشفكي) المسالمة، لكنه اعتقل معه سنة (1849) وحكم عليه بالموت، ووقف أمام ركيزة الإعدام ينتظر تنفيذ الحكم وفي هذه الأثناء يصل العفو الإمبراطوري، الذي كان عفوا جزئيا، إذ يقرر استبدال السجن بالإعدام في سيبيريا، حيث سجن أربع سنوات، ستترك هذه الحادثة أثرا كبيرا على أدبه، فقد وجدناه يعلي من قيمة الإنسان، ويرفع من شأن الحياة الإنسانية، حتى إنه يقول لو توقف إنقاذ العالم على موت طفل واحد علينا أن نرفض هذا الموت!!‏

ولما خرج من المعتقل، كانت صحته منهارة، رغم ذلك خدم في الجيش جنديا بسيطا، وكان قد تزوج من أرملة مريضة في سيبيريا، وقد عومل معاملة المجرمين فلم يسمح له بالرجوع إلى روسيا إلا سنة 1859، فأصدر "ذكريات من بيت الموتى" و"مذلون ومهانون" مما أذاع صيته، فأنشأ مع أخيه مجلة "الزمان" التي منعت بعد ذلك بقليل، وكبدته أعباء مادية، وفي عام (1862) قام برحلة أولى إلى الغرب، وحين عاد واجه ألوانا من الصعوبات إذ تموت زوجته وأخوه تاركا له عبء الديون وعبء إعالة أسرته، وابن زوجته، عندئذ بدأ يعيش حياة شاقة فعلا، فكان يتقاضى ثمن الكتاب الذي لم يكد يشرع فيه، وكانت المهلة المحددة تنصرم بسرعة، فتؤرقه، لذلك كان يعمل كالمحموم، واستعجالا للعمل استاجر شابة تكتب على آلة اختزال، أصبحت زوجته عام (1867) وقضيا معا عدة سنين في أوروبا، كانت مليئة بالأحزان، ومما كان يزيد هذه الأحزان تعلق دوستويفسكي بهوى القمار، وفي عام (1871) استقرت هذه الأسرة التي أنجبت عدة أولاد لم يعش منهم إلا اثنان، في يطرسبرج، وقد تحسن الوضع المادي للأسرة حين بدأت زوجته تنشر بنفسها مؤلفاته، مات عام (1881) إثر نزيف رئوي شديد.‏

إضافة إلى رواياته الكبرى ("الجريمة والعقاب"، "المقامر" و "الأبله" و "الزوج الأبدي" و "الشياطين" و "المراهق" و "الأخوة كارمازوف") نشر "يوميات كاتب" على شكل دوري، ليستطيع أن يعبر عن آرائه السياسية والدينية، وهي لديه شيء واحد، بشكل أكثر حرية من الرواية (7)‏

كتب دوستفسكي "لكي يكون المرء قادرا على أن يكتب جيدا، عليه أن يعاني!" ونحن نضيف أنه كي يتغلب على هذه المعاناة لا بد له من الكتابة الإبداعية، كي يستطيع أداء رسالته في الحياة، وهي أن يبث الخير والجمال في حياتنا.‏

وبذلك نستطيع القول: إن دوستويفسكي كان في رواياته فنانا ومبشرا وفيلسوفا، وعالما اجتماعيا، وإن أية محاولة لفصل الجانب الفني لديه عن الجانب الفلسفي الاجتماعي محاولة غير مجدية، وغير دقيقة، يقول دوستويفسكي "إن إيجاد الإنسان في الإنسان مع الواقعية الكاملة ميزة روسية على الأغلب...يدعونني عالما نفسانيا، هذا غير صحيح، أنا واقعي بالمعنى السامي للكلمة، أي أنني أصور كل أعماق النفس الإنسانية"‏

اعتقد دوستويفسكي أن العالم المحيط بالإنسان كلما كان "خياليا" لا إنسانيا، زاد شوق الإنسان إلى المثل الأعلى، وبات من واجب الفنان إيجاد الإنسان في الإنسان، أي ألا يصور الفوضى والدمامة المسيطرتين على العالم، بل ينقل إلى القارئ ذلك الشوق الكامن في الروح الإنسانية إلى المثل الأعلى بواقعية كاملة، وبذلك يصور الطموح إلى بعث الإنسان الذي قهرته الظروف وكمود العصور والرواسب الاجتماعية، ولذا فإن صوت الفنان المفكر الذي عقد محكمة قاسية للمدنية في عصره، لا يمكن وضعه جنبا إلى جنب مع أصوات أبطاله...(8)‏

بناء على هذا القول نجد في شخصية (راسكولينكوف) تجسيدا لبعض الأفكار التي يرفضها المؤلف، ويثبت زيف دعواها عبر الرواية، فالبطل يدعي بأنه يستطيع استيعاب الجريمة بالعقل، وتبريرها بالعقل والقيام بها بالعقل، وهذا تأكيد على عقلانية الإنسان التي رآها الماديون، الذين يؤمنون بالإنسان الإله.‏

بناء على هذه الأفكار نجد طالب الحقوق (راسكولينكوف) بطل رواية "الجريمة والعقاب" يقوم بقتل مرابية عجوز تدعى (أليونا) بعد تخطيط دقيق، لكنه يضطر لقتل أختها (إلزابيتا) فقد نسي إغلاق الباب وراءه، وبعد القتل يسرق بعض المال ويهرب.‏

لو تعمقنا في شخصية القاتل، في هذه الرواية، لوجدناها شخصية غير عادية، إنها مثقفة، تسعى لتجاوز وضعها البائس، فقد عاش هذا الطالب عيشة فقيرة في غرفة كأنها (الكفن)، ورأى تعقد العلاقات الاجتماعية وقسوتها، مما يدفع الإنسان الشريف إلى العذاب والموت، (جارته سونيا تضطر لبيع جسدها من أجل إطعام إخوتها، في حين نجد أخته دونيا تفكر بالزواج من رجل كهل لا تحبه من أجل مساعدته ومساعدة أمها) لذلك رأى في قتل المرابية العجوز تصفية للشر الاجتماعي، فهي تجسد أحد مظاهره، وبقتلها يحاول أن يرفع الظلم الاجتماعي بالاستحواذ على ثروتها وتوزيعها على الفقراء وطلاب العلم، إنه يأمل في تقديم الخير للإنسانية المعذبة، فهو يؤمن أن استخدامه للنقود في فعل الخير يلغي فعل الشر.‏

إذا الدافع الاجتماعي أمر لا يمكن الشك فيه، لكنه يطرح أمامنا مشكلة اجتماعية عميقة: هل تسوغ الغاية النبيلة الوسيلة القذرة التي نستخدمها من أجل تحقيقها؟ هل يحق لنا أن نضحي بوعي كامل ولو بحياة إنسان واحد من أجل سعادة الآخرين؟‏

إلى جانب الدافع الاجتماعي ثمة دافع فكري، إذ لم يكن الهدف المال والثراء الشخصي (إذ لم يستفد من المال المسروق سوى تقديم مساعدة لعائلة فقيرة تقيم بجواره هي عائلة مارميلادوف) فقد آمن راسكولينكوف بفكرة سعى إلى تطبيقها هي: إن بالإمكان اختزال البشر إلى فئتين، فئة المتفوقين العباقرة أمثال نابليون، يملكون الحق في عمل كل شيء، يرى نفسه منهم، وفئة اخرى هي فئة الناس العاديين يدعوهم "القمل" لهذا نجده يقول "الإنسان غير العادي يملك الحق في أن يجيز لضميره تخطي بعض الحواجز، إذا ما كان ذلك مساعدا على تحقيق فكرته التي قد تعود بالنفع على الجنس البشري بأكمله....إن كافة المشرعين وموجهي الإنسانية كانوا مجرمين في حق القانون، فهم أتوا بشرائع جديدة، انتهكوا بعملهم هذا القوانين القديمة التي يرعاها المجتمع بعنايته ويحفظها عن الجدود". وكما يرى أندريه جيد بأن راسكولينكوف أول من ترتسم لديه فكرة الإنسان المتفوق التي سنجدها عند نيتشه (9)‏

وبما أنه إنسان متفوق يحق له القتل الذي برره بالعقل (امرأة عجوز في أواخر أيامها، حياتها ضرر على الفقراء الذين يرهنون عندها حاجياتهم فتعطيهم ربع ما يقابلها من مال، لذلك سيأخذ ما تملك من مال ويوزعه على أمثاله من العباقرة، كما سيساعد به الفقراء) وبعد أن يبررها بالعقل يخطط لها بالعقل (قرابة ستة أشهر)، لهذا نجده يدير ظهره للعواطف و للمشاعر الإنسانية، فلا مكان لها في حياة الإنسان المتفوق، لكنه حين ينفذ جريمة القتل بالعقل ، يكتشف أنه بشر عادي يخاف من الآخرين بل يرتكب جريمة قتل لم يخطط لها بعقله (إذ يضطر لقتل الأخت الطيبة للمرابية التي تساعد الفقراء، بل قد ساعدته هو نفسه) إنه يخاف فيقتل إنسانا بريئا، وبدافع الخوف أيضا كان قد ترك الباب مواربا دون إغلاق، لذلك تدخل إليزابيتا، لتشهد جريمته، فيقتلها خوفا من افتضاح أمره ، ثم يكتشف أن إنسانا بريئا سيحكم بالإعدام بسببه، إذ اتهم بارتكاب جريمة قتل العجوز وأختها، فينتابه تأنيب ضمير حاد، لم يحسب حسابه.‏

كذلك نلاحظ لدى راسكولينكوف رغبة في امتحان نفسه، قبل ارتكاب جريمة القتل، هل هو إنسان متفوق أم هل هو إنسان تافه؟ هل يحق له تجاوز القانون والعرف؟ وبذلك يتحول قتل المرابية العجوز إلى امتحان لذاته وتأكيد تفوقه، الأمر الذي يعزز وجوده في عالم الأخلاق والمثل! فقد كان يظن أنه سيقتل الشر حين يقتلها! ويعلن انتماءه إلى أولئك الذين يمارسون ما يريدون من تصرفات لأنهم بشر كاملون أشبه بآلهة.‏

إن تصرفات راسكولينكوف نابعة من تكوين ثقافي، كان قد انتشر في عصر دوستويفسكي، فقد ظهرت أفكار العدميين والملحدين الذين يعلون من شأن الإنسان، ويرون فيه مخلوقا خاليا من التعقيد مادام يملك العقل، إذ يجدون في هذا العقل أداة لا تضاهى لإحقاق الحق في هذه الحياة، فالإنسان قادر على حل مشكلاته بالعقل، بمعزل عن الإيمان، فهم يتبنون مقولة إيفان كارامازوف الذي أباح قتل الأب مرددا"إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح" لذلك حمل راسكولينكوف أفكارهم، ليكتشف، عبر جحيم المعاناة الداخلية، زيف مقولتهم، فبعد ارتكاب الجريمة يعاني البطل أزمة داخلية حادة، ويكتشف حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يكون عقلا فقط، وان الازدواجية بين العقل والشعور والانفعالات جزء من طبيعة الإنسان، وبذلك كشف لنا دوستويفسكي عبر أزمة بطله عن الدور الحاسم الذي تلعبه العواطف في حياة الإنسان وسلوكه.‏

إن مأساة راسكولينكوف في عدم فهمه للانشطار الذي تقوم عليه النفس البشرية، مع أنه عانى من ذلك الانشطار، حتى اسمه (راسكول: raskolot يعني بالروسية الانشقاق والانقسام)(10) فإذا ظهر القسم الأول من شخصيته (الجانب العقلي) مع بداية الرواية وارتكاب جريمة القتل، فإن الشق الثاني من شخصيته (الجانب الروحي والانفعالي) قد ظهر حين أقدم على فعل القتل، إذ بدأت تعتريه الانفعالات وأزمة الضمير الحادة التي تكاد تؤدي إلى دماره لولا وقوف (سونيا) إلى جواره بأن تدله على طريق الإيمان بالله، والتطهر بالحب الذي يشمل كل البشر، لذلك يعترف بجريمته، لأنه بدأ يحس أن أي عقوبة اجتماعية هي أخف وطأة من عقوبة الضمير!!‏

كثيرا ما وصفت رواية "الجريمة والعقاب" بأنها رواية "إثارة سيكولوجية" لكن الإثارة فيها ليس لأنها تروي جريمة قتل المرابية، وكيفية انكشاف الجريمة، بل لأنها تروي مقاومة البطل لأزمة الضمير، ولذلك الصراع الداخلي العنيف بين ما كان يؤمن به وما تكشف له عن طريق الفعل من خطأ أدى به إلى الإجرام بحق الإنسانية، في حين كانت رغبته صادقة في مساعدتها، لذلك نجده يصرخ بأنه لم يقتل العجوز وإنما قتل نفسه، إذ قتل الجانب الخير فيها (بقتله إليزابتا الخيرة) كما قتل الجانب الشرير فيها (بقتله المرابية أليونا)‏

يحدثنا دوستويفسكي عن بطله إثر ارتكاب الجريمة، إذ إن مشاعر غير متوقعة وغير منتظرة تعذب قلبه، لقد اصطادته في النهاية الحقيقة الإلهية: الضمير والقانون الذي صنعه البشر، وهو مضطر للتبليغ عن نفسه، مضطر حتى لو أدى ذلك إلى أن يهلك في السجن، لينضم من جديد إلى الناس، إن الشعور بالعزلة عن الجنس البشري الذي استولى عليه أرهقه، وبدأ قانون الحقيقة الإلهية والطبيعة الإنسانية يحدثان تأثيرهما، ولذلك يقرر المجرم على مسؤوليته أن يقبل العذاب لكي يكفر عن جريمته..." وبذلك يتحول القانون الذي أوجده البشر إلى وسيلة تخفف معاناة المجرم من معاناة داخلية لا ترحم، ولذلك فإن العقاب يحتاجه المجرم، في رأي دوستويفسكي، ليس فقط من الناحية الأخلاقية وإنما من الناحية النفسية أيضا.‏

نجد في الرواية محاكمات ثلاث، (نفسية، أخلاقية، قانونية) يتعرض لها البطل في أعماقه قبل أن يتعرض لمحاكمة المجتمع التي ستكون مخففة، لذلك تتحول هذه المحاكمات إلى بحث عن الحقيقة الإنسانية، فقد أحس بعد قتل المرابية، أنه لم يستطع أن يجسد أفكاره عبر فعل ملموس، لذلك ما يعذبه هو فقدان إيمانه بعدالة قضيته! فقد اكتشف أنه بشر غير متفوق، لذلك نسمعه يقول "لو كنت قتلت لأنني كنت جائعا لكنت الآن سعيدا" فقد كان القتل لديه رغبة في تجسيد فكرة على أرض الواقع، فها هو ذا يصرخ "أردت أن أصبح نابليونا لذلك قتلت"‏

إن البطل يكتشف عدم جدوى إقامة السلوك الإنساني على العقل وحده، فهذا يعني احتقار الجنس البشري والنظر إليه باعتباره جرما ماديا يستطيع الإنسان المتفوق الاستهانة به، بفضل ما يملك من عقل، مأساة البطل أن الجانب العاطفي المهمل في حياته بدأ يستيقظ ليعذبه أشد أنواع العذاب "إن ما يجعل راسكولينكوف يعاني ليس ضميره بقدر ما هو التفكير في أنه لم يستطع أن يقتله، لقد حاول أن يسحقه لكنه أخفق، معاناته بعد الجريمة لا تتولد من الضمير بل من محاولة قتله"(11)‏

لذلك بدا لنا تركيز دوستويفسكي على الوجدان الذي يرى فيه الخلاص الوحيد للإنسان، والإمكانية الوحيدة للعقاب، عندئذ يدرك الخاطئ أنه ارتكب ذنبا في حق الحياة البشرية، فخسر قضيته الفكرية ودمر حياة أبرياء (يقال أن إليزابيتا الطيبة كانت حاملا، مما يضاعف الجريمة، وأن رجلا بريئا سيحاكم بجريمته) مما يؤجج معاناة داخلية لن يخففها أي عقاب دنيوي.‏

تكمن روعة هذه الرواية في تسليط الضوء على تلك الحرب التي دارت في أعماق البطل من أجل مقاومة انكشاف الجرم أمام ذاته، هنا يتوحد المتلقي مع البطل ليعايش هذه المعاناة، فيحترق في أتون الضمير، لإنقاذ المثل التي تجعل الحياة الإنسانية ذات معنى، مؤكدا مقولة رددها في رواية "الأبله" وهي "الجمال سينقذ العالم" ولن يكون هذا الجمال سوى الحب (للبشرية بأجمعها) وتقديس الحياة وبعث للضمير ... أما القبح (القتل وإلغاء العواطف من حياتنا...) فإنه سيدمر الحياة.‏

وفي رأي دوستويفسكي لن يتفتح الضمير الإنساني، إلا بتفتح القلب والإيمان بالله، عندئذ يستطيع مواجهة المعاناة التي يقتضيها هذا التفتح، وهكذا فإن خير الإنسانية يكمن في الضمير الذي هو الله لدى دوستويفسكي، والضمير يعني إحساسا بالمسؤولية تجاه البشرية جمعاء، ومحاولة إسعادها، وذلك بالحفاظ على إنسانية الإنسان، أي بالحفاظ على القوانين التي تنظم الحياة البشرية وتحميها.‏

لذلك اضطرب فكر راسكولينكوف بين "الصليب أو الفأس" أي بين الإيمان أو الجريمة، فالإيمان يبدو لنا مثقلا بالمعاناة ومجسدا بالتضحية من أجل الآخرين وهذا دليل محبتهم عندئذ تزدهر إنسانية الإنسان، أما الجريمة فهي تلغي هذه الإنسانية، وغالبا يرتكبها أناس لا أعماق لهم تسيطر عليهم أفكار الماديين الملحدين، التي تعزز الأنانية في النفس وحب المادة، وتركز عليها دون الأعماق، ميزة راسكو لينكوف أنه لم يتمتع بهذه الصفات العادية للمجرمين، كان مفكرا ومصلحا اجتماعيا، لم تسيطر عليه الأفكار الأنانية، كذلك لم يستطع إلغاء وجدانه وضميره، من هنا كان قاتلا استثنائيا، لهذا لا نستطيع أن نقبل رأي د. ممدوح أبو الوي الذي يرى أفكار راسكولينكوف ....أفكارا مادية شيطانية(12).‏

تتجلى روعة دوستويفسكي، في رسم هذه الشخصية، التي سيطرت عليها أفكار المادة في مطلع حياتها، لكن رؤيته العميقة للحرية الإنسانية، التي لن تكون حرية عقلية فقط، وإنما هناك حرية العاطفة التي كثيرا ما ننساها في زحمة البحث عن المصلحة المادية التي تقترن غالبا بالعقل، فهاهو ذا يقول على لسان بطله بعد أن عرف أن أخته (دونيا) ستتزوج برجل لا تحبه من أجل ما يملكه من مال تساعد به أمها وأخاها، "إننا نحاول في بعض المناسبات قتل عواطفنا، فنحمل حريتنا إلى السوق نعرضها."‏

من هنا لا نستطيع أن نقول إن الفكرة هي بطلة العمل الروائي عند دوستويفسكي، بل إنسان الفكرة ، على حد قول باختين (13)‏

نقاط اللقاء بين عطيل شكسبير وراسكولينكوف دوستويفسكي:‏

_ بناء على ما ذكرناه سابقا، لا نستطيع القول بأن دوستويفسكي قد تأثر تأثرا مباشرا بشكسبير في رسم ملامح شخصية بطله، فشتان بين شخصية ظهرت في القرن السابع عشر (عطيل) وبين شخصية ظهرت في القرن التاسع عشر (راسكولينكوف) جسدت لنا تعقد الحياة الفلسفية والاجتماعية، وازدياد القلق الإنساني ومعاناة الإنسان الداخلية من أجل إقامة العدل ودفع الظلم الذي اتسعت رقعته.‏

إننا نستطيع أن ندعي إمكانية وجود قواسم إنسانية مشتركة ، تؤكد أن الإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان، لذلك لجأ كلاهما إلى التغلغل إلى أعماق النفس البشرية لتصوير لحظات ضعفها، قبل تصوير لحظات قوتها، لذلك وجدنا أمامنا قاتلا شريفا، يمتلك النبل الإنساني والحب للبشرية جمعاء.‏

_ من هنا نستطيع أن نرى لقاء في الأهداف لدى الكاتبين، فقد جسدا لنا المثل العليا وقد انتهكت، كما جسدا لنا الروح الإنسانية في لحظة تطهر (إما بالموت، أو بقبول العذاب والسجن) كل ذلك من أجل إعلاء قيمة المثل الأعلى في الحياة، أي كل ما هو خالد ونبيل في الحياة، وقد أدرك دوستويفسكي (الذي كان الدفاع عن المثل الأعلى دينه الذي آمن به في الفن) صعوبة وصول الإنسان الواحد، حتى لو كان شكسبير نفسه، إلى المثل الأعلى الخالد والشامل بصورة كاملة، لأننا بحاجة إلى جهود عدد كبير من البشر، ومن هنا نجد كل فنان عظيم يسعى في هذا الطريق، فليس الأمر محصورا بشكسبير ودوستويفسكي إنها رسالة الفن يؤديها المبدع كما تؤدي الرسل رسالة السماء.‏

_ كلا الأديبين رأى أهمية الإنسان في القلب والعواطف، وبذلك لم يريا الإنسان فكرة عظيمة يستطيع الفن أن يجسدها فقط، لذلك اهتما بإنسانية الإنسان التي تكمن في روحه وعواطفه إلى جانب عقله.‏

_ نجد لدى الكاتبين رهافة حس عظيمة تجاه الجوانب المأساوية في الحياة، وتعاطفا مع الألم الإنساني، لذلك ليس غريبا أن يطلق على دوستويفسكي لقب "شكسبير عصره" إذ كان همه البحث عن طمأنينة النفس الإنسانية، فرأى أنه بالإمكان تحقيقها عن طريق حب الله وحب الناس وقبول الألم ولو على غير استحقاق إذ إن في الألم قداسة في رأيه، لذلك وجدناه ينعش النفس ويحييها بعد سقوطها، فهو يقدس الحياة الإنسانية، ولا ننسى هنا تجربة الموت التي تعرض لها في شبابه المبكر، هي التي جعلته يقدس الحياة الإنسانية.‏

_ كلا البطلين مصاب بنوع من الضعف النفسي أحدهما بسبب اندفاعه الانفعالي وطيبته (جنون الغيرة: عطيل) والآخر بسبب سيطرة فكرة واحدة على عقله والتهور الذي يصاحب الشباب (جنون العظمة: راسكولينكوف)‏

_ استطاع كلا الأديبين أن يتجاوز السائد في عصره، فشكسبير تجاوز قوانين الكلاسية التي تؤكد على العقل وحده، ولا تعير التفاتا للعاطفة، فجمع إلى جانب العقل العاطفة،كذلك تجاوز قانون الوحدات الثلاث، وصار يعرض على المسرح المشاهد الدامية، حتى اتهمه نقاد عصره بأنه بربري لكثرة ما يعرض من مشاهد القتل على المسرح‏

كذلك تجاوز دوستويفسكي القوانين السائدة في عصره، أي أدب الطبقة العليا، وبدأ يلتفت إلى معاناة الأسر الفقيرة، أو المتوسطة، متأثرا بغوغول، فانتبه إلى "الواقع" المعقد والمتناقض وغير المتزن فنيا.‏

استطاع المؤلف دوستويفسكي أن ينفصل عن بطله، الذي جسد فكرة مناقضة لفكره الإنساني الذي يقوم على المحبة والتضحية، لذلك استطاع البطل أن يجسد لنا الصراع بين ما يؤمن به من أفكار وما يؤمن به المؤلف، من هنا أبدع دوستويفسكي تنوعا في الأصوات، ولم نعد نسمع صوتا واحدا هو صوت المؤلف، إذ برز البطل عبر صوته الخاص، لذا سادت لدى دوستويفسكي "الكلمة المزدوجة الصوت والمتعددة الاتجاهات، فضلا عن كونها كلمة أشبعت داخليا بقيمة حوارية، وكلمة غيرية: الجدل الخفي، والاعتراف المزين بالجدل، والحوار الخفي، وليس لدى دوستويفسكي تقريبا كلمة بلا تلفت متوتر إلى الكلمة الغيرية، وفي الوقت نفسه ليس لديه تقريبا كلمات موضوعية..."(14)‏

_ صحيح أن دوستويفسكي أبدع في مجال الرواية، أي في مجال مختلف عن المجال الذي أبدع فيه شكسبير، إلا أننا لمحنا في روايته اهتماما بتقنية الحوار، سواء أكان حوارا داخليا، يسلط الضوء على صراعات النفس الداخلية، أم كان خارجيا يسلط الضوء على صراعات فكرية ذات صلة بالعالم الخارجي (الاجتماعي) والعالم الداخلي‏

إن الاهتمام بتقنية الحوار لدى الروائي (دوستويفسكي) يجعله يقترب من اهتمام المسرحي (شكسبير) بهذه التقنية التي تعدّ أساس الفن المسرحي.‏

_ لعل الإنجاز المدهش لكلا الأديبين أنهما نقلا نموذج شخصية المجرم من نمطيتها المألوفة (أي شخصية قذرة في أخلاقها وفي سلوكها، وفي أحاسيسها، تنتمي لعالم سفلي بشع، مدمر للحياة البشرية وللمثل العليا) إلى نموذج مدهش غير متوقع وغير مألوف، إذ نجد الشخصية حساسة مرهفة، قد تسيطر عليها العاطفة (عطيل) وقد تسيطر عليها الفكرة (راسكولينكوف) فتؤدي بها إلى القتل، من أجل الحفاظ على المثل الأعلى في الحياة لا من أجل تدميره، كما يفعل المجرم العادي‏

الحواشي:‏

1_ د. محمد غنيمي هلال "الأدب المقارن" دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة، القاهرة، دون تاريخ، ص 280‏

2_ د. حسام الخطيب "محاضرات في تطور الأدب الأوروبي" مطبعة طربين، دمشق، 1975، ص 113_118‏

3_ يان كوت "شكسبير معاصرنا" ت. جبرا لإبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980، ص 39‏

4_ شكسبير "عطيل" ت. جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980، المقدمة ص 18‏

5_ المصدر السابق، ص 199_201‏

6_ ليزلي فيدلر، ادوارد وازيوليك "عطيل وراسكولينكوف" ت. محمد أبو خضور، وزارة الثقافة، دمشق، 1983، ص 42‏

7_ د. سامي الدروبي "الرواية في الأدب الروسي" دار الكرمل، دمشق، ط1، 1982، ص 75_77 بتصرف‏

8_ مجموعة من المؤلفين "دوستويفسكي دراسات في أدبه وفكره" ت. نزار عيون السود، وزارة الثقافة، دمشق، 1979، ص 90_92 بتصرف‏

9_ أندريه جيد "دوستويفسكي مقالات ومحاضرات" ت الياس حنا الياس، منشورات عويدات، بيروت، باريس، ط1، 1988، ص 204‏

10_ ريتشارد بيس "دوستويفسكي دراسات لرواياته العظمى" ت عبد الحميد الحسن، وزارة الثقافة، دمشق، 11976، ص 62‏

11_ ي كارياكين "دوستويفسكي إعادة قراءة" ت خليل كلفت، كومبيو نشر، بيروت، ط1، 1991، ص 9_ د. ممدوح أبو الوي "تولستوي ودوستويفسكي في الأدب العربي" منشورات اتحاد‏

12_ممدوح أبو الوي "تولستوي ودوستويفسكي في الأدب العربي" اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1، 1999، ص 204‏

13_ مخائيل باختين "شعرية دوستويفسكي" ت. د. جميل نصيف التكريتي، مراجعة د. حياة شرارة، دار توبقال، الدار البيضاء، بالاشتراك مع دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986، ص 128‏

14_ المرجع السابق، ص 296‏