المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أدبنا بين الدرس المقارن والعالمية



الدكتور برهان أبو عسلي
01-05-2015, 09:08 AM
" أدبنا بين الدرس المقارن والعالمية "
عنوان الندوة التي أقامها قسم اللغة العربية بجامعة دمشق في 29 / 4 / 2015 ، بمناسبة الاحتفال باليوم العربي للأدب المقارن في الجامعات العربية . حضر الندوة الأستاذ الدكتور رئيس جامعة دمشق وعميد كلية الآداب بجامعة دمشق وعدد من الزملاء والطلاب في قسم اللغة العربية وكلية الآداب ، وكذلك ضيوف من خارج الجامعة . وقد شارك في الندوة عدد من الباحثين والمقارنين في سورية ، وهم : الأستاذ الدكتور عبد النبي اصطيف ، الأستاذ الدكتور راتب سكر ( عضو الجمعية المصرية للأدب المقارن ) ، الأستاذ الدكتور نذير العظمة ، الأستاذ الدكتور ممدوح أبو الوي ، الدكتور حسين عمران ، والدكتور برهان أبو عسلي ( عضو الجمعية المصرية للأدب المقارن ) . افتتح رئيس قسم اللغة العربية الأستاذ الدكتور محمد هيثم غرة الندوة ، ثم ألقى عميد الكلية كلمة ترحيبية ، ومن ثم أدار الندوة ومناقشاتها الدكتور برهان أبو عسلي، ومما جاء في كلمة الدكتور أبو عسلي : " خواطر ورؤى من وحي التجربة
سُئل الدكتور طه حسين ذات يوم ، هل أدبنا العربي عالمي ؟ فأجاب ، نعم هو أدب عالمي كغيره من الآداب العالمية الأخرى .
نعم أدبنا العربي لا يختلف عن غيره من الآداب الأخرى في شيءٍ ، إنه أدبٌ عريقٌ . والعالمية لا تعني بحالٍ من الأحوال أن يكون هذا الأدبٌ بلغةٍ عالميةٍ كما قد يظنُّ بعضُهم أو أن يكون صاحبُ العملِ أجنبياً . فليس كلُّ أدبٍ أجنبيٍّ أدباً عالمياً ، وليس كلُّ ما كُتبَ بالعربية يرتقي إلى مستوى العالمية .
الارتقاء إلى مستوى العالمية تحدده شروطٌ ، فإذا امتلكها أيُّ أدبٍ ارتقى إلى مستوى العالمية دون منازعٍ . وقد كان أستاذنا الدكتور حسام الخطيب على حقٍّ حين عرَّف الأدب العالمي بقوله : إنَّه " ارتقاءُ أدبٍ ما ، كلياً أو جزئياً ، إلى مستوى الاعتراف العالمي بعظمته وفائدته خارجَ حدود لغته أو منطقته ، والإقبالُ على ترجمته وتعرُّفه ودراسته ، بحيث يصبح عاملاً فاعلاً في تشكيل المناخ الأدبي العالمي لمرحلةٍ من المراحل ، أو على مدى العصور ".
وكان مصيباً ثانية حين حدَّد المقومات العالمية ، أو الشروط الداخلية والخارجية المؤهِّلة للعالمية ، كأن يمتلك الأدب الموقف الإنساني ، واللون المحلي والنكهة الخاصة ، وعامل التفرد والابتكار والغرابة ، وأن يكون متوازناً محلياً وعالمياً ، وأن يتميز بالإبداع الفني وغير ذلك .
والسؤال الذي يشغل بالَنا دائماً ، أينُ نحنُ في أدبنا من العالمية ؟؟ أبعيدون أم قريبون ؟
الإجابة عن ذلك ليست صعبةً وليست سهلةً ، فَبِقَدْرِ ما يكون أدبُنا يحملُ رؤيةً فلسفيةً للإنسان والكون يكون قريباً من العالمية ، وبِقَدْرِ ما يكونُ الأديبُ قريباً من نفسه ومن الإنسان يرتقي عالمياً .
الإنسان بألوانه السبعةِ موجودٌ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ ، وكلُّ لونٍ لا بدَّ أن يلتقيَ مع لونٍ آخرَ من الإنسانية ، وبِقَدَرِ ما تكونُ ألوانُك ظاهرةً ناصعةً ، تكونُ عالمياً ، تكونُ إنسانياً ، وإذا افتقدت لوناً من ألوانِك السبعةِ ، فإنَّك ستفتقدُ إلى من يُشاطِرُكَ الالتقاءَ . البحثُ عن ألوانِك المفقودةِ سبيلٌ إلى تواصلك مع الآخرينَ والتعايشِ معهم بأمنٍ وسلامٍ . ولا تظُنَنَّ أنَّك ستصلُ إلى الآخرينَ بلونٍ أو لونينِ أو ثلاثةٍ . ألوانُكُ جميعُها هُويَّتُكُ ، سِمَتُكَ ، أصالَتُكَ . ابحث عنها لتكن أصيلاً ، متجدداً ، ومجدداً لنفسك وللآخرين .
ما من لقاءٍ ، قصيرٍ كان أم طويلاً ، إلاَّ ويتركُ أثراً ما ، علامةً ما ، انطباعاً ما . إنَّ التقوقعَ والانعزالَ والانطواءً ، وما أشبه ذلك من هذه الكلمات يجعلُكَ بعيداً عن الآخرين ، يعني رفضَ الآخرِ ، يعني الاستغناءَ عن الآخرين ، يعني الذبولَ والاضمحلالَ ، يعني الموتَ البطيءَ ، يعني الإخفاقَ في تحقيق التوازن بينك وبين غيرك وما يحيط بك في هذا الكون .
وكذلك الحالُ في كلِّ قراءةٍ تقرؤُها ، ستتركُ أثراً ما فيك ، ستثيرُ فيك أفكاراً وتساؤلاتٍ مختلفةٍ ، تُفيدُ منها في وعيِّ الحياةِ ، وإدراكِ أبعادِها وأسرارِها .
علينا أن نبحثَ عن أولئك الأدباء الذين يثيرون فينا مثل هذه التساؤلات ، عن أولئك الذين يمتلكون الرؤية الشمولية الكونية ، والقدرة على الإثارة والتحريض .
أن ننظرَ إلى أنفسنا نظرةً دونيةً ، نظرةَ خوفٍ، نظرةَ الأقلِّ والأدنى ، نظرةَ الانبهار ، يعيقُ تطورَنا ويحيلُنا إلى تابعين مغيبين غير فاعلين .
في الأدب المقارن يجب ألاَّ تكون مواقفُنا ونظراتُنا سطحيةً ، علينا أن نفرزَ الألوانَ في كلِّ أدبٍ ندرسُه ، ونتبيَّنَ الأصالةَ والتجديدَ .
المفاضلةُ هنا مرفوضةٌ ، ليس الأدبُ المقارنُ مفاضلةً ، إنَّما هو سبرُ أغوار الآداب ، الدخولُ في أعماقها ، كشفُ أسرارها , البحثُ عن الإنسان ، عن الرؤية الكونية ، البحثُ عن أنفسنا ونفوس الآخرين . أينَ نلتقي وأينَ نختلفُ ، ماهي القواسمُ المشتركةُ بيننا وبينهم ؟ كيف ننظرُ إلى الأشياء وإلى الكون وإلى الحياة . الأدب المقارن دعوةٌ الى رؤيةِ الأنا من خلال الآخر .
ما من أديبٍ إلاَّ ويملكُ رؤيةً للحياة والكون . البحثُ عن هذه الرؤية هو هدفُ المقارِنِ ، الباحثِ ، دارسِ الآدابِ .
قد يقفُ الباحثون والمقارنون عند تخوم هذه الرؤية لا يقربونها خوفاً أو جهلاً أو استسهالاً ، آمنوا أو استسلموا لنظريةٍ ما من هنا أو هناك ، أعمتهم عن إظهار ما لديهم من قدراتٍ وإمكاناتٍ تُعينُهم على وعي الأمور وتقييمها . هذا الاستسلامُ ، وهذه التبعيةُ تفوِّتُ عليهم أموراً كثيرةً مما يمكلون ، فتراهم يسيرونَ خلفَ سرابٍ من الانبهار بالآخرين .
أيَّةُ نظريةٍ من نظريات الأدب والنقد ما هي إلاَّ من صنعِ إنسانٍ أو رؤيةِ إنسانٍ. وما يُنتِجُهُ الإنسانُ قابلٌ للنقاش ، فهو ليس مقدساً ، وهذا الإنتاج على المستويين الإبداعي والفكري والتنظيري يحتاجُ باستمرارٍ إلى تعديلٍ وإضافاتٍ . الاستسلام لهذا يعني تغييبَنا ، يعني فقْدَ ما لدينا من قدراتٍ ، يعني شللاً في الرؤية ، في التجديد ، في الحياة .
إننا نعيشُ وهماً دائماً ، نعيش على نظريات كانت في لحظةٍ ما ، وفي زمن ما صالحةً ، رائعةً ... لكنها لن تدومَ طويلاً . العالم يتقدمُ ويتطورُ ، الرؤيةُ تتبدلُ وتتغيرُ وتتشكَّلُ في كلِّ حينٍ ـ ألا يجدرُ بنا أن نُشكِّلَ رؤانا وفقَ تطورِ الحياة ومتغيراتِها ؟ نتطورُ ونطورُ هذه النظريات والرؤى بما ينسجمُ مع واقِعِنا ومتطلباتِ الحياةِ المتجددة .
لماذا سقطت أنظمة عالمية كبيرة كالأنظمة الشمولية مثلاً ، وقد عاشت زمناً طويلاً ارتاح لها الإنسان ونعم بخيراتها وجنى ثمارها ... ولكنها أخيراً سقطت . لماذا سقطت وكيف وما الأسباب التي أدت إلى سقوطها ؟ ألم تَعُدْ تثمرُ ؟ نعم كلُّ شيءٍ في الحياة له حياتُه ووقتُه ، ربما يشبه الشجرةَ التي تثمرُ ويكون لها حياتُها ، فإذا أنت أهملتها ولم تعتن بها ، أو تُعْطِها ما تحتاجُه إلى البقاء والعطاء فإنها ستموتُ ، ستكونُ عقيمةً . وكذلك النظرياتُ وما في الكون يحتاجُ الى سمادٍ وإنعاشٍ مستمرٍّ ليكون قادراً على العطاء والإثمار . نعم ، سقطت الاشتراكية في بلدان كثيرة بسبب إهمال الإنسان الذي لم يدرك أنَّ الحياة تتطور والإنسان يتطور ، وأنَّ لكلِّ زمانٍ نظرياتٌ يجب أن تناسبه ، فما كان بالأمس مقبولاً أصبح اليوم مرفوضاً . القيم تتغير ، الإنسان يتغير المناخ يتغير .
إنَّ الحياة لن تتوقف عند حدٍّ ، لا شيءَ يمكن أن يتكررَ في الحياة مرتين ، في كلِّ مرةٍ يكون جديداً، التجربةُ العلميةُ نفسها لا يمكنُ أن تكونَ نتائجُها متطابقةً مرتين دائماً، وكذا الحياةُ ، متغيرةٌ ، وكذا الإنسانُ في تجددٍ وتغيرٍ مستمرٍّ ، تظهر ألوانُه ناصعةً مرةً وباهتتةً مرةً . ألا نؤمن بالتغيير ؟ ألا نؤمن بالتجديد ؟ أظنُّ نعم ، نؤمن بذلك ما دمنا عصريين ، ما دمنا منفتحين ، نحملُ رسالةً نبيلةً ، أصيلةً . ولكن أيَّ تغييرٍ نُريدُ ، وأيَّ تجديدٍ نرجو ؟ إننا نريدُ التغييرَ الذي لا يُفْقِدَنا هُويتَنا وأصالَتَنا ، التغييرَ الذي ينسجمُ مع حياتِنا وفكرِنا وينسجمُ مع ما يحيط بنا من عوالم مختلفة ، ونرجو التجديدَ الذي لا يَطْمسُ وجودَنا وكيانَنا ويجعَلُنا نفقدُ أصالتَنا ، ويمحو بصمتَنا العربية التي ننتسبُ إليها روحياً وخلقياً وفكرياً وثقافياً وإنسانياً.
إننا نعتزُّ بعروبتنا ويجبُ أن نعتزَّ بها دائماً ، ولكننا لا ننسى أننا جزءٌ من عالمٍ كبيرٍ ننتمي إليه، عالمِ الإنسانية ، فَبِقَدْرِ ما نكونُ عروبيين نكونُ إنسانيين ، وبِقَدْرِ ما نكونُ إنسانيين نكونُ عروبيين . تلك هي رسالتنا .
والمقارِنُ الحقُّ هو ذلك الذي ينظرُ بعينيه الاثنتين ، ينظرُ بعين إلى تراثه وأدبه وينظرُ بعينٍ أخرى إلى تراث الإنسانية وآدابها . يقرأُ بإحساسه وقلبه وعقله وفكره ما أنتجتُه أمتُه وما أنتجتُه أممُ العالم ، يبحثُ عن ذاته في الآخر ، وعن الآخر في ذاته ، يستخرجُ الجميلَ ، المبدعَ ، الرائعَ ، يمايزُ ويحللُ ويقارنُ دون أن يُقللَ أو يستهينَ أو يُشوِّه أو يحقِّرَ ، غايتُه نبيلةٌ ، رسالته إنسانيةٌ ، رسالته المحبة والسلام .

الدكتور برهان أبو عسلي
01-05-2015, 09:10 AM
تحية لكم جميعاً

مسكين المسكين
03-05-2015, 05:39 PM
دكتورنا الفاضل السلام عليكم .
قرات شيئا من مقالك فاسمح لمسكين متطفل مثلي ان يقول رأيه . أثار ماقرأت في نفسي عجبا من تنقصنا للغتنا وأدبنا وجرينا نحو وهم العالمية ، ماهذه العالمية المزعومة ، صدقني ان الشعر العالمي اذا قيس بالشعر العربي سيكون كما قال جرير يهجو الأخطل : ماضر تغلب وائل أهجوتها # أم بلت حيث تماحك البحران .
لقد حسم أمر عالمية اللغة العربية وتفضيلها هلى كل اللغات وحسم أمر فصاحة وبلاغة العرب وتفضيلهم فصاحة وبلاغة على كل الأمم يوم أن صارت اللغة العربية هي لسان القرآن الكريم يقول الشيخ الأزهري الدكتورفتحي حجازي نقلا عن مشائخه ما مفاده أن الله قد للسان العربي أمة هم العرب وأوصلهم الى ذروة البيان الانساني ليتحداهم فيعجزهم البلاغة الالهية أمام البلاغة الانسانية في قمة البلاغة الانسانية فتثبت مصدرية القرآن الالهية .
ولكننا نعيب أدبنا والعيب فينا ، فتأخرنا الحضاري اليوم هو الذي وضع بيننا وبين الناس في العالم حاجزا فلم يصلهم أدبنا وبمجرد عودة الأمة الى دورها التاريخي وقوتها سوف تجد أدبنا ينتشر من جديد ان شاء الله ، أظن كل المحاولات سيكون مردودها بسيط ماعدا الدخول في الاسلام فالاسلام واللغة العربية شيئ واحد والله أعلم .