المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : كتاب مجاز القران



زيد الخيل
28-10-2005, 10:28 PM
:::

مَجازُ القُرآنِ
خصَائصهُ الفَنيَّة وبَلاغَته العَربيَّة
المقدمة 5
الفصل الأول : مجاز القرأن في الدراسات المنهية 9
1 ـ مجاز القرآن عند الرواد الأوائل 11
2 ـ مجاز القرآن بإطاره البلاغي العام 17
3 ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل 23
4 ـ مجاز القرآن في دراسات المحدثين 44
الفصل الثاني : مجاز القرآن وأبعاده الموضوعية 55
1 ـ حقيقية المجاز بين اللغة والاصطلاح 57
2 ـ وقوع المجاز في القرآن 61
3 ـ تقسيم المجاز القرآني 69
4 ـ مجاز القرآن : عقلي ولغوي 79
الفصل الثالث : مجاز القرآن وخصائصه الفنية 83
1 ـ خصائص المجاز الفنية 85
2 ـ الخصائص الأسلوبية في مجاز القرآن 88
3 ـ الخصائص النفسية في مجاز القرآن 96
4 ـ الخصائص العقلية في مجاز القرآن 105
الفصل الرابع : المجاز العقلي في القرآن 115
1 ـ تشخيص المجاز العقلي في القرآن وعند العرب 117
2 ـ المجاز العقلي في القرآن بين الإثبات والاسناد 120
3 ـ قرينة المجاز العقلي في القرأن 125
4 ـ علاقة المجاز العقلي في القرآن 132
الفصل الخامس : المجاز اللغوي في القرآن 139
1 ـ المجاز اللغوي بين الاستعارة والمجاز المرسل 141
2 ـ انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن 146
3 ـ علاقة المجاز اللغوي المرسل في القرآن 154
خاتمة المطاف 165


مَجازُ القُرآنِ
خصَائصهُ الفَنيَّة وبَلاغَته العَربيَّة


الدكتور محمد حسين علي الصغير
اُستاذ الدّراسات القرآنية في جامعة الكوفة


--------------------------------------------------------------------------------

( 5 )


بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
هذه دراسة منهجية لمعلم بارز من معالم البلاغة القرآنية ، تحتضن « مجاز القرآن » في خصائصه الفنية وبلاغته العربية ، وتمتد لجذوره الأولى بالبحث والكشف ، وتستوعب أصنافه البيانية بالإيضاح والإبانة ، أخذت من القديم أصالته وروعته ، واستلهمت من الحديث تطوره ومرونته ، فانتظم هذا وذاك في مناخ تصويري متكامل ، يعنى من مجاز القرآن بالعبارة حينا ، وبالأسلوب حينا آخر ، وبألفاظ فيما بينهما ، ويخلص في مهمته الى رصد القدرة الإبداعية الناصعة ، ولمس الأداء التعبيري المتطور في لغة القرآن العظيم .
ويعود السبب في اختيارنا « مجاز القرآن » مادة لهذا البحث ، جدة موضوعة ، ودقة أبعاده ، ووفرة خصائصه ، مما يوصلنا الى المغلق في هذا الفن ، ويوقفنا على المجهول من هذا المنظور . لقد بحث مجاز القرآن على صعيد لغوي خالص عند القدامى ، ولم تمتد يد الباحثين الى قيمته البلاغية عملا مستقلا ، ولم نجد من حقق القول في حدّه الاصطلاحي أو بعده الموضوعي ، أو أصالته البيانية ، بل كان موضوعه في البحث باعتباره أصلا لغويا في المفردات ، ومعبرا تفسيريا للكلمات تلك مظنة كتب معاني القرآن ، ومعاجم غريب القرآن .
وكان لا بد لهذه القاعدة أن تشذ ، ولهذا الإطراد أن يتزلزل ، فجاء « تلخيص البيان » للشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) متخصصا في مجازات القرآن ، ولكنه المجاز بالمعنى العام الذي يشمل الأستعارة والتمثيل والتشبيه والكناية والتورية في جملة ما ورد عرضه فيه مؤكدا الأستعارة ان لم يكن


--------------------------------------------------------------------------------

( 6 )

قاصدا اليها بالذات باسطلاح المجاز . وباستثناء هذه البادرة التي أفردت المجاز القرآني بالمعنى الموما إليه في كتاب خاص ، فقد وجدنا « مجاز القرآن » في مصنفات الرواد الأوائل ، قد ورد عرضا في الاستطراد ، أو جاء فصلا من باب ، أو استغرق بابا في كتاب .
ومن هنا كانت القيمة الفنية لم تتوافر مظاهرها على الأقل في جهد متميز في « مجاز القرآن » فلم تتضح أجزاؤه البلاغية في كتب المفسرين والبيانيين معا ، لأنه يبحث جزءا من كلي إعجاز القرآن ، وحسن نظمه ، وجودة تأليفه ، واشتماله على مفردات بلاغة العرب في أفضل الوجوه ، وذلك عند علماء التفسير وإعجاز القرآن ، وقد يفرد في فصل عائم في الخضم البلاغي المتلاطم باعتباره أحد أمثلة البيان ، والبيان والمعاني والبديع أركان البلاغة عند البالغيين القدامى .
أما الدراسات الحديثة فمع اهتمامها بالقرآن ، الا أنها فيما يبدو لي أهملت مجازه إهمالا ملحوظا يحسّ به الباحث لدى الأستقراء ، وقد لا يكون هذا الإهمال مقصودا اليه ، وإنما جاء نتيجة طبيعية لدراسته ضمن فصول البيان العربي وهي : المجاز والتشبيه والأستعارة والكناية ، فكان فرعا من أصل ، ومفردة من علم ، ولم يحظ بدراسة مستقلة تهدف الى سبر حسّه النقدي ، وإيحائه اللفظي ، وثروته اللغوية ، وعمقه البياني ، وتنميته الجمالية ، وهو ما تحاوله هذه الدراسة .
وكانت منهجية هذه الدراسة تتمثل في خمسة فصول :
الفصل الأول : وهو بعنوان : مجاز القرآن في الدراسات المنهجية ، وهو فصل تاريخي بلاغي بآن واحد ، تتبع مجاز القرآن عند الروّاد الأوائل ، وتمحض له بإطاره البلاغي العام ، ووقف عند ثمراته في مرحلة التأصيل ، وتحدث عنه في جهود المحدثين .
الفصل الثاني : وهو بعنوان : مجاز القرآن وأبعاده الموضوعية ، وهو فصل تحليلي في ضوء النقد الموضوعي ، بحث : حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح ، ووقوع المجاز في القرآن الكريم ، وتقسيم المجاز القرآني وتعدد القول فيه ، والخلوص الى ان مجاز القرآن : عقلي ولغوي فحسب ،


--------------------------------------------------------------------------------

( 7 )

وحدد بذلك هويته ، وأرسى أسس منهجيته .
الفصل الثالث : وهو بعنوان : مجاز القرآن والخصائص الفنية ، وكان هذا الفصل غنيا بالأصول النقدية ، وحافلا بالاستنباط البياني ، فبحث بعمق وتنظير : خصائص المجاز الفنية ، وكانت تلك الخصائص في مجاز القرآن : أسلبية ونفسية وعقلية .
الفصل الرابع : وهو بعنوان : المجاز العقلي في القرآن ، وكان هذا الفصل ثريا ببيان وبلاغة المجاز القرآني في ضوء : تشخيص المجاز العقلي في القرآن وعند العرب ، ورصد المجاز العقلي في القرآن بين الإثبات والإسناد ومعانيه قرينة المجاز العقلي في القرآن ، وتوجيه علاقات المجاز العقلي في القرآن .
الفصل الخامس : وهو بعنوان : المجاز اللغوي في القرآن ، وكان هذا الفصل ميزانا لقيمة الثروة الإضافية التي سيّرها مجاز القرآن ، ومعيارا لسيرورة البلاغة العربية التي حفل بها مجاز القرآن ، وذلك من خلال مباحثه التطبيقية : المجاز اللغوي بين الأستعارة والإرسال ، انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن ، ملامح عن علاقة المجاز اللغوي المرسل في القرآن .
هذه الفصول الخمسة بما اعتمدته من منهج عربي تراثي ، اختص الأول منها بمسيرة المجاز القرآني منذ نشوء الحديث عنه حتى العصر الحاضر ، واستلهم الفصل الثاني منها حدود المجاز الاصطلاحية ، وتقسيماته البيانية ، وأبعاده الموضوعية ، ووقف الفصل الثالث منها عند الخصائص الفنية الكلية في مجاز القرآن ، وتمحض الرابع والخامس لشؤون البلاغة العربية في مجاز القرآن ، فطرح ما هو طارىء عليها ، وأكد على الموروث القرآني بخاصة .
وكانت مصادر هذا البحث ومراجعه ، تهتم بالأصيل عند القدامى والجديد عند المحدثين ، فكانت كتب البلاغة والتفسير واللغة واليقد والأدب وعلوم القرآن ، رافدا يستمد منه البحث ريادته في استقراء الحقائق ، واستكناه المجهول ، وإضاءة المنهج .


--------------------------------------------------------------------------------

( 8 )

ولا أدعي لهذا البحث الكمال ، فالكمال لله وحده ، ولكنه ألق من شعاع القرآن ، ونفح من عبير أياته ، وقبس من رصين عباراته ، أخلصت فيه القصد لله عزّ وجلّ ، عسى أن ينتفع به الناس وأنتفع :
( يَوْمَ لا ينفع مَالٌ وَلا بَنُونَ * إلاّ مَنْ أتى الله بِقَلّبِ سَلِيمِ* ) .
وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
النجف الأشرف .

الدكتور
محمد حسين علي الصغير

أستاذ في جامعة الكوفة





--------------------------------------------------------------------------------

( 9 )


الفصل الأول
مجاز القرآن في الدراسات المنهجية
1 ـ مجاز القرآن عند الروّاد الأوائل
2 ـ مجاز القرآن بإطاره البلاغي العام
3 ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل
4 ـ مجاز القرآن في دراسات المحدثين


--------------------------------------------------------------------------------

( 10 )



--------------------------------------------------------------------------------

( 11 )


1 ـ مجاز القرآن عند الروّاد الأوائل :
سحر العرب بجمال القرآن وجلالته ، وبهروا بروعته وحسن بيانه ، ووقفوا عند جزئياته البلاغية ، واستعذبوا نوادر استعمالاته في فن القول ، ذلك ما شكل عندهم ذائقة لغوية متأصلة ، وأمدّهم بحاسة نقدية متمكنة تتجه بالبيان العربي الى موكب الزحف الدلالي المتطور ، وتدفع بالمنهج البلاغي الى المناخ الموضوعي المطمئن ، فحدب علماؤهم على هذا العطاء ، الجديد يقتطفون ثماره ، وعمدوا الى هذا السبيل يجددون آثاره ، فكان نتيجة لهذا الجهد المتواصل البنّاء .. رصد المخزون الحضاري في تراث القرآن البلاغي واللغوي ، وبدأ التصنيف في هذا المخزون يتجدد ، والتأليف بين متفرقاته يأخذ صيغة الموضوعية ، فنشأ عن هذا وذاك حشد بياني من المصطلحات ، وتبلور فضل تدقيق في شتى المعارف الإنسانية ، وتوارث الخلف عن السلف محور الأصالة في التحقيق ، كانت عائديته الأبتعاد بالتراث اللغوي عن التعقيد والغرابة والأسفاف ، والصيانة له عن الانحطاط والتدهور والضياع ، والأزدلاف به عن الوحشي والتنافر والدخيل .
وكان القرآن الحكيم أساس هذا الإصلاح ، ومادة هذا التطور في مثله اللغوية وأسراره العربية ؛ وما دام الأمر هكذا فالعرب والمسلمون بإزاء الكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه ، ودراسة مختلف قضاياه الفنية .
وقد كان الأمر كذلك ، وكان التوجه للقرآن الكريم بهذه النظرة الفاحصة منذ عهد مبكر ، فعكف المسلمون على جمعه وتدوينه وتوحيد قراءاته ، وكان أن ضمّت جميع آياته الى سوره ، وجمعت كل سوره في المصحف وبدأ تدارسه في نزوله وأسبابه وتشكيله ، وحفظه في الصدور وعلى السطور ، فكان ما فيه متواترا دون ريب ، وسليما دون منازع ، تحقيقا


--------------------------------------------------------------------------------

( 12 )

لقوله تعالى ( إنا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون * )(1) .
وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا .
كان هذا الجهد المتميز قد بدأه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذات ، فكان الأثر مصانا ، والتنزيل ، كما هو ـ لا زيادة فيه ولا نقصان , والكتاب في سلامة بكل تفصيلاته التدوينية والجمعية والشكلية (2) .
وبدأت مدارس التفسير الأولى في كل من مكة والمدينة والكوفة والبصرة ، ترفد العالم الإسلامي بسيل من المعارف لا ينضب ، وتنير أمام الدارسين الدرب بمصابيح من الهداية لا تخبو .
وكان الأئمة والصحابة والتابعون ومن اتبعهم بإحسان ، يعبّدون الطريق بين يدي المتعلمين والباحثين والمصنفين ، حتى اتسع مجال التفسير ، وتعدد منهج التأويل ، وكثر طلاب العلم ، وأخذ كل بمبادرة التّحصيل ، فوضح السبيل ، وانتشرت الثقافات(3) .
وكان وراء هؤلاء جهابذة اللغة ، وفحول العربية يحققون ويتتبّعون ، غير عابئين بثقل الأمانة وفداحة الأمر ، مشمرين السواعد لا يعرفون لينا ولا هوادة ، متناثرين حلقات وجماعات وأفرادا ، يسددون الخطى ، ويباركون السعي ، فبين مستشهد بالموروث المثلي عند العرب ، وبين منظّر بالشعر الجاهلي ، وبين مقتنص للشوارد والأوابد من كلمات القوم وحكمهم ، وبين متنقل في الحواضر والبوادي والقصبات ومساقط المياه ، يسأل ويدون ، ويصنف ويستجمع ، ويقارن ويقعّد ، كل ذلك بهدف واحد هو الاعتداد بالقرآن وتراثيته ، فضلا عن قدسيته وعظمته : كونه كتاب هداية وتشريع ، ودستور السماء في الأرض الى يوم يبعثون .
كان ما أسلفنا موروثا حضاريا في القرنين الأول والثاني من الهجرة النبوية المباركة ، حتى إذا أطل القرن الثالث وجدنا التوجه منصبا حول لغة
____________
(1) الحجر : 9 .
(2) ظ : المؤلف ، تاريخ القرآن ، الفصول : جمع القرآن ، نزول القرآن ، سلامة القرآن . الدار العالمية ، بيروت ، 1983 .
(3) ظ : المؤلف ، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم ، مراحل التفسير : 131 ـ 141 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 13 )

القرآن ، ومعاني مفرداته ، وسيرورة ألفاظه ، وكانت دائرة هذا الجهد اللغوي ، متشعبة في بدايات مسيرتها التصنيفية ، وإن كانت متحدة في مظاهرها الدلالية ، فالأسماء مختلفة والإنجازات متقاربة ، حتى كأن العطاء واحد في جوهره ، وإن تعددت عناوينه التي استقطبت الصيغ الآتية : « معاني القرآن » و « ومجاز القرآن » و « غريب القرآن » .
وهذه الكتب على وفرتها تتحدث عن مسار اللفظ القرآني ، ودلالته لغة ، وتبادره مفهوما عربيا خالصا ، فكان ذلك معنى : مجاز القرآن وغريبه ومعانيه في سيرورة مؤدي الألفاظ في حنايا الذهن العربي ، دون إرادة الاستعمال البلاغي ، ودون التأكيد على « المجاز » أو « المعاني » في الصيغة الاصطلاحية ، أو الحدود المرسومة لدى علماء المعاني والبيان . لقد امتازت هذه الحقبة بالتدوين المنظّم لغريب القرآن وشوارده ، وأثرت فيما بعد بالحركة التأليفية المتفتحة في اللغة والمجاز القرآني بمئات المصنفات القيمة ، ولكن بالمعنى المشار اليه آنفا ، دون المعنى البياني .
هناك جمهرة لامعة من كتب المعاني لأعلام العرب ، وأئمة اللغة ، وفطاحل النحو ، تتوجه تلك الحقبة الذهبية ، ويمكن ترتيبها على النحو الآتي :
1 ـ معاني القرآن . . . لأبي جعفر الرؤاسي
2 ـ معاني القرآن . . . لعلي بن حمزة الكسائي
3 ـ معاني القرآن . . . ليونس بن حبيب النحوي
4 ـ معاني القرآن . . . ليحيى بن زياد الفراء
5 ـ معاني القرآن . . . لمحمد بن يزيد المبرد
6 ـ معاني القرآن . . . لأبي فيد مؤرج السدوسي
7 ـ معاني القرآن . . . لثعلب ، أحمد بن يحيى
8 ـ معاني القرآن . . . للأخفش ، سعيد بن مسعدة
9 ـ معاني القرآن . . . للمفضل بن سلمة الكوفي
10 ـ معاني القرآن . . . لأبن كيسان


--------------------------------------------------------------------------------

( 14 )

11 ـ معاني القرآن . . . لابن الأنباري
12 ـ معاني القرآن . . . لأبي إسحاق الزجاج
13 ـ معاني القرآن . . . لخلف النحوي
14 ـ معاني القرآن . . . لأبي معاذ بن خلف النحوي
15 ـ معاني القرآن . . . لعلي بن عيسى الجراح
16 ـ معاني القرآن . . . لأبي عيينة بن المنهال(1) .
وكل هذه الكتب لا علاقة لها بعلم المعاني ، وإنما تبحث عن المعنى اللغوي .
وقد احتفظ لنا ابن النديم بطائفة من أسماء من ألفوا بغريب القرآن ، وعلى نهج معاني القرآن بالضبط ، وقد نجد من بين هذه المصنّفات من يسمي كتابه معاني القرآن ويسمى غريب القرآن أيضا ، وذلك لعدم الفرق بين الإسمين عندهم :
1 ـ غريب القرآن . . . لابن قتيبة ، عبد الله بن مسلم
2 ـ غريب القرآن . . . لأبي فيد مؤرج السدوسي
3 ـ غريب القرآن . . . لمحمد بن سلام الجمحي
4 ـ غريب القرآن . . . لأبي عبد الرحمن اليزيدي
5 ـ غريب القرآن . . . لأبي زيد البلخي
6 ـ غريب القرآن . . . لأبي جعفر بن رستم الطبري
7 ـ غريب القرآن . . . لأبي عبيد ، القاسم بن سلام
8 ـ غريب القرآن . . . لمحمد بن عزيز السجستاني
9 ـ غريب القرآن . . . لأبي الحسن العروضي
10 ـ غريب القرآن . . . لمحمد بن دينار الأحول(2) .
____________
(1) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 51 ـ 52 .
(2) ظ : المصدر نفسه : 52 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 15 )

وقبل هؤلاء كان أبان بن تغلب الكوفي ( ت : 141 هـ ) قد ألف كتاب « الغريب في القرآن » وذكر شواهده من الشعر(1) .
وبعد هذه الجريدة في معاني القرآن وغريب القرآن ، يبقى « مجاز القرآن » ، ويبدو أن التسمية بهذا العنوان كانت من سبق أبي عبيدة ، معمّر بن المثنى الليثي ( ت: 210 هـ ) فكان من أوائل من كتبوا في هذا الأسم بالذات بالمؤشر الذي أوضحناه ، فوضع كتابه « مجاز القرآن » على هذا النحو ، وهو كتاب لغة وتفسير مفردات ، لا كتاب بلاغة وبيان ، والدليل على ذلك أنه قد يسمى « غريب القرآن » باعتباره ترادف الغريب والمجاز عندهم ، كترادف الغريب والمعاني ، وقد نص على تسميته بهذا الإسم « غريب القرآن » ابن النديم(2) .
وقال إبن خير الأشبيلي :
« وأول كتاب جمع في غريب القرآن ومعانيه : كتاب أبي عبيدة : معمر بن المثنى ، وهو كتاب المجاز »(3) .
وقد أيّد الزبيدي هذا الاتجاه فقال :
« سألت أبا حاتم عن غريب القرآن لأبي عبيدة الذي يقال له المجاز »(4) . وهذان النصان يؤيدان ما نذهب اليه أن لا علاقة لمجاز أبي عبيدة بالمجاز الصطلاحي ، حتى قال محققه الدكتور سزكين : « ومهما كان من أمر فإن ابا عبيدة يستعمل في تفسيره للآيات هذه الكلمات : « مجاز » كذا » و « تفسير كذا » و « معناه كذا » و « وغريبه » و« تقديره » و « تأوليه » على أن معانيها واحدة أو تكاد .
ومعنى هذا أن كلمة « المجاز عنده عبارة عن الطريق التي يسلكها
____________
(1) ظ : الخوئي ، معجم رجال الحديث : 1/ 32 .
(2) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 52 .
(3) ابن خير ، الفهرست : 134 .
(4) الزبيدي ، طبقات النحويين :125 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 16 )

القرآن في تعبيراته ، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة لكلمة المجاز »(1) .
ولا أدلّ على هذا المذهب من قول أبي عبيدة نفسه وهو بإزاء تحرير مجاز القرأن « وفي القرآن ما في الكلام العربي من وجوه الأعراب ، ومن الغريب والمعاني »(2) .
فهو بصدد هذا الملحظ الذي ذكره ، وإن اشتمل مجموع ما أفاضه « مجاز القرآن » على جملة من أنواع المجاز الاصطلاحي ، ولكنه إنما يقصد بالمجاز معناه اللغوي ، وقد يقصد به أحيانا : الميزان الصرفي ، وقد يعني به نحو العرب وطريقتهم في التفسير والتعبير ، وهو الأعم الأغلب في مراده .
وبعد هذا « نستطيع ـ مطمئنين ـ ان نقرر أن كلمة « مجاز » إنما هي تسمية لغوية تعني التفسير ، فالمعرفة بأساليب العرب ، ودلالات ألفاظها ، ومعاني أشعارها ، وأوزان ألفاظها ، ووجوه إعرابها ، وطريق قراءاتها ، كل ذلك سبيل موصلة الى المعنى ، فمجاز القرآن يقصد أبو عبيدة به « المعبر » الى فهمه ، فالتسمية لغوية وليست إصطلاحية »(3) .
ومهما يكن من أمر فقد عالج ابو عبيدة في « مجاز القرآن » كيفية التوصل الى فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب في كلامهم وسننهم في وسائل الإبانة عن المعاني ، ولم يعن بالمجاز ما هو قسيم للحقيقة ، وإنما عني بمجاز الآية : ما يعبر به عن الآية (4) .
وكان سبيل أبي عبيدة في مجاز القرآن نفسه سبيل معاصره أبي زكريا الفرّاء ( ت : 207 هـ ) في « معاني القرآن » وجزءا من سبيل إبن قتيبة في « تأويل مشكل القرآن » في حدود معينة ، لأن كتاب ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) قد اشتمل على مباحث مجازية مهمة ، كما سنشاهد هذا في مرحلة التأصيل ، اذ عقد للمجاز ـ بمعناه العام حينا وبمعناه الاصطلاحي الدقيق
____________
(1) فؤاد سزكين ، مجاز القرآن ، المقدمة : 1 / 18 .
(2) أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1 / 8 .
(3) مصطفى الصاوي الجويني ، مناهج في التفسير : 77 .
(4) ظ : أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 92 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 17 )

حينا آخر ـ بابا خاصا تناول فيه فصولا من المأهول المجازي في الاستعارة والمجاز والتمثيل(1) .
والذي يبدو لي من تعقب هذه الحقبة أن الاتجاه المنظور اليه لدى العلماء في مصنفاتهم التي أوردناها كان البحث المنظّم والمفهرس في غريب القرآن ، ومعانيه اللغوية ، وشوارده العربية ، ولم يكن لمجاز القرآن ولا لمعاينه بالاصطلاح البلاغي فيها أي إرادة مسبقة ، وإن وردت بعض الإشارات البلاغية بإطارها العام مما لا بد منه في إيضاح المعنى اللغوي فالبلاغة جزء من علم اللغة .
2 ـ مجاز القرآن بإطاره البلاغي العام :
يبدو أن الجاحظ ( ت : 255 هـ ) هو أول من استعمل المجاز للدلالة على جميع الصور البيانية تارة ، أو على المعنى المقابل للحقيقة تارة أخرى ، بل على معالم الصورة الفنية المستخلصة من اقتران الألفاظ بالمعاني ، فهو كمعاصريه يعبر عن جمهرة الفنون البلاغية كالاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز نفسه ، يعبر عنها جميعا بالمجاز ، ويتضح هذا جليا في أغلب استعمالات الجاحظ البلاغية التي يطلق عليها اسم المجاز ، وقد انسحب هذا على المجاز القرآني لديه (2) .
ويعلل هذا التواضع عند الجاحظ ومعاصريه بأمرين :
الأول : إرجاع صنوف البيان العربي وتفريعاته الى الأصل ، وهو عندهم : المجاز بمعناه الواسع .
الثاني : عدم وضوح استقلالية هذه المصطلحات بالمراد الدقيق منها في مفهومها ودلالتها كما هي الحال في جلائها بحدود معينة بعد عصر الجاحظ عند كل من ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) وعلي بن عبد العزيز المعروف بالقاضي الجرجاني ( ت : 366 هـ ) وعلي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) وسليمان بن حمد الخطابي ( ت : 388 هـ ) وأبي هلال العسكري
____________
(1) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 76 وما بعدها .
(2) ظ : استعمالات الجاحظ لاطلاقات المجاز ، الحيوان : 5 / 23 ـ 34 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 18 )

( ت : 395 هـ ) مما قد يعتبر بدايات إصطلاحية في إطار ضيق ، ولكنه قد يحدد بعض معالم الرؤية .
فالجاحظ حينما يتحدث عن المجاز القرآني فإنه ينظر له بقوله تعالى : ( إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا * )(1) .
ويعد هذا من باب المجاز والتشبيه على شاكلة قوله تعالى : ( أكّالون للسّحت )(2) . وعنده أن هذا قد يقال لهم ، وإن شربوا بتلك الأموال الأنبدة ، ولبسوا الحلل ، وركبوا الدواب ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل ، وتمام الآية ( إنّما يأكلون في بطونهم نارا ) مجاز آخر . . . فهذا كله مختلف ، وهو كله مجاز(3) .
والجاحظ هنا ينظر الى المجاز باعتباره في قبال الحقيقة ، وهو قسيم لها ، في تنظيره له ، وتلك بداية لها قيمتها الفنية .
ويرى البعض أن إطلاق المجاز في معناه الدقيق إنما بدأ مع المعتزلة ،وهم مجوزون له لوروده في القرآن ، وقد أشار الى ذلك ابن تيمية ، واعتبر المجاز دون مبرر أمرا حادثا ، وفنا عارضا ، لم يتكلم به الأوائل من الأئمة والصحابة والتابعين ، فقال :
« وتقسيم الألفاظ الدالة على معانيها الى حقيقة ومجاز ، وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها إن استعمل لفظا الحقيقة والمجاز في المدلول أو الدّلالة ، فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين ، ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ ، وبكل حال فهذا التقسيم إصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثالثة الأولى . . وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز ، هو أبو عبيدة معمّر ابن المثنى في كتابه ،
____________
(1) النساء : 10 .
(2) المائدة : 42 .
(3) ظ : الجاحظ ، الحيوان : 5 / 25 وما بعدها .
--------------------------------------------------------------------------------

( 19 )

ولكنه لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة ، وإنما عني بمجاز الآية ما يعبر عن الآية . . . وإنما هذا إصطلاح حادث ، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين(1) .
ولا نريد أن نناقش إبن تيمية في نفيه لمصطلح المجاز في القرون الثلاثة الأولى ، في حين استعمله بمعناه الاصطلاحي العام كل من الجاحظ ( ت : 255 هـ ) وابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) وهما من أعلام القرن الثالث ، لا نجادله يهذا لوضوح وروده ، بقدر ما نؤيده في حدود أن المعتزلة كانوا مجدين في هذا المنحى ، وإن كان الفضل الحقيقي في إرساء اسسه ، واستكمال مناهجه يعود الى الشيخ عبد القاهر وهو ليس معتزليا .
وكان محمد بن يزيد المبرد ( ت : 285 هـ ) قد استعمل المجاز بالمؤدى نفسه الذي استعمله به أبو عبيدة من ذي قبل للدلالة على ما يعبر به عن تفسير لفظ الآية أو ألفاظها ، ولا دلالة إصطلاحية عنده فيه(2) .
على أن إبن جني ( ت : 392 هـ ) قد أشار الى حقيقة وقوع الكلام مجازا في عدة مواضع من « الخصائص » ونصّ عليه بل ذهب الى أولويته في الكلام ، ووافق إبن قتيبة في موارد منه ، وأخذ ذلك عنه ، كما سنرى . يقول إبن جني في هذا السياق : « إعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة ، وذلك عامة الأفعال ، نحو : قام زيد ، وقعد عمر ، وانطلق بشر ، وجاء الصيف ، وانهزم الشتاء . ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية . فقولك : قام زيد معناه : كان منه القيام ، وكيف يكون ذلك وهو جنس ، والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الحاضر ، وجميع الآتي الكائنات من كل من وجد منه القيام . ومعلوم انه لا يجتمع لأنسان واحد في وقت ولا في مئة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم ، هذا محال عند كل ذي لبّ ، فإذا كان كذلك علمت أن ( قام زيد ) مجاز لا حقيقة ، وإنما هو وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير(3) .
____________
(1) ابن تيمية ، كتاب الأيمان : 34 .
(2) ظ : المبرد : المقتضب في أغلب استعمالاته لإطلاق المجاز .
(3) ابن جني ، الخصائص : 2 / 448 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 20 )

وهذا التعليل من ابن جني قائم على أساس نظرة الموحدين وأهل العدل في مقولتهم « لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين » . فالله سبحانه وتعالى موجد القوة في الإنسان على القيام ، والإنسان يؤدي ذلك القيام ، ولكن لا بحوله ولا قوته ، فليس هو قائما في الحقيقة ، بل الطاقة التي أوجدها الله تعالى عنده ، هي وما خوله إياه كانا عاملين أساسين في القيام ، فلا هو بمفرده قائم ،ولا القيام بمنفي عنه ، وإنما هو أمر بين أمرين ، فكان القيام بالنسبة اليه مجازا .
ولا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا إشلرة إبن جني الى المجاز في عدة مواضع من الخصائص ، لعل أهمها من يجعل فيه المجاز بعامة قسيما للحقيقة ، متحدثا عنه وعن خصائصة بإطار بلاغي عام قد يريد به التشبيه والاستعارة والمجاز بوقت واحد ، وذلك قوله : « إن الكلام لا يقع في الكلام ويعدل عن الحقيقة إليه إلا لمعان ثلاثة هي : الاتساع والتوكيد والتشبيه ، فإن عدمت هذه الأوصاف الثلاثة كانت الحقيقة البتة »(1) .
ولا نريد ان ننقاقش إبن جني في هذا الاتساع وذلك التوكيد أو التشبيه كما فعل إبن الأثير ( ت : 637 هـ ) في متابعته هذه الوجوه ، فذلك مما يخرج البحث عن دائرته الى قضايا هامشية لا ضرورة اليها ، بل نقول أن المجاز في قيمته الفنية لا يختلف عن الحقيقة في قيمتها الفنية ، فكلاهما يهدف الى الفائدة المتوخاة من الكلام . قال الحسن بن بشير الآمدي ( ت : 370 هـ ) « الكلام إنما هو مبني على الفائدة في حقيقته ومجازه »(2) .
وكان علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) وهو ممن عاصر ابن جني ، ينظر الى الاستعارة باعتبارها استعمالا مجازيا ، وعدّها أحد أقسام البلاغة العشرة ، واكتفى بذكرها عن ذكر المجاز(3) ، مما يعني أنه يرى فيما هو قسيم للحقيقة مجازا وذلك صريح قوله : « وكل استعارة حسنة فهي توجب بيان ما لا تنوب منابه الحقيقة ، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه
____________
(1) المصدر نفسه : 2 / 442 .
(2) الآمدي ، الموازنة بين الطائيين : 179 .
(3) ظ : الرماني ، النكت في إجاز القرآن : 76 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 21 )

الحقيقة ، كانت أولى به ، ولم تجز ، وكل استعارة فلا بد لها من حقيقة ، وهي أصل الدلالة على المعنى . . . ونحن نذكر ما جاء في القرآن من الأستعارة على جهة البلاغة »(1) .
ومن هذا يبدوا أن الرماني قد لحظ المجاز بإطاره البلاغي العام ، فكل ما كان غير حقيقي سواء أكان إستعارة أم مجازا فهو استعمال مجازي ، وينظر لهذا بعشرات الآيات القرآنية ، ويعطي المعنى الحقيقي ، والمجازي بهذا المنظور الذي أوضحناه ، شأنه بهذا شأن من سبقه الى النظرة نفسها . ففي قوله تعالى ( ولمّا سكت عن موسى الغضب )(2) . قال الرماني « وحقيقته إنتفاء الغضب ، والأستعارة أبلغ لأنه انتفى انتفاء مراصد بالعودة ، فهو كالسكوت على مراصدة الكلام بما توجبه الحكمة في الحال ، فانتفى الغضب بالسكوت عما يكره ، والمعنى الجامع بينهما الإمساك عما يكره »(3) .
وفي قوله تعالى ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) ، (4) ينظر الرماني إلى المجاز في « ريبة » إلى أنه استعارة ، مما يعني عدم وضوح التمييز بين المجاز والاستعارة عنده ، وكلاهما مجاز بالمعنى العام عنده ، إذ عبر الله عن البنيان بأنه ريبة ، وإنما هو ذو ريبة كما يرى ذلك الرماني ، وإذا صير هذا الاطلاق عليه فهو مجاز ، والتعبير عنه بالاستعارة عند الرماني يعني أن النظرة للاستعارة والمجاز على حد سواء .
يقول الرماني في تعقيبه على الآية الكريمة « وأصل البنيان إنما هو للحيطان وما أشبهها ، وحقيقيته إعتقادهم الذي عملوا عليه ، والاستعارة أبلغ لما فيهامن البينان بما يحس ويتصور ، وجعل البنيان ريبة وإنما هو ذو ريبة ، كما تقول : هو خبث كله ، وذلك أبلغ من أن يجعله ممتزجا ، لأن قوة الذم للريبة ، فجاء على البلاغة لا على الحذف الذي إنما يراد به الإيجاز في العبارة فقط »(5) .
____________
(1) المصدر نفسه : 86 .
(2) الأعراف : 154 .
(3) الرماني : النكت في إعجاز القرآن : 87 .
(4) التوبة : 110 .
(5) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 91 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 22 )

فالرماني الذي يعبر عن المجاز بالاستعارة ، ويضع الاستعارة في التطبيق موضع البحث ، إنما ينظر اليها باعتبارها عملا مجازيا يستدل به على وقوع المجاز في القرآن من وجه ، وعلى دلائل الإعجاز القرآني من وجه آخر .
ويبدو ان نظرة البلاغيين في القرن الرابع من الهجرة كانت متحدة في هذا المقياس بأطاره العام ، فهذا أبو هلال العسكري ( ت : 395 هـ ) قد أشار الى المجاز بمعناه الواسع ونظر له من القرآن الكريم في صنوف الاستعارات القرآنية ، وقد أوضح رأيه في التنصيص على ذلك بقوله : « ولا بد لكل استعارة ومجاز من حقيقة ، وهي أصل الدلالة علة المعنى في اللغة »(1) .
ويهمنا من هذا القول أنه جعل المجاز قسيما للحقيقة ، واعتبر الاستعارة كذلك لا فرق بينهما وبين المجاز ، وكانت تطبيقاته في هذا المنهج إستعارات القرآن .
والحق أن أبا هلال كان ذا حدس إستعاري ، وحس بياني ، وذائقة بلاغية ناضجة فيما أورده من شواهد قرآنية في هذا المقام ، ففي قوله تعالى : ( وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا * )(2) . يقول أبو هلال : « حقيقته عمدنا ، وقدمنا أبلغ ، لأنه دلّ فيه على ماكان من إمهاله لهم ، حتى كأنه كان غائبا عنهم ، ثم قدم فأطلع على غير ما ينبغي فجازاهم بحسبه ، والمعنى الجامع بينهما العدل في شدة النكير ، لأن العمد الى إبطال الفاسد عدل ، وأما قوله ( هباءً منثورا ) فحقيقته أبطلناه ، حتى لم يحصل منه شيء ، والاستعارة أبلغ ، لأنه إخراج ما لا يرى الى ما يرى »(3) .
وكان السيد الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) قد ألف كتابين في المجاز : لهما أهمية نقدية وبلاغية في البحث البياني في القرآن وعند العرب وهما : « تلخيص البيان في مجازات القرآن » و « والمجازات النبوية » ، وكان
____________
(1) العسكري ، كتاب الصناعتين : 276 .
(2) الفرقان : 23 .
(3) العسكري ، كتاب الصناعتين : 277 .


(23)


إطلاق المجاز في هذين الأثرين يشمل الاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز نفسه ، كما سيتضح فيما بعد ، لكنه في عرضه الاصطلاحي أضيق دائرة من فضفاضية الاستعمال الجاحظي ، وعموميته عند الرماني ، واتساعه عند إبن جني والوقوف به عند الاستعارة فحسب عند أبي هلال .
وقد عبر إبن رشيق القيرواني ( ت : 456 هـ ) أن العرب كثيرا ما تستعمل المجاز وتعده من مفاخر كلامها(1) .
ونظرته في هذا نظرة من سبقه في المعنى العام .
إذن فمصطلح المجاز بمعناه الواسع عريق من ناحيتين :
الأولى : استعمال النقاد والبلاغيين العرب له من قبل أن تتبلور دلالته الاصطلاحية الدقيقة .
الثانية : وروده في المظان البيانية واللغوية والتفسيرية بمعنى يقابل الحقيقة ، وإن اشتمل على جملة من أنواع البيان ، أو قصدت به الاستعارة باعتبارها تقابل الحقيقة لأنها استعمال مجازي .
والذي نريد أن ننوه به أن هذا الأصل معرّف بالأصالة منذ عهد مبكر في خطوطه الأولى ، وليس هو من ابتكار المعتزلة ، بقدر ما لهم من فضل في المساهمة فيه شأنهم بذلك شأن البلاغيين فيما بعد عصر الرضي وعبد القاهر .
3 ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل :
يبدو أن إبن قتيبة ( ت : 276 هـ ) كان سباقا الى بحث المجاز في ضوء القرآن في كتابه « تأويل مشكل القرآن » ولكن التحقيق في الموضوع لديه لم يمثل عملا مستقلا في هذا الباب ، بل شكّل بابا في الكتاب .
وكان الدور الذي قام به الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) دورا حافلا ، إذ كتب « تلخيص البيان في مجازات القرآن » فكان بحثا متفردا ومتخصصا في الموضوع .
____________
(1) ابن رشيق ، العمدة في محاسن الشعر : 1 / 265 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 24 )

وجاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت : 472 هـ ) فسلط الأضواء على المجاز في كتابيه « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » فكان المنظّر البياني في التطبيق القرآني للمجاز ، حتى بلغ البحث المجازي على يديه مرحلة النضج العلمي والتجديد البلاغي ، فعاد كلا منسجما ، وقالبا واحدا متجانسا بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لمفهوم المجاز .
وأتى بعد هؤلاء جار الله محمود بن عمر الزمخشري ( ت : 538 هـ ) فاعترف من بحري الرضي والجرجاني ، ما قوّم به أوده ، وصحّح منهجه ، وأضاف دقة الأختيار ، ولطف التنظير .
فكان الزمخشري وهؤلاء الأقطاب الثلاثة قد دفعوا بمجاز القرآن فنا الى مرحلة التأصيل ، وبلغوا به شوطا الى قمة التأهيل ، فعاد معلما بارزا في التشخيص ، وعلما قائما يشار إليه بالبنان .
وسنقتصر في الحديث عند هذه المرحلة على هؤلاء الأعلام ضمن حدود مقتضبة ، ولمسات إشارية عاجلة ، مهمتها إعلام الجهود ، وإنارة المعالم ليس غير .
ولا يعني التأكيد على هؤلاء الأعلام : الغض من منزلة الآخرين ، أو بخس البلاغيين حقوقهم ، ولكن التوسع في « مجاز القرآن » عند إبن قتيبة والشريف الرضي وعبد القاهر والزمخشري ، قد فاق في مرحلة التأصيل ، واستقرار المصطلح المجازي ، حدود الإشارة والاختصار عند غيرهم ، وهو ما وقفنا عليه ، لهذا فإن حديثنا عنهم أمس صلة ، وألصق لحمة ، بمرحلة التأصيل منه عند سواهم .
ومع هذا فقد أشرنا في نهاية هذا المبحث الى طائفة من الأعلام الذين ساهموا بإمكانات متفاوتة في هذا المجال :
1 ـ عقد إبن قتيبة ( ت : 276 هـ ) بابا خاصا للمجاز في كتابه : « تأويل مشكل القرآن »(1) . ويبدوا أن الهدف من ذلك كان كلاميا ، لأن أكثر
____________
(1) حققه في طبعة منقحة الدكتور السيد أحمد صقر وطبع عدة مرات : مطبعة الحلبي .
--------------------------------------------------------------------------------

( 25 )

غلط المتأولين كان من جهة المجاز في التأويل ، فتشعبت بهم الطرق ، واختلفت النحل ، وكان بإمكان هؤلاء أن يرجعوا الى سعة المجاز ، فيحسم الأمر ، وتتبسط الدلالات ، لا أن يحملوا ماورد منه في القرآن على الحقيقة فتضلّهم الشبهات .
وقد عمد أبن قتيبة لأبعاض من آيات القرآن الكريم ، وشرح في ضوئها ما يذهب اليه أهل التأويل القائلين بالحقيقة دون المجاز ، ليعود بذلك الى دائرة المجاز فينفي ما قالوا جملة وتفصيلا .
وسيمر علينا في مجال التطبيق لآيات القرآن المزيد من رده على القائلين ببطلان المجاز في القرآن ، ومستشهدا على صحة القول به من خلال الأستعمال الميداني عند العرب في حياتهم اليومية لألفاظ متداولة ، وعبارات قائمة لا يمكن تأويله إلا بالمجاز .
ولكن الملاحظ عند أبن قتيبة أنه قد يخلط الحقيقة بالمجاز ، فتحار باعتباره المجاز أحيانا ، والحقيقة مجازا ، ويحشر لذلك جملة من الآيات القرآنية دليلا على الموضوع .
فهو كما يرى أستاذنا الدكتور بدوي طبانة : لا يرى في إرادة الحقيقة عجبا في مثل قوله تعالى للسماء والأرض :
( ائتيا طوعاً أو كرها ) وقولهما : ( أتينا طائِعين )(1) . أو قوله لجهنم ( هل امتلأت ) فتقول : ( هل من مّزيد )(2) . لأن الله تبارك وتعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل ويسخّر الجبال والطير بالتسبيح(3) .
والحق أن ابن قتيبة صاحب مدرسة إجتهادية في استنباط المجاز من القرآن ، فهو يجيل فكره ، ويستعمل حدسه البلاغي في استكناه المجاز القرآني ليحقق مذهبه الكلامي في إثبات المجاز خلافا لفهم الطاعنين بوقوعه في القرآن .
ففي قوله تعالى ( إن الذّين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن
____________
(1) فصلت : 11 .
(2) ق : 30 .
(3) ظ : بدوي طبانة ، البيان العربي : 27 وانظر مصادره .
--------------------------------------------------------------------------------

( 26 )

ودّاً * )(1) يرى أنه ليس كما يتأولون ، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبة ، فأنت ترى المخلص المجتهد محببا الى البر والفاجر ، مهيبا ، مذكورا بالجميل ، ونحوه قول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام : ( وألقيت عليك محبّة مّنّي )(2) ، لم يرد في هذا الموضوع أني أحببتك ، وإن كان يحبه ، وإنما أراد أنه حببه إلى القلوب ، وقرّبه من النفوس ، فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون ، حتى استحياه في السنة التي يقتل فيها الولدان(3) .
ويستمر أين قتيبة في عمليتي الاستنباط والاستدلال عليه من خلال ذائقته الفنية ، وتمرسه في طلاقة البيان العربي ، فيذهب بالمجاز الى ابعد حدوده الاصطلاحية ، وكأنه فنّ قد تأصّل من ذي قبل ، وهذا من مميزات ابن قتيبة في استقراء البعد المجازي .
ولعل من طريف ما استدلّ عليه بسجيته الفطرية قوله تعالى : ( وجعلنا نومكم سباتا * )(4) . فيذهب أن ليس السبات هنا النوم ، فيكون معناه فجعلنا نومكم نوما ، ولكن السبات الراحة ، أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم ، ومنه قيل : يوم السبت ، لأن الخلق اجتمع يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه يوم السبت ، فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ، ولا تعملوا شيئا ، فسمي يوم السبت ، أي : يوم الراحة . وأصل السبت التمدد ، ومن تمدد استراح ، ومنه قيل : رجل مسبوت ، يقال : سبتت المرأة شعرها ، إذا نفضته من العقص وأرسلته ، ثم قد يسمى النوم سباتا ، لأنه بالتمدد يكون(5) .
بهذا التذوق الدلالي ، والنظر الموضوعي ، فهم ابن قتيبة مجاز القرآن ، فهل كان من المؤصلين له ، هذا ما اعتقده بحدود غير مبالغ فيها ، شاهدها عشرات الصفحات في تأويل مشكل القرآن وقد خصصها لمجاز
____________
(1) مريم : 96 .
(2) طه : 39 .
(3) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن .
(4) النبأ : 9 .
(5) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن .
--------------------------------------------------------------------------------

( 27 )

القرآن بما يعد من أروع البحوث المنجزة في الموضوع ، وستقرأه في جزئيات متناثرة في هذا الكتاب ، قد سبق الى نقطتين مهمتين في خدمة مجاز القرآن :
الأولى : إشارته منذ عهد مبكر الى مسألة الطعن على القرآن في وقوع المجاز فيه ، ومناقشته ذلك ورده على الطاعنين بالموروث المجازي عند العرب وفي القرآن الكريم .
الثانية : إيراده مفردات علمي المعاني والبيان في صدر كتابه بأسمائها الاصطلاحية الدقيقة التي تعارف عليها المتأخرون عن عصره ، وإن استخدام كلمة المجاز بمفهومها العام(1) .
وزيادة على ما تقدم فقد جعل المجاز قسيما للحقيقة ، لأنه قسم الكلام الى حقيقة ومجاز(2) .
وذهب الى أن أكثر الكلام إنما يقع في باب الاستعارة(3) . وهكذا شأن كل ما هو أصيل أن يعطيك الدقة قدر المستطاع .
2 ـ وليس جديدا أن يكون أبو الحسن الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) عالما موسوعيا في المجاز بعامة ، والمجاز النبوي والقرآني بخاصة ، فقد كان ضليعا ببلاغة العرب ، وعلوم القرآن ، واللغة ، والشعر ، والنثر ، وحسن اختياره لطائفة هائلة من خطب وحكم ورسائل أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ، وتسميته لذلك بـ « نهج البلاغة »(4) وتعليقاته وشروحه ووقفاته ولمساته البلاغية عليه ، دليل ريادته الأولى في الفن البلاغي ، وتمرسه الاستقرائي لأبعاده المختلفة .
وكتابه القيم تلخيص البيان في مجازات القرآن »(5) حافل بالمجاز
____________
(1) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 15 .
(2) المصدر نفسه : 78 .
(3) المصدر نفسه : 101 .
(4) طبع مستقلا بتحقيق محمد عبده ، وطبع بشرح ابن أبي الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم .
(5) حققه الأستاد محمد عبد الغني حسن ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1955 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 28 )

اللغوي من القرآن وضروبه المتشعبة ، ولكنه يؤكد فيه « الاستعارة » والاستعارة جزء من المجاز تكون علاقة المشابهة ؛ وهكذا الاستعارة في القرآن .
ويرى الدكتور بدوي طبانة أن نقصا كبيرا قد طرأ على الكتاب من أوله ، فلا تقرأ في بدئه ما اعتدنا رؤية مثله في أكثر المؤلفات من خطبة الكتاب ، وما حفز صاحبه على تأليفه ، ومنهجه في التأليف ، ولكن أول هذا المطبوع تمام لكلام سابق يتعلق بالمجاز الذي في أوائل سورة البقرة الى قوله تعالى ( وطُبع على قلوبهم )(1) .
وكان يمكن لو عثر على هذا المفقودة ، أن يتبين بالنص معنى المجاز عند الشريف الرضي ، وعلى كل حال فإنه يقصر الدراسة على البحث في مجازات القرآن ، أي الألفاظ المستعملة في غير ما وضعت له ، وأكثر كلامه عن الاستعارات الواردة في القرآن(2) .
ويبدو ان الأمر قد التبس على الدكتور بدوي طبانة في بدايات المطبوع من تلخيص البيان ، والذي يتضح بجلاء أن البداية الموجودة كانت من قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم )(3) ، وهي الآية السابعة من البقرة ، و( طبع على قلوبهم ) هي الآية السابعة والثمانون من التوبة ، وكانت شاهدا على ما أورده الشريف الرضي من معنى الختم ومعنى الطبع ، « لأن الطبع من الطابع ، والختم من الخاتم ، وهما بمعنى واحد »(4) فكان كلام الرضي متعلقا بمجاز الختم الى قوله تعالى ( وعلى أبصارهم غشاوة )(5) .
وطريقة الشريف الرضي في معالجاته لمجاز القرآن في تلخيص البيان إستقراء القرآن على ترتيبه المصحفي ، فيتعقب الآيات في السور القرآنية بحسب تسلسلها آية آية فإذا لمح المجاز وقف عنده وقفة الفاحص الخبير ،
____________
(1) التوبة : 87 .
(2) ظ : بدوي طبانة ، البيان العربي : 30 .
(3) البقرة : 7 .
(4) الشريف الرضي : تلخيص البيان : 113 .
(5) البقرة : 7 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 29 )

وأجرى لقلمه العنان في حدود الأستعمال المجازي دون إيجاز مخل أو إطناب مملّ كما يقال .
وهو في ذلك منظر ومطبّق في آن واحد ، ومعتدّ برأيه البياني دون تردد ، فهو يورد المجاز ويشرحه ويستشهد عليه ، ويناقش فيه ، ويثبت القول الصراح باجتهاده القائم على أساس الكشف والإبداع والتبادر الذهني من خلال عمقه اللغوي ، ومنهجه البلاغي ، ومخزونه الثقافي المستفيض .
وكان هذا العمل سبقا فريدا الى الموضوع ، لم يشاركه فيه أحد قبله ، وقد سار على منواله من جاء بعده ولكن في حدود مقتضبة لم تنهض بكتاب مستقل فيما أعلم .
« ومن هنا كان « تلخيص البيان » أول كتاب كامل ألف لغرض واحد ، وهو متابعة المجازات والاستعارات في كلام الله كله سورة سورة وآية آية ، ومن هنا كانت القيمة العلمية لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله لهذا الغرض . فهو يقوم في التراث العربي الإسلامي وحده شاهدا على أن الشريف الرضي خطا أول خطوة في التأليف في مجازات القرآن واستعاراته تأليفا مستقلا بذاته ، ولم يأت عرضا في خلال كتاب ، أو بابا من أبواب مصنّف »(1) .
وإنك لتجد في منهجه هذا شذرات تلتقط وأنت ضنين بها .
1 ـ ففي قوله تعالى ( فأينما تولوا فثم وجه الله )(2) فإنه ينفي الجسمية والجهة عن الباري تعالى ويوجهها نحو المجاز بقوله « أي جهة التقرب الى الله ، والطريق الدالة عليه ، ونواحي مقاصده ومعتمداته الهادية إليه »(3) .
2 ـ وفي قوله تعالى ( الله وليّ الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات )(4) .
____________
(1) محمد عبد الغني حسن ، مقدمة تلخيص البيان : 30 .
(2) البقرة : 115 .
(3) الشريف الرضي : تلخيص البيان : 118 .
(4) البقرة : 257 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 30 )

فيذهب الرضي أن المراد منها « إخراج المؤمنين من الكفر الى الأيمان ومن الغي الى الرشاد ، ومن عمياء الجهل الى بصائر العلم . وكل ما في القرآن من ذكر الإخراج من الظلمات الى النور فالمراد به ماذكرنا . وذلك من أحسن التشبيهات . لأن الكفر كالظلمة التي يتسكع فيها الخابط ويضل القاصد . والأيمان كالنور الذي يؤمه الحائر ، ويهتدي به الجائر ، لأن عاقبة الأيمان مضيئة بالأيمان والثواب ، وعاقبة الكفر مظلمة بالجحيم والعذاب . وفي لسانهم : وصف الجهل بالعمى والعمه ، ووصف العلم بالبصر والجلية »(1) .
3 ـ ويحمل الرضي قوله تعالى ( وقيل ياأرض ابلعي مآءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر )(2) على الاستعمال المجازي في صدور الأمر منه تعالى ، ويقول : « لأن الأرض والسماء لايصح أن تؤمرا أو تخاطبا . لأن الأمر والخطاب لا يكونان إلا لمن يعقل ، ولا يتوجهان إلا لمن يعي ويفهم . فالمراد إذن بذلك ، الأخبار عن عظيم قدرة الله سبحانه ، وسرعة مضي أمره ، ونفاذ تدبيره نحو قوله ( انما قولنا لشيء إذا أردناه أن نّقول له كن فيكون * )(3) ، إخبار عن وقوع أوامره من غير معاناة ولا كلفة ، ولا لغوب ولا مشقة .
وفي هذا الكلام أيضا فائدة أخرى لطيفة . وهو أن قوله سبحانه ( يا أرض ابلعي مآءك ) أبلغ من قوله : يا أرض اذهبي بمائك . لأن في الابتلاع دليلا على إذهاب الماء بسرعة . . . وكذلك الكلام في قوله سبحانه ( ويا سماء أقلعي ) لأن لفظ الأقلاع ههنا أبلغ من لفظ الإنجلاء . لأن في الإقلاع أيضا معنى الإسراع بإزالة السحاب ، كما قلنا في الابتلاع . وذلك أدل على نفاذ القدرة ، وطواعية الأمور ، من غير وقفة ولا لبثة ، هذا الى ما في المزاوجة بين اللفظين من البلاغة العجيبة والفصاحة الشريفة »(4) .
____________
(1) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 121 .
(2) هود : 44 .
(3) النحل : 40 .
(4) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 162 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 31 )

وفي قوله تعالى ( ففتحنا أبواب السمآء بمآء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * )(1) يقول الشريف الرضي ( المراد ـ والله أعلم ـ بتفتيح أبواب السماء تسهيل سبل الأمطار حتى لا يحبسها حابس ، ولا يلفتها لافت . مفهوم ذلك إزالة العوائق عن مجاري العيون من السماء ، حتى تصير بمنزلة حبيس فتح عنه باب ، أو معقول أطلق عنه عقال . وقوله ( فالتقى الماء على أمر قد قدر ) أي : اختلط ماء الأمطار المنهمرة ، بماء العيون المتفجرة ، فالتقى ماءاهما على ماقدره الله سبحانه ، من غير زيادة ولا نقصان . وهذا من أفصح الكلام ، وأوقع العبارات عن هذه الحال »(2) .
5 ـ وأظهر مما تقدم في مجاز القرآن عند الشريف الرضي نسبة الخشوع والتصدع الى الجبل في قوله تعالى : ( لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون * )(3) قال الشريف الرضي : « وهذا القول على سبيل المجاز . والمعنى أن الجبل لو كان مما يعي القرآن ويعرف البيان لخشع في سماعه ، ولتصدع من عظم شأنه ، وعلى غلظ أجرامه ، وخشونة أكنافه . فالإنسان أحق بذلك منه ، إذ كان واعيا لقوارعه ، وعالما بصوادعه »(4) .
وهذا الملحظ الدقيق في مجازية الآية عند الشريف الرضي مصدره : أن لازم الخشوع والتصدع والخشية ، والإدراك والمعرفة والسماع ، والجبل لا يسمع ولا يعي ، فتأمل أيها الإنسان وتفكّر بما ضربه الله لك من الأمثال .
6 ـ قلنا فيما سبق أن أغلب ما أورده الرضي في تلخيص البيان عبارة عما يقابل الحقيقة في الأستعمال ، والاستعارة عندهم كالمجاز باعتبارها استعمالا مجازيا وخلاف الأصل اللغوي ، لهذا كان « تلخيص البيان » حافلا
____________
(1) القمر : 11 ـ 12 .
(2) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 318 .
(3) الحشر : 21 .
(4) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 330 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 32 )

في صنوف الاستعارات القرآنية ولعل من أبلغ ما أورده تعقيبا وشرحا وبيانا ، تلك الاستعارات التي كشف فيها عن ذائقته الفطرية في استحياء المراد القرآني وسأكتفي بإيراد بعض النماذج في ذلك :
أ ـ في قوله تعالى ( وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون * )(1) قال الرضي : « وهذه استعارة . والمراد بها : أنهم تفرقوا في الأهواء واختلفوا في الآراء ، وتقسمتهم المذاهب ، وتشعبت بهم الولائج(2) ومع ذلك فجميعهم راجع الى الله سبحانه ، على أحد وجهين : إما أن يكون رجوعا في الدنيا . فيكون المعنى : انهم وإن اختلفوا في الاعتقادات صائرون الى الإقرار بأن الله سبحانه خالقهم ورازقهم ، ومصرفهم ومدبرهم . أو يكون ذلك رجوعا في الآخرة ، فيكون المعنى أنهم راجعون الى الدار التي جعلها الله تعالى مكان الجزاء على الأعمال ، وموفّى الثواب والعقاب ، والى حيث لا يحكم فيهم ، ولا يملك أمرهم إلا الله سبحانه .
وشبّه تخالفهم في المذاهب ، وتفرقهم في الطرائق ، مع أن أصلهم واحد ، وخالقهم واحد ، بقوم كانت بينهم ، وسائل متناسجة ، وعلائق متشابكة ، ثم تباعدوا تباعدا قطع تلك العلائق ، وشذب تلك الوصائل ، فصاروا أخيافا(3) مختلفين ، وأوزاعا مفترقين »(4) .
ب ـ وفي قوله تعالى ( ومن النّاس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه )(5) يحمل الرضي الآية على التصوير الاستعاري ، ويعطيك معنى عبادة المرء ربه على حرف ، تشبيها بالقائم على جرف هار ، وحرف هاو . يقول : « والمراد بها ـ والله أعلم ـ صفة الإنسان المضطرب الدين ، الضعيف اليقين ، الذي لم تثبت في الحق قدمه ، ولا استمرت عليه مريرته ، فأوهى شبهة تعرض له ينقاد معها ،
____________
(1) الأنبياء : 93 .
(2) الولائج : جمع وليجة ، وهي بطانة الإنسان .
(3) يقال : هم أخوة أخياف ، بمعنى : أمهم واحدة وآباءهم متعددون .
(4) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 232 ـ 233 .
(5) الحج : 11 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 33 )

ويفارق دينه لها ، تشبيها بالقائم على حرف مهواة ، فأدنى عارض يزلقه ، وأضعف دافع يطرحه »(1) .
ج ـ وفي قوله تعالى ( والذين تبوّءو الدار والإيمان من قبلهم )(2) ، تبرز استقلالية الشريف الرضي في الرأي ، وشخصيته في النّقد ، واعتداده بصميم بلاغة العرب فيقول :
« وهذه استعارة لأن تبوؤ الدار هو استيطانها والتمكن فيها ، ولا يصح حمل ذلك على حقيقته في الإيمان ، فلا بد إذن من حمله على المجاز والاتساع . فيكون المعنى أنهم استقروا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان . وهذا من صميم البلاغة ، ولباب الفصاحة ، وقد زاد اللفظ المستعار ههنا معنى الكلام رونقا . إلا ترى كم بين قولنا : استقروا في الإيمان ، وبين قولنا : تبوؤا . وأنا أقول أبدا : إن الألفاظ خدم للمعاني ، لأنها تعمل في تحسين معارضها ، وتنميق مطالعها »(3) .
وحديثنا عن « تلخيص البيان » قد يطول لو استرسلنا فيه ، وفيما قدمناه من نماذج غناء في إقرار منهج هذه الدراسة القائمة على سبيل الإشارة والتلميح العابر لجهود المؤصلين .
والأمر المنظور لدى الشريف الرضي في تلخيص البيان يتجلى في عدة حقائق نشير إليها :
1 ـ استقلاليتة في المنهج والفكر ، وأولويته في أولية هذا المنهج البلاغي كتابا مستقلا ، وكيانا قائما في مجاز القرآن .
2 ـ تورعه في ذات الله عن الجزم في المعنى القرآني ، إذ طالما نجده يبدأ تعقيبه على الآية بعبارة : والله أعلم .
3 ـ هذه العبارة المشرقة ، وهذا الأسلوب الحديث ، وذلك التدافع في الألفاظ ، وكأنك تقرأ فيه بلاغي اليوم لا بلاغي القرن الرابع الهجري .
____________
(1) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 237 .
(2) الحشر : 9 .
(3) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 330 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 34 )

لهذا فقد كان سليما ما قرره الدكتور محمد عبد الغني حسين في مقارنته بينه وبين سابقيه : أبي عبيدة وابن قتيبة ، في التعبير البلاغي ، والأداء الأدبي ، والذائقة الفنية ، فقال :
« وخذ أي آية شئت من كتاب الله العزيز ، وتتبعها عند أبي عبيدة في مجازه ، وعند ابن قتيبة في مشكله ، وعند الشريف الرضي في تلخيص بيانه ، فإنك مؤمن معنا في النهاية بأن سليل البيت النبوي الكريم ، كان أغزر الثلاثة بيانا ، وأفصحهم لسانا ، وأبلغهم في التعبير عن مرامي القرآن بعبارة أدبية مشرقة ناصعة ، يتضح فيها ذوق الأديب ، ورقة الشاعر ، وحسن البليغ ، أكثر مما يتضح فيها فقه اللغوي ، وعلم النحوي »(1) .


***

3 ـ وأما الحديث عن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) فقد سبق لنا القول أنه مطور البحث البلاغي ، وواضع أصوله الفينة(2) في كتابين الجليلين : « دلائل الإعجاز »(3) ، و « أسرار البلاغة »(4) . فقد سبر فيهما أغوار الفن القولي شرحا وإيضاحا وتطبيقا ، اعتنى باللباب من هذا العلم ، وأكد فيه على الجانب الحي النابض ، وابتعد عن الفهم العشوائي ، والخلط الغوغائي بين النظرية البلاغية وتطبيقاتها ، لم يعتن بالحدود المقيدة في علم المنطق ، ولم يعر للقوقعة اللفظية أهمية مطلقا ، كان وكده منصبا حول ما يقدمه من نتاج فياض إبداعي ينهض بهذا الفن الأصيل الى أوج عظمته ويدفع به الى ذروة مشاركته في بناء الهرم الحضاري ، فماذا يجني الباحث والمتعلم ، وهذا العلم نفسه ، من الجفاف في الحد ، او الغلظة في الرسم ، أو الصرامة المضنية في القاعدة .
____________
(1) محمد عبد الغني حسن ، مقدمة تلخيص البيان : 48 .
(2) المؤلف ، أصول البيان العربي ، رؤية بلاغية معاصرة : 18 .
(3) حققه لأول مرة كل من الأستاذ محمد عبدة ، ومحمد محمود الشنقيطي . القاهرة ، 1921 وصدرت مؤخرا طبعة منقحة ، بتحقيق محمود محمد شاكر ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1984 .
(4) حققه ، وخرج آياته ، وضبطه ضبطا علميا فريدا الأستاذ الدكتور هلموت ريتر، مطبعة المعارف ، استانبول ، 1954 م .
--------------------------------------------------------------------------------

( 35 )

انظر إليه وهو يتحدث عن أصالة « علم البيان » والمجاز أساسه وقاعدته الصلبة ببيان ساحر ، ومنطق جزل ، وهو يصرح باسمه اصطلاحا فيقول :
« ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا ، وأبسق فرعا ، وأحلى جنى ، وأعذب وردا ، وأكرم نتاجا وأنور سراجا من « علم البيان » الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي ، ويصوغ الحلي ، ويلفظ الدرر ، وينفث السحر ويقري الشهد ، ويريك بدائع من الزهر ، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر ، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها ، وتصويره إياها ، لبقيت كامنة مستورة ، ولما استبنت لها ـ يد الدهر ـ صورة ، ولاستمر السرار بأهلتها ، واستولى الخفاء على جملتها ، الى فوائد لا يدركها الإحصاء ، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء »(1) .
لقد بحث عبد القاهر في أسرار البلاغة مفردات « علم البيان » وفي طليعتها المجاز ، وبحث في دلائل الإعجاز أغلب مفرجات علم المعاني ، وكرّ أيضا على المجاز . والسبب في هذا واصح لأن المجاز القرآني من أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز .
فالمجاز عنده في أسرار البلاغة نوعان : مجاز عن طريق اللغة ، وهو المجاز اللغوي ، ومضماره الاستعارة والكلمة المفردة .
ومجاز عن طريق المعنى والمعقول ، وهو المجاز الحكمي ، وتوصف به الجمل في التأليف والإسناد(2) .
وحد المجاز الحكمي « أن كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه من العقل لضرب من التأويل فهي مجاز(3) .
وقد فرّق بين المجاز العقلي واللغوي في الحدود والاستعمال والإرادة ، وقال : « أنه إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل ، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة »(4) . وكل من المجازين اللغوي
____________
(1) عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 4 .
(2) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 376 .
(3) المصدر نفسه : 356 .
(4) ظ : المصدر نفسه : 344 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 36 )

والعقلي لا يدرك الا في التركيب ، ووراء كل منهما معان غير ما يفهم من تكوين الجملة النحوي في الإيحاءات النفسية التي يستند إليها التصوير القرآني (1) .
وهذا التقسيم لم يكن واضحا بدقته هذه قبل عبد القاهر بل كان المجاز بجملته يشمل صور البيان بعامة ، وقد يتخصص بالاستعارة والمجاز كما هي الحال عند الشريف الرضي كما أسلفنا .
وقد استنار بهذه التسمية كل من فخر الدين الرازي ( ت : 606 هـ ) وأبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) بل هما قد نسخا رأي عبد القاهر نسخا حرفيا .
فالرازي يقسم المجاز الى قسمين : مجاز في الإثبات ، ومجاز في المثبت ،وهما العقلي واللغوي ، وعنده أن المجاز في الإثبات إنما يقع في الجملة ، وأن المجاز في المثبت إنما يقع في المفرد(2) .
والسكاكي يقسم المجاز الى قسمين : لغوي وعقلي ، واللغوي الى قسمين : خال من الفائدة ، ومتضمن لها ويسميها الاستعارة . إلا أنه يغض النظر عن المجاز العقلي ، ويؤكد على اللغوي ، وكأنه يميل الى عدّه أساس المجاز (3) .
وفي « دلائل الإعجاز » نجد عبد القاهر يحقق القول الدقيق في المجال الحكمي عنده ، والعقلي عنده وعند غيره ممّن تبعه فيه حتى في التسمية ، وهو برؤيته الثاقبة يلمس أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي ، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل في أحكام تجريها على اللفظ وهو متروك على ظاهره(4) .
والقول عنده في التفريق بين المجاز والاستعارة ، أن المجاز هو
____________
(1) ظ : فتحي أحمد عامر ، فكرة النظم بين وجوه الإعجاز : 123 .
(2) ظ : الرازي ، نهاية الإيجاز : 48 .
(3) ظ : السكاكي ، مفتاح العلوم : 194 ـ 198 .
(4) ظ : عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 293 وما بعدها ، تحقيق : محمود شاكر .

(38)


الاستعارة ، لأنه ليس هو بشيء غيرها ، وإنما الفرق أن « المجاز » أعم ، من حيث أن كل استعارة مجاز ، وليس كل مجاز استعارة (1) .
ان الوعي المجازي الذي أدركه عبد القاهر ، وميّز فروقه وخصائصه من أبلغ ما توصل إليه العمق البلاغي للمجاز ، ومن أفضل ما أنتجه النقد الموضوعي في صياغة المنهج المتطور لدقائق الاصطلاح المجازي .
وستجد ـ فيما بعد ـ في كل من فصلي « المجاز العقلي في القرآن » و « المجاز اللغوي في القرآن » سبرا لنظريته البلاغية في المجاز القرآني ، وإشارة مغنية لطائفة من آرائه التطبيقية في الموضوع ، فهناك موضعها الطبيعي من البحث .
والذي نؤكد عليه هنا أن تنظير عبد القاهر في المجاز جاء طافحا بآيات القرآن المجيد فهي أصل ، وجاء الشعر والأمثال فرعا فيه ، لأنه معنيّ ببيان إعجاز القرآن ، فهو يستدل عليه بآياته الكريمة .
انظر إليه وهو يتحدث عن المجاز العقلي .
« وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن ، فمنه قوله تعالى : ( تؤتي أُكلها كلّ حين بإِذن ربّها )(2) ، وقوله عز إسمه : ( وإذا تُليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا )(3) ، وفي الأخرى : ( فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيمانا )(4) ، وقوله : ( وأخرجت الأرض أثقالها * )(5) ، وقوله عزّ وجلّ : ( حتى إذا أقلّت سحابا ثقالا سقناه لبلد مّيّت )(6) .
أثبت الفعل في جميع ذلك لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا الى المعقول على معنى السبب ، وإلا فمعلوم أن النخلة ليست تحدث الأكل ،
____________
(1) ظ : عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 462 تحقيق : محمود شاكر .
(2) إبراهيم : 25 .
(3) الأنفال : 2 .
(4) التوبة : 124 .
(5) الزلزلة : 2 .
(6) الأعراف : 57 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 38 )

ولا الآيات توجد العلم في قلب السامع لها ، ولا الأرض تخرج الكامن في بطنها من الأثقال ، ولكن إذا حدثت فيها الحركة بقدرة الله ظهر ما كنز فيها وأودع جوفها . . .
والنكتة أن المجاز لم يكن مجازا لأنه إثبات الحكم لغير مستحقه بل لأنه أثبت لما لا يستحق ، تشبيها وردا له إلى ما يستحق ، وأنه ينظر من هذا الى ذاك ، وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق يتضمن الإثبات للأصل الذي هو المستحق . . .(1) .
4 ـ وإذا جئنا إلى دور جار الله الزمخشري ( ت : 358 هـ ) فسنرى له اليد الطولى في هذا المضمار ، وبحدود كبيرة مما أفاده من تجارب الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) المجازية ، وما استقاه من ينبوع عبد القاهر ( ت : 471 هـ ) البلاغي .
وكان الزمخشري يهدف في جهوده المجازية إلى أمرين :
الأول : هو الهدف المركزي ، وهو كشف بلاغة القرآن وتأكيد إعجازه ، وإثبات تميزه في التعبير على كل نصّ أرضي وسماويّ .
الثاني : الهدف الهامشي في دعم الفكر المعتزلي القائل باتساع المجاز في القرآن وعند العرب بمنظور كلامي .
وأنا أذهب مذهبه في كلا الأمرين بأغلب وجهات نظره البيانية ، لا على اساس معتزلي ، فلا علاقة لي بهذا الملحظ ، بل من خلال الذائقة البلاغية والفنية في تقويم النصوص العربية العليا ليس غير .
للزمخشري في تطوير نظرية المجاز القائمة في القرآن والمأثور العربي كتابان مهمان هما :
1 ـ أساس البلاغة(2) .
2 ـ الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه
____________
(1) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 356 ـ 357 .
(2) طبع طبعة منقحة فريدة بتحقيق : عبد الرحيم محمود ، وتقديم : العلامة أمين الخولي ، القاهرة 1953 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 39 )

التأويل (1) . أما الأول ، فقد رتبه على أساس جديد من الأعمال المعجمية الرائدة ، فاتبع طريقة « الألفباء » في ترتيب مفرداته اللغوية ، وهو يورد الكلمة الواحدة في استعمالها الحقيقي تارة ، وباستعمالها المجازي تارة أخرى ، ويعطي معنى كل منهما ، والذي يبدوا لنا من عمله هذا أنه يميل الى أن معظم مفردات العربية مجاز وان الباقي هو الحقيقة ؛ وهو بهذا يحقق جهدا تراثيا عظيما إزاء هذه الغاية ، ويقوم بفهرسة إحصائية لمجاز اللغة ، ولدى ذكر خصائص كتابه الفنية نجده يشير الى هذه الحقيقة بقوله :
« ومنها تأسيس قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح ، بإفراد المجاز عن الحقيقة ، والكناية عن التصريح »(2) .
ولم ينس الغرض من تأليف هذا الكتاب في بيان بلاغة القرآن هدفا رئيسا ، والوقوف عند وجوه إعجازه ، ولطائف أسراره فقال :
« ولما أنزل الله تعالى كتابه مختصا من بين الكتب السماوية بصفة البلاغة التي تقطعت عليها أعناق العتاق السبّق ، وونت عنها خطا الجياد القرّح ، كان الموفق من العلماء الأعلام . . . من كانت مطامح نظره ، ومطارح فكره ؛ الجهات التي توصل الى تبين مراسم البلغاء ، والعثور على مناظم الفصحاء ؛ والمخابرة بين متداولات ألفاظهم ، متعاورات أقوالهم ، . . . والنظر فيما كان الناظر فيه على وجوه الإعجاز أوقف ، وبأسراره ولطائفه أعرف ، حتى يكون صدر يقينه أثلج ، وسهم احتجاجه أفلج ، وحتى يقال : هو من علم البيان حظي ، وفهمه فيه جاحظي . والى هذا الصوب ذهب عبد الله الفقير اليه محمود بن عمر الزمخشري ، عفا الله تعالى عنه في تصنيف كتاب أساس البلاغة »(3) .
ويرى الأستاذ أمين الخولي في تصديره لأساس البلاغة : أن الزمخشري لم يستقص تتبع المجازات اللغوية بالنص عليها في أساسه ،
____________
(1) طبع عدة طبعات ، وصورت طبعاته بالأوفست ، وبين يدي طبعة دار المعرفة ، بيروت ( د . ت ) وبحاشيتها كتاب الإنصاف لأحمد بن المنير .
(2) ظ : الزمخشري ، أساس البلاغة ، المقدمة .
(3) ظ : المصدر نفسه : مقدمة المؤلف .
--------------------------------------------------------------------------------

( 40 )

الذي زعم له نفسه هذه الميزة (1) .
وقد يكون هذا الرأي صحيحا بحدود ، إذ لم يكن أساس البلاغة موسوعيا كبقية المعاجم المطولة ، ولكنه بعمله قد جاء بشيء جديد من ناحيتين :
الأولى : التأكيد على الاستعمال المجازي في القرآن وعند العرب في معجمه هذا في أغلب المفردات وهو ما لم يفعله سواه .
الثانية : أنه اتبع الطريقة المعجمية السمحة بالنسبة لطلاب البحث العلمي ، فالتزم طريقة « الألفباء » كما صنع الراغب ( ت : 502 هـ ) في المفردات من ذي قبل ، ورفض طريقة المخارج في دقتها ، والأبنية في تعقيدها ، والباب والفصل في كل حرف كما هو شأن غيره .
« وقد رتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولا ، وأسهله متناولا ، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثمام وحبل الذراع ، من غير أن يحتاج في التقتير عنها الى الإيجاف والإيضاح ، والى النظر فيما لا يوصل الا بإعمال الفكر اليه ، وفيما دقق النظر فيه الخليل وسيبويه »(2) .
بهذا يختتم الزمخشري مقدمة كتابه ، ومهمته فيه التيسير ، وتهيئة المناخ العلمي للبحث دون عناء ، وهو إنجاز ضخم من الناحيتين العلمية والفنية . وأما الكشاف ، فهو التفسير البياني الذي تلمس فيه مدى جمال المجاز القرآني ، وطلاوة رونقه ، وعذوبة مخارجه ، ودقائق استعمالاته ، أو هو الكتاب الذي تبصر به المجاز حيا نابضا متكلما بمعناه الاصطلاحي ومناخه الأدبي معا ، في ضوء ما أشار إليه ابن قتيبة ، وما ابتكره الشريف الرضي وما أسسه عبد القاهر الجرجاني .
لقد فتح الزمخشري في الكشاف عمق دراسة رقيقة مهذبة في المجاز العربي بعامة ، والقرآني بخاصة ، فزاد ما شاءت له الزيادة من نكت بلاغية ، وصيغ جمالية ، ومعان إعجازية ، وسيرورة بيانية ، عاد فيها الكشاف كنزا لا
____________
(1) ظ : أمين الخولي : أساس البلاغة بين المعجم ، تعريف بالكتاب في أوله .
(2) ظ : الزمخشري ، أساس البلاغة ، مقدمة المؤلف .
--------------------------------------------------------------------------------

( 41 )

تفنى فرائده ، وبحرا فنيا لا تدرك سواحله .
وقد تجلى في الكشاف ما أضافه الزمخشري من دلالات جمالية في نظم المعاني ، وما بحثه من المعاني الثانوية في المجاز القرآني ، والتي توصل اليها بفكره النير ، من خلال نظره الفاحص في تقديم المتأخر ، وعائدية الضمائر ، وأسلوب العبارة ، والتركيب الجملي ، لرصد المضمون البياني في القرآن المتمثل لديه في التمثيل والتشبيه والإستعارة وأصناف المجاز ، وهو كثيرا التنقل بالألفاظ القرأنية من الحقيقة الى المجاز مستعينا على ذلك بشؤون الكلام العربي في الحذف والإظهار ، والتقدير والإضمار ، ذلك بإزاء استجلاء إعجاز القرآن فنيا والتأكيد عليه لفظيا ومعنويا من خلال معطيات الشكل ومميزات المضمون .
صحيح أن الهدف الجانبي عند الزمخشري قد يكون كلاميا كما أسلفنا ، ولكن هذا لا يمانع من أن يكون كتابه هذا جوهرة نحن بأمس الحاجة الى امثالها في تبيين روعة القرآن ، وجمال عبارته ، ودقة بلاغته .
ولست هنا في مجال الحديث عن الكشاف إلا إجمالا ، ومن خلال هذا الإجمال ، أضع نموذجين لتحقيقه المجازي بين يدي البحث : الأول ، تعقيبه على قوله تعالى ( الرحمن على العرش أستوى * )(1) ، فهو يبحثها بلاغيا في ضوء ما تستعمله العرب مجازا أو كناية في معنى العرش والأستواء ، ويضرب لذلك الأشباه والنظائر من القرآن الكريم والموروث العربي ، فيقول :
« ولما كان الأستواء على العرش ، وهو سرير الملك مما يردف الملك ، جعلوه كناية عن الملك فقالوا : استوى فلان على العرش ، يريدون ملك ، وإن لم يقعد على السرير البتة . وقالوا أيضا ـ لشهرته في ذلك المعنى ومساواته ـ : ملك ، في مؤداه وإن كان أشرح وأبسط أدل على صورة الأمر ، ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ويد فلان مغلولة ، بمعنى أنه جواد أو بخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت : حتى أن من لم يبسط يده بالنوال قط ، أو لم تكن له يد رأسا ، قيل فيه : يده مبسوطة لمساواته
____________
(1) طه : 5 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 42 )

عندهم قولهم هو جواد . ومنه قوله تعالى : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) ، أي هو بخيل ( بل يداه مبسوطتان )(1) ، أي هو جواد من غير تصور يد ، ولا غل ، ولا بسط . والتفسير بالنغمة ، والتمحل للتثنية من ضيق العطف ، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام »(2) .
الثاني : تعقيبه على قوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم . . . )(3) ، قال : « فإن قلت : كيف أسند الخسران الى التجارة وهو لأصحابها ؟ قلت : هو من الإسناد المجازي ، وهو أن يسند الفعل الى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين . . فإن قلت : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال ، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن تم مبايعة على الحقيقة ؟ قلت : هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تنساق كلمة مساق المجاز ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ، وأكثر ماءً ورونقا وهو المجاز المرشح . . . فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء ( أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى )(4) ، أتبعه بما يشاكله ويواخيه ، وما يكتمل ويتم بانضمامه إليه ، تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته »(5) .
وفيما عدا الزمخشري بتوسعه في ذكر مجازات القرآن ، بمعانيها الاصطلاحية فيما يبدوا لي ، فإننا لا نجد نظيرا لهذا التفسير من هذا الوجه فحسب . نعم هناك شذرات مجازية في الجزء الخامس من « حقائق التأويل » للشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) أشرنا إليها ضمن البحث فيما يأتي ، ولو وصلنا حقائق التأويل كاملا لحصلنا على علم كثير .
____________
(1) المائدة : 64 .
(2) الزمخشري ، الكشاف 2 : 530 .
(3) البقرة : 16 .
(4) الزمخشري ، الكشاف : 1/191 وما بعدها .
(5) توفي ظهر الأربعاء : 9/3/1966م عن واحد وسبعين عاما . وكان آخر لقائنا به في بغداد بتاريخ : 11/2/1966م حينما اشتركنا معا في مهرجان تأبين علامة العراق الشيخ محمد رضا الشبيبي في جامع براثا ببغداد .
--------------------------------------------------------------------------------

( 43 )

وهناك لمحات مجازية عند السيد المرتضى ( ت : 436 هـ ) في أماليه ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) وعند أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( ت : 406 هـ ) في التبيان ، وعند أبي علي الطبرسي ( ت : 548 هـ ) في مجمع البيان ، وعند فخر الدين الرازي ( ت : 606 هـ ) في مفاتيح الغيب ، وعند أمثالهم من الأكابر ، ولكنها لا تشكل عملا مجازيا تكامليا كما هي الحال في الكشاف .
وأما الحديث عن ابن رشيق ( ت : 463 هـ ) في العمدة ، وابن سنان ( ت : 466 هـ ) في سر الفصاحة ، وابن الزملكاني ( ت : 651 هـ ) في كل من البرهان والتبيان ، وابن أبي الأصبع ( ت : 654 هـ ) في بديع القرآن ، وابن الأثير ( ت : 637 هـ ) في المثل السائر ، وسليمان بن علي الطوفي البغدادي ( ت : 716 هـ ) في الأكسير في علم التفسير ، وشهاب الدين محمود الحلبي ( ت : 725 هـ ) في حسن التوسل ، ويحيى بن حمزة العلوي ( ت : 749 هـ ) في الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ، وبدر الدين الزركشي ( ت : 794 هـ ) في البرهان ، وجلال الدين السيوطي ( ت : 911 هـ ) في الاتقان . وأمثالهم من فطاحل البلاغيين والنقاد القدامى والتراثيين ، فلهم في المجاز نظرات متفاوتة ، إلا أن الملحظ لديهم الاستناد على أساس متين منه وهو مجاز القرآن ، ولكنهم لم يكتبوا فيه كتابا قائما بذاته ، أو جهدا موسوعيا كمن أسلفنا ، بل جاء جزءا من كل ، وتقاطيع في أبواب ، لذا أشرنا إليهم ، وستجد جملة من آراء بعضهم في الكتاب .
وهنا يجب أن نشير الى حقيقة مؤكدة هي أن كلا من أبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) والخطيب القزويني ( ت : 739 هـ ) وسعد الدين التفتازاني ( ت : 791 هـ ) وأضرابهم من علماء البلاغة كالسبكي والطيبي ، قد كرسوا جهودهم التطبيقية في الحديث عن المجاز في البيان العربي على التمثل والاستشهاد والتنظير أولا بأول ـ بآيات المجاز في القرآن ، فكان ذلك دون شك : سراجهم الهادي ودليلهم الأمين .
ولا بد لي من الإشارة الهادفة الى ما قدمه أبو حيان ، أثير الدين ، محمد بن يوسف الأندلسي ( ت : 754 هـ ) في تفسيره : ( البحر المحيط ) من جهد متميز يقتفي فيه آثار الشريف الرضي والزمخشري في تتبع اللمسات


--------------------------------------------------------------------------------

( 44 )

البلاغية في القرآن ، والتأكيد على المجاز فنا بيانيا ، وبذلك فهو مشارك مشاركة جيدة في هذا المضمار دون ابتكار أو تزيد فيما يبدوا لي .
4 ـ مجاز القرآن في دراسات المحدثين
كان لتعيين استاذنا العلامة الشيخ أمين الخولي رحمه الله(1) أستاذا للدراسات القرآنية والبلاغية والنقدية في كلية الآداب في الجامعة المصرية في أواخر الربع الأول من القرن العشرين ، كان له أثره الجليل في قلب المفاهيم التدرسية ، ونقد المناهج العلمية ، وتجديد الأساليب التفسيرية والبلاغية . كان ذلك إيذانا بحياة قرآنية في الجامعة لا عهد لها بها ، وكان صاحبنا ذا منهج محدد يتحدث هو عنه : « فدخلت ميدان التجديد الأول ، على خبرة به ، ورأي ثابت عنه ، وخطة بينة فيه ، أدرت عليها عملي في درس البلاغة . وسواها . . . طفقت أتعرف معالم الدراسة الفنية الحديثة بعامة ، والأدبي منها بخاصة ، وأرجع الى كل ما يجدي في ذلك ، من عمل الغربيين وكتبهم ، واوازن بينه وبين صنيع اسلافنا ، وأبناء عصرنا في هذا كله . . . . وكانت نظرتي الى القديم ـ تلك النظرة غير اليائسة ـ دافعة الى التأمل الناقد فيه ، والى العناية بتأريخ هذه البلاغة ، أسأله عن خطوات سيرها ، ومتحرجات طريقها ، أستعين بذلك على تبين عقدها ، وتفهم مشكلاتها ، ومعرفة أوجه الحاجة الى الإصلاح فيها . . . وبذلك كانت الطريقة التأريخية ، مع الأستفادة بالحديث : منهج درسي للبلاغة في الجامعة . . مضيت في هذا الدرس المتأني ، أمس مسائل البلاغة مسا رفيقا جريئا معاً ، أقابل فيه القديم بالجديد ، فأنقد القديم وأنفي غثه ، وأضم سمينه الى صالح جديد . . وتلك خطة لا تدوم في دراسة جامعية ، اساسها التجدد ، وحياتها في نماء متصل ، لذا قاربت أن أفرغ من النظر في القديم ، بعدما ضممت خياره الى الجديد ، فألفت منها نسقا كاملا ، يرجى أن يكون دستور البلاغة في درسها » . فالخولي أستاذ للبلاغة قد وضع خطتاً لتطويرها ، ورسم منهجا في تجديد معالمها ، واستنّ طريقا لإغناء درسها .
وكانت الجامعة المصرية أول نشأتها ، قد وجدت الحاجة في درس
____________
(1) أمين الخولي ، فن القول : 8 وما بعدها .
--------------------------------------------------------------------------------

( 45 )

الأدب وتأريخه الى القول في القرآن ، بما هو مادة لذلك التاريخ الأدبي ، فجاء إذ ذاك أمين الخولي ، وهو من شيوخ المدرسة القديمة فيما يرى في ختام حياته التعليمية ، وغيّر في مناهجها ما غيّر ، وجعل تفسير القرآن مادة دراسية فيها ، وكان مفهوم التفسير عنده أو عند أمثاله لا يجاوز كثيرا تلك الكتب المتداولة فيه . . . وكلها يمكن أن يقال فيه : أنه لا يستطيع الوفاء ببيان ما في القرآن من قوة بلاغية ؛ وكانت الحياة الأدبية الجامعية خصبة ، متجددة ، متطلعة ، مستشرقة ، فاتبعت وراء ما استشرف إليه المفسرون من حسّ العربية وذوقها ، وبلاغة هذا الأسلوب ؛ ماهو وراء ذلك وأبعد ، على أن يكون لهذا التطلع ضابط من طبيعة اللغة وحيويتها ، فراحت الجامعة تحول التفسير درسا أدبيا محضا ، ويستعين بكل ما بلغته وستبلغه الثقافة الإنسانية الفنية من دقة وتطلع (1) .
وكان صاحب هذا المنهج الجديد هو أمين الخولي باعتباره مدرسا لتفسير القرآن ، وواضعا لمفرداته العلمية ، فاستعان على ذلك بما كتبه في القرآن ، وكان « تاريخ القرآن » مجموعة محاضراته فيه ـ ولم ينشر ـ وكان « التفسير . . معالم حياته . . منهجه اليوم » من أروع البحوث في دائرة المعارف الإسلامية / المجلد الخامس ، وقد اشتمل عليه كتاب « مناهج تجديد » وكانت دراسته للقرآن العظيم بين هذا وذاك تشمل : حياة الألفاظ القرآنية ، وتدرج دلالتها ، وتأريخ ظهور المعاني المختلفة للكلمة ، الواحدة ، وكانت البلاغة القرآنية في مطابقة الكلام لمقتضى الحال : اساس الدرس التفسيري مضافا إليها الغرض الديني والبعد العقائدي (2) .
وكان بحثه الفريد « القرآن الكريم » في دائرة معارف الشعب المصرية في 1959 م مستوفيا لجملة من خصائص القرآن الأسلوبية في كل من المكي والمدني ، وما يتميز به كل منهما بتمييز حال المخاطبين .
وكانت محاضراته في « أمثال القرآن » ـ وقد أملاها على طلاب الدراسات العليا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ـ جوهرة ثمينة إجرى فيها تحقيقا لغويا لكلمة « المثل » وجمع الآيات التي تضمنت لفظ المثل ، وقام
____________
(1) ظ : كامل سعفان في كتابه : أمين الخولي ، 113 وما بعدها وانظر مصادره .
(2) ظ : أمين الخولي ، مناهج تجديد : 293 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 46 )

بتصنيف بعض الأمثال وإرجاعها الى موضوعاتها مكتفيا بتمثيل الحياة الدنيا ، والعمل الطيّب والخبيث ،وصفات الله سبحانه وتعالى ، وتمثيل المؤمنين والكفار واليهود والمنافقين ، ومثل الجنة(1) .
وكانت نتيجة هذا الجهد المتواصل للأستاذ أمين الخولي وأمثاله من الأساتذة ذوي الحمية على كتاب العربية الأكبر ، أن أدخلوا « القرآن » في مختلف شؤونه الجمالية موضوعا بلاغيا وتفسيريا في الدراسات العليا بجامعة القاهرة ، وفي كلية الأداب منها ، وفي قسم اللغة العربية وآدابها بخاصة ، فكتبت عشرات الرسائل بإشرافهم ، وهي تتناول مجاز القرآن وبيان القرآن ، واستعارة القرآن ، وكناية القرآن ، وإعجاز القرآن ، وقصص القرآن ، ومجموعة الصور الفنية في جمالياته بعامة إضافة الى التفسير وعلوم القرآن .
وقد فتح بهذا الباب مغالق البلاغة المتطورة الحقة في ضوء القرآن الكريم ، فكانت رسائل الماجستير والدكتوراه بداية عصر جديد في النهضة العلمية في الجامعات العربية ، إذ اتخذت القرآن منهجا لاستنباط شتى مقومات البلاغة العربية .
لقد أفادت المكتبة القرآنية من هذا المنعطف الجديد بداية صالحة ـ على يد علماء متخصصين ـ لدراسات المحدثين في بلاغة القرآن .
وكان منهج الخولي يميل الى دراسة القرآن « موضوعا موضوعا ، لا أن يفسر على ترتبيه في المصحف سورا ، أو قطعا ، وأن تجمع آياته الخاصة بالموضوع الواحد جمعا إحصائيا مستفيضا ، ويعرف بترتيبها الزمني ، ومناسباتها وملابساتها الحافة بها ، ثم ينظر فيما بعد لتفسّر وتفهم ، فيكون ذلك التفسير أهدى الى المعنى ، وأوثق في تجديده »(2) .
وهذا يعني قيام « التفسير الموضوعي للقرآن الكريم » وأن يعنى المتخصصون بدراسة شذرات ونجوم من القرآن كل بحسب تخصصه ، فيجمع الباحث مادة موضوع من موضوعات القرآن ، ويستقصيها إحصاءً
____________
(1) ظ : المؤلف : الصور الفنية في المثل القرآني ، 406 ، محمد جابر الفياض ، الأمثال في القرآن الكريم ، المقدمة : 10 .
(2) ظ : أمين الخولي ، دائرة المعارف الإسلامية ، مادة : تفسيره : 368 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 47 )

لتكون هيكلا مترابطا يشكل وحدة موضوعية متكاملة ، ثم يقوم بتفسيرها ودراستها بحسب منهجه العلمي .
وحينما عهد برئاسة قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بجامعة القاهرة الى الأستاذ العلامة يوسف عبد القادر خليف في السبعينات ، استجاب سيادته وأمثاله من الأساتذة الى هذا المنهج فوجهوا طلابهم هذا الوجه ، فتخصص معظم البلاغيين العرب بجزء مهم من القرآن الكريم ، فبحث إعجازه حينا ، وقراءاته حينا آخر ، وتشبيهاته تارة أخرى ، وبلاغته وصوره الفنية تارة اخرى ، وكان لي الشرف إن كنت أحدهم في هذا المضمار الكريم(1) .
ان هذه الجهود التي أرسى أسسها أمين الخولي ، قد وجدت آذانا واعية لدى الشباب المتحفز ، فاتّسمت بحوث طائفة منهم بإشارات قيمة الى جملة من الصنوف البيانية في القرآن ، واعتماد المنهج البلاغي في الكشف عن وجود الإعجاز القرآني ، وكان ذلك متمثلا بالبحث حينا ، وبالتطبيق حينا آخر .
وأما على سبيل الأستشهاد والتمثيل فلا أعلم بحثا قرآنيا يخلو من الأستناد الى مجازات القرآن وكناياته وتشبيهاته واستعاراته ، إلا أن الذي يحز بالنفس إن لم أوفق على الوقوف على عمل مستقل بمجاز القرآن . نعم يمكن القول بأن جهود المحدثين في هذا المجال قد اتخذت طابعا ذا شعبتين في التوجه نحو بيان القرآن بعامة ، ومجازه بخاصة : مجال التهيئة والدعوة الى خوض عباب القرآن ، والكشف عن كنوزه وأسراره كما صنع الخولي ، ومجال التأليف الجزئي في المجاز أو البيان ـ وصور القرآن الجمالية .
وسأقف عند هذين الجانبين بحدود ما لمسته حسيا ، وتابعت أضواءه شخصيا ، مما شكل انطباعا خاصا ، قد يضاف غيره إليه .
____________
(1) كتب المؤلف رسالته للدكتوراه « الصور الفنية في المثل القرآني : دراسة نقدية وبلاغية » بإشراف الأستاذ الدكتور يوسف عبد القادر خليف في قسم اللغة العربية وأدبها في كلية الآداب بجامعة القاهرة .
--------------------------------------------------------------------------------

( 48 )

ففي الجانب الأول ، يبرز في الجامعات العراقية ـ مثلا ـ دور كل من :
1 ـ الدكتور أحمد عبد الستار الجواري ، فما زلت أتذكر ـ قبل ربع قرن أو أكثر ـ ونحن طلاب في الدراسات الأولية الجامعية ، أنه كان يأخذنا أخذا شديدا في مدارسة النحو في ضوء القرآن كاشفا عن بلاغته ووجوه إعجازه ، ومطابقة عباراته من خلال نظم المعاني لمقتضى الحال ، وربما ضاق بعضنا ذرعا من جديته هذه فيتذرع بالقول : إن الغاية من النحو صون اللسان عن الخطأ في المقال أو الكلام ، فكان ـ رحمه الله ـ (1) يجيب : بأن هذا صحيح بالنسبة لعامة الطلاب ، أما بالنسبة لكم فالغاية : خدمة القرآن العظيم .
وكان الجواري في هذا المنهج يصدر عن رأي استاذه الخولي ، فما شوهد متحدثا إلا وآيات القرآن على شفتيه ، ولا درّس إلا وشواهده من القرآن ، وألف وهو معني بالنحو والقرآن معا : « نحو التيسير » « نحو القرأن » و « نحو الفعل » و « نحو المعاني » وفي كتبه شذرات قيمة من معاني القرآن وبيانه كالاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز العقلي واللغوي وإن كان النحو مضمارها .
2 ـ الدكتور جميل سعيد ـ عضو المجمع العلمي العراقي ، وقد عني عناية خاصة بتدريس إعجاز القرآن وتصوير أبعاده الفنية والجمالية ، وتمخض لهذا الجانب في الدراسات العربية العليا ، وكان « دلائل الأعجاز » و « أسرار البلاغة » مضماره الأول في مظان التدريس ، وهو بإزاء كشف البيان القرآني ، وطالما كان يحث الكثيرين من تلامذة الدراسات العليا ـ وأنا منهم ـ على متابعة الاستنارة في القرآن ، وعلى تحرير الرسائل الجامعية في ضوء هداه ، وإبراز الوجهة الأدبية والبلاغية للبيان العربي من خلال معطياته البيانية الفريدة ، وفضلا عن هذا المنهج فإن بحوثه العلمية غنية بالموروث القرآني العظيم .
____________
(1) توفي الدكتور الجواري فجأة عند باب داره ظهر الجمعة : 22 /1 / 1988 م وهو في طريقه لأداء الصلاة ، عن عمر يناهز خمسة وستين عاما .
--------------------------------------------------------------------------------

( 49 )

وفي الجانب الثاني من هذا المجال يجب أن نشير بإعجاب الى ما حققه الدكتور مصطفى صادق الرافعي في كتاباته عن إعجاز القرآن ، فقد كان من الرواد في بدايات النهضة الأدبية لهذا القرن في المقام ، والى ما أنتجه بأصالة وعمق الدكتور بدوي أحمد طبانة في كتاباته البيانية المتشعبة ، والى ما قدمه الدكتور مصطفى الصاوي الجويني في متابعاته البلاغية والتفسيرية والخدمات القرآنية ، والى ما أبقاه السيد قطب في كل من « ظلال القرآن » و « مشاهد القيامة في القرآن » و « التصوير الفني في القرآن » . والى ما أضافه الدكتور محمد عبد الله دراز في الشؤون الإعجازية والقرآنية ، والى ما حققه الدكتور محمد المبارك في منهل الأدب الخالد ، والى ما اكتشفه الأستاذ مالك بن نبي في « الظاهرة القرآنية » ، والدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه « من بلاغة القرآن » والدكتور بكري الشيخ أمين في « التعبير الفني في القرآن » .
فكل من هؤلاء قد أفرغ ما في كنانته من سهام مضيئة في التنوير العام بين يدي القرآن وأسلوبه البياني ، وكان المجاز جزءا رصينا مما كتبوا ، جزاهم الله خيرا عن كتابه المجيد .
وأقف عن كثب بمتابعة المجاز القرآني عند كل من :
1 ـ الدكتورة عائشة عبد الرحمن « بنت الشاطئ » الأستاذة في كلية الآداب / جامعة عين شمس في القاهرة .
اقتفت بنت الشاطئ آثار زوجها وأستاذها الراحل أمين الخولي من منهج التفسير الأدبي للنص القرآني ، وكانت موفقة الى حد كبير يطمئن اليه ، وسياق جليل في الاهتداء الى استجلاء ظواهر القرآن الأسلوبية وتحديد دلالته البلاغية في « التفسير البياني للقرآن الكريم » وكان المجاز الإسنادي والمجاز اللغوي حافلا به في رصد جديد ، وبأسلوب جديد ، فيه ملاحقة لنماذجه في طائفة من سور القرآن عملت على تفسيرها في جزئين اشتملا على تحقيق القول البياني في أربع عشرة سورة مكية حيث العناية بالأصول الكبرى للإسلام ، وحرصت فيها أن تخلص لفهم النص القرآني فهما مستشفاً لروح العربية ومزاجها ، مستأنسا في كل لفظ ، بل في كل حركة ونبرة ، بأسلوب القرآن نفسه ، محتكمة اليه وحده عندما يشجر الخلاف ،


--------------------------------------------------------------------------------

( 50 )

ويلتوي الطريق ، وتتكاثف الظلال ، على هدي التتبع الدقيق لمعجم ألفاظ القرآن ، والتدبر الواعي لدلالة سياقه ، والإصغاء المتأمل الى إيحاء التعبير في ذلك النمط الفذ من البيان المعجز . . . وقد قصدت بهذا الاتجاه الى توصيح الفرق بين الطريقة المعهودة في التفسير ، وبين منهجها الحديث الذي يتناول النص القرآني في جوه الإعجازي ، ويلتزم في دقة بالغة بقول السلف : « القرآن يفسر بعضه بعضا »(1) .
تقول بنت الشاطئ : « فكنت كلما اجتليت باهر أسراره البيانية ، ألفيت من الصعب أن أقدمه على النحو الذي يفي بجلالها ، وتهيبت أن أؤدي بالمألوف من تعبيرنا ، أسرارا من البيان المعجز تدق وتشف ، حتى لتجل عن الوصف ، وتبدو كلماتنا حيالها عاجزة صماء »(2) .
وكان هذا التفسير ثمرة صالحة لجهود سابقة في جملة من قضايا البيان القرآني ، توجتها بنت الشاطئ ببحوث لاحقة في الموضوع نفسه في جولات متعددة بين مشرق الإسلام ومغربه ضمن مؤتمرات علمية أشير الى بعضها :
أ ـ في مؤتمر المستشرقين الدولي في نيودلهي عام 1964 قدمت بحثا بعنوان : « مشكلة الترادف اللغوي في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم » .
ب ـ في كلية الآداب بجامعة بغداد ، في مارس 1965 قدمت بحثا بعنوان « من أسرار العربية في القرآن الكريم » .
ج ـ في الكويت ، في نوفمبر 1965 م حاضرت ببحث عن : « القرآن الكريم وحرية الإرادة » .
د ـ في كلية الشريعة بجامعة بغداد عام 1965 ، قدمت تفسيرا منهجيا لسورة العصر .
هـ ـ في عام 1968 قدمت محاضرات في البيان القرآني في جامعتي الرباط وفاس بالمغرب ، وجامعة الجزائر .
____________
(1) ظ : بنت الشاطئ ، التفسير البياني للقرآن الكريم : 1/18 .
(2) المصدر نفسه : 2/7 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 51 )

وكان كتابها « الإعجاز البياني للقرآن » موضع إعجاب الباحثين ، وقد أعطت فيه مجالا رحبا لمجاز القرآن .
2 ـ الدكتور أحمد مطلوب استاذ في كلية الآداب / جامعة بغداد ، هذا الشاب المتحفّز ، الذي يعتبر من شيوخ الصناعة اليوم ، فقد تعقب في كتبه البلاغية كل أصناف البلاغة القرآنية ، حتى يكاد لا يستشهد في نظرياته التطبيقية وآرائه البيانية ، وتقسيماته للبلاغة العربية إلا بآيات القرآن الكريم باعتباره نصا إلهيا مقدسا من وجه ، وباعتباره كتاب العربية الأكبرمن وجه آخر . عرض للمجاز القرآني وأثبت وقوعه في القرآن وفي اللغة العربية على حد سواء « لأن أية لغة لا يمكن أن تبقى محصورة في ألفاظها الوضعية وأنه لا بد من انتقالها للدلالة على معان جديدة تتطلبها الحياة وتطورها . والمجاز كثير في اللغة العربية ويعد من مفاخرها ،وهو دليل الفصاحة ورأس البلاغة . وفي القرآن الكريم كثير من هذا الفن وإن اختلف الباحثون في ذلك فرأى بعضهم أن كتاب الله كله حقيقة ، وإذا كان معنى الحقيقة الصدق فذلك صحيح ، أما إذا كان معنى المجاز العدول في اللفظ من معنى الى آخر ، فليس الأمر كذلك لأنه جاء الكثير منه في كتاب الله . . . وعليه معظم البلاغيين »(1) .
بحث الدكتور أحمد مطلوب المجاز في القرآن وفي العربية في أغلب كتبه القيمة ، فاشتملت عليه « مصطلحات بلاغية » و « البلاغة عند السكاكي » و « القزويني وشروح التلخيص » ووقف عنده موقف الناقد البصير والعارض المنصف في « فنون بلاغية » وأعطى لتقسيماته الفنية بعدا إحصائيا مبتكرا على أساس معجمي حديث في « معجم المصطلحات البلاغية وتطورها » ، وكرس جهدا قيما للموضوع في « مناهج بلاغية » .
أخذ الله بيده لإكمال مسيرته البلاغية في ضوء القرآن الكريم . وهكذا نجد في دراسات المحدثين لقطات نادرة من أمثال المجاز القرآني ، يستقطب بعضها البحث المشرق ، ويسترشد بعضها الآخر الاستشهاد
____________
(1) أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 84 ـ 86 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 52 )

السائر ، ويستخلص منها آخرون قواعد البلاغة وأسس البيان فتعرض على القرآن وتخضع له ، ومع كل هذه الجهود المتناثرة فلم أقف على عمل خاص ، وجهد قائم بذاته في مصنف منفرد في مجاز القرآن ـ كما أسلفنا ـ فجاء هذا البحث ـ بعون الله تعالى ـ متمحضا لهذا الغرض ، ومتخصصا فيه .
وقد زعم الدكتور أحمد بدوي : « إن كثيرا ممن تعرضوا لدراسة المجاز في القرآن الكريم ، قد مضوا يلتمسون أمثلته ، يبوّبونه ويذكرون أقساما كثيرة له ، حتى بلغوا من ذلك حد التفاهة ، ومخالفة الذوق اللغوي »(1) .
وهذا الزعم منحصر في جملة من النماذج التي لا تنهض دليلا قاطعا على صحة الرأي ؛ إذ يعارضه : أن ما كتب في مجاز القرآن بمعناه الاصطلاحي لا يتجاوز الدراسات الأنموذجية القائمة على سبيل المثال لا الحصر والاستقصاء ، والمثال قد يتكلف به ، وقد يأتي طيعا متساوقا ، وإذا كان الامر كذلك ، فأختيار بعض البلاغيين للنماذج المقحمة لا يشكل حكما عاما بهذه السهولة . وكما لا نوافق على هذا الزعم ، فكذلك لا نميل أيضا الى ما ذهب اليه الأستاذ عباس محمود العقاد من أن المجاز قد انتقل في اللغة العربية من الكتابة الهيروغليفية الى الكتابة بالحروف الأبجدية(2) .
فلا دليل على هذا من أثر أو تاريخ ، ولا وضوح في هذا الملحظ ، وهو شبيه بادّعاء الأثر الإغريقي واليوناني في البلاغة العربية ، فكلاهما لا يصدر عن نص موثوق ، أو دليل قاطع ، بل هي تكهنات لا تنهض مقياسا على صحة دعوى وأصالة رأي .
فالمجاز وإن استعمل في اللغات العالمية الحية ولكنه يدور معها في حدود معينة ، وهو بخلاف هذا في لغة القرآن ، إذ الاستعمال المجازي فيها أساسي وليس أمرا عارضا ، لأنه أحد شقي الكلام وطرفيه ، وهما الحقيقة
____________
(1) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 224 .
(2) ظ : عباس محمود العقاد ، اللغة الشاعرة : 26 .
--------------------------------------------------------------------------------

( 53 )

والمجاز ، ولما كان القرآن الكريم جاريا على سنن العرب كان المجاز فيه أحد قسيمي الكلام .
وها هي مسيرة المجاز القرآن لا تقف عند حدّ ، ولا يستوعبها أحد ، فهي تشق طريقها في عباب اللغة تارة ، وترسخ أصالتها في صنوف البيان تارة أخرى ، تلتقط من هذا وذاك جواهره ولآليه ، تغذي العقول ، وتربّ الأفئدة ، خاشعة لها الأبصار ؛ بدرا يدور به فلك من المعارف لا تنتهي فرائده ، وسراجا تهتدي به العربية في ليل سراها الطويل ، ولعل في هذا الكتاب ألقا من ذلك السّنا ، ووهجا من تلك الأضواء ، يصور جزئيات منتظمة ، ويعكس نظريات قد تتبلور ، والله المستعان .


فارس العربية الخــــــــــــــ زيد ـــــــــيل

زيد الخيل
16-11-2005, 04:38 AM
فارس العربية الخـــــــــــ زيد ـــــــــــــيل